ثورة 26سبتمبر
و #العمائم التي صارت #كوافي
(شهادة الراحل حسين محمد السفاري) (*)
محمد عبدالوهاب الشيباني
في إحدى عصاري تموز من العام 1962، طُلب مني الحضور إلى مقر الاتحاد اليمني في حافة القاضي للتشاور بموضوع ما، وعند وصولي وجدت عبده محمد الحروي، وعبدالرحمن محمد سعيد، والشيخ قاسم بجاش الذين وصلوا في الغالب من تعز، ومعهم إخبارية مهمة من عبدالغني، مطهر تقول إن الثورة يتم التحضير لها بشكل جادّ، وعلى أعضاء الاتحاد اليمني في عدن والقاهرة الاستعداد لدعمها ماديًّا وبالفدائيين إن تطلب الأمر.
بعد شهرين من لقائنا ذاك، سمع العالم كله خبر الثورة السبتمبرية العظيمة، وقيام الجمهورية العربية اليمنية على أنقاض المملكة المتوكلية المتهالكة، أما الوعود الكبيرة التي قدّمها خطاب الثورة في التغيير والمساواة والديمقراطية والرفاه الاقتصادي والاجتماعي، فقد كانت الملهمة لألوف الشبان من العمّال في المقاهي، والدكاكين، والشركات، والأساطية (عمّال البناء)، والطلاب، للالتحاق بركب الثورة وندائها الإنسانيّ والأخلاقي.
وهذا النداء عشته بكل جوارحي، ولم يمنعني عن تلبيته لشهرين كاملين سوى ارتباطي بأعمال والدي التجارية، غير أني في أواخر نوفمبر اتخذت القرار الأصوب والأصعب، وهو تركي لسيارة خاصة بالمجموعة جوار مطعم التركي في القطيع، وإرسال مفاتيحها لنعمان مع شخص تشيكي كان برفقتي حين كنا نجول لتفقد تسويق منتجات الشركة التي يمثلها، والتي كنا نستورد منها أمواس الحلاقة ومواد كهربائية مختلفة.
ذهبت بعدها مباشرة إلى بيت التاجر علي حسن الوجيه، الذي كانت تربطه بوالدي علاقة ممتازة، حيث كان منها يتم تجهيز فدائيِّي الثورة والراغبين في الالتحاق بالتشكيلات العسكرية الوليدة مثل الحرس الوطني. وجدت في البيت وقتها عشرات الراغبين في السفر إلى تعز وصنعاء، ومنهم حسن السحولي الذي ترافقت معه وآخرين بسيارة لاند روفر حديثة عن طريق الراهدة بعد سنوات طويلة. وبعد أن صار سفيرًا، ذكّرني بالتعب الشديد الذي ألمّ به في رحلة الصعود إلى تعز، وكنت مستشاره الطبي طيلة الطريق، حيث أُسعِف إلى المستشفى فور وصولنا.
في الطريق، كنّا نشاهد الكثير من "البوابير" العتيقة والشاحنات المتوسطة وهي محملة بعشرات المتطوعين المتقدين بالحماس وهم في طريقهم إلى تعز للانضمام للحرس الوطني. تركوا أعمالهم وأشغالهم ومدارسهم في عدن ليلتحقوا بركب الثورة، وكان منظرًا جليلًا يؤثّر في كل من يراه، أما هتافهم المجلجل (ثورة ثورة يا سلال.. وحدة وحدة يا سلال)، فقد كان يأخذنا إلى مدى أبعد من الحماس.
وصلت، بعد رحلة شاقة ولذيذة أيضًا، إلى دار الضيافة، وكان موقع الدار -بما أصبح يسمى اليوم بالمجمع الحكومي- بالقرب من البريد، وهو الآن مقر الإدارات المالية للمحافظة، حيث كان يعج بعشرات الوجوه من القادة والسياسيين، ومنهم اللواء محمد قائد سيف القباطي (البليط) عضو مجلس قيادة الثورة الذي ما أن رآني حتى رحّب بي بحرارة، ثم سألني عمّا جاء بي إلى تعز، فقلت له إن بخاطري الحصول على منحة لدراسة الطيران المدني. فقال لي: "إنّ هذا الأمر صعب الآن، ولكن يمكن للقيادة الاستفادة منك في بعض الأعمال، نظرًا لخبرتك ولغتك الإنجليزية". كان ما لفت انتباهي أنّ كثيرًا من ساكني دار الضيافة قد بدؤُوا بتغيير عماتهم التقليدية (العمائم) بالكوافي، في تعبير صريح عن ولوجهم إلى مرحلة جديدة.
