اليمن_تاريخ_وثقافة:
1⃣
#المقدّم سعيد #بانهيم #المرشدي .. وأثره في الصراع #القعيطي القبلي ب #حضرموت
د. محمد سالم باحمدان
مدخل:
تُـعَـدُّ وظيفة أو مقام (الـمُقَدّم) من وظائف الضبط الاجتماعي في طبقة القبائل أو شريحتها في مجتمع حضرموت، وليس من الرتب العسكرية حسبما يتبادر للذهنِ من الوهلة الأولى لغير المطلعين على تاريخ حضرموت.
وشغل هذه الوظيفة (الـمُقدّم/التقدمة) في بعض الأحيان مَنُ هُم أهلٌ لها، وفي الأحيان الأخرى شغلها النقيض بمساعدة مجموعة من ذوي العقول الراجحة والمشهود لهم بالدهاء، ومثل هذا الشغل كان يعتمد في المقام الأول على التوريث.
وليس كلُّ (مقدّم) على قبيلة أو بيت في حضرموت يستحق الكتابة عنه، لكنْ وُجدت حالات نادرة جدًا تستحق ذلك، ومن بين هؤلاء المقدّم/ سعيد بن سالم بانهيم، الذي أَخْـتَـلِفُ معه تمامًا في صراعه مع الدولة القعيطية، لاعتباراتٍ عدَّةٍ، أهمها: إزهاق أرواح الجنود والمواطنين، وحدوث الترويع والسلب والنهب للممتلكات العامة والخاصة، وضياع مقدرات مالية ومادية وفقدانها كانت بالإمكان أن تستغل في عملية البناء والتحديث، وتأخير عملية استكشاف النفط والأعمال المساندة له.
ولم يمنعْني ذلك الخلاف والاختلاف معه من الكتابة عنه بوصفهِ من (أعف وأشرف) المقادمة القبليين الذين عرفتْهم حضرموت في (ق14هـ/20م)، عندما سعى إلى توفير حياة كريمة لا لقبيلته فحسب؛ بل ولكل قبائل حضرموت، وانسحب بهدوء ودون ضجيج عندما أدرك خطورة قيادة (الحشوان)، وربما أدرك مالا نستطيع البوح به إلا بين الجدران الأربعة باعتبار أن محيطها آمن، إن كانت هناك ثمة جدران أربعة آمنة، وبالتالي انتقاله من الواجهة والصدارة إلى ذيل القائمة، إن لم يكن في طي النسيان، إضافة إلى تحمّله (عتب ولوم وشوم) المجتمع القبلي بحضرموت، وقد تقبل ذلك بصدرٍ رحبٍ. حتى مات فقيرًا، وهو الذي في يومٍ ما “إذا قال لها دوري تدور”. وتعرضُ السطور القادمة بعض تاريخ بانهيم، الذي هو جُزءٌ من تاريخ الصراع القبلي في حضرموت، وأُكرِّرُ أنَّ ما أكتبه وأسجّله هنا عن مواقف بانهيم أختلفُ معه بالكلية منذ قيادته للصراع القبلي حتى تخلِّيه عن تلك الزعامة، وانضمامه إلى شرعية الدولة القعيطية باعتباره واحدًا من أبنائها.
عصر بانهيم
1- الحالة السياسية:
وصل الصراع القبلي في حضرموت مرحلة الأزمة[1]، ووصف الشاطري تلك المرحلة أو الدور بـ(الدور القبلي) عندما قال: (حيث استرسلت فيه القبائل المسلّحة في الحروب والفوضى. وتنقسم كل قبيلة على نفسها إلى فخائذ وأسر، وتتطاحن وتظلم العزّل، ويبلغ البعض منهم درجة ترويع النساء والأطفال وبيع الأحرار ونهب الأموال وقطع الطرق)[2].
وكتب باوزير: (كانت القبائل المسلّحة وهي أوفر عددًا وأسلحة من جند الحكومتين أضعافًا مضاعفة تسيطر على أكثر مناطق البلاد سيطرة فعّالة، حيث كان الجند لا يستطيع الاحتفاظ بالأمن خارج المدن والقرى الخاضعة لنفوذ الحكومتين، وربما عاثتْ بعض القبائل سلبًا ونهبًا وسفكت الدماء)[3].
