عن طقوس #السقطريين وقوانينهم
دعاء الغنم الذي يُتبرك به، وحرم الطالب من الدراسة
أحمد #الرميلي
كنت في جلسة ليلة مع مجموعة من كبار السن، وكانوا يتبادلون الحكايات الشخصية. حكى أحدهم فقال:
نزلت مع والدتي من البادية إلى حديبو، وكنت حينها طفلا صغيرا، ونزلنا في بيت أحد المعاريف الذين كنا نسكن معهم مع كل نزول، فخرجت من المنزل ورأيت الطلاب في المدرسة، فانتابني الفضول وسألت: ماذا تعملون هنا؟ قالوا: ندرس ونتعلم القراءة والكتابة، قلت: أريد أن التحق بكم، لكن كيف الطريقة؟ فأوصلوني إلى المدير، وبدوره الحقني بالصف وأعطاني بدلة مدرسية وكتب، والحقني بالسكن الداخلي.
افتقدتني والدتي وأخذت تبحث عني دون جدوى، ومع الظهيرة عدت وعليَّ الزي المدرسي حاملا الكتب، وأخبرت والدتي بالذي جرى، وقلت لها أنني سأبقى هنا لأجل الدراسة، فرفضت ذلك رفضا قاطعا، وحاولت اقناعي بالعودة معها إلى البادية، لكنني أصريت على البقاء والدراسة، فحاولت اقناعي بأن والدي سوف يعترض ويلومنا جميعا على هذا التصرف، وأني الابن الوحيد في البيت ولا يمكنهم البقاء بدوني، وأن الحيوانات بحاجة إلى من يرعاها ويهتم بها ويحلبها، ولا أحد يقوم بهذه المهم إلا أنا ووالدي فقط، وأن وأن... لكن دون جدوى.
وعندما أصابها اليأس ذهبت وعادت إلى البادية دوني، وعندما أخبرت والدي انزعج انزعاجا شديدا ولامها على تركي. ثم ذهب وأخبر مقدم القبيلة بما جرى، فذهبا معا ونزلا إلى حديبو، ودخلا على المدير، وكلماه بِشأني، وأنه ينبغي أن أعود إلى البادية وأتوقف عن الدراسة بالححج السابقة التي حاولت والدتي اقناعي بها، وأضافوا حجج أخرى، منها أني صغير ولا أتحمل الاغتراب عن البيت.
فكان جواب المدير هو الرفض، وأن الطالب لديه الرغبة الشديدة في الدراسة، وأنه لا يمكن حرمانه من الدراسة. ومع الأخذ والرد اتفقوا على ارجاع الأمر إلي، إما أن أختار البقاء في المدرسة أو أختار الذهاب إلى البادية. فتم استدعائي، فاخترت الدراسة دون تردد.
فكر مقدم القبيلة بحل آخر، فاهتدى إلى طلب المدير إعطائي رخصة لمدة أسبوع فقط، حتى يتم اقناع أمي وأخواتي، ويعرف الكل أنني من اختار هذا الطريق بقناعتي، فوافق المدير.
فذهبنا معا، فلما وصلنا إلى البادية تم اختيار ثلاث أغنام من أنفس الأغنام وأسمنها وأعرقها نسبا؛ لغرض الدعاء بها حتى أنسى الدراسة وأكره المدرسة، وتم التنفيذ بالفعل.
ومع قرب موعد العودة طلبوا مني الرجوع إلى حديبو وإلى المدرسة، فأخذت أبكي وأطلب منهم عدم إرجاعي إلى المدرسة، وأني خائف من العودة ومن المدرسة وكرهتها كرها شديدا.
وبهذا حصل المطلوب، وبقيت جاهلا إلى يومنا هذا.
عادات وطقوس باقية
السقطريون شعب من أقدم شعوب المنطقة العربية عامة واليمن خاصة، يلاحظ ذلك في بعض عاداتهم الموغلة في القدم، والمنقرضة عند غيرهم تمام الانقراض.
خذ مثلا طقوس الدعاء بالغنم، ومفاد هذه الطقوس أنهم كلما ألجأتهم الحاجة يجمعون أغناما ويدعون بها بغية قضاء الحاجة. تلك الطقوس ما زالت شاخصة في سقطرى.
ومن النماذج الرائعة الفريدة والتي تحكي عن عراقة الشعب السقطري، مسألة استخراج النار من أعواد الشجر اليابسة، فيحكُّون بعضها ببعض بطريقة فريدة حتى استخراج النار.
