1⃣
#غَزَال_الـمَقْدَشِيَّة..
الشاعرةٌ والحكيمةٌ
#محمد_علي_ثامر
قالوا غَزَال وأمها سَـرعهْ بناتْ الخُمسْ1
ما بِهْ خُمسْ يا عبادَ الله ما بِهْ سُدسْ
من قدْ ترفعْ لَوَا رَاسه وعَدّ البُقش2
وقالْ لا باسْ كم يحبسْ؟ وما يحتبسْ
سَوا سَوا يا عِبَادَ الله مِتْساوِيـِــةْ
ما احَّدْ وَلَدْ حُرّ والثَّانيْ وَلَدْ جَارِيِهْ
عِيالْ تسعةْ وقالوا بعضَنا بيتْ ناسْ3
وبعضنا بيتْ ثاني عينهْ ثانيه4
يُعْرَف اليمنيون بأنهم أهل الحكمة والفراسة، وأهل الدِّراية والكياسة، فمنهم الحكماء، ومنهم العظماء في شتى مناحي الحياة؛ ولعلنا نتذكر أقوال وحِكم «علي ولد زايد»، و«الحُمَيْد بن منصور»، و«حزام مرشد الشبثي»، و«أبو عامر الحضرمي»…. وغيرهم، فهؤلاء الذين ملأوا الدنيا أشعاراً وأحكاماً وأقوالاً متوارثة…؛ فيتساءل سائلٌ هل الحِكمة في اليمن كانت حكراً على الرجال فقط، كأيّ مجتمعٍ شرقيٍّ ذُكوري؟! أم أن للمرأة اليمنية دورها ومجدها وعطاءها؟! فالمرأة في المنظور العام هي شريكة الرجل دائماً، بَنِتْ معه أول عُشٍّ، وزَرَعَتْ معه أول نبتة، بل وكانت المرأة أكثر تحملاً لمغالبة العواصف، وحرارة الأرض، واستخراج اللؤلؤ؛ فعندما تحركت خطوات الإنسان واكبت المرأة الرجل، بل وسبقته؛ فكان وراء كل بطلٍ أمٌّ بطلة، وخلف كل متفوقٍ أمٌّ أيضاً متفوقة؛ لأنها نقطة انطلاق الرجل يأتي منها كما تأتي الثمرة من الشجرة، ويأتي إليها كما يأتي القاطف إلى عناقيد العنب، فهي دائماً مصدر العطاء، حاربت مع الرجل في كل ميدان، في (طروادة)، وفي (اليرموك)، وفي (ليننجراد)، وعلى نهر (السين)5
ولكنها «اليمن» تثبت من الجمال أفضله وأحسنه؛ ومن النبوغ والإدراك أروعه وأبهاه؛ فهي البلاد الذي حكمته الملكة السبأية بلقيس بنت الهدهاد (935 – 970 قبل الميلاد)6، وهي ذاتها بلاد الملكة أسـماء بنت شهاب الصليحية (ت480هـ/1087م)7، والسيدة بنت أحمد الصليحي (440هـ/ 1049م – 532هـ/ 1138م)8، وهي أيضاً موطن الشاعرة المرهبية9، والشاعرات الأخريات كـ«ظبية النميرية»10، و«صفية بنت المرتضى بن المفضل»11، و«دهماء بنت يحيى المرتضى»12، و«زينب الشهارية»13..
