وفي أشد الفترات اضطراباً وتوتراً، رأيته متماسكاً، صلباً وواضحاً، يقول ما يريد بكلمات موجزة تكون هي "فصل الخطاب" في القضية المثارة.
ثمة أسماء لرجال أصدقاء لا يحتاج المرء لزمن طويل كي يضمهم إلى قائمته الخاصة؛ يكفي أن تلتقي بهم لبرهة حتى يتركوا انطباعاً عزيزاً وجميلاً يسكن الذاكرة طوال العمر، والأستاذ يحيى العرشي يقف على رأس هؤلاء. ففي الحياة، وحتى في الصداقات، هناك من تحترمهم ولكن لا تستطيع القول إنك تحبهم، أما ابن #العرشي فهو من نماذج الرجال القادة الذين لا تملك إلا أن تحبهم وتحترمهم في آن واحد.
قبل حوالي ثلاثة عشر عاماً خلت، قدمتُ له مخطوطة كتابي "أزمة بناء السلطة والدولة في اليمن" للاطلاع وإبداء الملاحظات والإضافات والتصويبات، وبعد ثلاثة أيام فقط اتصل بي ليخبرني بأنه اطلع على الكتاب، وأعجب بمحتواه، بل وبادر بتشريفي بكتابة مقدمة للكتاب والتكفل بطباعته على نفقته الخاصة، وهو موقف كشف عن مدى جديته ومحبته للمعرفة وكرمه الحاتمي.
ورغم أننا رأينا لاحقاً تعذر الطباعة في تلك الظروف خشية المتاعب، التي قد تطالني، وتطاله باعتباره من كتب مقدمة الكتاب، وتأجل المشروع، إلا أنني أورد هذه الواقعة للدلالة على نبله ومحبته للفكر الذي يبحث في القضايا الوطنية الإشكالية/ الشائكة، ومقدار حبه للكتاب وضرورة وصوله للناس، وهذا أحد وجوهه المبدعة كمثقف وصديق وإنسان.
يحيى بن حسين #العرشي منزه عن الكلام الرخيص، عفيف اللسان، حلو المعشر، ينتقي مفرداته بعناية فائقة، ولا ينطق أو يكتب إلا ما يلزم. والجميل فيه أن قوله الشفهي المرتجل هو ذاته ما يكتبه، وهذا دليل على شخصية سوية، متوازنة، وعاقلة تدرك ما تريد من الحياة، فلا يعرف "زلل القول" إلى خطابه طريقاً.
سعدت كثيراً بإهدائه لي مجموعة من كتاباته، وبعد قراءتها بتمعن، وجدتني أمام شخصية باحثة ومفكرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وقبل أيام قليلة، في الجمعة الأولى من مايو/ واحد مايو، حضرت عرس حفيده (ابن نجله هشام)، وما لفت انتباهي هو أن القاعة كانت تغص بالمدعوين من شتى مناطق اليمن دون استثناء، مما يدل على مكانته العميقة في وجدان المجتمع، وهي مكانة نابعة من اسمه وشخصه وتاريخه، بعيداً عن دلالات السلطة، فهو خارج منظومتها ولا علاقة له بها من قريب أو بعيد. هنا تدرك أن أقدار الناس ومكانتهم في المجتمع تصنعها أدوارهم السياسية والاجتماعية والوطنية، لا الكراسي التي يتبوأونها.
حقاً، هو يحيى العرشي؛ الإنسان والموقف أولاً، وتأتي صفات السياسي والمثقف والوزير والسفير كتفصيلات وتمظهرات خارجية لهويته الذاتية الجوهرية الإنسانية.
وكتابتي هذه لا توفيه حقه، بل هي حالة #وفاء متأخرة وتقدير لدوره ومكانته.
ثمة عادة عربية مريرة وكريهة، وهي ظاهرة تكريم المبدعين بعد رحيلهم، وكأن الاحتفاء بالكبار مقترن بالموت، ننتظر رحيلهم لنقول كلمة طيبة! إنه نتاج العقل الاستبدادي التاريخي الذي لا يقبل الآخر إلا إذا كان تابعاً له.
مع أن التكريم الحق يجب أن يكون في حياتهم وهم بيننا، فهنا يكمن المعنى الحقيقي للاحتفاء. ألم يكن الأجدر أن نقول كلمة حق ووفاء وهم بيننا؟
إن غنى تجربته الحياتية في السياسة والثقافة والاجتماع تنعكس في كتاباته وأقواله.
قرأت ذلك في كتبه: (كتاب الاستقلال.. والوحدة) عن الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر، و(كتاب صفحات من الماضي) (1968-2016)، بأجزائه الثلاثة الضخمة وذات القيمة والمعنى. وهي كتابات توثق ببراعة للحياة السياسية المعاصرة وتاريخ الثورة.
يحيى بن حسين #العرشي هو بحق مثقف كبير، وقائد سياسي وإداري، وإنسان قبل كل شيء.
