مدينة #عمران..
حگايات مُلملمة لتاريخ مُبعثر
#بلال_الطيب
من أول خطوة.. سكبت في دمي ألقها الفواح، وما أنْ اقتربت أكثر حتى التقت على مخيلتي حكايا عابرة انبعثت للتو من بين الأطلال، حينها ما عدت أرى فرقاً بين الحقيقة والخيال، رغم البون الشاسع بينهما.
إنها عمران، جنة البون العامرة، تبوح بعبقها بلغة الكون الأزلية، وتتفضل على زائرها بنفس الدهشة والانبهار، وإن مر الزمن، للتاريخ فيها لون وطعم ورائحة وملمس أيضاً، تبعد عن #صنعاء بحوالي 50 كيلو متراً، وتقترب منها منذ وضع التاريخ لبنته الأولى، وفي كل شيء، فالصناعة والعمران من أهم أسباب نمو الحضارات وازدهار الأمم.
#جبل_الصريم
اجتزنا همدان وقاعها الفسيح المطرّز بأشجار الفرسك المزهرة، والممتدة عن يمين وشمال، ليستقبلنا على سلسلة المرتفعات الصخرية التي تفصل ذلك القاع عن قاع البون جبل صلد بلون الفحم، أشفى رفيق رحلتي فارس محمد غليل السؤال، مستشهداً بقصة أصحاب الجنة الذين أعطاهم الله فبخلوا بالصدقة؛ فما كان من الله إلا أنْ جعل جنتهم كالصريم - كما أوردها القصص القرآني الذي لم يحدد المكان.
والسؤال الذي أتمنى أن تروي الجهات المعنية غليله: لماذا لا توضع لوحة تعريفية بجبل الصريم؟ كما يحلو لي أن أسميه، مبتدأها نص الآية القرآنية التي تحدثت عن تلك الحادثة؛ فهي وعلى قسوتها دليل عابر لتاريخ غابر عاشته تلك المنطقة وما حولها يوماً ما.
«تخيل أنَّ هذه المنطقة ستعود جنات كما كانت..»، قالها رفيق رحلتي وهو يشير إلى مزارع حديثة تحتضن بأسوارها منازل أصحابها المُكافحين.
طيب والتراب..؟، هكذا استفسرت؛ فكان جواب فارس: «يُحمل فوق بوابير نقل كبيرة من قاع همدان..».
ولد حينها هذا السؤال: تقصد من تلك الحفر التي مررنا بجانبها قرب الخط الاسفلتي..؟
قال رفيق رحلتي: «نعم»، وانتهى بجوابه ذلك الحوار، وهو جواب مُختزل لسؤال كتمته هناك في ذلك القاع الفسيح، حيث ينحت التراب كقطع صغيرة، كأنها تجتزئ من على كعكة ممتدة كامتداد البصر، وبعمق يتجاوز العشرة الأمتار تقريباً، وكما يقال في المثل الدارج: «لا قطع الله على آلف» - أي متعود - جاءت إجابة فارس طرية سهلة أمام مشهد لا أروع منه لحدائق غناء مُعلقة فوق الصخور.
في الأفق بدت قمتا #كوكبان و #حصن_ثلا من ناحية الغرب، كيدين تلوحان بالسلام من بعيد، بينما السيارة تمضي بنا الهوينا على الهضبة الصخرية المطلة على وجه مدينة عمران السحيق..
اقتربنا أكثر فأكثر، ومع نزولنا من تلك الهضبة تصاعدت المشاهد تباعاً، وأخذتنا المتعة، جاهداً حاولت نبش ذاكرتي في استعادة تفاصيل رحلتي الأولى إلى عمران قبل تسعة أعوام، وذلك أثناء تأديتي خدمة التدريس الإلزامي في إحدى مدارس مديرياتها المُتباعدة، فقد كبرت مبانيها، وتوسعت شوارعها بنظام بديع لم يخل بتقاسيم منازلها العتيقة التي فيها أوغل الزمن، وعليها تعاقبت الدهور.
مدينة متباينة
دخلنا مدينة #عمران بسلام آمنين، وانقادت فيها خطانا سريعاً، وامتلأت فيها نفوسنا إعجاباً ورهبة، بذلك الامتزاج الفريد بين الإنسان والبيئة، وبذلك التناسق الممتع والتنوع الأليف في الحضور البشري والتاريخي والحضاري.
