#جار_الله_عمر وايام الثورة الأولى
. متـى بدأ جار الله عمر العمل السياسي؟
بعد الثورة مباشرة بدأ نشاط حركة القوميين العرب والبعث ينتشر بين الشباب والجيل الجديد، حيث أخذ بعض زملائنا في المدرسة من المتقدّمين الذين لهم صلة بحركة القوميّين العرب والبعث يتسابقون لكسبنا، وكان أول من اتصل بنا هو الدكتور محمد عبد الملك العلفي (رئيس مصلحة المساحة حالياً) بالإضافة إلى الأستاذ أحمد العماد، كما كان هناك مَن يوزّع كتب الإخوان المسلمين، بالذات كتابات محمد قطب وسيد قطب، وشخصياً اتصل بي الأخ العميد محمد محرم في الجيش وأخبرني أنّ هناك تنظيماً باسم حركة القوميين العرب، وأنّه منتشر في كل الساحة اليمنية، وأفكاره قوميّة عربيّة وحدويّة، ولأنّ الناصرية كان لها صدى كبير وكان لصوت العرب تأثيراً كبير علينا، فضّلنا الانتماء إلى حركة القوميين العرب، وكان أول شخص أقابله من المدنيين هو الأخ/مالك الألباني حيث سلّمني له الأخ محمد محرم، والذي بدوره سلّمني إلى الأستاذ عبد الحافظ قائد رحمه الله. كان ذلك في نفس عام الثورة، ١٩٦٢، وقد انتظمتُ في حلقة حزبية مع عدد من الأخوة منهم الدكتور محمد عبد الجبار سلام ومحمد الفضلي وأحمد عبد الله الأنسي، حيث كوّنّا حلقة حزبية، وهذا الشيء كان بالنسبة إلينا شيئاً جديداً ومهمّاً، فقد كان يُشعرنا بالتميّز، لأنّنا "شيء" مختلف عن الناس العاديين، وكانت حركة القوميين العرب تتبنّى الدعوة إلى الوحدة القومية وعملية الدفاع عن الثورة في اليمن. وقد استمرّ هذا الوضع فترة من الوقت، وبدأنا بكسب زملاء جدد في المدرسة الإعدادية ومن زملائنا في المدرسة الثانوية، ومن بين الناس الذين اتصلنا بهم عبد الرزاق الرفيحي، الله يرحمه، والمحامي أحمد الوادعي وأحمد الشبيبي، وأثناء ذلك كنّا قد حاولنا إقامة اتّحاد للطلبة، وهو أوّل اتحاد للطلبة في صنعاء، حيث شارك في ذلك العديد من الإخوة من ضمنهم الأخ محمد الطيب، أحمد الوادعي، علي صلاح، أحمد الشبيبي، صالح الدوشان ومحمود الأشول وعدد كبير أيضاً.
من الأحداث الهامة التي حصلت أثناء دراستنا في كلية الشرطة كانت زيارة جمال عبد الناصر لمدينة صنعاء وقد أُخرج طلاب الكليات لاستقباله، واصطففنا في ميدان التحرير لاستقباله حيث ألقى يومها خطابه الشهيرفي كلّيّة الشرطة
وقد استغللنا فرصة تواجدنا في الاتحاد، وعملنا على توسيع نشاطنا في أوساط الطلاب لكسب أعضاء جدد إلى حركة القوميين العرب. بعدها بفترة فتحت كليات عسكرية وشرطية، وكان البعث والبعض من مسؤولي حركة القوميين العرب يتسابقون إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بالكليات العسكرية. وفيما يخصّنا فقد أصدرت إلينا حركة القوميين العرب الأوامر للالتحاق بإحدى الكليتين إما الكلية العسكرية أو كلية الشرطة، فاخترت أنا وأحمد الأنسي ومحمد الفضلي كلية الشرطة، وانخرطنا في الكلية عام ١٩٦٥، فيما انخرط آخرون ومنهم الزميل محمد محرم، في الكلية العسكرية.
