#القنبوس
#سمير_مقراني
يواجه "الغناء الصنعاني" والعود المحلي القنبوس (شكل 1) الذي عادةً ما يرافق هذا النوع الراقي من الموسيقى اليمنية خطر التهميش، بل وحتى الاندثار التام، مثلما هو الحال بالنسبة لعدد من أنواع التراث الموسيقي في جميع أنحاء العالم،
ومن المناسب الترحيب بحقيقة أن اليونسكو قد أعلنت مؤخراً وبفضل جهود العالم الفرنسي في علم موسيقى الشعوب جان لامبير، أن الغناء الصنعاني "تحفة من التراث الشفهي واللامادي للبشرية". وفي أعقاب هذا القرار في عام 2003م، تم إطلاق مشروع اليونسكو للحفاظ على هذا النوع الموسيقي واستمراريته، وهو مشروع تموله اليابان.
وعلى الرغم من ذلك، لا بد من الاعتراف بأن عدد العازفين – الممثلين الحقيقيين للذاكرة الحية لهذا التقليد الموسيقي - أصبح اليوم محدودًا جدا. إذ بلغ معظمهم سن الشيخوخة. فضلا عن ذلك، فإن معارفهم - التي لم يتم تدوينها كتابيًا – لا تشكل اهتمامًا ملحوظًا لدى جيل الشباب من الموسيقيين اليمنيين، وبالتالي نادرًا ما يتم تناقلها.
إلا أن التواصل مع هؤلاء العازفين المتمرسين يكتسي قيمة أساسية في نظر أي باحث مهتم بالتراث الموسيقي اليمني بشكل مباشر أو غير مباشر. وبصفتهم المصادر الرئيسية لمعلوماتي البحثية، سيتم الاستشهاد بانتظام بشهادات حسن العجمي ويحيى النونو، لا سيما فيما يتعلق بجذور آلة عود القنبوس وهويتها، لموضوع هذا المقال الذي أردت إفراده بالدراسة نظرًا إلى الادعاءات المتناقضة المتعلقة بأصل هذه الآلة، وجوانب الهوية فيها. وستتمثل مقاربتي هنا في تحديد إلى أي مدى لا يزال القنبوس يشكل علامة بارزة لهوية الموسيقى الصنعانية واليمنية بشكل صحيح، حتى لو كانت وهمية إلى حد كبير، أو على العكس من ذلك، أنه لم يعد يمثل في نظر غالبية اليمنيين أكثر من بقايا حقبة ماضية لم يكن اختفاؤها سوى نتيجة لتطور تاريخي لا مفر منه.
وفيما يتعلق بمنهجية البحث، أود أيضًا توضيح أن معظم بياناتي تم جمعها خلال مقابلات غير رسمية مع موسيقيين أو يمنيين على علاقة وثيقة بعالم الموسيقى. ونظرًا إلى منصبي الحالي ضمن مشروع اليونسكو لحفظ الغناء الصنعاني، وكذلك الروابط الوثيقة للصداقة التي ربطتني بمعظم المصادر، فليس من المستغرب أن أضفي على مقالي طابعاً شخصياً. كما أن اللجوء، قدر الإمكان، إلى الشهادات المباشرة هو ما يفسر اختياري لقائمة مراجع محدودة نسبيًا.
