زراعة #القطن في #دلتا_أبين:
من مشروع تنموي إلى رمز للصراع الاستعماري
تُعد دلتا #أبين واحدة من أهم المناطق الزراعية في جنوب اليمن، إذ عُرفت منذ قرون بخصوبة أراضيها واعتمادها على نظام ري تقليدي قائم على استغلال السيول الموسمية القادمة من المرتفعات المحيطة. وقد شهدت المنطقة في منتصف القرن العشرين تحولاً كبيراً مع إطلاق مشروع زراعة القطن خلال فترة الحكم البريطاني لعدن ومحمياتها.
## البدايات
عُيّن المهندس الزراعي البريطاني براين هارتلي (Brian Hartley) مديراً للزراعة في محمية عدن عام 1938، بعد أن تلقى تعليمه في جامعة أكسفورد، ثم التحق عام 1927 بالدراسات العليا في الكلية الإمبراطورية للزراعة الاستوائية (Imperial College of Tropical Agriculture) في ترينيداد، حيث تخصص في زراعة القطن والمحاصيل الاستوائية.
عندما وصل هارتلي إلى أبين، وجد أن معظم أراضي الدلتا الزراعية قد هجرت نتيجة عقود من النزاعات القبلية التي أدت إلى انهيار شبكة الري التقليدية القائمة على تحويل مياه السيول إلى الأراضي الزراعية.
## الحرب العالمية الثانية وإحياء الدلتا
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، أولت السلطات البريطانية اهتماماً متزايداً بتطوير الإنتاج الزراعي في مستعمراتها لتأمين احتياجاتها من الغذاء والمواد الخام.
وفي هذا السياق بدأت أعمال واسعة لإعادة تأهيل دلتا أبين، حيث شارك مهندسون بريطانيون وعمال محليون في إعادة بناء السدود الترابية والقنوات القديمة، مما أدى تدريجياً إلى عودة مياه السيول لري آلاف الأفدنة.
## تجربة زراعة القطن
في عام 1946 زُرعت أول مساحة تجريبية بالقطن المصري طويل التيلة، الذي أثبت نجاحاً كبيراً بفضل خصوبة التربة ووفرة المياه الموسمية.
وشجع نجاح التجربة الحكومة البريطانية على تمويل المشروع، فحصل عام 1947 على قرض قدره 270 ألف جنيه إسترليني بموجب قانون التنمية والرفاهية الاستعمارية (Colonial Development and Welfare Act) لتوسيع أعمال الري والزراعة.
وفي العام نفسه أُنشئ مجلس أبين (Abyan Board) لإدارة المشروع، وضم مسؤولين بريطانيين وممثلين عن سلطنتي الفضلي ويافع السفلى للإشراف على توزيع المياه وتنظيم الزراعة.
## ازدهار المشروع
حقق المشروع نمواً سريعاً خلال الخمسينيات.
وبحلول عام 1955 أصبحت مساحة الأراضي المروية نحو 46 ألف فدان ، فيما بلغت قيمة إنتاج القطن حوالي 2.4 مليون جنية إسترليني، ليصبح القطن أهم محصول نقدي في محمية عدن وأحد أهم صادراتها الزراعية.
كما أسهم المشروع في:
* توسيع شبكات الري.
* تحسين البنية الزراعية.
* توفير فرص عمل لآلاف السكان.
* إدخال أساليب زراعية حديثة لم تكن معروفة سابقاً في المنطقة.
## الوجه الآخر للمشروع
رغم النجاح الاقتصادي، لم يكن المشروع بمنأى عن الانتقادات.
فقد رأى كثير من المزارعين أن الإدارة البريطانية كانت تتحكم في أسعار شراء القطن، وأن العوائد لم تكن توزع بصورة عادلة، وهو ما خلق حالة من التذمر بين المنتجين المحليين.
وفي الوقت نفسه ظهر مشروع مماثل في سلطنة لحج لكنه كان يُدار محلياً، وحصل فيه المزارعون على عوائد أفضل نسبياً، الأمر الذي عزز المقارنات بين التجربتين.
## المد القومي العربي
شهدت خمسينيات القرن العشرين تصاعد المد القومي العربي، خصوصاً بعد وصول الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى السلطة عام 1954 .
وأصبحت إذاعة صوت العرب من القاهرة تبث رسائل مناهضة للاستعمار البريطاني، لاقت صدى واسعاً في عدن ومحمياتها.
وفي هذا المناخ السياسي، تحول مشروع أبين في نظر كثير من الوطنيين إلى أحد رموز الإدارة الاستعمارية، رغم نجاحه الاقتصادي، وأصبح جزءاً من الجدل السياسي حول الوجود البريطاني في جنوب اليمن.
## نهاية المشروع البريطاني
استمر المشروع حتى اقتراب انسحاب بريطانيا من جنوب اليمن، ومع الاستقلال في 30 نوفمبر 1967 انتقلت إدارة المشروع إلى الدولة الجديدة، ثم شهد خلال العقود اللاحقة تراجعاً نتيجة التغيرات السياسية والاقتصادية، إضافة إلى مشكلات الري والصيانة.
