وجوا عسكر الجن إشارة إلى عكفي الإمام أحمد الذي كان يلقب بـ (أحمد يا جناهـ) وقد نهبوا ما معه من رأس مال فلم يجد أمامه سوى الرحيل باتجاه الحبشة التي جاءت الأخبار منها لتؤكد لأهله بأن حالته ناهية أي حسنة ومقبولة..
بكَّرت مثله مهاجر والظفر في البكر..
وكان زادي مع اللقمة ريالين حجر
وابحرت في ساعية تحمل جلود البقر..
والبن للتاجر المحظوظ والطاغية
لقد اتخذ الشقيق المقيم قرار الرحيل هو الآخر وسلك طريق البحر ليتلقفه على الساحل السماسرة الذين يقومون بتهريب النازحين مقابل حفنة من النقود وبأساليب بالغة القسوة تصل حد شحنهم بين الجلود أو داخل البراميل كسلع تجارية بعد ابتزازهم كل ما يملكون..
بحثت عن شغل في الدكة وميناء عصب..
وفي الطرق والمباني ما وجدت الطلب
شكيت لاخواني البلوى وطول التعب..
فقالوا البحر.. قلت البحر واساعية
وفي هذه المقطوعة يلخص لنا الشاعر معاناة المهاجر عقب وصوله إلى الحبشة وما يلاقيه من قسوة الحال وانعدام فرص العمل مما يضطره إلى الشكوى على إخوانه المغتربين اليمنيين والذين ينصحوه بدورهم بالعمل في البحر فيقبل بالمشورة ويقول البحر البحر أيتها الساعية الشراعية الصغيرة.. ويستمر به حال النكد إلى أن يأتي فيقول:
وعشت في البحر عامل خمستعشر سنة..
في مركب اجريكي اعور حازق الكبتنة
وسوَّد الفحم جلدي مثلما المدخنة..
وطفت كم يا بَلَوِّد أرضها قاصية
وهنا نجده يعود ليخبرنا عن المدة التي قضاها عاملاً في البحر على ظهر مركب إغريقي (يوناني) حازق الكبتنة أي ربانه شديد وشرس في التعامل وهذا حال اليمنيين الذين كانوا يتجرعون مرارة الاضطهاد من قبل كباتنة البواخر التي يضطرهم الفقر والطفر للعمل عليها حيث يتم تكليفهم بأقسى ما فيها من الأعمال كحمل الأثقال وتموين الباخرة بالفحم حتى تسود جلودهم كما تسود مدخنة الباخرة..
مثل الطيور القواطع طفت كل الجزر..
غويت لي ما غويت لوما كرهت السفر
واخترت (بر الدناكل) متَّجر بالحصر..
من حي لاحي يا مركب بلا سارية
والمقصود ببر الدناكل الأرض التي تسكنها قبائل الدنكل جنوب السودان وهذا يعكس العمق الذي وصله المهاجر اليمني في تغربه حيث يذهب إلى مضارب القبائل البدائية لبيع الحصير الذي يبنون منه بيوتهم ويفترشونه داخلها ويتنقل من حي إلى آخر وهو في حالة تيه وضياع كسفينة ليس لها سارية ولا شراع..
غريب في الشاطئ الغربي بجسمه نزل..
والروح في الشاطئ الشرقي وقلبه رحل
يا ليت والبحر الاحمر ضاق والا وصل..
جسور تمتد عبر الضفة الثانية
وفي هذه الجزئية توضيح للمكان الذي يشتاق منه المهاجر لبلاده فهو في الشاطئ الغربي للبحر الأحمر واليمن في الشاطئ الشرقي.. ونلاحظه كيف يطلق لأمانيه العنان مترجياً لو أن البحر يضيق ليقطعه عائداً إلى أرضه أو يمتد جسوراً من ضفته الغربية إلى ضفته الشرقية حيث بلاده وأحبابه..
#من_كان_مثلي_غريب_الدار
#ماله_مقر..
فما عليه إن بكى وابكى الحجر والشجر
إبكي لك ابكي وصب الدمع مثل المطر..
ومن دم القلب خَلِّي دمعتك جارية.
