الفريد من موروث #يافع التليد
#حليات_المجاز_الرمزية_اليافعية
من شفرات السَّلَف ورموز الخَلَف:
رحلة في معجم #المجازات اليافعية الأدبية
#بَيَّاعُ_السّكر
بَيْنَ طَيَّاتِ الذاكِرَةِ اليَافِعِيَّةِ القَدِيمَةِ، وَتَحْتَ ظِلَالِ موروثها التليد تَرْبُضُ حِكَايَاتٌ لا يَبْلُغُ سِرَّهَا إلا مَنْ أَدْرَكَ السِّتِّينَ مِنْ عُمُرِهِ؛ فِيهَا تُحَفُ البَلاغَةِ الشعبِيَّةِ وَفَلْسَفَةُ الصَّبْرِ الجَمِيلِ. عندما كَانَتِ الحَيَاةُ شضفة القَسْوَةِ، وَكَانَ شُغْلُ النَّاسِ الشَّاغِلِ أَنْ يَقُومَ أَوْدُهُمْ بِمَا تُنْبِتُهُ أَرْضُهُم الطَّيِّبَةُ مِنْ حَبَّاتِ الذُّرَةِ وَالدُّخْنِ، بَيْنَمَا كَانَ "بُرُّ البَلَدِ" زِينَةَ المَوَائِدِ وَمَطْمَحَ المُرَفَّهِينَ، لا يَجُودُ بِهِ إلا شِتَاءٌ مَاطِرٌ بَخِيلُ الأَيَّامِ.
وَفِي تِلْكَ الأَزْمِنَةِ الخَالِيَةِ، حِينَ كَانَ يَتَزَيَّدُ الفِتْيَانُ طَعَامَهُمْ، وَيَسْتَنْكِفُونَ عَنْ خُبْزِ الذُّرَةِ الحَافِ، أَوْ أَقْدَاحِ العَصِيدِ الكسوم الَّتِي خَلَتْ مِنْ "نَشَاحِي" السَّمْنِ وَطَعْمِ "الصَّعَةِ" (الزَّوْم)، كَانَ الأُبُوَّةُ وَالأُمُومَةُ يُمَارِسُونَ أَبْهَى صُوَرِ البَيَانِ العَاطِفِيِّ وَالحِيلَةِ التَّرْبَوِيَّةِ.
"خَلِّي هَذَا الأَكْل لَمَّا يَعْبُر بَيَّاع #السُّكَّر..."
عِبَارَةٌ دَافِئَةٌ كَانَتْ تَتَهَادَى مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، فَتَقَعُ فِي أَرْوَاحِ الصِّغَارِ وُقُوعَ المَاءِ عَلَى الظَّمَأِ. نَسْتَبْشِرُ خَيْرًا، وَنَرْقُبُ أَعْطَافَ الطَّرِيقِ بَيْنَ الجِبَالِ، نَنْتَظِرُ غَرِيبًا يَمُرُّ بِسِلالِهِ المَحْمُولَةِ، يَبِيعُنَا حَلاوَةَ السُّكَّرِ، أَوْ يَجُودُ عَلَيْنَا بِخُضَارٍ يُصْلِحُ جُشُاءَ المَوَائِدِ مِنْ بَقْلٍ أَوْ كُرَّاثٍ أَوْ بَصَلٍ.
نَظَلُّ نُمَنِّي الأَنْفُسَ، وَنَمْتَدُّ بِالأَبْصَارِ، وَنَتَسَقَّطُ الأَثَرَ، لَكِنَّ هَذَا "البَيَّاعَ" المَوْعُودَ يَبْقَى طَيْفًا لا يَجِيءُ، وَغَائِبًا لا يَعُودُ. يَمُدُّ الاِنْتِظَارُ ظِلالَهُ، فَيَنْكَلِمُ الكِبْرِيَاءُ الصَّغِيرُ أَمَامَ سَطْوَةِ المَغَصِ؛ ثُمَّ لا يَكُونُ إلا أَنْ يُدَاهِمَنَا الجُوعُ المُرُّ، فَنَنِكُسُ رُؤُوسَنَا جَائِعِينَ، وَنَقْفِزُ عَلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ الَّذِي رَفَضْنَاهُ بالأَمْسِ، لِنَأْكُلَهُ بِشَهْوَةٍ لا تَقِلُّ عَنْ لَذَّةِ أُطْيَبِ المَآكِلِ!