عود القنبوس والغناء الصنعاني
في اليمن، يعد القنبوس جزءًا لا يتجزأ من أنواع الموسيقي الرفيعة، إذ ارتبط بشكل وثيق بالعاصمة، وهذا هو سبب تسميته بـ "الغناء الصنعاني". إلا أن هذا المصطلح لا يلقى إجماعًا. فهناك بعض منتقديه الذين يفضلون تسميته بـ "الموشح اليمني"، نسبةً إلى نوع الشعر المغنى فيه. وهم يزعمون أن عدد من الموسيقيين مارسوا هذا التراث الموسيقي دون أن يكونوا من أصل صنعاء أو قد عاشوا فيها. وفضلا عن ذلك، قد تكون الأصول القديمة لهذا اللون الموسيقي موجودة في مناطق أخرى من اليمن، وهي مسألة أثارت جدلاً واسعا بين مثقفي البلاد، وسوف يتم التعريج على هذا، ومع ذلك أيًا كان المصطلح الذي يطلق عليه هذا النوع، إلا أنه يبدو مرتبط بشكل جوهري ومنذ ما لا يقل عن ثلاثة قرون ونصف بالمناطق الوسطى والشمالية من البلاد، ولاسيما المدن. لذلك يمكن الحديث عن تقليد موسيقي علمي وحضاري. علما أن التراث الشعري المؤدَّى في الغناء هو أيضًا يمني محلي، ويُرجّح أنه إرث من الموشح الأندلسي الذي وصل إلى اليمن عبر مصر خلال حكم سلاطين الرسوليين (القرنان الثالث عشر والخامس عشر الميلادي)، الذين كانت مدينتا تعز وزبيد عاصمتيهم الرئيستين . ولم يصبح هذا الشعر حقًا صنعانيًا إلا في القرن السابع عشر الميلادي، عندما استعادت صنعاء مكانتها بوصفها عاصمة تحت حكم أسرة القاسميين الزيديين. ومع ذلك، من الصعب تقييم قدم الغناء الصنعاني بوصفه لون موسيقي، لأن ظهور هذا اللون الشعري لا يعني بالضرورة الظهور المتزامن للموسيقى التي لا تزال ترافقه حتى اليوم.
عود القنبوس طرب أم طُربي؟ مسألة مصطلحات
إذا كان استعمال مصطلح "قنبوس" غير مقبول على نطاق واسع في صنعاء، فهناك على العكس إجماع عام ينسب هذه التسمية إلى المناطق الجنوبية، ولاسيما عدن، ولحج، والمنطقة الشرقية، وحضرموت. ومن خلال مقابلاتي تحققتُ أن اليمنيين من الجنوب يعرفون هذه الآلة باسم "قنبوس" فقط، في حين يفضل بعض سكان صنعاء والمناطق الوسطى والشمالية مصطلحات أخرى نحو (طرب صنعاني، طُربي، عود صنعاني ...). كما يُعرف "القنبوس" في الحجاز باسم "قبوس"، وفي عُمان باسم "قبّوس". ومن المرجح أن المصطلح ذو أصل تركي، وسأعود إلى هذا بالتفصيل لاحقًا.
#سمير_مقراني
يواجه "الغناء الصنعاني" والعود المحلي القنبوس (شكل 1) الذي عادةً ما يرافق هذا النوع الراقي من الموسيقى اليمنية خطر التهميش، بل وحتى الاندثار التام، مثلما هو الحال بالنسبة لعدد من أنواع التراث الموسيقي في جميع أنحاء العالم،
ومن المناسب الترحيب بحقيقة أن اليونسكو قد أعلنت مؤخراً وبفضل جهود العالم الفرنسي في علم موسيقى الشعوب جان لامبير، أن الغناء الصنعاني "تحفة من التراث الشفهي واللامادي للبشرية". وفي أعقاب هذا القرار في عام 2003م، تم إطلاق مشروع اليونسكو للحفاظ على هذا النوع الموسيقي واستمراريته، وهو مشروع تموله اليابان.
وعلى الرغم من ذلك، لا بد من الاعتراف بأن عدد العازفين – الممثلين الحقيقيين للذاكرة الحية لهذا التقليد الموسيقي - أصبح اليوم محدودًا جدا. إذ بلغ معظمهم سن الشيخوخة. فضلا عن ذلك، فإن معارفهم - التي لم يتم تدوينها كتابيًا – لا تشكل اهتمامًا ملحوظًا لدى جيل الشباب من الموسيقيين اليمنيين، وبالتالي نادرًا ما يتم تناقلها.
إلا أن التواصل مع هؤلاء العازفين المتمرسين يكتسي قيمة أساسية في نظر أي باحث مهتم بالتراث الموسيقي اليمني بشكل مباشر أو غير مباشر. وبصفتهم المصادر الرئيسية لمعلوماتي البحثية، سيتم الاستشهاد بانتظام بشهادات حسن العجمي ويحيى النونو، لا سيما فيما يتعلق بجذور آلة عود القنبوس وهويتها، لموضوع هذا المقال الذي أردت إفراده بالدراسة نظرًا إلى الادعاءات المتناقضة المتعلقة بأصل هذه الآلة، وجوانب الهوية فيها. وستتمثل مقاربتي هنا في تحديد إلى أي مدى لا يزال القنبوس يشكل علامة بارزة لهوية الموسيقى الصنعانية واليمنية بشكل صحيح، حتى لو كانت وهمية إلى حد كبير، أو على العكس من ذلك، أنه لم يعد يمثل في نظر غالبية اليمنيين أكثر من بقايا حقبة ماضية لم يكن اختفاؤها سوى نتيجة لتطور تاريخي لا مفر منه.
