اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
151K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
#الشحر ومهريتها ..
مناقشة نقدية لما جاء في كتاب (تاريخ المهرة) ل
#الجدحي

عيضه حسن #العامري
1
صدر عن دار المستقبل كتاب بعنوان (تاريخ المهرة المسمى التطواف حول تواريخ ومشاهير بلاد الأحقاف) للكاتب سعد بن سالم بن علي الجدحي #المهري. وهو كتاب من القطع الكبير ويحتوي على (472 صفحة)، وتولى تمويل طباعته الشيخ محمد بن مسلم بن البرك الجدحي المهري، وتميز الكتاب بطباعته الأنيقة التي حوتها دفتا الكتاب المجلد.
  ويحتوي الكتاب على مقدمة، وثلاثة أبواب، وضم كل باب ما بين ستة إلى ثمانية فصول. ثم الخاتمة وأخيرًا فهرس المحتويات.   
  تناول الكتاب تاريخ المهرة، وبعض مشاهيره منذ ما قبل الإسلام وحقبة طويلة من التاريخ الوسيط تمتد إلى القرن 10هـ، ثم أحداثًا متفرقة تمتد حتى القرن 13هـ.
  إن ملاحظاتي على ما ورد في الكتاب لا تشمل جميعه، بقدر ما تنحصر في القسم المتعلق بصلة شحر حضرموت بالمهرة. وتقوم الأفكار الأساسية عند الكاتب بالنظر إلى #شحر_حضرموت بوصفها بلاد عاد الأولى التي ورثتها مهرة القضاعية (23/ 19)، وأنها كانت جزءًا من أرض مهرة (23/ 59) وهو يطابق بينها وبين الأسعى، ويورد بأن أبا ثور المهري هو مؤسس مدينة #الشحر (الأسعى)، وإن سكانها الأوائل هم جيل من الشحرا من مهرة (23/ 52)، وأنها كانت قصبة أرض المهرة، أي (مركزها) (23/ 53)، ويرى بأن ذكرها بين عُمان وحضرموت عند البعض دليل على أنها لم تكن من حضرموت (23/ 59). وجاء عنده بأن المهرة كانت ذات سطوة على هذه المدينة وهي حدودها؛ وكأن الساحل الممتد من الشحر شرقًا حتى أقصى حضرموت هي جزء من المهرة التاريخية. ويرى بأن دولة آل فارس (آل إقبال) كانت أحد أشكال تأكيد الوجود المهري في الشحر (23/ 147)، وأن ما قام به أبو دجانة في وقت لاحق ما هو إلا استعادة لملك الأجداد (23/ 151). ويستفاد كذلك من عموم حديثه كأن آل كثير كانوا قد أسسوا للحظة فارقة في تاريخها وهويتها.

#الشحر بين فهم الكاتب وحقيقة وجودها الجغرافي والتاريخي:
     إن القارئ لما جاء في الكتاب يكتشف منذ القراءة الأولى أن صاحبه قد خلط بين الشحر الواردة في تلك المصادر التي ضمنها كتابه، وبين الشحر التي عناها في كتابه وهي شحر حضرموت. فالشحر الواردة في تلك المصادر هي شحر (ظفار) (26/ 93)؛ والشحر في الأصل كانت اسمًا لمدينة واسمًا للناحية التابعة لها (2/ 90، 8ج 5/ 16)، وجاء تسميتها بشحر عمان نظرًا لقربها من عمان (25 ج4/ 288، 19/ 338)، أو بشحر مهرة بوصفها بلاد مهرة (5/ 266)، أو ببلاد مهرة فقط (32 ج1/ 223، 7/ 86)، وتبعًا لذلك جاء وصف الشحر المدينة بأنها قصبة المهرة (6/ 154) -أي مركز الناحية-، وجاء تسميتها كذلك بالشحر من غير إضافة (11/ 65).
    ومن حيث موقع تلك الشحر فمن المصادر من حددتها تحديدًا عامًا، كالقول بأنها ناحية بين عدن وعمان (16/ 47)، أو أرض مطلة على البحر بين عمان وحضرموت، وهو ما تمسك به الكاتب نقلًا عن الإمام ابن كثير (23/ 59)، ومن المصادر من حددتها تحديدًا دقيقًا بالقول بأنها ناحية تقع في أقصى بلاد اليمن (شرقًا) مجاورة لبلاد عمان (15 ج1/ 423، ج4/ 2206)؛ وأقصى بلاد اليمن وقتئذٍ هو رأس الجمجمة البحري الذي يبدأ عنده بحر اليمن من الشرق كما حدده جغرافيو ذلك الزمن من التاريخ الوسيط (12/ 30، 14 ج1/ 177)، وهذا الرأس هو رأس مدركة في عرفنا اليوم على أغلب الظن (انظر *)، وأول ناحية لبلاد اليمن عنده كانت الشحر (أي ظفار الحالية) (2/ 90، 14 ج1/ 117).