فَلْسَفَةُ الجُوعِ وَالسُّكَّرِ
لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ حِينَهَا -وَنَحْنُ غِرَارٌ صِغَارٌ- أَنَّ أَبَاوَاتِنَا كَانُوا شُعَرَاءَ بِلَا قَصَائِدَ، وَحُكَمَاءَ بِلَا كُتُوبٍ.
المَجَازُ البَدِيعُ:
لَمْ يَكُنْ "بَيَّاعُ السُّكَّرِ" إلا غِلَافًا شَفَّافًا أَلْبَسُوهُ لِـ الجُوعِ نَفْسِهِ!
سِحْرُ التَّحَوُّلِ: كَانَ الجُوعُ هُوَ المَارِقُ الَّذِي يَحُطُّ عَلَى الأَلْسِنَةِ الصَّغِيرَةِ، فَيُحَوِّلُ طَعْمَ الخُبْزِ اليَابِسِ وَالعَصِيدِ الجَافِّ إلَى حَلَاوَةٍ تُضَاهِي السُّكَّرَ المَفْقُودَ.
إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ خَدِيعَةً، بَلْ كَانَتْ بَلاغَةَ العَيْشِ؛ حَيْثُ حَوَّلَ الأَوَّلُونَ الحَاجَةَ إلَى صَبْرٍ، وَالصَّبْرَ إلَى شَهِيَّةٍ، وَالجُوعَ إلَى أَعْظَمِ بَائِعٍ لِلْحَلَاوَةِ فِي تاريخِ "يَافِعَ" .
.....
(من دجرة علي الى حمار القارة )
بياع السكر واحدة من تلك الحليات المجازية الرمزية اليافعية ، ولكي نزيد الموضوع امثلة اكثر من امثلة الذاكرة الشعبية اليافعية التي تختزن مثلها مثل سائر أمم الأرض وسائر شعوبها خزائن من الحكمة، غير أن لـ "يافع" — تلك الغارسة بثقافتها في اعماق التاريخ مثلما تعانق بحضارتها السحاب وترتدي القلاع حليّات— لغتها الخاصة في ترميز المعاني وتكثيف الدلالات. لغةٌ لا تكتفي بظاهر اللفظ، بل تتسرب إلى كوامن المعنى عبر "شفرات ثنائية" لا يفكّ طلاسمها إلا من أُشربَ هواها، ورضع من لبان تراثها العريق.
إنها "المجازات الرمزية اليافعية"؛ عباراتٌ وُلدت من رحم مواقف عابرة، وأشخاصٍ غابرين، وأساطير استوطنت الوجدان، لتتحول مع كرّ الجديدين إلى أمثالٍ سائرة ورموزٍ حية، تُغني عن مطولات الكلام، وتوجز بضع من تلك الحليات في لمحةِ ما تعجز عنه المجلدات اذا ما اريد احصائها كاملة .
١) #دجرة_علي
أساطير تُصاغ دهاءً:
من الحبة إلى الثور!
