اليمن_تاريخ_وثقافة
14.5K subscribers
151K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
الملكة اروى الاسماعيلية الصليحية

مقدمة

تعتبر سيرة الملكة السيدة الحرة مرحلة فريدة من نوعها في التاريخ الكامل للإسلام في عصوره الوسطى, وعندما كانت السيدة الحرة تمارس القيادة السياسية والقيادة الدينية في اليمن الصليحي فإنها في كلتا الوظيفتين ارتبطت إلى بشكل وثيق بالسلالة الفاطمية الإسماعيلية.

نساء قليلات ارتقين لمراكز سياسية بارزة في القرون الوسطى للإسلام، وربما لا توجد امرأة ذكرت بأنها وصلت للقيادة في المجال الديني باستثناء (السيدة الحرة). وقد سببت مجموعة من العوامل المختلفة في نقص المشاركة الفعالة للمرأة في الشؤون السياسية والدينية في العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى والعصور اللاحقة. ولا يزال النقاش بالقضايا المعقدة المتعلقة بهذا الموضوع قائما بين العلماء من مختلف الميادين وحتى بين المسلمين أنفسهم. على الرغم من كون الأمر كذلك إلا أنه كان هناك استثناءات محدودة في العصور الوسطى للإسلام تشير إلى أن الفرص أتيحت من حيث المبدأ فعلاً للنساء القادرات أن يشغلن وظائف مدنية بارزة ضمن ظروف خاصة. تبحث هذه المقالة وبشكل مختصر في سيرة وعصر حكم الملكة السيدة الحرة التي تعتبر الأهم في هذه المجموعة المختارة وهي التي جمعت في شخصها بين القيادة الدينية الفعلية والقيادة السياسية لليمن الصليحي في مرحلة فريدة من كامل التاريخ الإسلامي في عصوره الوسطى مرتبطة من خلال هاتين الوظيفتين إلى لدرجة كبيرى بالسلالة الفاطمية الحاكمة والمركز الرئيسي للدعوة الإسماعيلية في مصر.

السياسات التعليمية

اشتهر الفاطميون، والذين أسسوا خلافة شيعية إسماعيلية متحدية للخلافة السنية العباسية، بتسامحهم تجاه أتباع الأديان الأخرى. فقد سمحوا لذوي الكفاءات من المسلمين غير الإسماعيليين وحتى غير المسلمين بأن يشغلوا منصب الوزير ووظائف عليا أخرى في دولتهم. لقد اتخذ الفاطميون أيضاً خططا لتعليم المرأة لم يسبق لها مثيل وذلك كجزء من حرصهم العام على التعليم. نظم الفاطميون التعليم العام للمرأة1 منذ بدايات حكمهم في عهد عبد الله المهدي ( عبيد الله المهدي) مؤسس السلالة الحاكمة ( ٢٩٧- ٣٢٢/ ٩٠٩-٣٤). في عهد المعز (٣٤١-٦٥/9٥٣-٧٥) الذي نقل مركز الدولة الفاطمية إلى مصر وبنى مدينة القاهرة تم تطوير تعليم المرأة ليصبح برنامجا رسمياً أكثر وبلغ الذروة بتدريس التعاليم الإسماعيلية بمجالس الحكمة. احتفظ المقريزي٢ مقتبساً عن المصبحي (٤٢٠/١٠٢9) وغيره من المؤرخين المعاصرين للدولة الفاطمية بتفاصيل دقيقة عن المحاضرات التي كانت تعطى أسبوعيا بشكل منتظم بتوجيه من الداعي الأول (داعي الدعاة) في الدولة الفاطمية وهو المدير التنفيذي للدعوة الإسماعيلية الفاطمية ولقد خضع كامل البرنامج التعليمي لدراسة نقدية معمقة من قبل الخليفة الإمام الفاطمي وهو القائد الروحي للدعوة. كانت الجلسات تنظم للرجال و النساء كلّ على حدى مبنية على أساس المحتوى التعليمي ودرجة المعرفة لدى المشاركين. وقد تلقّى عدد كبير من النساء والرجال التعليم في أماكن متعددة. كانت النساء تحضرن الدورات التعليمية في جامع الأزهر، أما نساء الأسرة الفاطمية ونساء الطبقة النبيلة فكن يتلقين المحاضرات في قاعة خاصة في القصر الفاطمي. وحسب ما ذكر ابن الطوير (٦١٧/١٢٢٠) فإن التعليم الخاص للنساء ظلّ مستمراً بشكل واضح حتى سقوط الحكم في ٥٦٧/١١٧١ ٣.

النساء في السلالة الفاطمية الحاكمة

نتيجة الخطط التعليمية والسياسة التسامحية وجد العديد من النساء المتعلمات في الأسرة الملكية الفاطمية وعلى الأقل بعض منهن كن موهوبات ويتمتعن بصفات قيادية استطعن الحصول على السيادة السياسية. وفي هذا السياق نذكر بشكل خاص ست الملك الحكيمة وهي أخت الإمام الخليفة الفاطمي الحاكم (٣٨٦-٤١١/99٦-١٠٢١). حكمت ست الملك بفعالية كرئيسة فعلية للدولة الفاطمية فشغلت وظيفة الحاكم خلال الأربع سنوات الأولى من خلافة الظاهر وهو ابن الإمام الحاكم وخليفته واستمرت بالحكم حتى وفاتها في ٤١٥/١٠٢٤. كذلك أيضاً أم المستنصر التي أصبحت فعلاً حاكمة ذات نفوذ خلال العقد الأول من خلافة ابنها (٤٢٧-٨٧/١٠٣٦-9٤) على الرغم من أنها لم تنشأ في مصر. وقد تمكنت في عام ٤٣٦/١٠٤٤ من أن تستولي علانية على كامل النفوذ السياسي وتستبقي عليه لفترة طويلة. ومن الجدير بالذكر أن إمتداد النفوذ السياسي للمرأة لم يلق معارضة من الفاطميين أو مؤسسة الدعوة. ففي عهد المستنصر لم يعترف بالقيادة السياسية للسيدة الحرّة فقط وإنما تم منحها سلطة دينية خاصة على الجماعات الإسماعيلية في اليمن وكوجرات. يمكننا فهم حالة السيدة الحرة وتثمين إنجازاتها العظيمة لدى فهمنا لهذا السياق التاريخي وهذه البيئة العامة للإسماعيليين الفاطميين.