   والشحر في الأصل ناحية مستقلة؛ إذ كانت تدعى سأكلن قبل الإسلام (20/ 49) وقد جاء ذكرها كذلك في نقوش يزنية تعود للقرن 4 و5 بعد الميلاد بوصفها ناحية (بلاد) في مقابل ناحية أخرى اسمها مهرة، وسُمي سكان الأولى بقبائل (شعبن) سأكلن (21/ 163)، فيما سمي سكان الثانية بقبائل مهرة (21/ 150). ثم سميت بالشحر، ثم غلب اسم ظفار المدينة على الناحية، وهي اليوم ولاية من ولايات سلطنة عمان ولسكانها لهجة محلية خاصة على شاكلة اللهجة المهرية، تسمى الشحرية وهي غير المهرية.
   وكان قد غلب اسم الشحر (ظفار) على ناحية مهرة عند البعض (11/ 192)، وغلبت تسمية مهرة على ناحية الشحر عند البعض الآخر (6/ 154)، مع غلبة تسمية مهرة بمعنى قوم على أهل الشحر (14 ج1/ 117) وذلك بتأثير مرويات الأنساب التي تحولت إلى مادة مدونة في الثقافة العربية منذ أواخر القرن 2هـ (10/ 300، 4/ 8)، وسميت ناحيتهم تبعًا لذلك عند بعض الجغرافيين والمؤرخين بشحر مهرة أو ببلاد مهرة فقط (12/ 46)، مع إنها ناحية ومجتمع مستقل. وكانت ظفار (الشحر) قد حظيت بذكرها في المصادر المحلية منذ أواخر القرن 6هـ (1/ 286، 18/ 491)، وهو ذكر يفيد بأنها كانت ناحية ومجتمعًا له سياقه التاريخي الخاص بوصفهم ظفاريين. كما جاء ذلك التمييز بين الناحيتين عند بعض مؤلفي العصر الوسيط (13/…، 32 ج1/ 223، 8 ج3/ 247).
#الشحر ومهريتها .. ل
#الجدحي
عيضه حسن #العامري
2

وقد ارتبط اسم تلك #الشحر باللبان (الكندر) سواءً من حيث كثرة وجوده في الناحية، أو من حيث كثرة إنتاجه بغرض التصدير، حتى عند من ذكروا الشحر من غير إضافة كابن خرداذبة (ت 280هـ)، أو الإدريسي (ت 560هـ) لم يفتهم ذكر الصفة التي لازمت الناحية. فقد وصفها المقدسي بأنها البلد الذي يوجد به اللبان (7/ 86)، وزاد عليه ابن حوقل بالقول بأنها مصدر اللبان الذي يستخدم في الآفاق (12/ 44)، ووصفها الإدريسي بأنها البلد الذي يتجهز منه اللبان إلى جميع المشارق والمغارب (6/ 56)، وجاء في (معجم البلدان) بأنها منبت اللبان الذي لا يوجد في غير مرتفعاتها وهو غلة سلطانها (33 ج4/ 60)، وغيرهم ممن خصوا ظفار بمثل ذلك الذكر. ومنه ما كان يصدر مؤخرًا إلى الهند حيث كان يستخدم في المعابد الهندية، وكانوا يحصلون مقابل ذلك من الهند على الأرز والأقمشة والبن والطيب (30 ج2/ 201).
   وهي شهرة عرفت بها المنطقة (ظفار) منذ ما قبل الإسلام، إذ كانت هذه الناحية المنتج الرئيس لسلعة اللبان (الكندر) في مملكة حضرموت القديمة، حيث كان ينقل اللبان من مينائها خور روري إلى قنا، ثم إلى شبوة، ثم إلى المحطات التجارية الأخرى شمالًا (20/ 50، 176)، أو بحرًا تنقلها وسائل النقل البحرية. قال الشاعر:
                       اذهب إلى الشحر وَدَعْ عمانا           إلا تجد تمرًا تجد لبانًا (11/ 148)
     وكان من أسباب اهتمام المؤرخين والجغرافيين بذكر شحر عمان، أو شحر مهرة، كونها بداية مدخل بلاد اليمن من الجهة الشرقية وقتئذٍ، ثم كونها أرض عاد (الأحقاف) الواردة في سورة الأحقاف، وقد جاء ذلك التفسير في أمَّات كتب المفسرين، وهو قول يعود إلى التابعي قتادة بن دعامة السدوسي (ت 118هـ)، وهو من كبار المفسرين والمحدثين، وقد خالفه آخرون في فهم الآية حتى قال الطبري ليس العلم به (الأحقاف) أداء فرض، ولا في الجهل به تضييع واجب… وأين ما كانوا فإنهم قوم كانت منازلهم الرمال المستطيلة. (انظر تفسير سورة الأحقاف الآية 21 في تفسير الطبري).