وبالتالي فهي بلاد ووطن الحكيمة اليمانية والشاعرة الجريئة وصاحبة المواقف والقضايا «غَزَال المَقْدَشِيَّة»، والتي ربـما لا يعرفها الكثير، ولكنها مخلَّدةً في التاريخ اليمني إسـماً ومواقف، أشعاراً وأقوالا؛ ولا تزال حِكَمِها وأقوالها تُردَّد حتى الآن في العديد من المواقف، ويتداولها الناس في المقايل والمبارز واللقاءات، فتعطي دلالةً أكيدة على أن الشعر والحِكمة في اليمن لم تتوقف على جنس الرجال فقط بل تجاوزته المرأة وأصبح لها قولها وفِعْلها أيضاً، ويقول الأستاذ/ خالد الرويشان واصفاً شعر المرأة اليمنية بأنه: «من أهم مفاصل الثقافة الشفهية فـي اليمن؛ إنه صوتُ المرأةِ اليمنيةِ شعراً وغناءً فـي أرقى تجلياته، وأنقاها، أبياتٌ مفردةٌ، بقافـيةٍ وحيدة؛ كأنّ البيت الواحدَ قصيدةٌ، واللوعةَ ديوانٌ، والزفرةَ أغنيةٌ، والحنينَ قلبٌ يشتعل بالشوق ويضيءُ بالأمنيات.. إن شعر المرأةِ اليمنيةِ الغنائي، خُلاصةُ شعرٍ، وخُصوصيةُ مشاعر، خصاصةُ شعبٍ، وأشجانُ شِعابٍ، وصبرُ جبالٍ، ولواعجُ قريةٍ أرّقتْها رقصةُ مزمارٍ تُؤنسُ وحشةَ ليلٍ وحيد.. ثـمَّة أبياتٌ فـي الثقافةِ الشفهيةِ الشعرية النسائية بلغت إشراقاتُ ضوئها ذُرىً لم تبلغها عشراتُ القصائدِ والدواوين الفصيحةِ فـي الشعر العربي، أبياتٌ غُنـّيتْ للريح تتناقلها السنوات عبر ثقافةٍ شفويةٍ مغمورةٍ مطمورة، وقد آن الأوان لتوثيقها، والاهتمام بها، كنمطٍ تتميّز به ثقافةُ اليمن، وتـمتازُ به المرأةُ اليمنية دون سواها»14
إنسان الريف.. روحٌ وحياة!
عندما تذهب إلى أرياف اليمن المختلفة والمتنوعة تجدُّ من الجمال أروعه، ومن السحر أحلاه وأحسنه، فهناك عجب العُجاب، أرضاً وإنساناً، أخلاقاً ومروءةً، أعرافاً وأسلافاً، آداباً وفنوناً وثقافة؛ فالريف اليمني هو منجم كل شيءٍ جميل في هذه البلاد، فإنسانه يختلف تـماماً عن من يسكنون المدن المتحضِّـرة والمعولمة، والذين ضاعوا في آخر صيحات الموضة وآخر معارض التكنولوجيا، بل وتاهوا في وسائل التواصل الاجتماعي المتشابكة والمتشعبة، وفي دهاليز السياسة والحزبية المقيتة؛ التي أضاعت اليمن؛ فأصبحوا ضائعين مُضيعين مُقيدين بأسوارٍ وأغلالٍ لا داعي لها.
أما إنسان الريف فهو ذو حسٍ فريد، وذوقٍ مُرهف، يحمل على محياه ابتسامة البراءة واللَّطافة والتَّحافة، والتي لا تفارقه، بشوشاً كريـماً معطاءً كعادته، يختار من الألفاظ أرقها وأرشقها، أسهلها في النطق وأحلاها على السمع، تَـمسُّ شِغاف القلوب بدون سابق إنذار، تُدَنْدِنُ من أول وهلة لتكسبكَ انطباعاً رائعاً وجيداً عن الريف وأهله وناسه.
#غَزَال_الـمَقْدَشِيَّة..