في مأثورنا الشفاهي، ترتدي الحيلة ثوب الأسطورة. سل من شرب من ماء يافع عن #دجرة_علي، يبتسم لك دهشةً؛ فذاك "علي باثعيلة" شخص (الثعلب الماكر) الناطق ،الذي ألقى بحبة دجرٍ واحدة في قدرٍ يغلي لأحدهم، ثم طالب بها بعينها من باب التعجيز! ولم يرضَ عن الحبة القتيلة بدلاً إلا تيساً حياً، فذهب به في طريقه الى ان وصل في بيت احدهم استضافه وفي الليل تسلل وقتل تيسه ثم وضع رجل اكبر ثور مع الرجل ليصيح في الصباح هذا الثور قتل تيسي ، لم يقتنع بالتيس إلا ثوراً، حتى آل به المكر إلى الذهاب بثوره الى عرس وكما فعل بحيلة التيس فعل بالثور ثم صاح
#حليات_المجاز_الرمزية_اليافعية
من شفرات السَّلَف ورموز الخَلَف:
رحلة في معجم #المجازات اليافعية الأدبية
#بَيَّاعُ_السّكر
بَيْنَ طَيَّاتِ الذاكِرَةِ اليَافِعِيَّةِ القَدِيمَةِ، وَتَحْتَ ظِلَالِ موروثها التليد تَرْبُضُ حِكَايَاتٌ لا يَبْلُغُ سِرَّهَا إلا مَنْ أَدْرَكَ السِّتِّينَ مِنْ عُمُرِهِ؛ فِيهَا تُحَفُ البَلاغَةِ الشعبِيَّةِ وَفَلْسَفَةُ الصَّبْرِ الجَمِيلِ. عندما كَانَتِ الحَيَاةُ شضفة القَسْوَةِ، وَكَانَ شُغْلُ النَّاسِ الشَّاغِلِ أَنْ يَقُومَ أَوْدُهُمْ بِمَا تُنْبِتُهُ أَرْضُهُم الطَّيِّبَةُ مِنْ حَبَّاتِ الذُّرَةِ وَالدُّخْنِ، بَيْنَمَا كَانَ "بُرُّ البَلَدِ" زِينَةَ المَوَائِدِ وَمَطْمَحَ المُرَفَّهِينَ، لا يَجُودُ بِهِ إلا شِتَاءٌ مَاطِرٌ بَخِيلُ الأَيَّامِ.
وَفِي تِلْكَ الأَزْمِنَةِ الخَالِيَةِ، حِينَ كَانَ يَتَزَيَّدُ الفِتْيَانُ طَعَامَهُمْ، وَيَسْتَنْكِفُونَ عَنْ خُبْزِ الذُّرَةِ الحَافِ، أَوْ أَقْدَاحِ العَصِيدِ الكسوم الَّتِي خَلَتْ مِنْ "نَشَاحِي" السَّمْنِ وَطَعْمِ "الصَّعَةِ" (الزَّوْم)، كَانَ الأُبُوَّةُ وَالأُمُومَةُ يُمَارِسُونَ أَبْهَى صُوَرِ البَيَانِ العَاطِفِيِّ وَالحِيلَةِ التَّرْبَوِيَّةِ.
"خَلِّي هَذَا الأَكْل لَمَّا يَعْبُر بَيَّاع #السُّكَّر..."
عِبَارَةٌ دَافِئَةٌ كَانَتْ تَتَهَادَى مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، فَتَقَعُ فِي أَرْوَاحِ الصِّغَارِ وُقُوعَ المَاءِ عَلَى الظَّمَأِ. نَسْتَبْشِرُ خَيْرًا، وَنَرْقُبُ أَعْطَافَ الطَّرِيقِ بَيْنَ الجِبَالِ، نَنْتَظِرُ غَرِيبًا يَمُرُّ بِسِلالِهِ المَحْمُولَةِ، يَبِيعُنَا حَلاوَةَ السُّكَّرِ، أَوْ يَجُودُ عَلَيْنَا بِخُضَارٍ يُصْلِحُ جُشُاءَ المَوَائِدِ مِنْ بَقْلٍ أَوْ كُرَّاثٍ أَوْ بَصَلٍ.
نَظَلُّ نُمَنِّي الأَنْفُسَ، وَنَمْتَدُّ بِالأَبْصَارِ، وَنَتَسَقَّطُ الأَثَرَ، لَكِنَّ هَذَا "البَيَّاعَ" المَوْعُودَ يَبْقَى طَيْفًا لا يَجِيءُ، وَغَائِبًا لا يَعُودُ. يَمُدُّ الاِنْتِظَارُ ظِلالَهُ، فَيَنْكَلِمُ الكِبْرِيَاءُ الصَّغِيرُ أَمَامَ سَطْوَةِ المَغَصِ؛ ثُمَّ لا يَكُونُ إلا أَنْ يُدَاهِمَنَا الجُوعُ المُرُّ، فَنَنِكُسُ رُؤُوسَنَا جَائِعِينَ، وَنَقْفِزُ عَلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ الَّذِي رَفَضْنَاهُ بالأَمْسِ، لِنَأْكُلَهُ بِشَهْوَةٍ لا تَقِلُّ عَنْ لَذَّةِ أُطْيَبِ المَآكِلِ!