وفيما يتعلق بمنهجية البحث، أود أيضًا توضيح أن معظم بياناتي تم جمعها خلال مقابلات غير رسمية مع موسيقيين أو يمنيين على علاقة وثيقة بعالم الموسيقى. ونظرًا إلى منصبي الحالي ضمن مشروع اليونسكو لحفظ الغناء الصنعاني، وكذلك الروابط الوثيقة للصداقة التي ربطتني بمعظم المصادر، فليس من المستغرب أن أضفي على مقالي طابعاً شخصياً. كما أن اللجوء، قدر الإمكان، إلى الشهادات المباشرة هو ما يفسر اختياري لقائمة مراجع محدودة نسبيًا.
عود القنبوس والغناء الصنعاني
في اليمن، يعد القنبوس جزءًا لا يتجزأ من أنواع الموسيقي الرفيعة، إذ ارتبط بشكل وثيق بالعاصمة، وهذا هو سبب تسميته بـ "الغناء الصنعاني". إلا أن هذا المصطلح لا يلقى إجماعًا. فهناك بعض منتقديه الذين يفضلون تسميته بـ "الموشح اليمني"، نسبةً إلى نوع الشعر المغنى فيه. وهم يزعمون أن عدد من الموسيقيين مارسوا هذا التراث الموسيقي دون أن يكونوا من أصل صنعاء أو قد عاشوا فيها. وفضلا عن ذلك، قد تكون الأصول القديمة لهذا اللون الموسيقي موجودة في مناطق أخرى من اليمن، وهي مسألة أثارت جدلاً واسعا بين مثقفي البلاد، وسوف يتم التعريج على هذا، ومع ذلك أيًا كان المصطلح الذي يطلق عليه هذا النوع، إلا أنه يبدو مرتبط بشكل جوهري ومنذ ما لا يقل عن ثلاثة قرون ونصف بالمناطق الوسطى والشمالية من البلاد، ولاسيما المدن. لذلك يمكن الحديث عن تقليد موسيقي علمي وحضاري. علما أن التراث الشعري المؤدَّى في الغناء هو أيضًا يمني محلي، ويُرجّح أنه إرث من الموشح الأندلسي الذي وصل إلى اليمن عبر مصر خلال حكم سلاطين الرسوليين (القرنان الثالث عشر والخامس عشر الميلادي)، الذين كانت مدينتا تعز وزبيد عاصمتيهم الرئيستين . ولم يصبح هذا الشعر حقًا صنعانيًا إلا في القرن السابع عشر الميلادي، عندما استعادت صنعاء مكانتها بوصفها عاصمة تحت حكم أسرة القاسميين الزيديين. ومع ذلك، من الصعب تقييم قدم الغناء الصنعاني بوصفه لون موسيقي، لأن ظهور هذا اللون الشعري لا يعني بالضرورة الظهور المتزامن للموسيقى التي لا تزال ترافقه حتى اليوم.
عود القنبوس طرب أم طُربي؟ مسألة مصطلحات
إذا كان استعمال مصطلح "قنبوس" غير مقبول على نطاق واسع في صنعاء، فهناك على العكس إجماع عام ينسب هذه التسمية إلى المناطق الجنوبية، ولاسيما عدن، ولحج، والمنطقة الشرقية، وحضرموت. ومن خلال مقابلاتي تحققتُ أن اليمنيين من الجنوب يعرفون هذه الآلة باسم "قنبوس" فقط، في حين يفضل بعض سكان صنعاء والمناطق الوسطى والشمالية مصطلحات أخرى نحو (طرب صنعاني، طُربي، عود صنعاني ...). كما يُعرف "القنبوس" في الحجاز باسم "قبوس"، وفي عُمان باسم "قبّوس". ومن المرجح أن المصطلح ذو أصل تركي، وسأعود إلى هذا بالتفصيل لاحقًا.