كانت تعز تكتسب وقتها حيوية واضحة، ليس لأنّ المدينة أخذت بالتوسع، ولظهور مبانٍ جديدة ومحلات تجارية عصرية على خط الإسفلت الوحيد بين المدينة القديمة ومنطقة العُرضي، ولم تعُد بتلك الصورة حينما كنت فيها قبل سنوات أربع هاربًا من والدي، وإنما لتلك الروح الوثابة في الناس وانحيازهم الواضح للثورة والجمهورية، واستعدادهم الكبير في التضحية من أجلها.
بعد يومين، أخذني محمد قائد سيف البليط إلى القيادة التي كانت بالقرب من مقام العرضي. أما أول عمل تسلمته فيها فهو مكتب الاتصال والتنسيق، وكانت مهمة هذا المكتب إرسال واستقبال الشفرات، التي ترِد أو ترسل للقيادة، ومنها تلك التي كانت ترسل لقيادة المؤتمر العمالي بعدن أو تستقبل منه بشأن تجهيز وإرسال المتطوعين والفدائيين إلى تعز. وبالمقابل، كنّا نجهز العديد من المتطوعين لإرسال الرسائل والشفرات إلى عدن بطريقة التهريب عن طريق ماوية والحشا، حتى لا يتم الإيقاع بهم في النقاط والمواقع الإنجليزية على خط الراهدة بعدن. بعدها بفترة وجيزة وصل إلى تعز صديقي القديم محمد علي الأكوع، الذي عاد منذ فترة قصيرة من القاهرة، للمشاركة في الدفاع عن الجمهورية، وتم توزيعه إلى تعز ليكون نائبًا لقائدها أحمد الآنسي، لمعرفته بالمدينة التي هرب منها بعد فشل انقلاب 1955 إلى عدن.
و #العمائم التي صارت #كوافي
(شهادة الراحل حسين محمد السفاري) (*)
محمد عبدالوهاب الشيباني
في إحدى عصاري تموز من العام 1962، طُلب مني الحضور إلى مقر الاتحاد اليمني في حافة القاضي للتشاور بموضوع ما، وعند وصولي وجدت عبده محمد الحروي، وعبدالرحمن محمد سعيد، والشيخ قاسم بجاش الذين وصلوا في الغالب من تعز، ومعهم إخبارية مهمة من عبدالغني، مطهر تقول إن الثورة يتم التحضير لها بشكل جادّ، وعلى أعضاء الاتحاد اليمني في عدن والقاهرة الاستعداد لدعمها ماديًّا وبالفدائيين إن تطلب الأمر.
بعد شهرين من لقائنا ذاك، سمع العالم كله خبر الثورة السبتمبرية العظيمة، وقيام الجمهورية العربية اليمنية على أنقاض المملكة المتوكلية المتهالكة، أما الوعود الكبيرة التي قدّمها خطاب الثورة في التغيير والمساواة والديمقراطية والرفاه الاقتصادي والاجتماعي، فقد كانت الملهمة لألوف الشبان من العمّال في المقاهي، والدكاكين، والشركات، والأساطية (عمّال البناء)، والطلاب، للالتحاق بركب الثورة وندائها الإنسانيّ والأخلاقي.
وهذا النداء عشته بكل جوارحي، ولم يمنعني عن تلبيته لشهرين كاملين سوى ارتباطي بأعمال والدي التجارية، غير أني في أواخر نوفمبر اتخذت القرار الأصوب والأصعب، وهو تركي لسيارة خاصة بالمجموعة جوار مطعم التركي في القطيع، وإرسال مفاتيحها لنعمان مع شخص تشيكي كان برفقتي حين كنا نجول لتفقد تسويق منتجات الشركة التي يمثلها، والتي كنا نستورد منها أمواس الحلاقة ومواد كهربائية مختلفة.