ومن الدلائل على ذلك تفضيلهم جنس الغنم عن الحيوانات الأخرى، فيحترمون أحواشها حد التقديس، فلا تدخلها امرأة غير طاهرة، ولا يتلفظ فيها بألفاظ سيئة، حتى لفظ الحمار يحضر ذكره فيها، وعند الحاجة لذكره يستعار له لفظ آخر هو لفظ (شنقهل)؛ كي لا يتلفظ باسمه. بل هناك نوع خاص من الغنم تقديسه أشد، وهو ما يطلق عليه (محضضه) و(مجرده)، فلا تشرب من لبنها المرأة، ولا يخلط لبنه مع غيره من الغنم.
ومن العادات الفريدة عادة مغالطة البقرة أو الناقة، ومفادها أن البقرة أو الناقة إذا ولدت، وأراد الراعي أن يذبح صغيرها، فيذبحه ويبقي على جلده سالما ويجفف، ثم يضع بداخله بعض الحشائش ذات الروائح الزكية حتى ينتفخ، وتعطيه تلك الحشائش رائحة طيبة، ثم يقدم لأمه ويوضع أمامها عند حلبها، فتتوهم أن ابنها مازال حيا، فتخضع للحلب وتدر لبنها سخيا.
ومن الدلائل على قدم تلك الشعوب عادة الختان القديمة، وما يرافقها من طقوس ومراسم خاصة. ومفادها أن الولد لا يختن حتى يصير بالغا أو قريبا منه، يكون ذلك الختان في وسط الحاضرين، وفي أجواء وطقوس غريبة عجيبة.
دعاء الغنم الذي يُتبرك به، وحرم الطالب من الدراسة
أحمد #الرميلي
كنت في جلسة ليلة مع مجموعة من كبار السن، وكانوا يتبادلون الحكايات الشخصية. حكى أحدهم فقال:
نزلت مع والدتي من البادية إلى حديبو، وكنت حينها طفلا صغيرا، ونزلنا في بيت أحد المعاريف الذين كنا نسكن معهم مع كل نزول، فخرجت من المنزل ورأيت الطلاب في المدرسة، فانتابني الفضول وسألت: ماذا تعملون هنا؟ قالوا: ندرس ونتعلم القراءة والكتابة، قلت: أريد أن التحق بكم، لكن كيف الطريقة؟ فأوصلوني إلى المدير، وبدوره الحقني بالصف وأعطاني بدلة مدرسية وكتب، والحقني بالسكن الداخلي.
افتقدتني والدتي وأخذت تبحث عني دون جدوى، ومع الظهيرة عدت وعليَّ الزي المدرسي حاملا الكتب، وأخبرت والدتي بالذي جرى، وقلت لها أنني سأبقى هنا لأجل الدراسة، فرفضت ذلك رفضا قاطعا، وحاولت اقناعي بالعودة معها إلى البادية، لكنني أصريت على البقاء والدراسة، فحاولت اقناعي بأن والدي سوف يعترض ويلومنا جميعا على هذا التصرف، وأني الابن الوحيد في البيت ولا يمكنهم البقاء بدوني، وأن الحيوانات بحاجة إلى من يرعاها ويهتم بها ويحلبها، ولا أحد يقوم بهذه المهم إلا أنا ووالدي فقط، وأن وأن... لكن دون جدوى.
وعندما أصابها اليأس ذهبت وعادت إلى البادية دوني، وعندما أخبرت والدي انزعج انزعاجا شديدا ولامها على تركي. ثم ذهب وأخبر مقدم القبيلة بما جرى، فذهبا معا ونزلا إلى حديبو، ودخلا على المدير، وكلماه بِشأني، وأنه ينبغي أن أعود إلى البادية وأتوقف عن الدراسة بالححج السابقة التي حاولت والدتي اقناعي بها، وأضافوا حجج أخرى، منها أني صغير ولا أتحمل الاغتراب عن البيت.
فكان جواب المدير هو الرفض، وأن الطالب لديه الرغبة الشديدة في الدراسة، وأنه لا يمكن حرمانه من الدراسة. ومع الأخذ والرد اتفقوا على ارجاع الأمر إلي، إما أن أختار البقاء في المدرسة أو أختار الذهاب إلى البادية. فتم استدعائي، فاخترت الدراسة دون تردد.
فكر مقدم القبيلة بحل آخر، فاهتدى إلى طلب المدير إعطائي رخصة لمدة أسبوع فقط، حتى يتم اقناع أمي وأخواتي، ويعرف الكل أنني من اختار هذا الطريق بقناعتي، فوافق المدير.
فذهبنا معا، فلما وصلنا إلى البادية تم اختيار ثلاث أغنام من أنفس الأغنام وأسمنها وأعرقها نسبا؛ لغرض الدعاء بها حتى أنسى الدراسة وأكره المدرسة، وتم التنفيذ بالفعل.