السلالة الصليحية – إنجازاتهم المبكرة

تضمن الكتاب التاريخي لنجم الدين عمارة بن علي الحكمي٤ الروايات المبكرة عن سيرة السيدة الحرة ملكة الصليحيين والدعوة الإسماعيلية المعاصرة في اليمن. ونجم الدين عمارة مؤرخ وشاعر يمني هاجر إلى مصر وأعدم في القاهرة عام
٥٦9/١١٧٤ لتورطه في مؤامرة تمت لإعادة الفاطميين إلى السلطة . إن الكتابات التاريخية الإسماعيلية عن الصليحيين وعن إسماعيلي اليمن المعاصرين ضئيلة ونادرة مثلما كان متوقعاً. مرجعيتنا هنا أيضا اليمني إدريس عماد الدين اليمني (٨٧٢/١٤٦٨) الذي كان ضليعاً بالتاريخ المبكر للدعوة الإسماعيلية بصفته الرئيس التاسع عشر لدعاة الطائفة الإسماعيلية الطيبية. يروي إدريس في نهاية المجلد السابع من كتابه الشامل عن التاريخ الإسماعيلي عيون الأخبار والذي لا يزال على شكل مخطوطة عدة روايات عن الصليحيين وتجدد قوة الدعوة الإسماعيلية ونشاطها في اليمن أثناء حكم الملكة السيدة. لقد استخدمت هنا مخطوطة لهذا العمل من المجموعة الموجودة في مكتبة معهد الدراسات الإسماعيلي 5. وفي العصور الحديثة كتب حسين ف. الهمداني(1901-62) وهو واحد من رواد الدراسات الإسماعيلية الحديثة أفضل الروايات المتعمقة عن الصليحيين والملكة السيدة بالإضافة إلى تاريخ الإسماعيليين المبكر في اليمن وأسس كتابه على مجموعة قيمة من المخطوطات المحفوظة عند عائلته6.

اليمن

كانت اليمن واحدة من المناطق التي وصلت بها الدعوة الإسماعيلية المبكرة إلى نجاح مميز. تم مسبقاً التبشير بالدعوة بشكل علني في اليمن في عام270/883 نتيجةً لنشاطات الداعي ابن حوشب منصور اليمن والداعي علي بن الفضل. عندما احتل ابن الفضل صنعاء في عام 293/905-06 كانت اليمن كلها تقريباً تحت سيطرة الإسماعيليين. فقد الإسماعيليون لاحقاً معظم الأقاليم التي فتحوها لتؤول إلى الإمامة الزيدية والسلالات الحاكمة المحلية الأخرى .

مع موت ابن حوشب عام (302/924) وانهيار الدولة الإسماعيلية في اليمن استمرت الدعوة الإسماعيلية بشكل هادئ وساكن لأكثر من قرن من هذه الفترة المظلمة من تاريخ الإسماعيلية اليمنية حيث استمرت الدعوة اليمنية بتلقي الدعم السري بشكل أكبر من القبائل المختلفة وخاصة قبيلة همدان وتم الحفاظ على أسماء رؤساء الدعاة اليمنيين فقط7.

سليمان بن عبد الله الظواهي

في عهد الخليفة الفاطمي الإمام الظاهر( 411-27/1021-36) بينما كان الزيديون والنجاهيد والسلالات الحاكمة المحلية الأخرى يحكمون اليمن تم تخويل الداعي سليمان بن عبد الله الظواهي بقيادة الدعوة اليمنية وكان يقيم في المنطقة الجبلية من حرز. اختار سليمان علي بن محمد الصليحي خليفةً له وهو ابن قاضي حرز وقائد همداني هام من عشيرة يام وأصبح مساعد الداعي. في عام 429/1038 ارتفع شأن الداعي علي بن محمد الصليحي في مزار، وهو موقع في حرز، حيث بنى حصون ليضع علامة تأسيس سلالة الصليحيون الإسماعيلية الحاكمة . بدأ علي بن محمد على الفور وبدعم أكبر من قبيلة همدان وقبيلة حمير والقبائل اليمنية الأخرى بفتح سريع لليمن وفي عام 455/1963 قام بإخضاع كامل اليمن. بعد الاعتراف بسيادة الإمام الخليفة الفاطمي اختار علي صنعاء عاصمة له وأقر الخطبة باسم الإسماعيليين الفاطميين في أرجاء الأراضي الخاضعة لحكمه.

حكم الصليحيون اليمن بصفتهم أتباعاً للفاطميين لمدة قرن تقريباً وانتهى حكمهم بشكل فعلي في عام 532/1138 وذلك مع موت الملكة السيدة الحرة التي كانت تعتبر أكثر أفراد السلالة الحاكمة مقدرة على الحكم.

أسماء بنت شهاب

كان علي بن محمد الصليحي متزوجاً من ابنة عمه أسماء بنت شهاب المرأة التي اشتهرت بعدلها. تمكنت أسماء المعروفة بشخصيتها المستقلة من أن تشغل مكاناً فعالاً في شؤون الدولة كما أنها أيضاً لعبت دوراً هاماً في تعليم السيدة الحرة التي نشأت تحت رعايتها في البلاط الصليحي. سقط علي الصليحي ضحيةً لثأر قبلي حيث قتله نجاهيد زابد في عام 459/1067 وخلفه في الحكم ابنه أحمد المكرم ( 477/1084) الذي تقلد منصبه من الخليفة الفاطمي الإمام المستنصر. ساعدت الملكة أسماء ابنها أحمد كما كانت تساعد زوجها من قبل حتى توفيت عام 467/1074. منذ ذلك الحين أصبحت السيدة الحرة التي كانت زوجة أحمد الحاكمة الفعلية لليمن الصليحي.

السيدة الحرة

ولدت الملكة السيدة الحرة الصليحية (السيدة النبيلة) في عام 440/1048 (و هناك احتمال أنها ولدت في عام 444/1052 ) في مدينة حرز ومن المعروف أيضاً أنها كانت تحمل اسم أروى. كما نوهنا في الأعلى أن أم زوجها المقبلة أسماء كانت قد أشرفت على تعليمها المبكر وباعتبارها قدوة بدورها الوظيفي فكان لا بد من أن يكون لها تأثير عظيم على شخصية السيدة الحرة. تزوج أحمد المكرم الذي أثبت عدم قدرته على الحكم من السيدة في عام 458/1066. أجمعت المصادر كلها على أن السيدة لم تكن تتمتع بالجمال الأخاذ فقط بل اشتهرت أيضاً بالشجاعة والاستقامة والتقوى والشخصية المستقلة والذكاء كما تمتعت بثقافة وعلم واسعين. بعد موت أسماء مباشرةً أمسكت السيدة زمام الأمور بيديها في الدولة الصليحية وقد ذكر اسمها بالخطبة بعد أن أمر بذلك الخليفة الفاطمي الإمام المستنصر. تقاعد أحمد الكرم تماماً عن الحياة المدنية بعد إصابته بشلل في وجهه نتيجة الجروح الناتجة عن الحرب بينما بقي بالاسم الحاكم للدولة ا
د 7، تم إعادة نشرها من قبل الحمداني,’الصليحيون‘، الصفحات 323-30.

20. أدين بالفضل بهذه المعلومات لتم ماكنتوش-سمث، المقيم في اليمن لفترة طويلة
لصليحية. كان نقل مركز الدولة الصليحية من صنعاء إلى ذوجبلة أحد الإجراءات الأولى التي قامت بها السيدة حيث بنت قصراً جديداً هناك وحولت القصر القديم إلى جامع كبير حيث دفنت في النهاية.