خلال عام ونصف العام درسنا على أيدي الخبراء المصريين منهجاً شرقياً يشمل العلوم القانونية، القانون الدستوري، القانون المدني وقانون الإجراءات، بالإضافة إلى بعض المواد الشرطية، وخلال التّيرم (الفصل) الأوّل تم اختبارنا وكنت متفوقاً فيه، ولذلك تمّت ترقيتي إلى رتبة طالب ضابط وتوليت قيادة إحدى السرايا، إلى جانب حمود وزيد عيسى، الذي كان الأول في دفعتنا، وعبد الله صبره وعيدروس السقاف وآخرين. ومن الأحداث الهامة التي حصلت أثناء دراستنا في كلية الشرطة كانت زيارة جمال عبد الناصر لمدينة صنعاء عام ١٩٦٥، وقد أُخرج طلاب الكليات لاستقباله، واصطففنا في ميدان التحرير لاستقباله حيث ألقى يومها خطابه الشهير، ثمّ ألقى الأستاذ محمد محمود الزبيري كلمته، وأتى بعد ذلك الأستاذ عبد الله البردوني، الذي ألقى قصيدة شعرية حماسية، كان من ضمن أبياتها التي لا تزال عالقة في ذاكرتي حتى اليوم تلك التي تقول:
من جمال ومن أسمي جمالا
معجزات من المدى تتوالى
وشموخاً يسمو على كل فكر
وكل قمة يتعـالى
يا لصوص العروش عيّبوا جمالاً
واخجلوا إنّكم قصرتم وطال
لقد حفظنا هذه الأبيات وشدّت معنوياتنا كثيراً، وفي غضون دراستنا كانت صنعاء تشهد بعض التفجيرات وأعمال العنف المتفرقة، كما كان الحصار يشتد من حولها بين حين وآخر، وكان القتال مشتعلاً بين القوات المصرية والجيش اليمني من جانب والقوات الملكية المؤيدة للإمام من جانب آخر، وكنا نكلّف بين حين وآخر بحراسة شوارع العاصمة ليلاً. وخلال السنوات الأولى لاندلاع الثورة حصلت أعمال عنف وعمليات قتل كثيرة طاولت بعض أنصار الإمام، وبسبب الأوضاع التي تحملها أية ثورة، قُتل الكثير من الوزراء والمسؤولين في عهد الإمام منذ الأيام الأولى للثورة، وبعضهم كان لا يستحق الإعدام، لكنّ الثورة دائماً تكون أشبه بسيل يجرف ما أمامه.
. متـى بدأ جار الله عمر العمل السياسي؟
بعد الثورة مباشرة بدأ نشاط حركة القوميين العرب والبعث ينتشر بين الشباب والجيل الجديد، حيث أخذ بعض زملائنا في المدرسة من المتقدّمين الذين لهم صلة بحركة القوميّين العرب والبعث يتسابقون لكسبنا، وكان أول من اتصل بنا هو الدكتور محمد عبد الملك العلفي (رئيس مصلحة المساحة حالياً) بالإضافة إلى الأستاذ أحمد العماد، كما كان هناك مَن يوزّع كتب الإخوان المسلمين، بالذات كتابات محمد قطب وسيد قطب، وشخصياً اتصل بي الأخ العميد محمد محرم في الجيش وأخبرني أنّ هناك تنظيماً باسم حركة القوميين العرب، وأنّه منتشر في كل الساحة اليمنية، وأفكاره قوميّة عربيّة وحدويّة، ولأنّ الناصرية كان لها صدى كبير وكان لصوت العرب تأثيراً كبير علينا، فضّلنا الانتماء إلى حركة القوميين العرب، وكان أول شخص أقابله من المدنيين هو الأخ/مالك الألباني حيث سلّمني له الأخ محمد محرم، والذي بدوره سلّمني إلى الأستاذ عبد الحافظ قائد رحمه الله. كان ذلك في نفس عام الثورة، ١٩٦٢، وقد انتظمتُ في حلقة حزبية مع عدد من الأخوة منهم الدكتور محمد عبد الجبار سلام ومحمد الفضلي وأحمد عبد الله الأنسي، حيث كوّنّا حلقة حزبية، وهذا الشيء كان بالنسبة إلينا شيئاً جديداً ومهمّاً، فقد كان يُشعرنا بالتميّز، لأنّنا "شيء" مختلف عن الناس العاديين، وكانت حركة القوميين العرب تتبنّى الدعوة إلى الوحدة القومية وعملية الدفاع عن الثورة في اليمن. وقد استمرّ هذا الوضع فترة من الوقت، وبدأنا بكسب زملاء جدد في المدرسة الإعدادية ومن زملائنا في المدرسة الثانوية، ومن بين الناس الذين اتصلنا بهم عبد الرزاق الرفيحي، الله يرحمه، والمحامي أحمد الوادعي وأحمد الشبيبي، وأثناء ذلك كنّا قد حاولنا إقامة اتّحاد للطلبة، وهو أوّل اتحاد للطلبة في صنعاء، حيث شارك في ذلك العديد من الإخوة من ضمنهم الأخ محمد الطيب، أحمد الوادعي، علي صلاح، أحمد الشبيبي، صالح الدوشان ومحمود الأشول وعدد كبير أيضاً.