بحث:
Tareq Hatem( طارق حاتم )
من مشروع تنموي إلى رمز للصراع الاستعماري
تُعد دلتا #أبين واحدة من أهم المناطق الزراعية في جنوب اليمن، إذ عُرفت منذ قرون بخصوبة أراضيها واعتمادها على نظام ري تقليدي قائم على استغلال السيول الموسمية القادمة من المرتفعات المحيطة. وقد شهدت المنطقة في منتصف القرن العشرين تحولاً كبيراً مع إطلاق مشروع زراعة القطن خلال فترة الحكم البريطاني لعدن ومحمياتها.
## البدايات
عُيّن المهندس الزراعي البريطاني براين هارتلي (Brian Hartley) مديراً للزراعة في محمية عدن عام 1938، بعد أن تلقى تعليمه في جامعة أكسفورد، ثم التحق عام 1927 بالدراسات العليا في الكلية الإمبراطورية للزراعة الاستوائية (Imperial College of Tropical Agriculture) في ترينيداد، حيث تخصص في زراعة القطن والمحاصيل الاستوائية.
عندما وصل هارتلي إلى أبين، وجد أن معظم أراضي الدلتا الزراعية قد هجرت نتيجة عقود من النزاعات القبلية التي أدت إلى انهيار شبكة الري التقليدية القائمة على تحويل مياه السيول إلى الأراضي الزراعية.
## الحرب العالمية الثانية وإحياء الدلتا
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، أولت السلطات البريطانية اهتماماً متزايداً بتطوير الإنتاج الزراعي في مستعمراتها لتأمين احتياجاتها من الغذاء والمواد الخام.
وفي هذا السياق بدأت أعمال واسعة لإعادة تأهيل دلتا أبين، حيث شارك مهندسون بريطانيون وعمال محليون في إعادة بناء السدود الترابية والقنوات القديمة، مما أدى تدريجياً إلى عودة مياه السيول لري آلاف الأفدنة.
## تجربة زراعة القطن
في عام 1946 زُرعت أول مساحة تجريبية بالقطن المصري طويل التيلة، الذي أثبت نجاحاً كبيراً بفضل خصوبة التربة ووفرة المياه الموسمية.
وشجع نجاح التجربة الحكومة البريطانية على تمويل المشروع، فحصل عام 1947 على قرض قدره 270 ألف جنيه إسترليني بموجب قانون التنمية والرفاهية الاستعمارية (Colonial Development and Welfare Act) لتوسيع أعمال الري والزراعة.
وفي العام نفسه أُنشئ مجلس أبين (Abyan Board) لإدارة المشروع، وضم مسؤولين بريطانيين وممثلين عن سلطنتي الفضلي ويافع السفلى للإشراف على توزيع المياه وتنظيم الزراعة.
## ازدهار المشروع
حقق المشروع نمواً سريعاً خلال الخمسينيات.
وبحلول عام 1955 أصبحت مساحة الأراضي المروية نحو 46 ألف فدان ، فيما بلغت قيمة إنتاج القطن حوالي 2.4 مليون جنية إسترليني، ليصبح القطن أهم محصول نقدي في محمية عدن وأحد أهم صادراتها الزراعية.
كما أسهم المشروع في:
* توسيع شبكات الري.
* تحسين البنية الزراعية.
* توفير فرص عمل لآلاف السكان.
* إدخال أساليب زراعية حديثة لم تكن معروفة سابقاً في المنطقة.
## الوجه الآخر للمشروع
رغم النجاح الاقتصادي، لم يكن المشروع بمنأى عن الانتقادات.
فقد رأى كثير من المزارعين أن الإدارة البريطانية كانت تتحكم في أسعار شراء القطن، وأن العوائد لم تكن توزع بصورة عادلة، وهو ما خلق حالة من التذمر بين المنتجين المحليين.
وفي الوقت نفسه ظهر مشروع مماثل في سلطنة لحج لكنه كان يُدار محلياً، وحصل فيه المزارعون على عوائد أفضل نسبياً، الأمر الذي عزز المقارنات بين التجربتين.
## المد القومي العربي
شهدت خمسينيات القرن العشرين تصاعد المد القومي العربي، خصوصاً بعد وصول الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى السلطة عام 1954 .
وأصبحت إذاعة صوت العرب من القاهرة تبث رسائل مناهضة للاستعمار البريطاني، لاقت صدى واسعاً في عدن ومحمياتها.
وفي هذا المناخ السياسي، تحول مشروع أبين في نظر كثير من الوطنيين إلى أحد رموز الإدارة الاستعمارية، رغم نجاحه الاقتصادي، وأصبح جزءاً من الجدل السياسي حول الوجود البريطاني في جنوب اليمن.
## نهاية المشروع البريطاني
استمر المشروع حتى اقتراب انسحاب بريطانيا من جنوب اليمن، ومع الاستقلال في 30 نوفمبر 1967 انتقلت إدارة المشروع إلى الدولة الجديدة، ثم شهد خلال العقود اللاحقة تراجعاً نتيجة التغيرات السياسية والاقتصادية، إضافة إلى مشكلات الري والصيانة.
بحث:
Tareq Hatem( طارق حاتم )