الشاعرةٌ والحكيمةٌ
#محمد_علي_ثامر
قالوا غَزَال وأمها سَـرعهْ بناتْ الخُمسْ1
ما بِهْ خُمسْ يا عبادَ الله ما بِهْ سُدسْ
من قدْ ترفعْ لَوَا رَاسه وعَدّ البُقش2
وقالْ لا باسْ كم يحبسْ؟ وما يحتبسْ
سَوا سَوا يا عِبَادَ الله مِتْساوِيـِــةْ
ما احَّدْ وَلَدْ حُرّ والثَّانيْ وَلَدْ جَارِيِهْ
عِيالْ تسعةْ وقالوا بعضَنا بيتْ ناسْ3
وبعضنا بيتْ ثاني عينهْ ثانيه4
يُعْرَف اليمنيون بأنهم أهل الحكمة والفراسة، وأهل الدِّراية والكياسة، فمنهم الحكماء، ومنهم العظماء في شتى مناحي الحياة؛ ولعلنا نتذكر أقوال وحِكم «علي ولد زايد»، و«الحُمَيْد بن منصور»، و«حزام مرشد الشبثي»، و«أبو عامر الحضرمي»…. وغيرهم، فهؤلاء الذين ملأوا الدنيا أشعاراً وأحكاماً وأقوالاً متوارثة…؛ فيتساءل سائلٌ هل الحِكمة في اليمن كانت حكراً على الرجال فقط، كأيّ مجتمعٍ شرقيٍّ ذُكوري؟! أم أن للمرأة اليمنية دورها ومجدها وعطاءها؟! فالمرأة في المنظور العام هي شريكة الرجل دائماً، بَنِتْ معه أول عُشٍّ، وزَرَعَتْ معه أول نبتة، بل وكانت المرأة أكثر تحملاً لمغالبة العواصف، وحرارة الأرض، واستخراج اللؤلؤ؛ فعندما تحركت خطوات الإنسان واكبت المرأة الرجل، بل وسبقته؛ فكان وراء كل بطلٍ أمٌّ بطلة، وخلف كل متفوقٍ أمٌّ أيضاً متفوقة؛ لأنها نقطة انطلاق الرجل يأتي منها كما تأتي الثمرة من الشجرة، ويأتي إليها كما يأتي القاطف إلى عناقيد العنب، فهي دائماً مصدر العطاء، حاربت مع الرجل في كل ميدان، في (طروادة)، وفي (اليرموك)، وفي (ليننجراد)، وعلى نهر (السين)5
ولكنها «اليمن» تثبت من الجمال أفضله وأحسنه؛ ومن النبوغ والإدراك أروعه وأبهاه؛ فهي البلاد الذي حكمته الملكة السبأية بلقيس بنت الهدهاد (935 – 970 قبل الميلاد)6، وهي ذاتها بلاد الملكة أسـماء بنت شهاب الصليحية (ت480هـ/1087م)7، والسيدة بنت أحمد الصليحي (440هـ/ 1049م – 532هـ/ 1138م)8، وهي أيضاً موطن الشاعرة المرهبية9، والشاعرات الأخريات كـ«ظبية النميرية»10، و«صفية بنت المرتضى بن المفضل»11، و«دهماء بنت يحيى المرتضى»12، و«زينب الشهارية»13..
وبالتالي فهي بلاد ووطن الحكيمة اليمانية والشاعرة الجريئة وصاحبة المواقف والقضايا «غَزَال المَقْدَشِيَّة»، والتي ربـما لا يعرفها الكثير، ولكنها مخلَّدةً في التاريخ اليمني إسـماً ومواقف، أشعاراً وأقوالا؛ ولا تزال حِكَمِها وأقوالها تُردَّد حتى الآن في العديد من المواقف، ويتداولها الناس في المقايل والمبارز واللقاءات، فتعطي دلالةً أكيدة على أن الشعر والحِكمة في اليمن لم تتوقف على جنس الرجال فقط بل تجاوزته المرأة وأصبح لها قولها وفِعْلها أيضاً، ويقول الأستاذ/ خالد الرويشان واصفاً شعر المرأة اليمنية بأنه: «من أهم مفاصل الثقافة الشفهية فـي اليمن؛ إنه صوتُ المرأةِ اليمنيةِ شعراً وغناءً فـي أرقى تجلياته، وأنقاها، أبياتٌ مفردةٌ، بقافـيةٍ وحيدة؛ كأنّ البيت الواحدَ قصيدةٌ، واللوعةَ ديوانٌ، والزفرةَ أغنيةٌ، والحنينَ قلبٌ يشتعل بالشوق ويضيءُ بالأمنيات.. إن شعر المرأةِ اليمنيةِ الغنائي، خُلاصةُ شعرٍ، وخُصوصيةُ مشاعر، خصاصةُ شعبٍ، وأشجانُ شِعابٍ، وصبرُ جبالٍ، ولواعجُ قريةٍ أرّقتْها رقصةُ مزمارٍ تُؤنسُ وحشةَ ليلٍ وحيد.. ثـمَّة أبياتٌ فـي الثقافةِ الشفهيةِ الشعرية النسائية بلغت إشراقاتُ ضوئها ذُرىً لم تبلغها عشراتُ القصائدِ والدواوين الفصيحةِ فـي الشعر العربي، أبياتٌ غُنـّيتْ للريح تتناقلها السنوات عبر ثقافةٍ شفويةٍ مغمورةٍ مطمورة، وقد آن الأوان لتوثيقها، والاهتمام بها، كنمطٍ تتميّز به ثقافةُ اليمن، وتـمتازُ به المرأةُ اليمنية دون سواها»14
إنسان الريف.. روحٌ وحياة!