من الأحداث الهامة التي حصلت أثناء دراستنا في كلية الشرطة كانت زيارة جمال عبد الناصر لمدينة صنعاء وقد أُخرج طلاب الكليات لاستقباله، واصطففنا في ميدان التحرير لاستقباله حيث ألقى يومها خطابه الشهيرفي كلّيّة الشرطة
وقد استغللنا فرصة تواجدنا في الاتحاد، وعملنا على توسيع نشاطنا في أوساط الطلاب لكسب أعضاء جدد إلى حركة القوميين العرب. بعدها بفترة فتحت كليات عسكرية وشرطية، وكان البعث والبعض من مسؤولي حركة القوميين العرب يتسابقون إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بالكليات العسكرية. وفيما يخصّنا فقد أصدرت إلينا حركة القوميين العرب الأوامر للالتحاق بإحدى الكليتين إما الكلية العسكرية أو كلية الشرطة، فاخترت أنا وأحمد الأنسي ومحمد الفضلي كلية الشرطة، وانخرطنا في الكلية عام ١٩٦٥، فيما انخرط آخرون ومنهم الزميل محمد محرم، في الكلية العسكرية.
خلال عام ونصف العام درسنا على أيدي الخبراء المصريين منهجاً شرقياً يشمل العلوم القانونية، القانون الدستوري، القانون المدني وقانون الإجراءات، بالإضافة إلى بعض المواد الشرطية، وخلال التّيرم (الفصل) الأوّل تم اختبارنا وكنت متفوقاً فيه، ولذلك تمّت ترقيتي إلى رتبة طالب ضابط وتوليت قيادة إحدى السرايا، إلى جانب حمود وزيد عيسى، الذي كان الأول في دفعتنا، وعبد الله صبره وعيدروس السقاف وآخرين. ومن الأحداث الهامة التي حصلت أثناء دراستنا في كلية الشرطة كانت زيارة جمال عبد الناصر لمدينة صنعاء عام ١٩٦٥، وقد أُخرج طلاب الكليات لاستقباله، واصطففنا في ميدان التحرير لاستقباله حيث ألقى يومها خطابه الشهير، ثمّ ألقى الأستاذ محمد محمود الزبيري كلمته، وأتى بعد ذلك الأستاذ عبد الله البردوني، الذي ألقى قصيدة شعرية حماسية، كان من ضمن أبياتها التي لا تزال عالقة في ذاكرتي حتى اليوم تلك التي تقول:
من جمال ومن أسمي جمالا
معجزات من المدى تتوالى
وشموخاً يسمو على كل فكر
وكل قمة يتعـالى
يا لصوص العروش عيّبوا جمالاً
واخجلوا إنّكم قصرتم وطال
لقد حفظنا هذه الأبيات وشدّت معنوياتنا كثيراً، وفي غضون دراستنا كانت صنعاء تشهد بعض التفجيرات وأعمال العنف المتفرقة، كما كان الحصار يشتد من حولها بين حين وآخر، وكان القتال مشتعلاً بين القوات المصرية والجيش اليمني من جانب والقوات الملكية المؤيدة للإمام من جانب آخر، وكنا نكلّف بين حين وآخر بحراسة شوارع العاصمة ليلاً. وخلال السنوات الأولى لاندلاع الثورة حصلت أعمال عنف وعمليات قتل كثيرة طاولت بعض أنصار الإمام، وبسبب الأوضاع التي تحملها أية ثورة، قُتل الكثير من الوزراء والمسؤولين في عهد الإمام منذ الأيام الأولى للثورة، وبعضهم كان لا يستحق الإعدام، لكنّ الثورة دائماً تكون أشبه بسيل يجرف ما أمامه.