إعادة تأسيس الدعوة الإسماعيلية

أدى تأسيس الحكم الصليحي إلى بداية مرحلة انفتاح جديدة في نشاطات الدعوة الإسماعيلية في اليمن. وفي عهد السيدة استمرت عملية إعادة تقوية الدعوة في اليمن دون معوقات وتحت الإشراف المحكم من مركز الدعوة الفاطمية الرئيسي في القاهرة. كان مؤسس الحكم الصليحي علي بن محمد الصليحي رئيس للدولة وللدعوة لكونه داعيا وأصبح بذلك الملك والداعي الرئيسي في اليمن. فيما بعد مر هذا الترتيب بعدة مراحل أدت إلى استقلال كلي لرئيس الدعوة8. في عام 454/1062 أرسل علي رئيس القضاة في اليمن آنذاك لاماك ابن مالك في مهمة دبلوماسية إلى القاهرة ليحضّر لزيارته الخاصة إلى هناك لكم لأسباب غير معروفة فإن زيارة علي لمركز الفاطميين الرئيسي لم تتحقق وبقي القاضي لاماك في مصر حوالي خمس سنوات مقيماً مع داعي الدعاة الفاطمي المؤيد في الدين الشيرازي ( 470/1078) في دار العلم الذي كان في ذلك الحين المركز الإداري الرئيسي للدعوة الفاطمية. علّم المؤيد لاماك تعاليم العقيدة الإسماعيلية كما علمها لناصر خسرو الداعي والفيلسوف الإسماعيلي المعروف من بدخشان قبل عقد من الزمن. عاد لاماك على الفور إلى اليمن مع مجموعة قيمة من النصوص الإسماعيلية بعد أن قتل علي الصليحي عام 459/1067. وكونه عين بمنصب رئيس الدعاة في اليمن تمت ترقيته لداعي البلاغ وبعدها عمل كرئيس تنفيذي للدعوة في اليمن بينما خلف أحمد المكرم والده كرئيس للبلاد فقط. شهد على الروابط الوثيقة والاستثنائية بين الصليحيين والفاطميين عدد من الرسائل والسجلات المرسلة من البلاط الفاطمي إلى الصليحيين علي وأحمد والسيدة على الأغلب بأوامر من المستنصر9 .

تنصيب الحرة في الدعوة الفاطمية

مما يدل على قدرات السيدة الحرة أنها في الوقت الذي تولت فيه السلطة السياسية بشكل فاعل لعبت دوراً هاماً ومتسامياً في شؤون الدعوة في اليمن والذي بلغ الذروة بتعيينها حجة اليمن من قبل الخليفة الفاطمي المستنصر بعد وفاة زوجها بفترة قصيرة عام 477/1084. علينا أن نشير هنا إلى أن هذه الرتبة في التسلسل الهرمي للدعوة الفاطمية أعلى من رتبة داعي البلاغ التي منحت للاماك10. وبذلك تكون السيدة حصلت على أعلى رتبة في الدعوة اليمنية. وما يفوق ذلك أهمية منح إمرأة للمرة الأولى في التسلسل الهرمي للدعوة الإسماعيلية مرتبة الحجة أو حتى أي منصب رفيع آخر. وهذا يعتبر حقاً حدثاً فريداً في تاريخ الإسماعيلية.

تم تقسيم مناطق العالم الغير تابعة للدولة الفاطمية في تنظيم الدعوة الفاطمية إلى اثنتي عشرة جزيرة وكانت كل جزيرة تمثل منطقة منفصلة أو مستقلة لامتداد الدعوة توضع ضمن نطاق سلطة داعي يحمل رتبة عالية هي رتبة الحجة. لم تظهر اليمن ضمن قائمة الجزر الفاطمية المعروفة11. ومع ذلك يبدو أن مصطلح حجة كان مستخدماً أيضاً بمعنى أكثر تحديداً في الدلالة على ذوي المقام الإسماعيلي الأسمى في بعض المناطق الخاصة وبهذا المعنى فإن طريقة تعيين السيدة حجةً لليمن كانت نفسها تقريباً الطريقة التي عرف بها الداعي المعاصر لها ناصر خسرو من الأراضي الإيرانية الشرقية بحجة خرا سان. كان الحجة هو الممثل الأعلى للدعوة في المنطقة التي حمل مسؤوليتها. بالإضافة إلى الشهادة التي قدمها الداعي إدريس عن تعيين الإمام المستنصر الفاطمي للسيدة حجة اليمن فقد أيده المؤلف الإسماعيلي اليمني المعاصر له الخطاب بن الحسن (533/1138) والذي استخدم براهين متنوعة لدعم هذه النقطة مصرا على أنه حتى المرأة يمكن أن تحمل تلك الرتبة 12 .

المسؤوليات

كلف الخليفة الفاطمي الإمام المستنصر13 الملكة السيدة أيضاً بشؤون الدعوة الإسماعيلية بشكل رسمي في غربي الهند. و قد أشرف الصليحيون بشكل واضح على اختيار الدعاة وإرسالهم إلى كوجرات في غربي الهند وذلك بعد الحصول على الموافقة من مركز الدعوة الفاطمية الرئيسي ولعبت السيدة دوراً حاسماً وخاصاً في إعادة تجديد الجهود الفاطمية في عهد المستنصر لنشر الدعوة الإسماعيلية في شبه القارة الهندية. نتيجة لهذه الجهود الصليحية بدأ الدعاة الذين تم إرسالهم من اليمن بتأسيس طائفة إسماعيلية جديدة في كوجرات في حوالي العام 460/1067-68 و حافظت الدعوة في غربي الهند في عهد الملكة السيدة على روابطها المحكمة مع اليمن. في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي تحولت الطائفة الإسماعيلية التي تم تأسيسها في كوجرات لتصبح طائفة البهرة الطيبية الحالية. علينا أن نضيف هنا بأن امتداد الدعوة الإسماعيلية في اليمن وكوجرات في عهد المستنصر قد تعلق وبشكل مباشر بتطور المصالح التجارية الجديدة للدولة الفاطمية والتي تستلزم الانتفاع من اليمن كمركز آمن على طول طريق البحر الأحمر التجاري إلى الهند .

الانشقاق المستعلي النزاري

حدث الانشقاق المستعلي النزا
ري في الإسماعيلية في عهد السيدة أيضاً عام 487/1094. قسم هذا الانشقاق الذي دار بعد خلافة المستعلي للمستنصر الطائفة الإسماعيلية الموحدة آنذاك إلى جزأين متنافسين وهما المستعلية التي اعترفت بالمستعلي خليفة للمستنصر على العرش الفاطمي و أيضاً إماماً لهم، و النزارية التي أيدت حقوق نزار الابن الأكبر للمستنصر وولي العهد الشرعي المعين من قبل المستنصر والذي تم تنحيته بالقوة عن طريق المكائد التي قام بها الوزير الفاطمي الفضل الذي تمتع بسلطة ونفوذ كبيرين. أسر نزار وقتل في القاهرة في عام 488/1095 بعد فشل ثورته الصغيرة.

اعترفت الملكة السيدة الحرة بالإمامة الشرعية للمستعلي بعد المستنصر وذلك بحكم العلاقات المحكمة بين اليمن الصليحي ومصر الفاطمية وبذلك حافظت على روابطها مع القاهرة والمركز الرئيسي للدعوة هناك والذي أصبح يخدم كمركز للدعوة المستعلية. نتيجة لقرار السيدة انضمت الطوائف الإسماعيلية في اليمن وكوجرات مع معظم الإسماعيليين في مصر و سوريا إلى مخيم المستعلية بدون أي انشقاق. وعلى العكس فإن الإسماعيليون في الأراضي الشرقية الذين أقاموا في المناطق الخاضعة للسلاجقة وكانوا آنذاك تحت قيادة الحسن بن الصباح (518/1124) أيدوا دعوى نزار ورفضوا الاعتراف بإمامة الخليفة المستعلي الفاطمي.