عمران اليوم مدينة تبدو متباينة بعض الشيء بالنسبة لمبانيها القائمة، حيث تتكون من المدينة القديمة والمدينة الحديثة، وتوجد الأولى داخل الأسوار القديمة التي أنشئت لأجل حمايتها، أما الأخرى فهي خارج الأسوار.
ما يهمنا هنا هو التعريف بالمدينة القديمة التي يعود تاريخ المباني القائمة فيها إلى العصور الإسلامية، فقد كانت هذه المدينة محاطة بسور من اللبن المخلوط بالتبن، وقد تعرض للاندثار، ولم يبق منه سوى بعض أجزائه وبوابتيه، إذ تقع الأولى في اتجاه الشرق، والأخرى في اتجاه الغرب، وعلى جانبي هذه الأخيرة يوجد برجان دفاعيان، كما لا زالت هناك بعض الأبراج في أجزاء متفرقة من السور كانت تستخدم لأغراض الحراسة والدفاع عن المدينة.
مباني مدينة عمران مأخوذ لونها من لون الجبال والتراب، معظمها مبنية من اللبن خاصة القريبة من #قاع_البون، والتي تصل أدوارها إلى ثلاثة أو أربعة طوابق، وهناك أيضاً مبانٍ مبنية بالأحجار المهذبة، وهذه قريبة من الجبل، ويستخدم أهالي عمران الدور الأول من منازلهم مخازن ومطابخ، إضافة إلى مأوى للماشية، بينما تستخدم الأدوار العليا للسكن، وعادة ما تقيم عدة أسر في المنزل الواحد، وبتوصيف أكثر دقة لعائلة مكونة من الأب والأم والأبناء المتزوجين، كنوع من العادات الاجتماعية المتوارثة.
تنتشر في مدينة عمران القديمة عدد من مباني اليهود، إلا أنَّ معظمها اندثرت بسبب مغادرة اليهود للمدينة، ولم يبق سوى القليل منهم، كما توجد في وسط المدينة #بئر قديمة طويت جدرانها بحجر البلق المنحوت (البازلت النقاعي)، وتاريخها يعود تقريباً إلى فترة ما قبل الإسلام كما تشير طريقة البناء المحكم للبئر.
ثراء أثري
حگايات مُلملمة لتاريخ مُبعثر
#بلال_الطيب
من أول خطوة.. سكبت في دمي ألقها الفواح، وما أنْ اقتربت أكثر حتى التقت على مخيلتي حكايا عابرة انبعثت للتو من بين الأطلال، حينها ما عدت أرى فرقاً بين الحقيقة والخيال، رغم البون الشاسع بينهما.
إنها عمران، جنة البون العامرة، تبوح بعبقها بلغة الكون الأزلية، وتتفضل على زائرها بنفس الدهشة والانبهار، وإن مر الزمن، للتاريخ فيها لون وطعم ورائحة وملمس أيضاً، تبعد عن #صنعاء بحوالي 50 كيلو متراً، وتقترب منها منذ وضع التاريخ لبنته الأولى، وفي كل شيء، فالصناعة والعمران من أهم أسباب نمو الحضارات وازدهار الأمم.
#جبل_الصريم
اجتزنا همدان وقاعها الفسيح المطرّز بأشجار الفرسك المزهرة، والممتدة عن يمين وشمال، ليستقبلنا على سلسلة المرتفعات الصخرية التي تفصل ذلك القاع عن قاع البون جبل صلد بلون الفحم، أشفى رفيق رحلتي فارس محمد غليل السؤال، مستشهداً بقصة أصحاب الجنة الذين أعطاهم الله فبخلوا بالصدقة؛ فما كان من الله إلا أنْ جعل جنتهم كالصريم - كما أوردها القصص القرآني الذي لم يحدد المكان.
والسؤال الذي أتمنى أن تروي الجهات المعنية غليله: لماذا لا توضع لوحة تعريفية بجبل الصريم؟ كما يحلو لي أن أسميه، مبتدأها نص الآية القرآنية التي تحدثت عن تلك الحادثة؛ فهي وعلى قسوتها دليل عابر لتاريخ غابر عاشته تلك المنطقة وما حولها يوماً ما.
«تخيل أنَّ هذه المنطقة ستعود جنات كما كانت..»، قالها رفيق رحلتي وهو يشير إلى مزارع حديثة تحتضن بأسوارها منازل أصحابها المُكافحين.