#الوحدة في مسيرة #جار_الله_عمر النضالية
#بلال_الطيب
صاحبت قضية الوحدة حياة ومسيرة جار الله عمر النضالية، وكان فاعلًا أساسيًا في الحوارات التي سبقت تحقيقها، وفي صياغة دستورها. وصفها بالعمل التاريخي العظيم، وعدّها أفضل حدث صنعه هذا الجيل، وأكد أنه لا يمكن لليمنيين أن يعيشوا بسلام واستقرار وتنمية ورفاهية بدونها.
تأجيج الصراع
لم يكن الطرف الأقوى مهيّأً للقبول بالآخر كشريك حقيقي في صناعة القرار السياسي، فقد كان مستعجلًا في إخراج الحزب الاشتراكي من الساحة. ولذات السبب؛ لقي أكثر من 155 عضوًا من أعضاء الحزب مصرعهم.
وعندما اغتيل ماجد مرشد يونيو 1992م، عقد الاشتراكيون في صنعاء اجتماعًا تشاوريًا عاصفًا. طالب يومها عارف الدوش (مصدر هذه الحكاية) بصوت مرتفع بالقصاص. وعندما حاول أحد الحاضرين إسكاته، أوقفه جار الله عمر (رئيس ذلك اللقاء)، وطلب من المتحدث إكمال حديثه. وعندما انتهى، خاطب الجميع قائلًا: «نحن حزب مدني ديمقراطي، وإن حصل ما أنتم متشائمون منه، فستكون رؤوسنا قبل رؤوسكم. نحن لا نريد أن يغرق حزبنا في الجوانب العسكرية، فقد جربنا الاقتتال، وحسمنا الكثير من القضايا بقوة السلاح، ولكننا في الأخير خسرنا، وخسر اليمن».
وقال في موضع مُشابه، ردًا على بعض المُتحمسين: «ألقينا السلاح، ولا يمكن أنْ نعود إليه مرة أخرى، مهما كلفنا الأمر، لنخض نضالنا السلمي، وثقوا أنَّ المُستقبل للعمل السلمي، والديمقراطي، جربنا السلاح والقوة، ولم تزدنا سوى المآسي، وكلما خرجنا من حرب قادتنا إلى أخرى».
انتهت الفترة الانتقالية بإجراء الانتخابات التشريعية أبريل 1993م، وكان جار الله عُمر عضوًا في لجنتها العليا. حل الحزب الاشتراكي ثانيًا في القائمة العددية التي لم يحسم أمرها، ورغم ذلك طالب جار الله قيادات الحزب بالانتقال إلى مُربع المُعارضة، إلا أنَّهم أصروا على الدخول في ائتلاف ثلاثي، وأسندت إليه وزارة الثقافة. لم يدم ذلك الائتلاف طويلًا، عادت الإيديولوجيا لتطغى على المصلحة، وحضرت صراعات الماضي غير البعيد، وغابت الوحدة التي كانت حتى الأمس القريب تَجُبُّ ما قبلها.
شرعية جديدة
بعد قيامه برحلة علاجية إلى الولايات المُتحدة الأمريكية، وزيارتين سريعتين إلى كلٍ من فرنسا والأردن، عاد علي سالم البيض إلى عدن أغسطس 1993م، وفيها آثر الاعتكاف للمرة الثالثة، خلال أقل من عام، وهو الاعتكاف الأطول والأخير، ليُقدم في مُنتصف الشهر التالي مشروعًا إصلاحيًا من 18 نقطة، مُلخصًا مطالبه برفض سياسة الضم، والإلحاق، والإقصاء، مُعلنًا بدء الأزمة الحقيقية بين شركاء الوحدة.
في شهادته على تلك المرحلة، قال جار الله عمر إنَّ الناس تجاوبوا حينها مع الحزب الاشتراكي؛ لأنَّ النقاط الـ 18 قد نجحت في مُخاطبة وجدانهم، وألمحت الى مَصالحهم الحقيقية المُفقودة، كما تضمنت مُقترحات لكيفية حل العديد من التناقضات الاجتماعية والسياسية المزمنة، التي ظلت تتراكم عقودًا من الزمن، وتكبت بالقوة المرة تلو الأخرى.
وهكذا تحول الصراع - حسب توصيفه - إلى صراع على قضايا اليمن، وبناء الدولة، وليس اختلافًا على اقتسام الغنيمة، وتوزيع المناصب الوزارية، الأمر الذي فتح الباب أمام نشوء شرعية جديدة موازية، هي الشرعية السياسية والشعبية، التي تنامى دورها تدريجيًا بما يكفي لمنع الطرف الآخر من استخدام البرلمان، ليتعزز ذلك الموقف بسياسة النفس الطويل والصبر الجميل من قبل قيادات الحزب، وعدم الاستجابة العاطفية للاستفزازات المتعمدة أو الصدفية.