عندما تذهب إلى أرياف اليمن المختلفة والمتنوعة تجدُّ من الجمال أروعه، ومن السحر أحلاه وأحسنه، فهناك عجب العُجاب، أرضاً وإنساناً، أخلاقاً ومروءةً، أعرافاً وأسلافاً، آداباً وفنوناً وثقافة؛ فالريف اليمني هو منجم كل شيءٍ جميل في هذه البلاد، فإنسانه يختلف تـماماً عن من يسكنون المدن المتحضِّـرة والمعولمة، والذين ضاعوا في آخر صيحات الموضة وآخر معارض التكنولوجيا، بل وتاهوا في وسائل التواصل الاجتماعي المتشابكة والمتشعبة، وفي دهاليز السياسة والحزبية المقيتة؛ التي أضاعت اليمن؛ فأصبحوا ضائعين مُضيعين مُقيدين بأسوارٍ وأغلالٍ لا داعي لها.
أما إنسان الريف فهو ذو حسٍ فريد، وذوقٍ مُرهف، يحمل على محياه ابتسامة البراءة واللَّطافة والتَّحافة، والتي لا تفارقه، بشوشاً كريـماً معطاءً كعادته، يختار من الألفاظ أرقها وأرشقها، أسهلها في النطق وأحلاها على السمع، تَـمسُّ شِغاف القلوب بدون سابق إنذار، تُدَنْدِنُ من أول وهلة لتكسبكَ انطباعاً رائعاً وجيداً عن الريف وأهله وناسه.
2⃣
#غزال_المقدشية
الشاعرة والحكيمة
#محمد_علي_ثامر
أول من يبادر لطلب يدها والزواج بها!!»
قالوا غَزَال وأمها سَـرعهْ بناتْ الخُمسْ
ما بِهْ خُمسْ يا عبادَ اللهْ ما بِهْ سُدسْ
من قدْ ترفعْ لَوَا رَاسه وعَدّ البُقشْ
وقالْ لا باسْ كم يحبسْ؟ وما يحتبسْ
سَوا سَوا يا عِبَادَ اللهْ مِتْساوِيـِــةْ
ما احَّدْ وَلَدْ حُرّ والثَّانيْ وَلَدْ جَارِيِهْ
عِيالْ تسعةْ وقالوا بعضَنا بيتْ ناسْ
وبعضنا بيتْ ثاني عينهْ ثانيهْ
فربـما كانت تنحدر أمها من فئةٍ متواضعةٍ اجتماعياً تُدعى في عُرْفُ التقاليد اليمنية بأهل الخُمُسْ؛ ولكنها ما كادت تشبُ ويتسع وعيها بـما حولها من فوارقَ طبقية واجتماعية حتى انطلقت في شجاعة لتواجه هذه الأمراض الاجتماعية التي تُمزق أبناء الوطن الواحد، ولم تحاول أن تدفن موهبتها في الرمال، أو تقتدي بغيرها من الشعراء أو غير الشعراء الصامتين عن مهزلة الفوارق، بل صارت تستهجن هذه التقاليد وتشنُ حرباً شعواء ضد ألوان التفرقة29…ولكن المتتبع لقصائد «غَزَال المَقْدَشِيَّة» يلاقي تناقضاً بين بعض أقوالها، فهي تُحارب الطَّبقية، والطائفية، والمناطقية،.. ولكنها أحياناً تخالف تلك المقولات بـمقولاتٍ تـمييزيةٍ وذات دلالاتٍ عنصريةٍ تُفرِّق أكثر ممّا تُجمِّع.. ولعل