    أما شحر حضرموت فكانت أحدث عهدًا من شحر مهرة (ظفار)؛ وشحر مهرة وصفها المقدسي القرن 4هـ بالمدينة (7/ 74)، ووصفها صاحب الروض المعطار (ت 727هـ) بالمدينة الكبيرة (19/ 339) فيما يعود ذكر شحر حضرموت على ما هو متوافر في المصادر المحلية إلى بداية القرن 6هـ، وجاء على ذكرها ابن المجاور (ت 690هـ) بالقول بأنها مرسى طيب من أعمال حضرموت (10/ 298)، ووصفها الأنصاري (ت 723هـ) بأنها فرضة حضرموت، وعدّها امتدادًا إقليميًا لشبام وتريم مدينتي الوادي وقتئذٍ (31/ 217)، ووصفها أبو الفداء (ت 732هـ) بالبلد الصغير بين ظفار وعدن (26/ 84).
#الشحر و مهريتها .. ل
#الجدحي
عيضة حسن #العامري
3
وكان ذكر الأسعى بوصفها المدينة قد جاء عند عدد من جغرافيي العصر الوسيط ومؤرخيه، فقد ذكرها المسعودي (ت 346هـ) بوصفها مدينة على ساحل حضرموت، وإن جاء الاسم مصحفًا عنده (الأحساء) (14 ج2/ 173)، كما وردت عند المقدسي (ت 376هـ) ولكنه أخطأ حين عدها وشرمة مدينتين من الساحل التهامي (7/ 74)، وجاء ذكرها عند الإدريسي (ت 560هـ) بوصفها مدينة صغيرة على ساحل حضرموت إضافة إلى شرمة (6/ 55)، أما النويري (ت 723هـ) فقد ذكر شرمة والأسعى بوصفهما اسمين لساحل بلاد حضرموت (32 ج1/ 223) . واستمرت الأسعى تذكر في المصادر المحلية حتى أواخر القرن 8هـ (1/ 148).
   ومع ذلك ما يزال التعيين الدقيق لمكان المدينة غير ناجز. فهل كان موقعها في موقع الشحر الحالية؟ أو كانت بالقرب منها؟ أو بعيدة عنها؟ صحيح بأن هناك من المؤرخين من جعلوها اسمًا مرادفًا لشحرنا الحالية. ولكن حتى مثل ذلك القول لا يشكل جوابًا قاطعًا؛ إذ يطرح بدوره أسئلة أخرى تحتاج إلى أجوبة، وهو أمر يقع خارج مجال موضوعنا.
     وعليه فالأسعى المدينة ليست ببلاد مهرة، وقد ذكرت قبل 4 قرون من ذكر الهمداني لها. ومن ثم فلا قيمة لما نقله من أن أبا ثور هو مؤسس الأسعى؛ لأنها موجودة قبل وجوده بقرون. وقد أجمعت مؤلفات الجغرافيين والمؤرخين في التاريخ الوسيط بأنها من حضرموت لا غير. وربما يكون أبو ثور ورهطه ممن عاشوا في المدينة، ولكن هل كانت المدينة خاصة برهط أبي ثور فقط؟ أو كانت مدينة عامة سكنتها مجموعات قبلية أخرى لها زعاماتها لم يذكرهم الهمداني على شاكلة شبام وغيرها؟ (2/ 169).
    وفي كلا الأحوال فلا ينبغي تحميل المشهد التاريخي بأكثر مما يحتمل. فوجود مجموعات من قبائل مهرة تسكن حضرموت أمر طبيعي، فرضته شروط الجيرة ونمط الحياة الاقتصادي والاجتماعي السائدة وقتئذٍ، بوصفه شكلًا من أشكال التعايش بين الجماعات القبلية المتجاورة، وهو تعايش ترتب عليه تمهر بعض المجموعات القبلية الحضرمية (3 ج2/ 39) والعكس، أي تحضرم مجموعات قبلية مهرية؛ ومنها الثعين، بنو تبالة بن شماسة (أحفاد جماعة أبي ثور)، بعد أن دخلوا في أحلاف مع مجموعات قبلية محلية مؤسسين تحالف ثعين (28/ 16).
