اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
مجلسا " #المسود " و" #المزواد ": أشكال الديمقراطية والنزعة المبكّرة للشراكة السياسية في #اليمن
 
أحمد #متاريك

منذ القرون الأولى قبل الميلاد عرفت اليمن أحد أول أشكال الديمقراطية التي سبقت بها المنطقة بأسرها في ضرورة رجوع الحاكم إلى مجلس شعبي لابد وأن يقرّه على قراراته قبل تنفيذها إلا وتصبح لاغية. لا نتحدث عن تجربة "شورى" ناشئة كتجمّع قبلي داخل دار الندوة استأثر فيه بعض سادة قريش، ممن تخطوا الأربعين، بالقرار قبله وبعده، وإنما عن مجلس برلماني له قدر من الصلاحيات عبّر أعضاؤه عن هواجس رقعة واسعة من أهل اليمن السعيد، وهو ما عُرف تاريخياً بـ"مجلس المسود" (مشد أو مسد أو مزد)، والذي يمكن اعتباره أول ظهور لمجلس نيابي في الجزيرة العربية. بعكس بلاد الحجاز، عرفت اليمن حياة سياسية منظمة منذ القِدَم، وشهدت دولاً مركزية بسط سلطانها نفوذه على كافة الأرجاء، توهج عطاؤها في الزراعة والعمران فقامت على عضديهما حضارات خلّد بعضها القرآن مثل "سبأ (800 ق.م - 525م)". وأخرى حفلت كُتب المرويات ببديع أعمالها مثل "معين (1400 - 850 ق.م)" و"قتبان (865 - 540 ق.م)" و"أوسان" و"حمير" و"حضرموت (1020 ق.م - 65م)"، بعضها تجاورت فتزاحمت وأخرى تتابعت فتوارثت. صحيح أن الحُكم في جميع دول اليمن كان ملكياً نمطياً، ينتقل فيه الصولجان من الأب للابن أو لولي العهد إن لم يُوجد الأول، لكن كتب التاريخ تقطع بأن الملك اليمني، في جميع الحضارات التي قامت في جِنانها تلاحقت لم يكن ظلاًّ للإله في الأرض له مطلق صلاحيات اتخاذ القرارات، وإنما عليه أن يستشير "الملأ" من قومه قبل إقرار أي مرسوم هام. لا يمكننا الجزم من أين أتت الشرارة ولا كيف، بدأتها سبأ أم معين أم قتبان؟ لا تنجدنا المرويات بما يكفي من معلومات لليقين.
السلطة التشريعية اليمنية عرفت نظام المجلسين مبكراً جداً منذ القرون الأولى قبل الميلاد، الأول دُعي بمجلس المسود، والثاني عرف بـ"المزواد".
لكننا يمكننا القطع بأن السلطة التشريعية اليمنية عرفت نظام المجلسين مبكراً جداً منذ القرون الأولى قبل الميلاد، الأول دُعي بمجلس المسود (مسد منعن أي المجلس المنيع)، وكان يضم كبار رجال الدولة وأسياد القوم والقبائل والمخاليف (المحافظات)، وكان بمثابة المجلس الاستشاري للحاكم يجتمعون للبت في أمور الحرب والمنشآت العامة واستراتيجيات الدولة العليا. أما المجلس الآخر فهو سلسلة عنقودية من مجالس قبائل أو "مزواد"، ويضم زعماء قبائل كل منطقة وممثلي كل مدينة، وكانت مهامه تمتد اقتراح قوانين يحتاجها الناس لتصريف شؤونهم مثل كيفية البيع والشراء والاستثمار في الأرض وطريقة فرض الضرائب، وذلك لعرضها على الملك تمهيداً لنيل موافقته عليها، فيما يعدّها كثير من الباحثون النسخة اليمنية الأولى من مجالس المحليات.
الشراكة السياسية بين الحاكم والمحكوم
يقول الكاتب اليمني ناصر العتولي، في مقاله "ثقافة الثورة" بصحفية "نشوان نيوز"، إن آلاف النقوش المسندية سجلت تاريخ الشراكة السياسية بين الحاكم والمحكوم في اليمن، فمجالس "المزاود" كانت مفوضة من القاعدة الشعبية التي اختارتها بإدارة الشأن المحلي اقتصادياً واجتماعياً بشكل كبير، كما كان "المسود" مجلس أعلى مهتم بالشأن الوطني العام مثل تنظيم التجارة وتأمين طرقاتها البحرية والبرية، وتنظيم مهام الدفاع والأمن وغيرها.
يمكن اعتبار ما ظهر في اليمن وعُرف تاريخياً بـ"مجلس المسود" (مشد أو مسد أو مزد)، أول ظهور لمجلس نيابي في الجزيرة العربية
رغم انتقال الصولجان من الأب للابن أو لولي العهد في حضارات اليمن المتعاقبة، لم يتطور نموذج الملك كـ"ظل الإله" على الأرض، حيث كان على الحاكم أن يستشير "الملأ" من قومه قبل إقرار أي مرسوم هام
ويضيف، أن كل هذه العمليات كانت تتم في سياق منظومة من القوانين التي تضاهي أحدث التشريعات المعاصرة، والتي كانت تبدأ بمداولات المجالس حول القوانين المقترحة، ولم يكن لهم فقط سلطة إصدار القوانين، وإنما كان لهم نفوذ على الحاكم نفسه، فإذا أجمعوا على إبقائه أبقوه، وإذا رفضوه عُزل. ويوضح جواد في "المفصل"، أن عضوية المجالس كانت تأتي لصاحبها وفقًا لمنزلته ومكانته، فاعتُبر في ذلك العصر أن كبار الموظفين وملاك الأراضي ورجال الدين هم صفوة المجتمع الذين يملكون رجحان العقل الكافي لاستشارتهم في القرارات المصيرية، ويضيف، أن أعضاء المجلس عرفوا بلقب "أسود"، أي: "أسياد". اجتهد مؤرخ كالطبري في محاولة استنتاج عدد أفراد المجلس، فقدّرهم بأنهم 312 عضواً، قياساً على عدد وفد "الملأ" الذين اصطحبتهم ملكة سبأ بلقيس معها في قصة رحلتها الشهيرة إلى الملك سليمان. يؤكد عبدالعزيز بن صالح في كتابه "تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة"، أن جنوب الجزيرة شهد قيام دولة أوسان اليمنية، التي كانت جزءاً من دولة قتبان قرب مدخل البحر الأحمر وأشرفت، ثم انفصلت عنها في ظروف غير معروفة، ووفّرت لنفسها كياناً مستقلاً بجوار قتبان وسبأ، التفت ملوك الأخيرة إلى هذا الكيان