الدافع ربـما هو تعصُّبها لقبيلتها أو تعصُّبها لبعض المبادئ والصفات التي تربت عليها، التي يستوجب عليها أن تضع لكل شخصٍ حده كما هي قصتها مع أحد مشايخ القبائل الكبار والمجاورة لقبيلتها، والذي طُلِبَ للحضور إلى عند قبيلتها على عجل؛ فلم يستطع أن يلبس الملابس الخاصة به وبحجمه، فذهب على عجلةٍ من أمره، وكان معه خدَّام لابسٌ أحسن الملابس، فعندما وصلوا إلى قبيلتها ظنوا بأن الخدَّام هو الشيخ، والعكس صحيح، فتقبل ذلك الشيخ دون أن يبدي معارضةً ما، وكان من عادة السَّمر أن يبدأ المُضيِّف بإلقاء البالة الترحيبية بالضيوف، ومن ثم يرد الضَّيف عليها؛ فبدأت «غَزَال المَقْدَشِيَّة» بالبالةفما كان من خدَّام الشيخ إلا أن قام بالرد عليها ببالة كلها إساءة لها!! والناس استغربوا من هذا الرد عليها – كونها شاعرة القبيلة ولسان حالها – فما كان منها إلا أن ردت بالأبيات التالية:
يا مَينَدِي30 يا مَخَنتسْ31
من عِيال الخُمُسْ
ذِيْ لحَمتكَ لوح في
مَعْزَاه وإلاَّ عُرُسْ
ومجلسكَ في يسار
البابْ من جَأ دِعِسْ32 ، 33
فزعل الحاضرون من فحوى كلامها، وقاموا بتحكيم الشيخ الذي هو الخدَّام، فقالت لهم: هذا ليس الشيخ، الشيخ الذي أجلستموه في مكان الخدَّام، فاعتذروا من الشيخ وأعادوه لمكانه وهيبته.. فأحياناً المظاهر تغرُّ وتخدع أيضاً..
ومن ضمن التناقضات في شعرها حيث جاء أيضاً عن قتيلٍ من قومها اسـمه (أحمد) لم يؤخذ له ثأرٌ إلا من رجلٍ قليل الشأن اسـمه (روبان) حيث تقول:
أحْمَدْ بروْبانْ، واللهْ لَوْ قَدِ احْنا حِسَهْ34
أي يا للعار! أيثأر لأحمد بروبان؟ هذا ما يكون إلا إذا كنَّا نخالة، أو حتى نصير نخالة35. وهنا تسخر من شخص يقال له العَنْزي بأنه كثير الكلام وكثير الدَّين وكثير الأكل:
العَنْزيْ هِدارْ36
ولوْ حِمسْ37 في مَقالِه
في بَيْتهْ عِدارْ
يبَوْزِم38 امِّه قبالِه39
وحِيْنْ يذْكُرَ الدَّيْـنْ
يعْمَلْ بالفَتوتْ لقْمَتْينْ
ويقمِّش40 عِيالِه41
قصصها.. طرفٌ من الحياة
تعدُّ القصص والوقائع وسردياتهما هي من حفظت كل تلك الأشعار والحِكم، فعندما نذكر بيتاً شعرياً أو حِكمةً ما نجد بأن لها قصةً عجيبةً وأحداثاً دراميةً من واقع الحياة الاجتماعية في اليمن، حدثت في أزمانٍ ماضية فحفظها الأجيال تلو الأجيال.. وهنا نورد بعضاً من تلك القصص والحكايات الجميلة..