وبالتأكيد وسط مشاعر الحزن والأسى تجاه ما يلاقيه من المتاعب ليس على المغترب لوم ولا عتب إن بكى وابكى معه الجماد وقد جرت العادة على أن يعبر اليمنيون عن شدة البكاء والنحيب بقولهم (فلان يبكي يبكِّي الشجر)..
غنَّيت في غربتي (يا الله لا هنتنا)..
ومزَّق الشوق روحي في لهيب الضنا
راجع أنا يا بلادي يا ديار الهنا..
يا جنَّتي يا ملاذي يا امي الغالية
نعم (يا الله لا هنتنا).. هكذا كان يردد المهاجرون اليمنيون في الحبشة هذه الكلمات وهي ضمن موال معروف يؤدى بكلمات تقول مما تقول:
يا الله لا هنتنا بين الحبش وحدنا..
نشتي نروِّح لنا بلادنا الغالية
وهذا هو الوزن الأصلي الذي بنى عليه شاعرنا مطهر الإرياني قصيدته (البالة) والتي خلص في مسك ختامها إلى تأكيد مقولة الحكيم اليماني علي ابن زايد الشهيرة (عز القبيلي بلاده.. ولو تجرَّع وباها)..
هذه هي قصيدة البالة التي ترجمت بجدارة ومصداقية مأساوية الغربة
لليمنيين أيام الإمامة ولعل الأهم فيها والذي حولها إلى ظاهرة فنية
لائقه بالإجادة والدراسة هو إجادتها فنيا وغناء ولحنا من الفنان اليمني
الكبير المرحوم علي عبدالله السمه الذي اتقن بصوته الشجي تقاسيم
حزنها واشبع بأوتاره الشجن الساري في كل بيت ومقطع وشب
في كلماتها روح الدلالة المفعمة والحنين.
ــــــــــــــــــــــــــ
#التعليق على بعض المفردات
قلبي بوادي «بنا» و«أبين» ووادي «زبيد»
وادي بنا :
واد مشهور في اليمن ينبع من المرتفعات الواقعة
بالقرب من يربم ، وتتصل به عدة أودية ، من أهمها : ( وادي المسقاة )،
ووادي دمت ، ووادي حسان ، ووادي الصبية ، تبلغ مساحة
بكَّرت مثله مهاجر والظفر في البكر..
وكان زادي مع اللقمة ريالين حجر
وابحرت في ساعية تحمل جلود البقر..
والبن للتاجر المحظوظ والطاغية
لقد اتخذ الشقيق المقيم قرار الرحيل هو الآخر وسلك طريق البحر ليتلقفه على الساحل السماسرة الذين يقومون بتهريب النازحين مقابل حفنة من النقود وبأساليب بالغة القسوة تصل حد شحنهم بين الجلود أو داخل البراميل كسلع تجارية بعد ابتزازهم كل ما يملكون..
بحثت عن شغل في الدكة وميناء عصب..
وفي الطرق والمباني ما وجدت الطلب
شكيت لاخواني البلوى وطول التعب..
فقالوا البحر.. قلت البحر واساعية
وفي هذه المقطوعة يلخص لنا الشاعر معاناة المهاجر عقب وصوله إلى الحبشة وما يلاقيه من قسوة الحال وانعدام فرص العمل مما يضطره إلى الشكوى على إخوانه المغتربين اليمنيين والذين ينصحوه بدورهم بالعمل في البحر فيقبل بالمشورة ويقول البحر البحر أيتها الساعية الشراعية الصغيرة.. ويستمر به حال النكد إلى أن يأتي فيقول:
وعشت في البحر عامل خمستعشر سنة..
في مركب اجريكي اعور حازق الكبتنة
وسوَّد الفحم جلدي مثلما المدخنة..
وطفت كم يا بَلَوِّد أرضها قاصية
وهنا نجده يعود ليخبرنا عن المدة التي قضاها عاملاً في البحر على ظهر مركب إغريقي (يوناني) حازق الكبتنة أي ربانه شديد وشرس في التعامل وهذا حال اليمنيين الذين كانوا يتجرعون مرارة الاضطهاد من قبل كباتنة البواخر التي يضطرهم الفقر والطفر للعمل عليها حيث يتم تكليفهم بأقسى ما فيها من الأعمال كحمل الأثقال وتموين الباخرة بالفحم حتى تسود جلودهم كما تسود مدخنة الباخرة..