قام الحسن بن الصباح بقطع علاقاته مع القاهرة بشكل كامل وكان في ذلك الحين يتبع سياسة ثورية مستقلة من مركزه الرئيسي في جبل آلموت في شمال بلاد فارس. لقد أسس في الحقيقة الدعوة النزارية المستقلة وكذلك فعلت الملكة السيدة من أجل الدعوة المستعلية الطيبية لاحقاً بعد عدة عقود بقطع علاقاتها كلياً مع القاهرة.

الأفضل

بقيت الملكة السيدة قريبةً من الخليفة المستعلي الفاطمي ( 487-95/1094-1101 ) و خليفته الأمير( 495-524/1101-30 ) الذي خاطبها بعدة ألقاب شرفية 14. كان الوزير الأفضل قائداً للجيوش والحاكم الفعلي لمصر الفاطمية حتى وفاته في عام 515/1121 وكان أيضاً المشرف على شؤون الدعوة المستعلية. بدأت الدولة الفاطمية خلال تلك الفترة بالانحدار السريع والذي زاد سوءا مع صداماتهم مع الصليبيين. في الواقع اجتاح الملك بالدوين الأول مصر في عام 511/1117 لفترة مؤقتة وهو ملك دولة القدس اللاتينية. تعرضت الدولة الصليحية في اليمن أيضاً للضغوط من الزيديين وغيرهم وتحدى عدد من رؤساء القبائل اليمنيين ذوي النفوذ الواسع سلطة السيدة من دون أي نجاح مباشر. حاول القاضي عمران بشكل خاص والذي كان قد دعم الصليحيين سابقاً أن يجمع العشائر الهمدانية المختلفة ضد السيدة. كان له أيضاً خلافاته مع الداعي لاماك بالإضافة إلى استيائه من سلطة المرأة الحاكمة. نتيجة هذه التحديات خسر الصليحيون صنعاء في النهاية لتصبح السلالة الهمدانية هي السلالة الحاكمة الجديدة والتي دعمتها عائلة القاضي عمران. في هذه الفترة استمرت السيدة بتولي شؤون الدعوة في اليمن بالتعاون مع الرئيس التنفيذي للدعوة لاماك. بعد موت لاماك في حوالي عام 491/1098 تولى ابنه يحيى المهمة الإدارية في الدعوة حتى وفاته عام 520/1126.

هناك دلالات تشير إلى تدهور العلاقات بين ملكة الصليحيين والبلاط الفاطمي خلال السنوات الأخيرة من الفترة الوزارية للأفضل. ومن المحتمل أنه بسبب هذا الواقع تم إرسال ابن نجيب الدولة من القاهرة إلى اليمن في عام 513/1119 ليخضع الدولة الصليحية للحكم فاطمي بشكل أقوى. من ناحية ثانية جعل ابن نجيب الدولة من نفسه ومن جنده الأرمن أشخاصاً غير مألوفين في اليمن وحاولت الملكة التخلص منه. في عام 519/1125 تم استدعاء ابن نجيب الدولة إلى القاهرة بعد أن كان المأمون خليفة الأفضل قد أعاد تأكيد مهمته في اليمن وتم التخلص منه في رحلة العودة. أظهرت الملكة السيدة ارتياباً عميقاً من الفاطميين في السنوات الأخيرة من حكم الأمير وحضرت نفسها لتؤكد استقلالها عن الفاطميين. جاءت الفرصة لتنفيذ هذا القرار مع وفاة الأمير والانقسام الطيبي الحافظي في الإسماعيلية المستعلية. في غضون هذه الفترة ومع وفاة الداعي يحيى بن لاماك الحمّادي عام 520/1126 أصبح مساعده الداعي الذؤيب بن موسى الوادعي الهمداني الرئيس التنفيذي للدعوة اليمنية. لقيت هذه الوظيفة الموافقة المسبقة من قبل الملكة السيدة والداعي يحيى.

انهيار الإمبراطورية الفاطمية

تم اغتيال الأمير وهو الخليفة الفاطمي العاشر والإمام العشرون للمستعلية في ذو القعدة 524 / تشرين الأول 1130م . وبعدها بدأت الخلافة الفاطمية طورها الأخير من الانهيار والانحطاط الموسوم بأزمات متعددة تتعلق بالسياسة والحرب والدين والسلالة الحاكمة كما أضعف الانقسام الجديد أيضاً الدعوة المستعلية. ولد للأمير صبياً قبل موته ببضعة أشهر وسمي الطيب بحسب التراث المستعلي الطيبي. يدعم قولنا هذا إرسال الأمير رسالة مع الشريف محمد بن حيدرة وهو شخص موثوق إلى ملكة الصليحيين في اليمن، معلناً ولادة أبو القاسم الطيب في ربيع الثاني 524 للهجرة 15. شهد على صحة حقيقة الطيب التاريخية ابن ميسر (677-127
عة يوتا، 1990)، الصفحات 137-44، وعمل فاطمة مرنيسي ’الملكات المنسية في الإسلام‘ ، ترجم من قبل م. جي. ليكلاند) كامبردج : مطبوعات بولتي، 1993)، الصفحات 139-58 ، توفر آفاق جديدة دون إضافة تفاصيل هامة لدراسات الحمداني. وانظر أيضاً ف. كرينكو، س. ف.’صليحي الأول‘، حرر من قبل م. ث. هوتسما وآخرون (لايدن- لندن: اي. جي. بريل، 1913-38) ،والمجلد 4، الصفحات 515-17؛ م. غالب، ’عالم الإسماعيلية‘ (بيروت : دار اليقظة،(1964 ، الصفحات. 143-53؛ خير الدين الزركلي، العالم، الطبعة الثالثة). بيروت: خير الدين الزركلي، (1969، المجلد الأول ، الصفحة 279، وعمر ر. كحالة، ’عالم النساء‘، الطبعة الثالثة. (بيروت : مؤسسات الرسالة، 1999) ، المجلد الأول، الصفحات 253-54.

7. انظر ادريس، ’عيون الأخبار‘، المجلد الخامس، الصفحات 31-44، ابن مالك اليمني، ’كشف الأسرار الباطنية وأخبار القرامطة‘، حرر من قبل م. زد. الكوثري ( القاهرة: مكتبة الأنوار،1939)، الصفحات 39-42، كتب لفقيه يمني سني عاش في وقت وجود سلالة الصليحيين، أصبح لاحقاً إسماعيلياً وبعد ذلك تنكروألف هذه المقالة ضد الإسماعيلية والتي أعيد نشرها في كتاب ’أخبار القرامطة‘، حرر من قبل س. زكار، الطبعة الثانية.( دمشق: دار نيسان،1982) الصفحات.48-243 من الواضح أن عمل ابن مالك خدم كمصدر رئيسي في الدعوة الإسماعيلية المبكرة في اليمن لجميع المؤرخين السنة اللاحقين في اليمن، بما في ذلك بهاء الدين الجنادي (توفي عام 1332/732) الذي أعاد كتابة قائمة ابن مالك للدعاة اليمنيين في كتابه أخبار القرامطة باليمن، حرر وترجم من قبل كاي، في كتابه ’اليمن‘، نص الصفحات 150-52، الصفحات المترجمة 208-12. انظر أيضاً الحمداني، الصليحييون، الصفحات 49-61.