1 – قصة المُثمِّر – محصل الزكاة 42:
في كتابه (رحلة في الشعر اليمني قديـمه وحديثه) يقول البردوني: «كانت «غَزَال المَقْدَشِيَّة» طويلة وممتلئة تبدو عليها مظاهر القوة والجمال والصحة، وكانت تُلَقَّب في كل منطقة تسكنها بالحصان، وإلى جانب أن لها جمال المرأة الفاتنة فلها استعداد الرجل المقاتل، فقد عُرِفَ عنها، أنها كانت تحرس حقول أبيها في أشد الليالي خوفاً، وكان والدها يأمن عليها من ذئاب البشر، لثقته بقوتها واقتناع الرجال من مراودتها؛ لأن شهرتها بالصلابة كشهرتها بالجمال، وشهرتها بالشعر كشهرتها بتواضع الطبقة، لهذا طمع فيها ما كان يُسمَّى بالكبار، من شيوخ ومحصلي زكاة وتجار يفدون إلى المنطقة، وإلى جانب امتناعها، كانت تفضح بالشعر من يحاول التعدي عليها، وقد حاول هذا المثمر – المحصل المنكود الحظ أن يعتدي على غزال أو ينال منها فثارت في وجهه وفضحته بقصيدةٍ ترددت أصداؤها وما تزال تتردد في أرجاء اليمن… كما في النص الشعري التالي
يا رِجَال البلد قد المِثَمِّر مُخالفْ
جا يطوفْ الذُّرةْ أو جا يطوفْ المكالف43
#غزال_المقدشية
الشاعرة والحكيمة
#محمد_علي_ثامر
أول من يبادر لطلب يدها والزواج بها!!»
قالوا غَزَال وأمها سَـرعهْ بناتْ الخُمسْ
ما بِهْ خُمسْ يا عبادَ اللهْ ما بِهْ سُدسْ
من قدْ ترفعْ لَوَا رَاسه وعَدّ البُقشْ
وقالْ لا باسْ كم يحبسْ؟ وما يحتبسْ
سَوا سَوا يا عِبَادَ اللهْ مِتْساوِيـِــةْ
ما احَّدْ وَلَدْ حُرّ والثَّانيْ وَلَدْ جَارِيِهْ
عِيالْ تسعةْ وقالوا بعضَنا بيتْ ناسْ
وبعضنا بيتْ ثاني عينهْ ثانيهْ
فربـما كانت تنحدر أمها من فئةٍ متواضعةٍ اجتماعياً تُدعى في عُرْفُ التقاليد اليمنية بأهل الخُمُسْ؛ ولكنها ما كادت تشبُ ويتسع وعيها بـما حولها من فوارقَ طبقية واجتماعية حتى انطلقت في شجاعة لتواجه هذه الأمراض الاجتماعية التي تُمزق أبناء الوطن الواحد، ولم تحاول أن تدفن موهبتها في الرمال، أو تقتدي بغيرها من الشعراء أو غير الشعراء الصامتين عن مهزلة الفوارق، بل صارت تستهجن هذه التقاليد وتشنُ حرباً شعواء ضد ألوان التفرقة29…ولكن المتتبع لقصائد «غَزَال المَقْدَشِيَّة» يلاقي تناقضاً بين بعض أقوالها، فهي تُحارب الطَّبقية، والطائفية، والمناطقية،.. ولكنها أحياناً تخالف تلك المقولات بـمقولاتٍ تـمييزيةٍ وذات دلالاتٍ عنصريةٍ تُفرِّق أكثر ممّا تُجمِّع.. ولعل الدافع ربـما هو تعصُّبها لقبيلتها أو تعصُّبها لبعض المبادئ والصفات التي تربت عليها، التي يستوجب عليها أن تضع لكل شخصٍ حده كما هي قصتها مع أحد مشايخ القبائل الكبار والمجاورة لقبيلتها، والذي طُلِبَ للحضور إلى عند قبيلتها على عجل؛ فلم يستطع أن يلبس الملابس الخاصة به وبحجمه، فذهب على عجلةٍ من أمره، وكان معه خدَّام لابسٌ أحسن الملابس، فعندما وصلوا إلى قبيلتها ظنوا بأن الخدَّام هو الشيخ، والعكس صحيح، فتقبل ذلك الشيخ دون أن يبدي معارضةً ما، وكان من عادة السَّمر أن يبدأ المُضيِّف بإلقاء البالة الترحيبية بالضيوف، ومن ثم يرد الضَّيف عليها؛ فبدأت «غَزَال المَقْدَشِيَّة» بالبالةفما كان من خدَّام الشيخ إلا أن قام بالرد عليها ببالة كلها إساءة لها!! والناس استغربوا من هذا الرد عليها – كونها شاعرة القبيلة ولسان حالها – فما كان منها إلا أن ردت بالأبيات التالية:
يا مَينَدِي30 يا مَخَنتسْ31
من عِيال الخُمُسْ
ذِيْ لحَمتكَ لوح في
مَعْزَاه وإلاَّ عُرُسْ
ومجلسكَ في يسار
البابْ من جَأ دِعِسْ32 ، 33
فزعل الحاضرون من فحوى كلامها، وقاموا بتحكيم الشيخ الذي هو الخدَّام، فقالت لهم: هذا ليس الشيخ، الشيخ الذي أجلستموه في مكان الخدَّام، فاعتذروا من الشيخ وأعادوه لمكانه وهيبته.. فأحياناً المظاهر تغرُّ وتخدع أيضاً..
