اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
#وادي_عدم وحاضرته #ساه

بعد أن كنّا في حضرموت نجفّف فائض إنتاجنا من الطماطم والدجر والبسباس والليمون فوق أسطح البيوت، أصبحت أسواق المنتوجات الزراعية في مختلف مدن حضرموت تغرق اليوم بالطماطم والبسباس والخيار والكوسا والحمضيات المستوردة -بالعملة الصعبة- من ذمار وحجة والجوف وغيرها من بلاد أحفاد معن بن زائدة الشيباني، الذي عيّنه أبو جعفر المنصور والياً على اليمن في القرن الثامن الميلادي، والذي عند انتقامه من حضرموت وسكانها حرص على سد عيون المياه الكثيرة التي كانت تسقي الأراضي الخصبة في وديان حضرموت ومنها وادي عِدِم ووادي عَمِد ووادي دوعن. ويبدو أن ابن أخت ابن أبي العوجاء كان لا يقل حنكةً وبعد نظر عن الدكتور عبد الكريم الإيارني!
وعلى الرغم من ذلك، لا تزال في حضرموت بعض العيون التي تتدفق منها المياه باستمرار؛ مثل عيون الديس، والحزير في أعالي وادي تاربة، وعيون وادي المسيلة شرقي تريم. وبالنسبة للمياه التي تسيل من جنوب مدينة ساه إلى شمال قرية وادي عمر في بداية وادي عدم، فهي يمكن أن تعدُّ نهرا صغيرا حقيقيا؛ فالماء يظل يجري فيه طوال العام.
وعلي ضفتي وادي عدم حتى بلدة السويري، التي يلتقي فيها وادي عدم بوداي حضرموت، تقع اليوم أخصب أراضي حضرموت وأكثرها خضرة. والأراضي الزراعية هناك تعتمد بشكل أساسي على مياه هذا النهر بشكل مباشر أو غير مباشر، إذا لا تزال المياه الجوفية قريبة جدا من سطح الأرض، وتساعد على اخضرار النخيل والأشجار الأخرى طوال فصول السنة.
وتوجد في وادي عدم اليوم أكثر من مليون نخلة إضافة إلى الكثير من المزارع النموذجية. ولم يفت النظام الاشتراكي السابق من الاستفادة من تلك الأراضي الزراعية، إذ قام باستصلاح جزء كبير منها. وسبقه إلى ذلك عدد من آل بن يحيى في المنطقة التي تسمى مسيلة آل بن يحيى. ولا أزال أتذكر صديقي عباس علي عقيل بن يحيى وهو (يحرحر) بحزمة وثائقهم الصفراء القديمة و(يحرحر) بها في المحاكم والمكاتب الحكومية في سيؤن. ومؤخرا قام دار المصطفى بتريم بالاستثمار في تلك النواحي. .
ووادي عدم، كغيره من وديان حضرموت، يتضرر بشكل دوري بالمنخفضات الجوية والسيول الضخمة التي تجرف البيوت والنخيل والتربة وقنوات الري أو السواقي. ويقال إنه كان يسمّى (وادي الريان)، قبل أن يتعرّض في نهاية القرن العاشر الهجري (سنة 970هـ) لأمطارٍ غزيرة جداً، تدفق على إثرها (سيل العُــوَّه) الضخم، وجرف كل بيوت الوادي وأشجاره وحيوانه ونباته، ولهذا أطلقوا على وادي الريان: وادي عدم.
وتعد ساه أهم مدن وادي عدم وحاضرته. وهي تقع في بداية الطريق القادم من ساحل حضرموت النازل من الأدواس بمحاذاة أنابيب سرقة نفط حضرموت، وعلى يسار الذاهب إلى عقبة الغز. وتتكون مدينة ساه من جزأين: الصيقة، والبلاد؛ ويصل بينهما جسر فوق مجر الماء/النهر، الذي بسببه يصعب محاربة البعوض في ساه. وأذكر أنني لم أستطع النوم ليلة في أحد صفوف المدرسة الإعدادية بالصيقة عندما نظّمت مدرسة النهضة بسيؤن -التي كنت أقضي سنة خدمتي الوطنية معلما فيها- رحلة إلى هناك في إبريل سنة 1975.
وقد كتب ابن عبيد الله السقاف في كتابه (إدام القوت): تقع "ساه في جنوب غيل عمر، عن يسار الذّاهب إلى عقبة الغزّ، وهي بلدة لا بأس بها، في حدود آل جابر، بل هي عاصمة بلادهم، ولكن لمّا كثرت بينهم المظالم، ولم ينتصف أحد من الآخر، جاؤوا في حدود سنة (١٣٣٦ هـ) إلى سيؤن يطلبون من أمرائها أن يحتلّوها، فرأوا أن لا طاقة لهم بحفظها، فذهبوا إلى شبام وطلبوا من السّيّد حسين بن حامد أن يحتلّها، فبسط الرّأي للدّولة الكثيريّة، فيقال: إنّهم أذنوا له، وعنّ لهم بعد أمّة من الزّمان أن يطالبوا بحقوقهم فيها، وبعد الأخذ والرّدّ.. اتّعدوا على الاجتماع بدار الرّئيس المكرّم طالب بن جعفر بالعقدة. قال لي السّلطان عبد الله بن محسن: فحضرت أنا وابن عمّي عليّ بن منصور، وبعد شيء من المحاورة أخرج نائب القعيطيّ ـ وهو عليّ بن صلاح ـ كتابا من والدي ومن عمّي منصور للسّيّد حسين بن حامد بالإذن في احتلالها، فانقطعت حجّتنا.
ومن أهم بلدات وادي عدم: غيل عمر الذي ينسب للشّيخ عمر بن محمّد بن سالم باوزير، الذي كان وفق لابن عبيد الله أول من بنى بيتا فيه سنة (٧٠٦ هـ)، ثمّ بنى النّاس بعده، وذكره ابن حسّان في تاريخه. "والمنازل الّتي يشملها اسم غيل عمر منقسمة بالمسيال: فالّذي في الشّاطىء الغربيّ منه: الضّبيعة، وفي جنوبها مسجد الشّيخ عمر. والّذي في الشاطئ الشّرقيّ: الدّلفة. ثمّ الحزم. ثمّ سكدان. ثمّ كوت سرور. ثمّ العرض. ثمّ النّويدرة. وقد استوخمه كثير من السّكّان فانتقلوا عنه إلى سكدان. وكان فيه أجداد المشايخ آل باسودان، حتّى إنّ بعضهم ينسبه إليهم، فيقال: غيل باسودان. وربّما يكون المنسوب إلى باسودان ناحية غير النّاحية المنسوبة إلى الشّيخ عمر؛ فالغيل طويل، منبع مياهه من جنوب ساه، ولا ينتهي إلّا بعد مجاوزة سنا، إلّا أنّها تتقطّع؛ ففي أكثر النّقاط تظهر، وفي الكثير تغور.