8. أ. حمداني"الداعي حاتم ابن ابراهيم الحمداني ]توفي عام596 هجري/1199بعد الميلاد] وكتابه ’تحفة القلوب‘" الأقسام 23-24 (1970-71) وخاصة 270-79.

9. انظر ’أبو تميم معد المستنصر بالله، السجلات المستنصرية‘، حرر من قبل عبد المنعم ماجد (القاهرة: دار الفكر العربي، 1954)، و هـ. ف. الحمداني، ’رسائل المستنصر بالله‘، تصف نشرة مدرسة الدراسات الشرقية (وافريقيا) (1934):307-24 محتوى الرسائل.

10. ف. دفتري، ’الإسماعيلييون: تاريخهم وعقائدهم‘ (كامبردج: مطبوعات جامعة كامبردج، 1990)، الصفحة 227ff.

11. انظر القاضي النعمان ابن. محمد، ’تأويل الدعائم‘، حرر من قبل م. هـ. العظمي ( القاهرة: دار المعرفة في مصر، 1967-72)، المجلد الثاني، الصفحة 74، والمجلد الثالث، الصفحات 48-49، أبو يعقوب السجستاني، ’اثبات النبوات‘، حرر من قبل عارف تامر (بيروت: المكتبة الكاثوليكية، 1966)، الصفحة 172، ابن حوقل، ’كتاب صورة الأرض‘ حرر من قبل جي. هـ. كريمرز، الطبعة الثانية.(ليدن: اي. جي. برل، 1938-39)، الصفحة 310، ودفتري، ’الإسماعيليون‘، الصفحات 228-229.

12. الخطاب ابن. الحسن، غاية المواليد، المخططوطة العربية 249. مكتبة معهد الدراسات الإسماعيلية، لندن، المجلد الأول، الصفحة 21 انظر أيضاً اي. ك. بونوالة، ’السلطان الخطاب‘ (القاهرة: دار المعرفة في مصر،1967) الصفحات 70-80، و س. م. ستيرن، ’خلافة الإمام الفاطمي الأمير‘، ’مطالب الفاطميين اللاحقين بالإمامة‘، وظهور الإسماعيلية الطيبية، الأقسام، 4 (1951): 221و 227-28، تمت إعادة طباعته في س. م. ستيرن، تاريخ وثقافة العالم الإسلامي في الشرق الأوسط ( لندن: مطبوعات فاريورم، 1984) ، المقالة الحادية عشرة.

13. المستنصر، ’السجلات‘، الصفحات 167-69، 203-06، والحمداني ’رسائل‘ الصفحات 321-24.

14. انظر المقريزي، ’اتعاظ الحنفاء‘، حرر من قبل جي. الشيال و م. هـ. م. أحمد (القاهرة،1967-73)، المجلد الثالث، الصفحة 103.15.
15. هذه السجلات محفوظة في المجلد السابع عشرمن ’عيون الأخبار‘ للداعي ادريس وفي مصادر طيبية أخرى، وكذلك موجودة في ’عمارة، تاريخ‘، نص الصفحات 100-102، الصفحات المترجمة 135-36، انظر كذلك ستيرن "الخلافة" الصفحة 149ف ف، والحمداني، ’الصليحيون‘، الصفحات 183-84،-321-22.

16. ابن ميسر، ’أخبار مصر‘، حررمن قبل فؤاد سيد (القاهرة: المعهد الفرنسي لعلوم الهندسة المعمارية الشرقية،1981)، الصفحات 109-110.

17. يوجد المقطع المقصود من كتاب الخطاب ’غاية المواليد‘ في كتاب دبليو. إيفانوف، ’التراث الإسماعيلي حول صعود الفاطميين‘، (لندن. هـ. ملفورد لمؤسسة البحث الإسلامي، 1942)، الصفحات 37-38، الترجمة الإنجليزية في سترن، ’الخلافة‘، الصفحات 223-24

18. لقد نقل التاريخ الباكر للدعوة الطيبية في اليمن من قبل الداعي حاتم ابن ابراهيم في كتابه الغير منشور ’تحفة القلوب‘. كتب الداعي ادريس شهادات تعريفية بالذؤيب ومن خلفه في كتابه الغير منشور ’عيون الأخبار‘، المجلد 7، و كتاب ’نزهة الأفكار‘. انظر دفتري، ’الإسماعيليون‘، الصفحة 285 وما بعدها.

19. شهادة السيدة والتي تحتوي على وصف مفصل لمجوعة مجوهراتها، قد تم حفظها من قبل ادريس في ’عيون الأخبار‘، المجل
8)16 ومؤرخون آخرون. وعلى أية حال عيّن الطيب على الفور وريثاً للأمير. وبوفاة الأمير تولى الحكم ابن عمه أبو الميمون عبد المجيد (526-1132) الذي سمي لاحقاً الخليفة والإمام وأعطي لقب الحافظ لدين الله.

الانقسام المستعلي

سبّب إعلان الحافظ خليفة وإماماً انقساماً رئيسياً بالطائفة المستعلية. لقي ادعاءه الإمامة الدعم بشكل خاص من تنظيم الدعوة الرسمي في القاهرة والأغلبية من الإسماعيلية المستعلية في مصر وسورية والذين أصبحوا معروفين بالحافظية مع أنه لم يكن الولد المباشر للإمام المستعلي السابق. كان الوضع مختلفاً تماماً باليمن فهناك نتج صراع أليم ضمن الطائفة المستعلية وبالنتيجة انقسم إسماعيليوا اليمن والذين كانوا دائماً على اتصال وثيق مع مركز الدعوة الرئيسي في القاهرة إلى فئتين. أيدت ملكة الصليحيين والتي كانت قد أصيبت بخيبة أمل من القاهرة قضية الطيب معترفةً به خليفة الأمير على الإمامة. في البداية كان يطلق على هؤلاء الإسماعيليون اسم الأميرية ولكن بعد تأسيس الدعوة الطيبية المستقلة في اليمن فيما بعد أصبحت تسميتهم الطيبية. أصبحت السيدة حالاً القائدة الرسمية للجماعة الطيبية في اليمن وقطعت روابطها مع القاهرة بشكل مشابه لما فعله الحسن بن الصباح في بلاد فارس عند وفاة المستنصر عام 487/1094. صادق الداعي الذؤيب الرئيس الإداري للدعوة اليمنية بشكل كامل على قرار السيدة. وعلى العكس فالزريديين من عدن وبعض الهمدانيين من صنعاء و الذين انتصروا باستقلالهم عن الصليحيين قد دعموا الإسماعيلية الحافظية باعترافهم بالحافظ والخلفاء الفاطميين اللاحقين له أئمةً لهم. ارتبطت الإسماعيلية الحافظية بالنظام الفاطمي واختفت حالاً بعد انهيار الأسرة الفاطمية الحاكمة عام 567/1171 والغزو الأيوبي القادم من جنوب الجزيرة العربية عام 569/1173. أما الدعوة الطيبية التي بدأت بها السيدة فقد بقيت في اليمن و بقي مركزها الرئيسي في حرز. بسبب الروابط القوية والمحكمة بين اليمن الصليحي وكوجرات كانت الدعوة الطيبية أيضاً محفوظة في الهند الغربية وهذا يبرر استمرارية تواجد الإسماعيلية الطيبية هناك ويعرفون حاليا بالبهرة.