     أما ما نقله عن أبي مخرمة بأن سكان الشحر الأوائل هم جيل من الشحرا من مهرة (23/ 52). فلو قبلنا ما قاله بامخرمة، مع تحفظي على ما جاء به؛ فإن الشحرا ليسوا بمهرة؛ بل هم من سكان مرتفعات ظفار الأصليين إضافة إلى القرا (30/ 206، 209)، وقد بينا فيما مر بأنهم ليسوا بمهرة من حيث أصولهم. وحول تمكن المهرة من السيطرة على الشريط الساحلي خلف المصينعة حتى الشحر في زمن مجهول كما نقله عن (الشهداء السبعة) متجاوزين ثعين والحموم، وتأسيسهم لسوق في دلتا دفيقة سماه بعض العرب سوق المهرة، أو سوق الشحر، ثم سيطرتهم على السوق القديمة المجاورة لهم (الشحر)، ونكاية بهزيمة الحموم فرضوا اسم الشحر على السوق، وأصبح من يومها يدعى سوق الشحر (23/ 67، 86). وهو يعني بأن تسمية المدينة بالشحر قد جاءت تبعًا لذلك. وهو في مجمله قول غريب.. غريب لأنه سرد لوقائع خطيرة وجديدة، ثم إن صاحب الشهداء لم يذكر أي مصدر استقى منه معلوماته تلك، وهي أحداث لم يعاصرها، وتبعد عنه قرونًا من الزمن. وفيها ما يتناقض مع بعض ما جاء في متن كتاب الباحث حول مفهوم الشحر وموقع سوقها.
#الشحر و مهريتها .. ل
#الجدحي
عيضة حسن #العامري
4

فكان الأحرى بالكاتب التقاط الفرضية، ومناقشتها لتأكيد ما ذهب إليه لا تغيير كلام من نقل عنهم. وهو تصرف لا ينم عن غياب القراءة الدقيقة للمادة التاريخية فقط، بل غياب الموضوعية في التعاطي مع المادة المنقولة. وما يثير الدهشة ما ذهب إليه الكاتب من تعيينه لنسب آل فارس، إذ عدهم أحد فروع الجد الأول لمهرة بن حيدان (23/ 42) وهو إسقاط غريب؛ إذ لم يراعِ فيه حتى فارق الزمن الطويل بين الاثنين، وهو قول لم يأت به من نقل عنه. ولا يمكن قبوله كذلك من منظور أي منطق تاريخي سوي؛ وهو شطح قد يكون سببه غلبة الذات على الموضوع، مدفوعًا بالحماسة الشديدة في تأسيس وعي تاريخي بالذات الاجتماعية. والفرضية في عمومها غير دقيقة لوجود مؤشرات تاريخية تؤكد خلاف من ذهبوا إليها، وهي:
أولًا: إن من حكموا الشحر بعد الاحتلال الأيوبي في العام 575هـ هم امتداد لعائلة آل إقبال وليس ابتداءً لحكم عائلة جديدة؛ إذ جاء ذكرهم في أحداث عدة بعد ذلك التاريخ بوصفهم آل إقبال، ومن ثم فلا معنى من الفصل بين من حكموا خلال العهدين، ثم إن ابن فارس هو من توابع أسماء آل إقبال، وقد عُرف بعضهم بابن فارس فقط من دون ذكر آل إقبال (1/ 48).
ثانيًا: لقد جاء اسم فارس في المصادر التاريخية عند آل إقبال وغيرهم بأكثر من دلالة؛ فقد جاء بوصفه اسمًا للأب والابن أو جدًا للعائلة، كما هو الحال عند آل إقبال. وهو قد يأتي اسمًا لقسم من القبيلة في وضعيات أخرى كآل فارس في نهد، وآل فارس عند آل دغار، وقد يأتي عند غيرهما. حتى عند أبي دجانة فقد ظهر متأخرًا وجاء في البدء بوصفه اسمًا لأب (سعد بن فارس بادجانة) (1/ 170)، ثم تحول بعدئذٍ إلى جد العائلة (1/ 178، 188) الذي حوله الكاتب إلى قبيلة تفرعت من مهرة بن حيدان. وكان قد ورد ذكر لبعض من آل أبي دجانة قبل سعد المذكور من غير وجود ابن فارس، بل ورد في إحداها بوصفه اسمًا لشخص (1/ 127، 131). 