فَلْسَفَةُ الجُوعِ وَالسُّكَّرِ
لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ حِينَهَا -وَنَحْنُ غِرَارٌ صِغَارٌ- أَنَّ أَبَاوَاتِنَا كَانُوا شُعَرَاءَ بِلَا قَصَائِدَ، وَحُكَمَاءَ بِلَا كُتُوبٍ.
المَجَازُ البَدِيعُ:
لَمْ يَكُنْ "بَيَّاعُ السُّكَّرِ" إلا غِلَافًا شَفَّافًا أَلْبَسُوهُ لِـ الجُوعِ نَفْسِهِ!
سِحْرُ التَّحَوُّلِ: كَانَ الجُوعُ هُوَ المَارِقُ الَّذِي يَحُطُّ عَلَى الأَلْسِنَةِ الصَّغِيرَةِ، فَيُحَوِّلُ طَعْمَ الخُبْزِ اليَابِسِ وَالعَصِيدِ الجَافِّ إلَى حَلَاوَةٍ تُضَاهِي السُّكَّرَ المَفْقُودَ.
إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ خَدِيعَةً، بَلْ كَانَتْ بَلاغَةَ العَيْشِ؛ حَيْثُ حَوَّلَ الأَوَّلُونَ الحَاجَةَ إلَى صَبْرٍ، وَالصَّبْرَ إلَى شَهِيَّةٍ، وَالجُوعَ إلَى أَعْظَمِ بَائِعٍ لِلْحَلَاوَةِ فِي تاريخِ "يَافِعَ" .
.....
(من دجرة علي الى حمار القارة )
بياع السكر واحدة من تلك الحليات المجازية الرمزية اليافعية ، ولكي نزيد الموضوع امثلة اكثر من امثلة الذاكرة الشعبية اليافعية التي تختزن مثلها مثل سائر أمم الأرض وسائر شعوبها خزائن من الحكمة، غير أن لـ "يافع" — تلك الغارسة بثقافتها في اعماق التاريخ مثلما تعانق بحضارتها السحاب وترتدي القلاع حليّات— لغتها الخاصة في ترميز المعاني وتكثيف الدلالات. لغةٌ لا تكتفي بظاهر اللفظ، بل تتسرب إلى كوامن المعنى عبر "شفرات ثنائية" لا يفكّ طلاسمها إلا من أُشربَ هواها، ورضع من لبان تراثها العريق.
إنها "المجازات الرمزية اليافعية"؛ عباراتٌ وُلدت من رحم مواقف عابرة، وأشخاصٍ غابرين، وأساطير استوطنت الوجدان، لتتحول مع كرّ الجديدين إلى أمثالٍ سائرة ورموزٍ حية، تُغني عن مطولات الكلام، وتوجز بضع من تلك الحليات في لمحةِ ما تعجز عنه المجلدات اذا ما اريد احصائها كاملة .
١) #دجرة_علي
أساطير تُصاغ دهاءً:
من الحبة إلى الثور!
في مأثورنا الشفاهي، ترتدي الحيلة ثوب الأسطورة. سل من شرب من ماء يافع عن #دجرة_علي، يبتسم لك دهشةً؛ فذاك "علي باثعيلة" شخص (الثعلب الماكر) الناطق ،الذي ألقى بحبة دجرٍ واحدة في قدرٍ يغلي لأحدهم، ثم طالب بها بعينها من باب التعجيز! ولم يرضَ عن الحبة القتيلة بدلاً إلا تيساً حياً، فذهب به في طريقه الى ان وصل في بيت احدهم استضافه وفي الليل تسلل وقتل تيسه ثم وضع رجل اكبر ثور مع الرجل ليصيح في الصباح هذا الثور قتل تيسي ، لم يقتنع بالتيس إلا ثوراً، حتى آل به المكر إلى الذهاب بثوره الى عرس وكما فعل بحيلة التيس فعل بالثور ثم صاح