اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
لمرشد القائد... و #المرشدي الفنان

#عباس_عبدالولي
 2023-11-27
استهلال: أود بداية أن أعرج على جوانب تتعلق بتركيبتي الشخصية، التي اتخذتها إطارًا لمسار حياتي في التفاعل مع البيئة الاجتماعية المختلفة التي عشتها منذ أن بدأت أدرك الحياة، والناس من حولي. عشت المراحل المبكرة من حياة الطفولة والصبا، وفواتح مرحلة المراهقة المبكرة في أديس أببا (كتبتها "أببا" عوضًا عن "أبابا"، لأن الأولى أدق نطقًا باللغة الأمهرية، وتعني الزهرة، أما الجزء الأول من اسم المدينة فيعني الجديدة).

كان الحي الذي أمضيت كل تلك الفترة حتى عودتي إلى اليمن، في أواخر 1967، هو "المركاتو"، وتعني السوق باللغة الإيطالية، وهو الحي الذي كان غالبية سكانه من الجالية اليمنية، ومجموعات أخرى من الجاليات الهندية، واليهود اليمنيين، واليونانيين، وبعض من الإيطاليين، بجانب مواطنين محليين من المسلمين الإثيوبيين، والمسيحيين، ومن المفارقات كانت نسبتهم -أي المحليين- أقل. ويعتبر "المركاتو" أكبر سوق مفتوح على مستوى القارة الإفريقية.
نشأتي في هذه البيئة، الخليطة من الأعراق المتجانسة، نحتت في شخصيتي سلوكًا إنسانيًا مرنًا، جعلني أقبل فيها الآخر ببراءة ونقاء. أختلط وألعب مع جميع أبناء اليمنيين أو غير اليمنيين، دون أي منغصات أو نفس فئوية أن هذا زيدي أو شافعي، أو هذا مسلم أو مسيحي، لم نكن نتعامل مع بعضنا بثقافة من هذا القبيل، بل لم نكن في الأصل نعلم بها.
صادقت ولعبت مع أبناء القائم بالأعمال للسفارة اليمنية المتوكلية، أبو عبدالرحمن أبو طالب، وهو آخر سفير للإمام، ترددت كثيرًا إلى منزل السفير، دون علم أحد، وبالذات الوالد، الذي كان في عداء مع كل شيء ذي صلة بالملكية، باعتباره أحد النشطاء من الأحرار، والمطلوب من الإمام أحمد، مع مجموعة أخرى من اليمنيين، ذكرهم الشامي في كتابه "رياح التغيير في اليمن".
تألمت للسفير الملكي عندما رأيته في الشارع يومًا، بعد احتلال عدد من اليمنيين -عند قيام ثورة سبتمبر- لمقر السفارة، والاعتصام بها مضربين عن الطعام، في سعي لحث الحكومة الإثيوبية على الاعتراف بالنظام الجمهوري.
علمت بالفوارق الطائفية بين اليمنيين لدى عودتي إلى اليمن، وكان ذلك صادمًا. لكن الكثير من أصدقاء الطفولة في المهجر، تربطني بهم حتى الآن علاقات ود، بعيدًا عن بعض تلك السلوكيات المريضة في المجتمع اليمني، والتي كرست من قبل النظام الكهنوتي، وانتهت في عهد الرئيس عبدالله السلال، وأعيد إنتاجها بعد حرب أغسطس البغيضة في العام 1968.
وددت من هذه التعريجة أن أسلط الضوء كما أسلفت على كينونة معدني، وطباعي، في التعامل مع أية فئة من فئات المجتمع، حتى مع مجتمعات البلدان التي درست أو عشت فيها، تتجسد ببعد إنساني، وتتسم بقبول الآخر دون حساسية لانتمائه العرقي أو الديني، وأسلوب حياتي وعلاقاتي خالية من التعقيدات في التعامل مع الغير.
اختلطت مع كثير من بيوت المجتمع اليمني، عند عودتي من المهجر لأول مرة، بدءًا بتعز، المحطة الأولى التي وطأت قدماي عليها، في أواخر عام 1967، ثم بيوت عدة، من البيت الصنعاني، والعدني، بتجمعه المحلي، أو تلك التي نزحت إلى الشطر الشمالي، والبيت التهامي، وبيوت من القبائل، حتى بيوت السادة.
هذه التناولة هي إحدى الثمار الرائعة التي أتت من سلسلة لقاءات في أوساط البيت العدني، في صنعاء، وهنا سياقًا تعريجة أخرى "لحقة" عن خصائص المجتمع العدني، من منظوري الشخصي، تتعلق بمفهوم انتشر في مرحلة ما قبل الكفاح المسلح، وهي العبارة التي استهجنها الجميع، شمالًا وجنوبًا: "عدن للعدنيين".
أنا أنظر إليها من زاوية تركيبتي الشخصية. لو كان الثوار تعاملوا مع عدن ببراجماتية، وتركوا هذه المدينة كما هي بخصائصها المتميزة كمدينة "كوسموبوليتية"، أي مدينة كونية، وهي مدينة تتميز بخاصية فريدة تتمثل بمن دخلها، وعاش فيها ما يكفي من الزمن، مستقرًا، كسب تسمية "عدني".
ففي عدن، الجبلي، والصنعاني والبيضاني، ومن الأقاليم المحلية، والصومالي، والهندي... الخ، كلهم عدنيون، فلو -بئس للو هذا- عزلت عدن بحكم ذاتي، وأقاموا عاصمة سياسية جديد، أو اتخذوا أية مدينة أخرى كعاصمة للجمهورية الفتية، لكانت عدن رافدًا اقتصاديًا لا يستهان بها، مهما كانت توجهات الدولة السياسية، ولما كان لمدينة الملح، دبي، في دويلة "العمارات والعربيات"، أية قيامة، تمامًا كما فعلت الصين الشيوعية عندما استردت هونج كونج، أبقتها كما هي، تحت شعار علمين في دولة واحدة.
وأكثر البشاعة ظلمًا، ألحقت بسكان عدن، تلك التي أقدم عليها النظام القبلي، عند اجتياحها في حرب 94، وبدأت الأجهزة القمعية تقلب الدفاتر القديمة لسجلات المواطنين. وتمخض عنه إفراز قائمة، بقرابة ستة آلاف أسرة من العدنيين -من الجيل الرابع أو أكثر- ذوي الجذور الهندية أو غير الهندية، وطلب منهم مغادرة البلاد بحجة أنهم ليسوا يمنيين.