ومع قرب موعد العودة طلبوا مني الرجوع إلى حديبو وإلى المدرسة، فأخذت أبكي وأطلب منهم عدم إرجاعي إلى المدرسة، وأني خائف من العودة ومن المدرسة وكرهتها كرها شديدا.
وبهذا حصل المطلوب، وبقيت جاهلا إلى يومنا هذا.
ومن العادات الفريدة عادة مغالطة البقرة أو الجمل. ومفادها أن البقرة أو الجمل إذا ولدت، وأراد الراعي أن يذبح صغيرها، فيذبحه ويبقي على جلده سالما، ويجفف، ثم يضع بداخله بعض الحشائش ذات الروائح الزكية حتى ينتفخ، وتعطيه تلك الحشائش رائحة طيبة، ثم يقدم لأمه ويوضع أمامها عند حلبها، فتتوهم أن ابنها مازال حيا، وتدر لبنها سخيا، وتخضع للحلب.
عادات وطقوس باقية
السقطريون شعب من أقدم شعوب المنطقة العربية عامة واليمن خاصة، يلاحظ ذلك في بعض عاداتهم الموغلة في القدم، والمنقرضة عند غيرهم تمام الانقراض.
خذ مثلا طقوس الدعاء بالغنم، ومفاد هذه الطقوس أنهم كلما ألجأتهم الحاجة يجمعون أغناما ويدعون بها بغية قضاء الحاجة. تلك الطقوس ما زالت شاخصة في سقطرى.
ومن النماذج الرائعة الفريدة والتي تحكي عن عراقة الشعب السقطري، مسألة استخراج النار من أعواد الشجر اليابسة، فيحكُّون بعضها ببعض بطريقة فريدة حتى استخراج النار.
ومن الدلائل على ذلك تفضيلهم جنس الغنم عن الحيوانات الأخرى، فيحترمون أحواشها حد التقديس، فلا تدخلها امرأة غير طاهرة، ولا يتلفظ فيها بألفاظ سيئة، حتى لفظ الحمار يحضر ذكره فيها، وعند الحاجة لذكره يستعار له لفظ آخر هو لفظ (شنقهل)؛ كي لا يتلفظ باسمه. بل هناك نوع خاص من الغنم تقديسه أشد، وهو ما يطلق عليه (محضضه) و(مجرده)، فلا تشرب من لبنها المرأة، ولا يخلط لبنه مع غيره من الغنم.
ومن العادات الفريدة عادة مغالطة البقرة أو الناقة، ومفادها أن البقرة أو الناقة إذا ولدت، وأراد الراعي أن يذبح صغيرها، فيذبحه ويبقي على جلده سالما ويجفف، ثم يضع بداخله بعض الحشائش ذات الروائح الزكية حتى ينتفخ، وتعطيه تلك الحشائش رائحة طيبة، ثم يقدم لأمه ويوضع أمامها عند حلبها، فتتوهم أن ابنها مازال حيا، فتخضع للحلب وتدر لبنها سخيا.
ومن الدلائل على قدم تلك الشعوب عادة الختان القديمة، وما يرافقها من طقوس ومراسم خاصة. ومفادها أن الولد لا يختن حتى يصير بالغا أو قريبا منه، يكون ذلك الختان في وسط الحاضرين، وفي أجواء وطقوس غريبة عجيبة.
3 مارس يوم #اللغة_السقطرية
اللغة السقطرية بخير.
بهذه المناسبة الجليلة يطيب لي أن أشارك بهذا المقال القصير المتواضع.
لا شك أن اللغة السقطرية تمر بمخاطر أكثر من ذي قبل لأسباب كثيرة يطول شرحها، لكن لا يعني هذا أنه لا توجد مبشرات تجعلنا نتفاءل بقوة تلك اللغة وقدرتها على الصمود لمدة طويلة أكثر من المتوقع. ولدينا بعض الدلائل على هذا الكلام منها:
أولا: أن اللغة السقطرية لم تزل حديث الناس اليومي داخل الأسرة وفي المزرعة والحقل والرعي وحتى في السوق والتجارة، فهي اللغة الأساسية المتداولة في كل مكان. وهذا سبب هام يدل على قوة السقطرية وصمودها وثباتها.
ثانيا: أن السقطرية لم تزل تلوي أعناق الكلمات التي تدخل إليها من العربية الفصحى واللهجات العامية، فتعمل على تطويع تلك الألفاظ وتخضعها لقواعدها الخاصة بها. ففي ظاهرة التصغير تقوم بإخضاع الكثير من الكلمات إلى قواعدها الخاصة، نحو:
(سيارنه) في تصغير سيارة.