طيب والتراب..؟، هكذا استفسرت؛ فكان جواب فارس: «يُحمل فوق بوابير نقل كبيرة من قاع همدان..».
ولد حينها هذا السؤال: تقصد من تلك الحفر التي مررنا بجانبها قرب الخط الاسفلتي..؟
قال رفيق رحلتي: «نعم»، وانتهى بجوابه ذلك الحوار، وهو جواب مُختزل لسؤال كتمته هناك في ذلك القاع الفسيح، حيث ينحت التراب كقطع صغيرة، كأنها تجتزئ من على كعكة ممتدة كامتداد البصر، وبعمق يتجاوز العشرة الأمتار تقريباً، وكما يقال في المثل الدارج: «لا قطع الله على آلف» - أي متعود - جاءت إجابة فارس طرية سهلة أمام مشهد لا أروع منه لحدائق غناء مُعلقة فوق الصخور.
في الأفق بدت قمتا #كوكبان و #حصن_ثلا من ناحية الغرب، كيدين تلوحان بالسلام من بعيد، بينما السيارة تمضي بنا الهوينا على الهضبة الصخرية المطلة على وجه مدينة عمران السحيق..
اقتربنا أكثر فأكثر، ومع نزولنا من تلك الهضبة تصاعدت المشاهد تباعاً، وأخذتنا المتعة، جاهداً حاولت نبش ذاكرتي في استعادة تفاصيل رحلتي الأولى إلى عمران قبل تسعة أعوام، وذلك أثناء تأديتي خدمة التدريس الإلزامي في إحدى مدارس مديرياتها المُتباعدة، فقد كبرت مبانيها، وتوسعت شوارعها بنظام بديع لم يخل بتقاسيم منازلها العتيقة التي فيها أوغل الزمن، وعليها تعاقبت الدهور.
مدينة متباينة
دخلنا مدينة #عمران بسلام آمنين، وانقادت فيها خطانا سريعاً، وامتلأت فيها نفوسنا إعجاباً ورهبة، بذلك الامتزاج الفريد بين الإنسان والبيئة، وبذلك التناسق الممتع والتنوع الأليف في الحضور البشري والتاريخي والحضاري.
عمران اليوم مدينة تبدو متباينة بعض الشيء بالنسبة لمبانيها القائمة، حيث تتكون من المدينة القديمة والمدينة الحديثة، وتوجد الأولى داخل الأسوار القديمة التي أنشئت لأجل حمايتها، أما الأخرى فهي خارج الأسوار.
ما يهمنا هنا هو التعريف بالمدينة القديمة التي يعود تاريخ المباني القائمة فيها إلى العصور الإسلامية، فقد كانت هذه المدينة محاطة بسور من اللبن المخلوط بالتبن، وقد تعرض للاندثار، ولم يبق منه سوى بعض أجزائه وبوابتيه، إذ تقع الأولى في اتجاه الشرق، والأخرى في اتجاه الغرب، وعلى جانبي هذه الأخيرة يوجد برجان دفاعيان، كما لا زالت هناك بعض الأبراج في أجزاء متفرقة من السور كانت تستخدم لأغراض الحراسة والدفاع عن المدينة.
مباني مدينة عمران مأخوذ لونها من لون الجبال والتراب، معظمها مبنية من اللبن خاصة القريبة من #قاع_البون، والتي تصل أدوارها إلى ثلاثة أو أربعة طوابق، وهناك أيضاً مبانٍ مبنية بالأحجار المهذبة، وهذه قريبة من الجبل، ويستخدم أهالي عمران الدور الأول من منازلهم مخازن ومطابخ، إضافة إلى مأوى للماشية، بينما تستخدم الأدوار العليا للسكن، وعادة ما تقيم عدة أسر في المنزل الواحد، وبتوصيف أكثر دقة لعائلة مكونة من الأب والأم والأبناء المتزوجين، كنوع من العادات الاجتماعية المتوارثة.
تنتشر في مدينة عمران القديمة عدد من مباني اليهود، إلا أنَّ معظمها اندثرت بسبب مغادرة اليهود للمدينة، ولم يبق سوى القليل منهم، كما توجد في وسط المدينة #بئر قديمة طويت جدرانها بحجر البلق المنحوت (البازلت النقاعي)، وتاريخها يعود تقريباً إلى فترة ما قبل الإسلام كما تشير طريقة البناء المحكم للبئر.
ثراء أثري