ومن ضمن التناقضات في شعرها حيث جاء أيضاً عن قتيلٍ من قومها اسـمه (أحمد) لم يؤخذ له ثأرٌ إلا من رجلٍ قليل الشأن اسـمه (روبان) حيث تقول:
أحْمَدْ بروْبانْ، واللهْ لَوْ قَدِ احْنا حِسَهْ34
أي يا للعار! أيثأر لأحمد بروبان؟ هذا ما يكون إلا إذا كنَّا نخالة، أو حتى نصير نخالة35. وهنا تسخر من شخص يقال له العَنْزي بأنه كثير الكلام وكثير الدَّين وكثير الأكل:
العَنْزيْ هِدارْ36
ولوْ حِمسْ37 في مَقالِه
في بَيْتهْ عِدارْ
يبَوْزِم38 امِّه قبالِه39
وحِيْنْ يذْكُرَ الدَّيْـنْ
يعْمَلْ بالفَتوتْ لقْمَتْينْ
ويقمِّش40 عِيالِه41
قصصها.. طرفٌ من الحياة
تعدُّ القصص والوقائع وسردياتهما هي من حفظت كل تلك الأشعار والحِكم، فعندما نذكر بيتاً شعرياً أو حِكمةً ما نجد بأن لها قصةً عجيبةً وأحداثاً دراميةً من واقع الحياة الاجتماعية في اليمن، حدثت في أزمانٍ ماضية فحفظها الأجيال تلو الأجيال.. وهنا نورد بعضاً من تلك القصص والحكايات الجميلة..
1 – قصة المُثمِّر – محصل الزكاة 42:
في كتابه (رحلة في الشعر اليمني قديـمه وحديثه) يقول البردوني: «كانت «غَزَال المَقْدَشِيَّة» طويلة وممتلئة تبدو عليها مظاهر القوة والجمال والصحة، وكانت تُلَقَّب في كل منطقة تسكنها بالحصان، وإلى جانب أن لها جمال المرأة الفاتنة فلها استعداد الرجل المقاتل، فقد عُرِفَ عنها، أنها كانت تحرس حقول أبيها في أشد الليالي خوفاً، وكان والدها يأمن عليها من ذئاب البشر، لثقته بقوتها واقتناع الرجال من مراودتها؛ لأن شهرتها بالصلابة كشهرتها بالجمال، وشهرتها بالشعر كشهرتها بتواضع الطبقة، لهذا طمع فيها ما كان يُسمَّى بالكبار، من شيوخ ومحصلي زكاة وتجار يفدون إلى المنطقة، وإلى جانب امتناعها، كانت تفضح بالشعر من يحاول التعدي عليها، وقد حاول هذا المثمر – المحصل المنكود الحظ أن يعتدي على غزال أو ينال منها فثارت في وجهه وفضحته بقصيدةٍ ترددت أصداؤها وما تزال تتردد في أرجاء اليمن… كما في النص الشعري التالي
يا رِجَال البلد قد المِثَمِّر مُخالفْ
جا يطوفْ الذُّرةْ أو جا يطوفْ المكالف43