   وكان قد ورد عند الخزرجي بأن من تولى أمر الشحر في العام 795هـ بعد هروب الوالي الرسولي ابن بوز الذي كان قد تمرد على آل رسول، كان غلامًا لابن شماسة صاحب الأمر في حيريج (9 ج2/ 206). وهو لن يكون غير سعد بن فارس أبي دجانة على الأرجح، حيث كان متولي أمر الشحر في العام 809هـ، بعد أن تمكنوا من السيطرة عليها ثانية في العام 799م، ثم إن سعدًا المذكور كان متولي أمر حيريج في العام 832هـ (1/ 153، 157، 170). وإشارة الغلام في من تولى الشحر، أمر يشي بأنه لا ينتمي إلى بني شماسة المهرية؛ لذلك يكون من قال بأن أبا دجانة من كندة وأخواله من مهرة كما ورد عند أبي مخرمة، طرح له وجاهته. وعليه فآل فارس حتى لو نظرنا إليهم بوصفهم قبيلة (تجاوزًا) فإنهم أقرب إلى كندة لا إلى مهرة. وتبعًا لذلك فلا وجود لعلاقة نسب قبلية بين آل أبي دجانة المذكورين بمهرة. كما لا يوجد بالمقابل أي صلة نسب بينهم، وبين آل إقبال. حتى لو ذهبنا باتجاه تخريجة الكاتب، فآل فارس الأولى (من آل إقبال) جاءت عنده بوصفهم اسمًا لقبيلة انسلت من الجد الأول مهرة بن حيدان، فيما جاء آل فارس الثانية بوصفهم فرع لقبيلة أبو دجانة. ومن ثم شتان بين الاثنين بالطبع، بين من انسل من جد مهرة الأول، وبين من انسل من فرع قبلي متأخر. ومع كل ذلك فإن أساس المقاربة (آل فارس) هي الأخرى تحمل خيارات عدة من حيث الفهم. وكلها لا تنبئ بمهرية آل فارس كما تم بيانه فيما ذُكر.
#الشحر و مهريتها .. ل
#الجدحي
عيضة حسن #العامري
5
ثم نراه يأتي بالحدث مجملًا تحت عنوان، ويفصله في مكان آخر بعنوان ثانٍ، كوصفه لحملة بدر الأولى على قشن مجملًا تحت عنوان ثورة المهرة ضد السلطان بدر سنة 951هـ (23/ 168)، ثم يوردها مفصلة تحت عنوان السلطان بدر يدشن حملة عسكرية ضخمة لاحتلال قشن 952هـ (23/ 169). وفي الأولى يأتي بتاريخ غير دقيق بعكس الأمر في الثاني. والأمر نفسه نجده تحت عنوان انتفاضة المهرة الثانية، يورد فيها خبر مقتل حاكم بدر في قشن، والحملة التي سيرها للانتقام مجملًا مكتفيًا بذكر اليوم والشهر فقط (23/ 169) ويفصلها تحت عنوان معركة ليبن مع ذكره للعام 953هـ (23/ 171). وكأن الرجل يريد تفخيم الأحداث على تلك الشاكلة من التكرار وهو خلل أساء إلى الكتاب.
   والأمر نفسه نجده عند تناوله للصراع الذي نشأ بعد تولي عبدالله بن بدر السلطنة بعد انقلابه على أبيه في العام 976هـ؛ إذ جعله صراعًا مهريًا كثيريًا (23/ 181- 184)، مع أنه في الأصل صراع بين نجلي بدر، عبدالله وجعفر بعد رفض الثاني الاعتراف بشرعية الأول، وحاول الاستقلال بالشحر، ولكنه فشل وحوصر مع مجموعة من مهرة (آل عفرير)، وانتقل ومن معه بعدها إلى قشن بعد أن أذن له السلطان عبدالله بن بدر (18/ 393)، وأسس هناك تحالفًا مع الشيخ عمرو بن محمد بن طوعري -حليفه بالأمس- بهدف إثارة القلاقل أمام أخيه (18/ 394)، ومنها كانت أعمال القرصنة البحرية التي عد الكاتب إحداها حملة مهرية ضد الشحر، وهي التي حدثت في 6 ربيع الآخر 977هـ (23/ 182). وتبعًا لذلك فنحن أمام صناعة أيديولوجية للتاريخ، لا تأصيل تاريخي يعمل على خلق وعي حقيقي بالذات الاجتماعية.. وعي يستمد حضوره من أرضية تاريخية صلبة، تمتلك المقدرة على الصمود في الحوار الثقافي حاضرًا ومستقبلًا.