(قلصهن) في تصغير قلاص.
(حامرهن) في تصغير حمار.
(سعدهن) في تصغير سعد.
(سعيدهن) في تصغير سعيد.
(حامدهن) في تصغير حامد.
(حمدهن) في تصغير حمد.
وهكذا.
وكذلك تخضع الأفعال، نحو:
(صيم) في صام.
(إيصيم) في يصوم.
(صالي) في صلى.
(إيصالين) في يصلى.
(إصابر) في يصبر.
كما أن السقطرية لا تنطق الأحرف الأسنانية الثلاثة (ث، ذ، ظ)، فتقوم بإبدالها بما يقاربها في كل الكلمات العربية، نحو: (تلاتة، دلك، الضاهر) في (ثلاثة، ذلك، الظهر). وهكذا.
ثالثا: اعتزاز السقطري بلغته وحبه لها والميل إليها في كل الأحوال، فلو حصل أن شخصين من سقطرى كانوا مع أشخاص آخرين لا يتكلمون السقطرية فلا بد أن يحصل منهما الحديث الجانبي بالسقطرية حتى يلفت أنظار البقية، وهذا الأمر مجرب كثيرا ويدركه السقطريون.
رابعا: تمسك السقطريين بالكثير من عاداتهم وتقاليدهم وإرثهم الثقافي، مثل الرعي وزراعة النخيل واصطياد الأسماك والحرف اليدوية والشعر السقطري والدعاء بالغنم وغيرها. وكل تلك الأمور تحتفظ بالكثير من المخزون اللغوي الكبير الذي يبقى ببقاء ذلك الإرث.
الدكتور أحمد #الرميلي
اللغة السقطرية بخير.
بهذه المناسبة الجليلة يطيب لي أن أشارك بهذا المقال القصير المتواضع.
لا شك أن اللغة السقطرية تمر بمخاطر أكثر من ذي قبل لأسباب كثيرة يطول شرحها، لكن لا يعني هذا أنه لا توجد مبشرات تجعلنا نتفاءل بقوة تلك اللغة وقدرتها على الصمود لمدة طويلة أكثر من المتوقع. ولدينا بعض الدلائل على هذا الكلام منها:
أولا: أن اللغة السقطرية لم تزل حديث الناس اليومي داخل الأسرة وفي المزرعة والحقل والرعي وحتى في السوق والتجارة، فهي اللغة الأساسية المتداولة في كل مكان. وهذا سبب هام يدل على قوة السقطرية وصمودها وثباتها.
ثانيا: أن السقطرية لم تزل تلوي أعناق الكلمات التي تدخل إليها من العربية الفصحى واللهجات العامية، فتعمل على تطويع تلك الألفاظ وتخضعها لقواعدها الخاصة بها. ففي ظاهرة التصغير تقوم بإخضاع الكثير من الكلمات إلى قواعدها الخاصة، نحو:
(سيارنه) في تصغير سيارة.
(قلصهن) في تصغير قلاص.
(حامرهن) في تصغير حمار.
(سعدهن) في تصغير سعد.
(سعيدهن) في تصغير سعيد.
(حامدهن) في تصغير حامد.
(حمدهن) في تصغير حمد.
وهكذا.
وكذلك تخضع الأفعال، نحو:
(صيم) في صام.
(إيصيم) في يصوم.
(صالي) في صلى.
(إيصالين) في يصلى.
(إصابر) في يصبر.
كما أن السقطرية لا تنطق الأحرف الأسنانية الثلاثة (ث، ذ، ظ)، فتقوم بإبدالها بما يقاربها في كل الكلمات العربية، نحو: (تلاتة، دلك، الضاهر) في (ثلاثة، ذلك، الظهر). وهكذا.
ثالثا: اعتزاز السقطري بلغته وحبه لها والميل إليها في كل الأحوال، فلو حصل أن شخصين من سقطرى كانوا مع أشخاص آخرين لا يتكلمون السقطرية فلا بد أن يحصل منهما الحديث الجانبي بالسقطرية حتى يلفت أنظار البقية، وهذا الأمر مجرب كثيرا ويدركه السقطريون.
رابعا: تمسك السقطريين بالكثير من عاداتهم وتقاليدهم وإرثهم الثقافي، مثل الرعي وزراعة النخيل واصطياد الأسماك والحرف اليدوية والشعر السقطري والدعاء بالغنم وغيرها. وكل تلك الأمور تحتفظ بالكثير من المخزون اللغوي الكبير الذي يبقى ببقاء ذلك الإرث.
الدكتور أحمد #الرميلي