الطيب

لم يعرف شئ عن مصير الطيب والذي يبدو أنه قد قتل في سن مبكرة بأمر من الحافظ. وأيا كان فباعتقاد الطيبيين أن الطيب بقي على قيد الحياة ودخل مرحلة الستر واستمرت الإمامة فيما بعد بشكل سري في ذريته يتسليمها الإبن من الأب خلال الفترة الأخيرة من الستر التي بدأها الطيب باختفائه. كانت أخبار ولادة الطيب مصدر سعادة في البلاط الصليحي. ولدينا تقرير شاهد للخطّاب على هذا الحدث والذي كان حينئذ مساعد الداعي الذؤيب17. بذلت ملكة الصليحيين المسنة منذ ذلك الوقت وحتى وفاتها كل الجهود لتقوية الدعوة اليمنية بالنيابة عن الطيب وتعاون الذؤيب والقادة الآخرين للدعوة التي أصبح اسمها الدعوة الطيبية مع السيدة تعاوناً كبيراً. بعد عام 526/1132 مباشرة أعلنت السيدة تولي الذوعيب رتبة الداعي المطلق وهو الداعي الذي يمتلك الصلاحية المطلقة. تمكنت السيدة أيضا بقطعها العلاقات مع مصر الفاطمية بشكل مبكر من إقامة الدعوة الطيبية المستقلة في الدولة الصليحية وهذا يعتبر أيضاً إجراء ذكياً منهاً لتضمن البقاء للإسماعيلية الطيبية بعد سقوط الدولة الصليحية. في الواقع كان الداعي المطلق وقتها مفوضاً بإدارة نشاطات الدعوة بالنيابة عن الإمام الطيبي المستور ويشير هذا إلى تأسيس الدعوة الطيبية المستقلة في اليمن بقيادة الداعي المطلق. احتفظ خليفة الذؤيب 18 بلقب الداعي المطلق. وهكذا أصبح الداعي الذؤيب الداعي المطلق الأول بين الدعاة المطلقين والذين تلا واحدهم الآخر خلال فترة الستر في تاريخ الإسماعيلية الطيبية .

الدعوة الطيبية

في بادئ الأمر كما أشرنا سابقاً حصل الذؤيب على مساعدة الخطاب بن الحسان والذي انتمى لعائلة من أسياد الهاجر وهي عشيرة همدانية أخرى. كان الخطاب شاعراً يمنياً ومؤلفاً إسماعيلياً هاماً وكان نفسه سلطاناً هاجرياً قاتل بصفته مقاتلاً شجاعاً بالنيابة عن ملكة الصليحيين. ساهم بشكل هام بإخلاصه للسيدة الحرة وبخدماته العسكرية للدعوة الإسماعيلية في نجاح الدعوة الطيبية في أوقات عصيبة. قتل الخطاب عام 533/1138 وذلك بعد وفاة الملكة بسنة. عين الذؤيب بعد وفاة الخطاب ابراهيم بن الحسين الحامدي من بنو حمدان كمساعد جديد له وبعد وفاة الذؤيب عام 546/1151 خلفه ابراهيم ( 557/1162) على قيادة الدعوة الطيبية بوصفه داعي مطلق. في الواقع كان الذؤيب والخطاب وابراهيم أول القادة في الدعوة الطيبية والذين عززوا هذا الفرع من الإسماعيلية في اليمن بتوجيهات عليا من قبل السيدة وتحت رعايتها. وهكذا أصبحت الدعوة الطيبية مستقلة تماماً عن النظام الفاطمي وعن الدولة الصليحية وهذا يوضح سبب إبقاءها بعد سقوط كلا السلالتين الحاكمتين و نجاحها في القرون التي تلتها في توسعها الناجح في اليمن والهند الغربية وبدون أي دعم سياسي. إن وجود الأقلية من الجماعة الإسماعيلية المستعلية الطيب
ية حتى اليوم سببه فعلاً وبشكل رئيسي حكمة وبصيرة السيدة الحرة وبنفس الطريقة تقريباً فيمكن أن يعزى بقاء الأغلبية الإسماعيلية النزارية لجهود الحسن بن الصباح في تأسيس الدعوة النزارية المستقلة وفي كلتا الحالتين فقد بقي الأئمة أنفسهم بعيدين عن أتباعهم و يتعذر الوصول إليهم.

نهاية السلالة الصليحية الحاكمة

توفيت الملكة السيدة بنت أحمد الصليحي عام 532/1138 بعد فترة حكم طويلة مليئة بالأحداث. وضع موتها حدود النهاية الفعلية للسلالة الصليحية الحاكمة والتي تمسكت ببعض الحصون المبعثرة في اليمن و لبضعة عقود أطول. شغلت السيدة وهي الحاكمة الأكثر مقدرة مكاناً فريداً في سجلات التاريخ الإسماعيلية ليس فقط لأنها المرأة الوحيدة التي شغلت المراتب الأعلى في تسلسل هرم الدعوة الإسماعيلية وقادت الدعوة اليمنية في أوقات مضطربة ولكن الأكثر أهمية في الواقع أنها كانت مسؤولة غالباً عن تأسيس الدعوة المستعلية الطيبية المستقلة والتي لا يزال لها أتباع حتى الآن في اليمن والهند وباكستان وأماكن أخرى .

من الجدير بالذكر هنا أيضاً أن الإسماعيليين الطيبين كانوا مسؤولين عن حفظ الجزء الكبير من النصوص الإسماعيلية المنتجة خلال الفترة الفاطمية. إن الاحتفاظ بهذا الأدب الإسماعيلي يعود غالباً إلى بصيرة السيدة الحرة. إن إخلاص الملكة السيدة للإسماعيليين ودعوى الطيب وجد في عبارتها الأخيرة في وصيتها والتي أورثت بها الإمام الطيب19 مجموعتها المشهورة من المجوهرات. دفنت هذه المرأة الصليحية الإسماعيلية الرائعة، والمميزة في العالم الإسلامي في عصوره الوسطى، في جامع ذوجبلة والذي قد أقامته بنفسها. ومع مرور القرون فقد استخدم قبر السيدة كمكان لحج المسلمين من الطوائف المتنوعة ولم يكن الحجاج دائماً على وعي بصلتها الشيعية الإسماعيلية. قامت عدة محاولات في العصور الوسطى من قبل الزيديين وأعداء الإسماعيلية الآخرين في اليمن لتدمير جامع ذو جبلة ولكن حجرة قبر السيدة الحرة التي حفر عليها آيات قرآنية بقيت سليمة حتى تم تدميرها أيضاً في أيلول 1993 من قبل أفراد من مجموعة محلية والذين اعتبروا أن التردد الدائم لزيارة قبرها هو انشقاق20.

 الملاحظات

 

1. انظرادريس عماد الدين ب. الحسن ’عيون الأخبار وفنون الآثار‘، حررمن قبل م. غالب (بيروت: دار الأندلس، 1973-78 )، المجلد الخامس، الصفحات 137-38، أعيدت طباعته في س. م. ستيرن، ’دراسات في الإسماعيلية الباكرة‘ (القدس- ليدن: مطبوعات ماغنيس، 1983 )، الصفحات 102-103.

