اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
مأثر تنهار وتختفي...!
#النجله #البنقلة

#قصر_المجف..
عاش سنوات من الفرح والحزن حتى انطوى على نفسه فتلاشى عن الوجود.
تاريخنا مليء بالقصص والعبر والذكريات التي تروي حكايات العظمة والازدهار، ولكن هناك أيضًا حكايات عن الفراق والخراب. من بين هذه القصص، تبرز قصة قصر المجف الذي تهدم بفعل الزمن، وكان يومًا ما رمزًا للجمال والثراء.
وكان اللافت للنظر في قصر المجف ومن بعيد تلوح بنقلته بمآذنها الأربع المقببة المتلألئة وتقع كل واحدة منها في ركن من أركانها والبنقلة لها تأثير في غاية الجمال،وتضفي على المدينة جلالًا ورونقًا، يحسبها الغريب أو الزائر مسجدًا. حتى إذا جاءها واقترب منها، وجدها ملحقة بقصر جميل وعجيب وبديع كما تتسم بشرفاتها المتعددة في الجانب البحري منها، التي تؤدي وظيفة التهوية وتسمح بدخول الهواء العليل المنعش.
"والبنقلة" أصلها لفظة هندية تشير إلى مكان في القصر تُستخدم غالبًا في قصور السادة آل الكاف بحضرموت، وهي غرفة أو صالة للراحة مزينة بشكل جميل وتحتوي على أثاث مريح، مما يجعلها مكانًا مناسبًا للتجمعات الاجتماعية أو الاسترخاء.
يتميز قصر المجف بسحر نمطه المعماري، فيحسبه الزائر من قصور نيودلهي أو كوالالمبور أو سنغافورة أو جاكرتا. وحقيقة الأمر أن القصر نموذج فريد وتحفة من العمارة الطينية الحضرمية المستعارة من نمط العمارة الإسلامية في جنوب شرق آسيا.
يعد القصر مبنى جميلًا تحيط به الزراعة من الجانب النجدي ولا بد أن يثير الانتباه بنقوشه وزخارفه التي تزين جدرانه،. بُني هذا القصر في زمن كان فيه الفن المعماري في أوج انتشاره في تريم، حيث تتجلى العمارة الطينية في أوضح وأبهى صورها، ويتوفر فيها أشهر البنائين والنقاشين. وقد بلغت براعة المهندسين التريميين حدًا كبيرًا من الإبداع.
يقع القصر في مدينة تريم- حضرموت بحارة المجف، ويعود بناؤه إلى السيد الثري الزعيم أبوبكر بن شيخ الكاف. لكنه لم يلبث في ملكيته حتى أعجب بالقصر السيد الشاعر حداد بن حسن الكاف، عميد الدان الحضرمي، فاشتراه واتخذه نُزُلًا له.
كان القصر قلبًا نابضًا لمدينة تريم، يعج بالحركة وأصوات الصدى لا تفارقه أبدًا، يحكي قصة عائلة نبيلة عاشت فيه سنوات طويلة من البذخ والفرح. ولكن، كما يحدث في الكثير من الأحيان، تتغير الأحوال، فبدأ القصر في فقدان رونقه. فتصدعت جدرانه، وتآكلت سقوفه، ونخرت حشرة الأرضة في أبوابه ونوافذه. فلم يعد يسمع فيه صدى الضحكات وأنغام الدان، بل أصبح يكتنفه الصمت والذكريات. كانت الرياح تحمل أنين المكان، وكأنها تحكي قصة عائلة ثرية كانت تسكنه.
فمنذ أن فارقته الحياة، انطوى القصر على نفسه كما لو كان زاهدًا عابدًا متبتلًا منزويًا، تخلى عن أشغال الدنيا وملاذها بعيدًا عن الحياة المثيرة، معتزلًا أهلها. عالم يرقد الحزن في أروقته ومنعطفاته، ويسري الصمت الموحش وسط غرفه المظلمة.
فتحول القصر من رمز للجمال والرفاهية إلى أطلال مهجورة.
ورغم ذلك، بقيت روح القصر حية في قلوب أهله، وكانوا يتذكرون الأيام الجميلة التي قضوها فيه، ويتحسرون عليها، ويأملون أن يعود يومًا إلى سابق عهده، ولكن الزمن لم يكن رحيمًا. فبدأ القصر يصارع الحياة لسنوات، ومحاولة إنقاذه قضية مضيعة للوقت، وأصبح انهياره مسألة أيام لا أكثر. حتى جاء الوقت المقدّر المحتوم، فتم تهديم أطلاله عن بكرة أبيه لاستغلال مساحة أرضه وبناء بيوت جديدة في مكانه. ومن هنا، لم يعد للقصر وجود على وجه الأرض، فأصبح ذكرى من الماضي.
يمثل هذا القصر رمزًا للزمن الذي يمضي ويعصف بلا رحمة، فحتى المعالم العظيمة والقصور البديعة التي تُعد اليوم فخرًا ورمزًا لمدينة تريم قد تتلاشى في يوم من الأيام إذا غابت عنها الحياة. والنتيجة هي فقدان التراث والجمال وخراب الذكريات.
تبقى هذه القصة عبرة لنا جميعًا، تذكرنا بأهمية الحفاظ على تراثنا المعماري. فثمة عدد من قصور مدينة تريم قد تهدمت وتلاشت في الماضي، وأصبحت في طي النسيان، كقصر تونس وأسمرة ولبنان والرياض وحداد والبستان... وبعضها في طريقها إلى الانهيار والزوال.
فكل هذه تبقى شاهدًا على ما كان، ويحثنا هذا على عدم النسيان لما بناه الإنسان، والحرص على نقل الصورة للعيان واستعراض الذكريات للأجيال القادمة، حتى يتأثر بها الجنان وتبكي عليها العينان.

الأستاذ سالم #باسنبل.

#ذاكرة_وطن