في هذا الوقت، كانت دوعن تابعة للنقيب الكسادي، وبعدَه آلت الأمور للقعيطي، ومن غريب الأمور أن القعيطي لم يسارع لاحتلالها إلا متأخرًا، حيث أرسل (200) جندي من يافع، وعليهم عبدالخالق الماس، وكتب إلى السلطان/ صلاح بن محمد القعيطي ليرسل جيشًا من شبام إلى دوعن، والتقى جيش المكلا بجيش شبام في أعلى وادي دوعن[4]، والمهم في الأمر أنه جرت بين الطرفين وقائع، أسفرتْ في الأخير عن دخول الوادي الأيمن في حيازة القعيطي في عام 1316هـ (1898م)، والأيسر في عام 1317ه (1899م)[5]، وبالتالي دالَ كامل دوعن بجبالها وسهولها وباديتها للقعيطي، وفيما بعد أصبح آل باصرة (من خامعة سيبان حكّامًا على الوادي).
وكان الصراع القعيطي – الحمومي هو أكثر الصراعات القبلية ضراوة وأكثرها عُنفًا على الرغم من المعارك الدائرة رحاها بين القعيطي وبعضٍ من الكيانات القبلية، وهذا كفيلٌ بأن يجعل من القعيطي العدو الأوحد للبادية، وهذا كان وحده الإرث السياسي والموروث الثقافي الذي خلّفه وحمله ذلك العصر إلى المقدم/ سعيد بن سالم سعيد بانهيم، لذلك فلا غرو أن يتشرّبه شاء أم أبـى.
وحمل الصراع القعيطي – القبلي بين طيّاته صراع المدنية مع البداوة وتداخلها، وكان لهذا الصراع ضريبته، خصوصًا إذا علمنا أن ذلك الصراع والتداخل كان هو الآخر لم يشتطَّ بعيدًا عن الدوافع الاقتصادية التي كانت تقف وراء مطالب البادية، بل كان في العمق، فكان التعبير عن حالة التبرّم تبدو مؤلمة؛ كونها مسَّتْ طرفًا آخر كان هو الضحية، ذلك الطرف هو المواطن الحضرمي نفسه.
1⃣
#المقدّم سعيد #بانهيم #المرشدي .. وأثره في الصراع #القعيطي القبلي ب #حضرموت
د. محمد سالم باحمدان
مدخل:
تُـعَـدُّ وظيفة أو مقام (الـمُقَدّم) من وظائف الضبط الاجتماعي في طبقة القبائل أو شريحتها في مجتمع حضرموت، وليس من الرتب العسكرية حسبما يتبادر للذهنِ من الوهلة الأولى لغير المطلعين على تاريخ حضرموت.
وشغل هذه الوظيفة (الـمُقدّم/التقدمة) في بعض الأحيان مَنُ هُم أهلٌ لها، وفي الأحيان الأخرى شغلها النقيض بمساعدة مجموعة من ذوي العقول الراجحة والمشهود لهم بالدهاء، ومثل هذا الشغل كان يعتمد في المقام الأول على التوريث.
وليس كلُّ (مقدّم) على قبيلة أو بيت في حضرموت يستحق الكتابة عنه، لكنْ وُجدت حالات نادرة جدًا تستحق ذلك، ومن بين هؤلاء المقدّم/ سعيد بن سالم بانهيم، الذي أَخْـتَـلِفُ معه تمامًا في صراعه مع الدولة القعيطية، لاعتباراتٍ عدَّةٍ، أهمها: إزهاق أرواح الجنود والمواطنين، وحدوث الترويع والسلب والنهب للممتلكات العامة والخاصة، وضياع مقدرات مالية ومادية وفقدانها كانت بالإمكان أن تستغل في عملية البناء والتحديث، وتأخير عملية استكشاف النفط والأعمال المساندة له.