2. تقي الدين أحمد ابن علي المرقريزي، ’كتاب المواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار‘ (بولاق، 1270/1853-54)، المجلد 1، الصفحات 390-91. والمجلد 2، الصفحات 341-42. انظر كذلك ل. هـ. هالم، "’عهد الولاء الإسماعيلي‘ و’مجالس الحكمة‘ في العهود الفاطمية‘" في التاريخ والفكر الإسماعيلي في القرون الوسطى، حرر من قبل ف. دفتري (كامبردج: مطبوعات جامعة كامبردج، 1996)، خصوصاً الصفحات 98-112. وهـ. هالم، الفاطميون وتقاليدهم في التعلم (لندن: اي. ب. تورس،1997)، الصفحات 41-56.

3. انظر ابن الطوير، ’نزهة المقلتين في أخبار الدولتين‘، حرر من قبل أ. فؤاد سعيد (شتوتغارت: ف.ستينر،1992)، الصفحات 110-112، و س. م. ستيرن ’القاهرة كمركز للحركة الإسماعيلية‘ في الندوة الدولية حول تاريخ القاهرة (القاهرة: وزارة الثقافة، 1972، الصفحة 441، تمت إعادة طباعته في ستيرن، دراسات، الصفحات 242-43.

4. عمارة ب. علي الحكمي، ’تاريخ اليمن‘، حرر وترجم من قبل هنري سي. كاي، في كتابه ’اليمن، تاريخه المبكر في القرون الوسطى‘ (لندن: اي. ارنولد، 1892)، نص الصفحات 1-102، الصفحات المترجمة 1-137، وفي الآونة الأخيرة، حرر هذا التاريخ من قبل حسن إس. محمود (القاهرة: مكتبات مصر،1957).

5. انظر ادريس عماد الدين، ’عيون الأخبار‘، المجلد 7، المخطوطات العربية 230، مكتبة معهد الدراسات الإسماعيلية، لندن، تحتوي على تاريخ الصلحيين المجلد 1-222 والمجلد 117-222 كرست للسيدة الحرة. انظر أ. جاسيك، فهرس المخطوطات العربية في مكتبة معهد الدراسات الإسماعيلية (لندن: المنشورات الإسلامية، 1984-85)، المجلد 1، الصفحات 136-40.

6. لفتُ الانتباه في هذه المقالة على الأعمال التالية ل. هـ. ف. الحمداني : ’مذاهب وتاريخ الدعوة الإسماعيلية في اليمن‘ (رسالة دكتوراه، جامعة لندن، 1931)، وخصوصا الصفحات 27-47 ؛ ’حياة وعهود ملكة اليمن السيدة أروى الصليحية‘ مجلة الجمعية الملكية لآسيا الوسطى 18 (1931): 505-17، و ’الصليحيين والحركة الفاطمية في اليمن‘ (القاهرة: مكتبات مصر، 1955)، وخصوصا الصفحات 141-211 ، والتي لا تزال أفضل دراسة حديثة حول هذا الموضوع. بعض المنشورات الحديثة حول السيدة الحرة ، تتضمن ل. العماد ’المرأة والدين في الخلافة الفاطمية: حالة السيدة الحرة ، ملكة اليمن‘، في كتاب ’دراسات فكرية عن الإسلام : مقالات مكتوبة على شرف مارتن ب. ديكسون‘، حررت من قبل م.م. مازوني و ف.ب. مورين ( مدينة سولت ليك : مطبوعات جام
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
دخول القرامطة اليمن يافع والعدين

#الشيعة #الباطنية #المكارمة #نجران #الأثني_عشرية #الزيدية

كانت اليمن مثل بقية بلاد الأمة الإسلامية على عقيدة السلف الصالح منذ دخلها الإسلام...
وبدأت الأهواء تدخلها عن طريق التشيع البسيط بعد عودة بعض قبائل همدان ومذحج من العراق بعد الفتنة بين الصحابة...
ثم دخلها مذهب الخوارج في مطلع القرن الهجري الثاني لما حصل تمرد الخوارج المشهور من حضرموت أيام آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد واستطاع الخوارج حينها السيطرة على اليمن كلها بل وصلوا إلى مكة وحكموها ولكن مروان استطاع دحرهم والقضاء عليهم حتى عادوا إلى حضرموت وكمنوا فيها...

ثم دخلتها أفكار الباطنية القرامطة بمجيء علي بن الفضل إلى يافع والعدين، وشهر ابن حوشب إلى حجة في النصف الثاني من القرن الهجري الثالث، ثم محمد بن عيسى المهاجر إلى حضرموت في النصف الأول من القرن الرابع...

ثم دخلها الاعتزال بمجيء الهادي يحيى بن الحسين الزيدي المعتزلي في نهاية القرن الثالث الهجري...
ثم دخلها مذهب الأشاعرة في نهايات القرن الهجري الخامس إلى بعض المناطق في زبيد، وحصل صراع مشهور بين السلفيين والأشاعرة في إب وتعز في النصف الأول من القرن الهجري السادس...
ثم دخلها التصوف القبوري بمجيء الأيوبيين في النصف الثاني من القرن الهجري السادس...
ثم دخلها مذهب الماتريدية بدخول العثمانيين إلى اليمن في القرن العاشر الهجري...
وقد قامت في اليمن دول لكل هذه المذاهب والنحل ودخول كل مذهب وتطوره في اليمن، والدول التي قامت باسمه والدعوة إليه، تأريخ الفرق والمذاهب والأديان...

الشيعة من ناحية الأصل ثلاثة مذاهب رئيسة تفرقت عنها فرق متعددة:
الأول: المؤلهة، وهم الشيعة الباطنية، والإسماعيلية، والقرامطة، والفاطمية، وغيرها من الأسماء التي تدل على نفس المذهب...
الثاني: السابة، وهم الشيعة الاثني عشرية، والإمامية، والجعفرية، والرافضة وغيرها من الأسماء التي تدل على نفس المذهب...
الثالث: المفضلة، وهم الشيعة الزيدية، والهادوية، باستثناء الجارودية من الزيدية فهم رافضة...
وقد كان للمذاهب الثلاثة وجود في اليمن عبر العصور الماضية وحتى يومنا هذا، وسأفرد هذا الموضوع للحديث عن الشيعة المؤلهة، والذين عرفوا في اليمن بالإسماعيلية عبر التاريخ، ثم عرفوا مؤخرا عند عامة الناس (بالمكارمة) وهو اسم مستحدث، كما جاءت فترات كان يسميهم بعض المؤرخين (القرامطة) وخاصة في بدايتهم في القرن الهجري الثالث والرابع، كما كان بعض العلماء يطلق عليهم (الباطنية)، وهم الآن يتبعون فرقة البهرة المتفرعة عن فرقة المستعلية المتفرعة عن الإسماعيلية، كما أن البهرة متفرعة الآن إلى سليمانية وداوودية وكلاهما لهم وجود في اليمن

أول دخول الإسماعيلية إلى اليمن كان عن طريق ذهاب رجل من أهل اليمن كان قد تأثر ببعض الشيعة الإمامية في عدن وأخذ التشيع عنهم، فرحل إلى الحج ثم إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة عند الشيعة، وهذا الرجل هو علي بن الفضل الجدني الحميري...