المحطة الأكثر عمقًا
صمَّ علي عبدالله صالح أذنيه مُؤقتًا عن طبول الحرب، وقرر أن يناور كعادته. انصاع إلى مطالب الأغلبية بحل الأزمة سلميًا، لتتشكل - تبعًا لذلك - لجنة حوار من جميع الأطياف، كان جار الله عُمر عضوًا فيها، تسلمت جميع أوراق القضية، واستمر عملها قرابة شهر، وعقدت 11 اجتماعًا، وذلك بالتزامن مع حدوث احتكاكات عسكرية بين طرفي الصراع، واستمرار عمليات اغتيال جنوبيين، الأمر الذي خدم الحزب الاشتراكي في موقفه، وأدى إلى استدعاء وساطة عُمانية - أردنية، وتشكيل لجنة عسكرية من الطرفين، بمشاركة الوسيطين، والمُلحقين العسكريين الأمريكي والفرنسي، الأخير ممثلًا للاتحاد الأوربي.
وفّرت هذه التطورات - كما أفاد جار الله عمر - الشروط الضرورية للانتقال بالحوار السياسي وبالأزمة ذاتها الى المحطة الثالثة الأكثر أهمية وعمقًا، والتي شهدت صياغة وثيقة العهد والاتفاق، في ظروف بدت أكثر توازنًا، وأكثر مواتاة للحوار، واضطرار المؤتمر والإصلاح للتخلي عن مناوراتهما، والكف عن اختزال الأزمة بالخلاف بين الرئيس والنائب، والاعتراف بطابعها الوطني العام، وأن لها ما يكفي من الأسباب الموضوعية التي ينبغي الاعتراف بها، تمهيدًا للبحث عن اقتراحات وحلول عملية، وعدم الإبقاء على الأسباب التي من شأنها أنْ تنتج أزمات أخرى في المُستقبل.
#بلال_الطيب
صاحبت قضية الوحدة حياة ومسيرة جار الله عمر النضالية، وكان فاعلًا أساسيًا في الحوارات التي سبقت تحقيقها، وفي صياغة دستورها. وصفها بالعمل التاريخي العظيم، وعدّها أفضل حدث صنعه هذا الجيل، وأكد أنه لا يمكن لليمنيين أن يعيشوا بسلام واستقرار وتنمية ورفاهية بدونها.
تأجيج الصراع
لم يكن الطرف الأقوى مهيّأً للقبول بالآخر كشريك حقيقي في صناعة القرار السياسي، فقد كان مستعجلًا في إخراج الحزب الاشتراكي من الساحة. ولذات السبب؛ لقي أكثر من 155 عضوًا من أعضاء الحزب مصرعهم.
وعندما اغتيل ماجد مرشد يونيو 1992م، عقد الاشتراكيون في صنعاء اجتماعًا تشاوريًا عاصفًا. طالب يومها عارف الدوش (مصدر هذه الحكاية) بصوت مرتفع بالقصاص. وعندما حاول أحد الحاضرين إسكاته، أوقفه جار الله عمر (رئيس ذلك اللقاء)، وطلب من المتحدث إكمال حديثه. وعندما انتهى، خاطب الجميع قائلًا: «نحن حزب مدني ديمقراطي، وإن حصل ما أنتم متشائمون منه، فستكون رؤوسنا قبل رؤوسكم. نحن لا نريد أن يغرق حزبنا في الجوانب العسكرية، فقد جربنا الاقتتال، وحسمنا الكثير من القضايا بقوة السلاح، ولكننا في الأخير خسرنا، وخسر اليمن».
وقال في موضع مُشابه، ردًا على بعض المُتحمسين: «ألقينا السلاح، ولا يمكن أنْ نعود إليه مرة أخرى، مهما كلفنا الأمر، لنخض نضالنا السلمي، وثقوا أنَّ المُستقبل للعمل السلمي، والديمقراطي، جربنا السلاح والقوة، ولم تزدنا سوى المآسي، وكلما خرجنا من حرب قادتنا إلى أخرى».