لك المجد والتحية أيها الكبير.. وأدام الله السرور.
ثمة أسماء لرجال أصدقاء لا يحتاج المرء لزمن طويل كي يضمهم إلى قائمته الخاصة؛ يكفي أن تلتقي بهم لبرهة حتى يتركوا انطباعاً عزيزاً وجميلاً يسكن الذاكرة طوال العمر، والأستاذ يحيى العرشي يقف على رأس هؤلاء. ففي الحياة، وحتى في الصداقات، هناك من تحترمهم ولكن لا تستطيع القول إنك تحبهم، أما ابن #العرشي فهو من نماذج الرجال القادة الذين لا تملك إلا أن تحبهم وتحترمهم في آن واحد.
قبل حوالي ثلاثة عشر عاماً خلت، قدمتُ له مخطوطة كتابي "أزمة بناء السلطة والدولة في اليمن" للاطلاع وإبداء الملاحظات والإضافات والتصويبات، وبعد ثلاثة أيام فقط اتصل بي ليخبرني بأنه اطلع على الكتاب، وأعجب بمحتواه، بل وبادر بتشريفي بكتابة مقدمة للكتاب والتكفل بطباعته على نفقته الخاصة، وهو موقف كشف عن مدى جديته ومحبته للمعرفة وكرمه الحاتمي.
ورغم أننا رأينا لاحقاً تعذر الطباعة في تلك الظروف خشية المتاعب، التي قد تطالني، وتطاله باعتباره من كتب مقدمة الكتاب، وتأجل المشروع، إلا أنني أورد هذه الواقعة للدلالة على نبله ومحبته للفكر الذي يبحث في القضايا الوطنية الإشكالية/ الشائكة، ومقدار حبه للكتاب وضرورة وصوله للناس، وهذا أحد وجوهه المبدعة كمثقف وصديق وإنسان.
يحيى بن حسين #العرشي منزه عن الكلام الرخيص، عفيف اللسان، حلو المعشر، ينتقي مفرداته بعناية فائقة، ولا ينطق أو يكتب إلا ما يلزم. والجميل فيه أن قوله الشفهي المرتجل هو ذاته ما يكتبه، وهذا دليل على شخصية سوية، متوازنة، وعاقلة تدرك ما تريد من الحياة، فلا يعرف "زلل القول" إلى خطابه طريقاً.
سعدت كثيراً بإهدائه لي مجموعة من كتاباته، وبعد قراءتها بتمعن، وجدتني أمام شخصية باحثة ومفكرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وقبل أيام قليلة، في الجمعة الأولى من مايو/ واحد مايو، حضرت عرس حفيده (ابن نجله هشام)، وما لفت انتباهي هو أن القاعة كانت تغص بالمدعوين من شتى مناطق اليمن دون استثناء، مما يدل على مكانته العميقة في وجدان المجتمع، وهي مكانة نابعة من اسمه وشخصه وتاريخه، بعيداً عن دلالات السلطة، فهو خارج منظومتها ولا علاقة له بها من قريب أو بعيد. هنا تدرك أن أقدار الناس ومكانتهم في المجتمع تصنعها أدوارهم السياسية والاجتماعية والوطنية، لا الكراسي التي يتبوأونها.
حقاً، هو يحيى العرشي؛ الإنسان والموقف أولاً، وتأتي صفات السياسي والمثقف والوزير والسفير كتفصيلات وتمظهرات خارجية لهويته الذاتية الجوهرية الإنسانية.
وكتابتي هذه لا توفيه حقه، بل هي حالة #وفاء متأخرة وتقدير لدوره ومكانته.
ثمة عادة عربية مريرة وكريهة، وهي ظاهرة تكريم المبدعين بعد رحيلهم، وكأن الاحتفاء بالكبار مقترن بالموت، ننتظر رحيلهم لنقول كلمة طيبة! إنه نتاج العقل الاستبدادي التاريخي الذي لا يقبل الآخر إلا إذا كان تابعاً له.
مع أن التكريم الحق يجب أن يكون في حياتهم وهم بيننا، فهنا يكمن المعنى الحقيقي للاحتفاء. ألم يكن الأجدر أن نقول كلمة حق ووفاء وهم بيننا؟
إن غنى تجربته الحياتية في السياسة والثقافة والاجتماع تنعكس في كتاباته وأقواله.
قرأت ذلك في كتبه: (كتاب الاستقلال.. والوحدة) عن الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر، و(كتاب صفحات من الماضي) (1968-2016)، بأجزائه الثلاثة الضخمة وذات القيمة والمعنى. وهي كتابات توثق ببراعة للحياة السياسية المعاصرة وتاريخ الثورة.
يحيى بن حسين #العرشي هو بحق مثقف كبير، وقائد سياسي وإداري، وإنسان قبل كل شيء.
لك المجد والتحية أيها الكبير.. وأدام الله السرور.