ذهبت بعدها مباشرة إلى بيت التاجر علي حسن الوجيه، الذي كانت تربطه بوالدي علاقة ممتازة، حيث كان منها يتم تجهيز فدائيِّي الثورة والراغبين في الالتحاق بالتشكيلات العسكرية الوليدة مثل الحرس الوطني. وجدت في البيت وقتها عشرات الراغبين في السفر إلى تعز وصنعاء، ومنهم حسن السحولي الذي ترافقت معه وآخرين بسيارة لاند روفر حديثة عن طريق الراهدة بعد سنوات طويلة. وبعد أن صار سفيرًا، ذكّرني بالتعب الشديد الذي ألمّ به في رحلة الصعود إلى تعز، وكنت مستشاره الطبي طيلة الطريق، حيث أُسعِف إلى المستشفى فور وصولنا.
في الطريق، كنّا نشاهد الكثير من "البوابير" العتيقة والشاحنات المتوسطة وهي محملة بعشرات المتطوعين المتقدين بالحماس وهم في طريقهم إلى تعز للانضمام للحرس الوطني. تركوا أعمالهم وأشغالهم ومدارسهم في عدن ليلتحقوا بركب الثورة، وكان منظرًا جليلًا يؤثّر في كل من يراه، أما هتافهم المجلجل (ثورة ثورة يا سلال.. وحدة وحدة يا سلال)، فقد كان يأخذنا إلى مدى أبعد من الحماس.
وصلت، بعد رحلة شاقة ولذيذة أيضًا، إلى دار الضيافة، وكان موقع الدار -بما أصبح يسمى اليوم بالمجمع الحكومي- بالقرب من البريد، وهو الآن مقر الإدارات المالية للمحافظة، حيث كان يعج بعشرات الوجوه من القادة والسياسيين، ومنهم اللواء محمد قائد سيف القباطي (البليط) عضو مجلس قيادة الثورة الذي ما أن رآني حتى رحّب بي بحرارة، ثم سألني عمّا جاء بي إلى تعز، فقلت له إن بخاطري الحصول على منحة لدراسة الطيران المدني. فقال لي: "إنّ هذا الأمر صعب الآن، ولكن يمكن للقيادة الاستفادة منك في بعض الأعمال، نظرًا لخبرتك ولغتك الإنجليزية". كان ما لفت انتباهي أنّ كثيرًا من ساكني دار الضيافة قد بدؤُوا بتغيير عماتهم التقليدية (العمائم) بالكوافي، في تعبير صريح عن ولوجهم إلى مرحلة جديدة.
كانت تعز تكتسب وقتها حيوية واضحة، ليس لأنّ المدينة أخذت بالتوسع، ولظهور مبانٍ جديدة ومحلات تجارية عصرية على خط الإسفلت الوحيد بين المدينة القديمة ومنطقة العُرضي، ولم تعُد بتلك الصورة حينما كنت فيها قبل سنوات أربع هاربًا من والدي، وإنما لتلك الروح الوثابة في الناس وانحيازهم الواضح للثورة والجمهورية، واستعدادهم الكبير في التضحية من أجلها.
بعد يومين، أخذني محمد قائد سيف البليط إلى القيادة التي كانت بالقرب من مقام العرضي. أما أول عمل تسلمته فيها فهو مكتب الاتصال والتنسيق، وكانت مهمة هذا المكتب إرسال واستقبال الشفرات، التي ترِد أو ترسل للقيادة، ومنها تلك التي كانت ترسل لقيادة المؤتمر العمالي بعدن أو تستقبل منه بشأن تجهيز وإرسال المتطوعين والفدائيين إلى تعز. وبالمقابل، كنّا نجهز العديد من المتطوعين لإرسال الرسائل والشفرات إلى عدن بطريقة التهريب عن طريق ماوية والحشا، حتى لا يتم الإيقاع بهم في النقاط والمواقع الإنجليزية على خط الراهدة بعدن. بعدها بفترة وجيزة وصل إلى تعز صديقي القديم محمد علي الأكوع، الذي عاد منذ فترة قصيرة من القاهرة، للمشاركة في الدفاع عن الجمهورية، وتم توزيعه إلى تعز ليكون نائبًا لقائدها أحمد الآنسي، لمعرفته بالمدينة التي هرب منها بعد فشل انقلاب 1955 إلى عدن.