انتهت الفترة الانتقالية بإجراء الانتخابات التشريعية أبريل 1993م، وكان جار الله عُمر عضوًا في لجنتها العليا. حل الحزب الاشتراكي ثانيًا في القائمة العددية التي لم يحسم أمرها، ورغم ذلك طالب جار الله قيادات الحزب بالانتقال إلى مُربع المُعارضة، إلا أنَّهم أصروا على الدخول في ائتلاف ثلاثي، وأسندت إليه وزارة الثقافة. لم يدم ذلك الائتلاف طويلًا، عادت الإيديولوجيا لتطغى على المصلحة، وحضرت صراعات الماضي غير البعيد، وغابت الوحدة التي كانت حتى الأمس القريب تَجُبُّ ما قبلها.
شرعية جديدة
بعد قيامه برحلة علاجية إلى الولايات المُتحدة الأمريكية، وزيارتين سريعتين إلى كلٍ من فرنسا والأردن، عاد علي سالم البيض إلى عدن أغسطس 1993م، وفيها آثر الاعتكاف للمرة الثالثة، خلال أقل من عام، وهو الاعتكاف الأطول والأخير، ليُقدم في مُنتصف الشهر التالي مشروعًا إصلاحيًا من 18 نقطة، مُلخصًا مطالبه برفض سياسة الضم، والإلحاق، والإقصاء، مُعلنًا بدء الأزمة الحقيقية بين شركاء الوحدة.
في شهادته على تلك المرحلة، قال جار الله عمر إنَّ الناس تجاوبوا حينها مع الحزب الاشتراكي؛ لأنَّ النقاط الـ 18 قد نجحت في مُخاطبة وجدانهم، وألمحت الى مَصالحهم الحقيقية المُفقودة، كما تضمنت مُقترحات لكيفية حل العديد من التناقضات الاجتماعية والسياسية المزمنة، التي ظلت تتراكم عقودًا من الزمن، وتكبت بالقوة المرة تلو الأخرى.
وهكذا تحول الصراع - حسب توصيفه - إلى صراع على قضايا اليمن، وبناء الدولة، وليس اختلافًا على اقتسام الغنيمة، وتوزيع المناصب الوزارية، الأمر الذي فتح الباب أمام نشوء شرعية جديدة موازية، هي الشرعية السياسية والشعبية، التي تنامى دورها تدريجيًا بما يكفي لمنع الطرف الآخر من استخدام البرلمان، ليتعزز ذلك الموقف بسياسة النفس الطويل والصبر الجميل من قبل قيادات الحزب، وعدم الاستجابة العاطفية للاستفزازات المتعمدة أو الصدفية.
المحطة الأكثر عمقًا
صمَّ علي عبدالله صالح أذنيه مُؤقتًا عن طبول الحرب، وقرر أن يناور كعادته. انصاع إلى مطالب الأغلبية بحل الأزمة سلميًا، لتتشكل - تبعًا لذلك - لجنة حوار من جميع الأطياف، كان جار الله عُمر عضوًا فيها، تسلمت جميع أوراق القضية، واستمر عملها قرابة شهر، وعقدت 11 اجتماعًا، وذلك بالتزامن مع حدوث احتكاكات عسكرية بين طرفي الصراع، واستمرار عمليات اغتيال جنوبيين، الأمر الذي خدم الحزب الاشتراكي في موقفه، وأدى إلى استدعاء وساطة عُمانية - أردنية، وتشكيل لجنة عسكرية من الطرفين، بمشاركة الوسيطين، والمُلحقين العسكريين الأمريكي والفرنسي، الأخير ممثلًا للاتحاد الأوربي.
وفّرت هذه التطورات - كما أفاد جار الله عمر - الشروط الضرورية للانتقال بالحوار السياسي وبالأزمة ذاتها الى المحطة الثالثة الأكثر أهمية وعمقًا، والتي شهدت صياغة وثيقة العهد والاتفاق، في ظروف بدت أكثر توازنًا، وأكثر مواتاة للحوار، واضطرار المؤتمر والإصلاح للتخلي عن مناوراتهما، والكف عن اختزال الأزمة بالخلاف بين الرئيس والنائب، والاعتراف بطابعها الوطني العام، وأن لها ما يكفي من الأسباب الموضوعية التي ينبغي الاعتراف بها، تمهيدًا للبحث عن اقتراحات وحلول عملية، وعدم الإبقاء على الأسباب التي من شأنها أنْ تنتج أزمات أخرى في المُستقبل.