مثل الطيور القواطع طفت كل الجزر..
غويت لي ما غويت لوما كرهت السفر
واخترت (بر الدناكل) متَّجر بالحصر..
من حي لاحي يا مركب بلا سارية
والمقصود ببر الدناكل الأرض التي تسكنها قبائل الدنكل جنوب السودان وهذا يعكس العمق الذي وصله المهاجر اليمني في تغربه حيث يذهب إلى مضارب القبائل البدائية لبيع الحصير الذي يبنون منه بيوتهم ويفترشونه داخلها ويتنقل من حي إلى آخر وهو في حالة تيه وضياع كسفينة ليس لها سارية ولا شراع..
غريب في الشاطئ الغربي بجسمه نزل..
والروح في الشاطئ الشرقي وقلبه رحل
يا ليت والبحر الاحمر ضاق والا وصل..
جسور تمتد عبر الضفة الثانية
وفي هذه الجزئية توضيح للمكان الذي يشتاق منه المهاجر لبلاده فهو في الشاطئ الغربي للبحر الأحمر واليمن في الشاطئ الشرقي.. ونلاحظه كيف يطلق لأمانيه العنان مترجياً لو أن البحر يضيق ليقطعه عائداً إلى أرضه أو يمتد جسوراً من ضفته الغربية إلى ضفته الشرقية حيث بلاده وأحبابه..
#من_كان_مثلي_غريب_الدار
#ماله_مقر..
فما عليه إن بكى وابكى الحجر والشجر
إبكي لك ابكي وصب الدمع مثل المطر..
ومن دم القلب خَلِّي دمعتك جارية.
وبالتأكيد وسط مشاعر الحزن والأسى تجاه ما يلاقيه من المتاعب ليس على المغترب لوم ولا عتب إن بكى وابكى معه الجماد وقد جرت العادة على أن يعبر اليمنيون عن شدة البكاء والنحيب بقولهم (فلان يبكي يبكِّي الشجر)..
غنَّيت في غربتي (يا الله لا هنتنا)..
ومزَّق الشوق روحي في لهيب الضنا
راجع أنا يا بلادي يا ديار الهنا..
يا جنَّتي يا ملاذي يا امي الغالية
نعم (يا الله لا هنتنا).. هكذا كان يردد المهاجرون اليمنيون في الحبشة هذه الكلمات وهي ضمن موال معروف يؤدى بكلمات تقول مما تقول:
يا الله لا هنتنا بين الحبش وحدنا..
نشتي نروِّح لنا بلادنا الغالية
وهذا هو الوزن الأصلي الذي بنى عليه شاعرنا مطهر الإرياني قصيدته (البالة) والتي خلص في مسك ختامها إلى تأكيد مقولة الحكيم اليماني علي ابن زايد الشهيرة (عز القبيلي بلاده.. ولو تجرَّع وباها)..
هذه هي قصيدة البالة التي ترجمت بجدارة ومصداقية مأساوية الغربة
لليمنيين أيام الإمامة ولعل الأهم فيها والذي حولها إلى ظاهرة فنية
لائقه بالإجادة والدراسة هو إجادتها فنيا وغناء ولحنا من الفنان اليمني
الكبير المرحوم علي عبدالله السمه الذي اتقن بصوته الشجي تقاسيم
حزنها واشبع بأوتاره الشجن الساري في كل بيت ومقطع وشب
في كلماتها روح الدلالة المفعمة والحنين.
ــــــــــــــــــــــــــ
#التعليق على بعض المفردات
قلبي بوادي «بنا» و«أبين» ووادي «زبيد»
وادي بنا :
واد مشهور في اليمن ينبع من المرتفعات الواقعة
بالقرب من يربم ، وتتصل به عدة أودية ، من أهمها : ( وادي المسقاة )،
ووادي دمت ، ووادي حسان ، ووادي الصبية ، تبلغ مساحة