ولم يمنعْني ذلك الخلاف والاختلاف معه من الكتابة عنه بوصفهِ من (أعف وأشرف) المقادمة القبليين الذين عرفتْهم حضرموت في (ق14هـ/20م)، عندما سعى إلى توفير حياة كريمة لا لقبيلته فحسب؛ بل ولكل قبائل حضرموت، وانسحب بهدوء ودون ضجيج عندما أدرك خطورة قيادة (الحشوان)، وربما أدرك مالا نستطيع البوح به إلا بين الجدران الأربعة باعتبار أن محيطها آمن، إن كانت هناك ثمة جدران أربعة آمنة، وبالتالي انتقاله من الواجهة والصدارة إلى ذيل القائمة، إن لم يكن في طي النسيان، إضافة إلى تحمّله (عتب ولوم وشوم) المجتمع القبلي بحضرموت، وقد تقبل ذلك بصدرٍ رحبٍ. حتى مات فقيرًا، وهو الذي في يومٍ ما “إذا قال لها دوري تدور”. وتعرضُ السطور القادمة بعض تاريخ بانهيم، الذي هو جُزءٌ من تاريخ الصراع القبلي في حضرموت، وأُكرِّرُ أنَّ ما أكتبه وأسجّله هنا عن مواقف بانهيم أختلفُ معه بالكلية منذ قيادته للصراع القبلي حتى تخلِّيه عن تلك الزعامة، وانضمامه إلى شرعية الدولة القعيطية باعتباره واحدًا من أبنائها.
عصر بانهيم
1- الحالة السياسية:
وصل الصراع القبلي في حضرموت مرحلة الأزمة[1]، ووصف الشاطري تلك المرحلة أو الدور بـ(الدور القبلي) عندما قال: (حيث استرسلت فيه القبائل المسلّحة في الحروب والفوضى. وتنقسم كل قبيلة على نفسها إلى فخائذ وأسر، وتتطاحن وتظلم العزّل، ويبلغ البعض منهم درجة ترويع النساء والأطفال وبيع الأحرار ونهب الأموال وقطع الطرق)[2].
وكتب باوزير: (كانت القبائل المسلّحة وهي أوفر عددًا وأسلحة من جند الحكومتين أضعافًا مضاعفة تسيطر على أكثر مناطق البلاد سيطرة فعّالة، حيث كان الجند لا يستطيع الاحتفاظ بالأمن خارج المدن والقرى الخاضعة لنفوذ الحكومتين، وربما عاثتْ بعض القبائل سلبًا ونهبًا وسفكت الدماء)[3].
في هذا الوقت، كانت دوعن تابعة للنقيب الكسادي، وبعدَه آلت الأمور للقعيطي، ومن غريب الأمور أن القعيطي لم يسارع لاحتلالها إلا متأخرًا، حيث أرسل (200) جندي من يافع، وعليهم عبدالخالق الماس، وكتب إلى السلطان/ صلاح بن محمد القعيطي ليرسل جيشًا من شبام إلى دوعن، والتقى جيش المكلا بجيش شبام في أعلى وادي دوعن[4]، والمهم في الأمر أنه جرت بين الطرفين وقائع، أسفرتْ في الأخير عن دخول الوادي الأيمن في حيازة القعيطي في عام 1316هـ (1898م)، والأيسر في عام 1317ه (1899م)[5]، وبالتالي دالَ كامل دوعن بجبالها وسهولها وباديتها للقعيطي، وفيما بعد أصبح آل باصرة (من خامعة سيبان حكّامًا على الوادي).
وكان الصراع القعيطي – الحمومي هو أكثر الصراعات القبلية ضراوة وأكثرها عُنفًا على الرغم من المعارك الدائرة رحاها بين القعيطي وبعضٍ من الكيانات القبلية، وهذا كفيلٌ بأن يجعل من القعيطي العدو الأوحد للبادية، وهذا كان وحده الإرث السياسي والموروث الثقافي الذي خلّفه وحمله ذلك العصر إلى المقدم/ سعيد بن سالم سعيد بانهيم، لذلك فلا غرو أن يتشرّبه شاء أم أبـى.
وحمل الصراع القعيطي – القبلي بين طيّاته صراع المدنية مع البداوة وتداخلها، وكان لهذا الصراع ضريبته، خصوصًا إذا علمنا أن ذلك الصراع والتداخل كان هو الآخر لم يشتطَّ بعيدًا عن الدوافع الاقتصادية التي كانت تقف وراء مطالب البادية، بل كان في العمق، فكان التعبير عن حالة التبرّم تبدو مؤلمة؛ كونها مسَّتْ طرفًا آخر كان هو الضحية، ذلك الطرف هو المواطن الحضرمي نفسه.