وفي العراق التقى بالزعيم الشيعي الكبير ميمون القداح الذي كان داعية الإسماعيلية هناك، وكان مشرفا على كنوز ومفاتيح قبر الحسين في جنوب العراق، وكان ميمون القداح هذا يعد العدة ليكون الداعية فيما بعد هو ابنه عبيدالله بن ميمون، والذي نجح في تكوين الدولة الفاطمية بعد سنوات في المغرب وتوسعت إلى مصر ومناطق متعددة من العالم الإسلامي...

أثر ميمون القداح على علي بن الفضل اليمني، وكاشفه بدعوته، وطلب منه أن يكون مناصرا لها ويمهد الطريق في اليمن للدعوة الإسماعيلية ووعده بأنه سيكون قائدا ووال من ولاتهم، وأمده بمال عظيم، وأرسل معه رجلا اسمه منصور بن حوشب الكوفي ليكون المعلم الرئيس والزعيم لإسماعيلية اليمن حتى تتوطأ لهم الأرض...

وهذا ما حصل، فقد عاد الرجلان إلى اليمن بمال وفير، وقاما ببث دعوتهما بادعاء مظلومية آل البيت، وإظهار التنسك والعبادة للناس حتى يحبهم العامة، فاختار علي بن الفضل منطقة يافع في محافظة لحج، واختار منصور بن حوشب منطقة عدن لاعة في محافظة حجة، وكان وصولهم إلى اليمن سنة 268هـ، واستمرا في دعوتهما حتى استمالا الكثير من الناس، وبنوا حصونا بدأوا يجمعون فيها السلاح ويبثون دعوتهم لتكوين دول مستقلة لهم...

وكان الوضع في اليمن حينذاك من الناحية السياسية غير مستتب، فولاة الخلافة العباسية ضعيفون، والاضطرابات كثيرة، فبنو زياد دولة في تهامة اليمن وعاصمتهم زبيد ويتبعون الخلافة العباسية اسميا، وبنو يعفر دولة في جبال اليمن وعاصمتهم صنعاء ويتبعون العباسيين اسميا كذلك، والقبائل مستقلة، فلهمدان زعماء محليون مستقلون كالضحاك شيخ حاشد، والدعام شيخ بكيل، ولحمير أمراء مستقلون في المناطق البعيدة عن سلطة بني يعفر الحميريون، ولمذحج زعماء، ولخولان، وقضاعة، وغيرها من قبائل اليمن...

وبعد سنوات نجح ذانك الشيعيان في تكوين مناطق مستقلة عن نفوذ الدول المجاورة، وكان حصن منصور بن حوشب في جبال مسور القريبة من عدن لاعة بحجة
، وحصن علي بن الفضل بيافع في لحج، ولكن علي بن الفضل توسع بقوة وسرعة لقيام بعض قبائل حمير معه، واتخذ من مدينة المذيخرة في إب لاحقا عاصمة لدولته الجديدة، وبدأ يمد سلطانه على معظم المناطق من عدن إلى صنعاء بعد معارك متعددة وقوية...

ولم يكد القرن الثالث الهجري ينتهي والقرن الرابع يبدأ إلا وقد صارت لعلي بن الفضل دولة كبيرة في اليمن، وخاصة بعدما دخل صنعاء وأخذها من بني يعفر، ثم دخل زبيد وأخذها من بني زياد، وقاتلت جيوشه جيش الإمام الزيدي الهادي يحيى بن الحسين الذي كان متمركزا في صعدة وتقدم إلى صنعاء، ولكن علي بن الفضل انتصر عليه فعاد إلى صعدة وبقي فيها حتى مات سنة 298هـ...

وكانت تلك الفترة هي الفترة الأولى لانتشار التشيع الإسماعيلي في اليمن في مناطق متعددة من صنعاء وإب ويافع ونجران وحراز وغيرها...

وقد كان توسع علي بن الفضل في نفس وقت قيام دولة القرامطة على يد أبي طاهر الجنابي فيما كان يسمى البحرين (وهي المنطقة التي تشمل الآن الكويت وقطر والبحرين والإمارات والأحساء في المنطقة الشرقية من السعودية)، كما أنه بعد فترة قريبة شهدت قيام الدولة العبيدية الفاطمية في المغرب على يد عبيدالله بن ميمون القداح، وكل هذه الدول كانت نجاحا للحركة الإسماعيلية السرية الحثيثة التي تولى قيادتها ميمون القداح الأب...

لكن دولة علي بن الفضل لم تستمر كثيرا، إذ انهارت بموته سنة 303هـ، واستطاع بنو يعفر الحميريون أن يجمعوا فلولهم من جديد ويتحالفوا مع القبائل الحميرية ويهاجموا المذيخرة عاصمة دولة علي بن الفضل، وكان ابن علي بن الفضل يقود جيوش القرامطة في تلك المعركة، التي تكللت بخسارة عظيمة للقرامطة الإسماعيلية، واستطاع اليعفريون وحلفاؤهم القضاء على تلك الدولة قضاء مبرما، فلم تقم لهم قائمة...

أما دولة منصور بن حوشب في حجة فقد استمرت، ولكنها كانت صغيرة محصورة في مناطقها بدون توسع، حتى مات منصور بن حوشب، فولى أمير العبيديين في المغرب واحدا من معاوني منصور خليفة له واسمه عبدالله بن العباس، فاحتج أحد أولاد منصور بن حوشب الذي كان يريد خلافة أبيه، فقتل ابن العباس، ثم أصبح من أهل السنة والجماعة "تسنن"، ثم قتله بعض خصومه، واضطربت الدولة وتزعزعت، وذلك سنة 322هـ...

لتنتهي بهذا أول دولتين إسماعيليتين في اليمن، وليدخل الإسماعيلية في اليمن بعدها في طور الدعوة السرية، حتى قامت الدولة الصليحية بعد حوالي مائة سنة من هذه الأحداث

بعد نهاية دولة منصور بن حوشب في حجة دخلت الدعوة الإسماعيلية الباطنية في اليمن طور الدعوة السرية...

وكانوا يتميزون بأن لهم رئيسا لدعوتهم يسمونه الداعي، وكلما مات داع منهم أوصى بالأمر لواحد من بعده ليكون رأس الدعاة لهذا المذهب بشكل سري، حيث تنتقل له الكتب الخاصة بالمذهب والأموال، ويستلم الزكوات والأخماس ويحفظ أسرار المذهب، ويتواصل مع الدعاة خارج اليمن في أمور المذهب...

ووصلت رئاسة الدعوة إلى رجل اسمه سليمان الزواحي، فكان يفد على مشايخ القبائل اليمنية ويجالسهم وهو يخفي مذهبه، وكان ممن يفد عليه واحد من أقوى مشايخ قبائل اليمن وهو الشيخ محمد بن علي الصليحي الحاشدي، ومنطقته في حجة وحراز، وكان الشيخ محمد سنيا له معرفة ومحبة للسنة...

فاستغل الداعي الزواحي وجود ابن الشيخ محمد الصليحي وهو مازال فتى لم يبلغ الحلم، فبدأ يتقرب إليه، ويبث في عقله قضايا مظلومية أهل البيت، واغتصاب حق فاطمة، وظلم علي وغيرها من قضايا الشيعة، وكان هذا الأمر في خفاء من أبيه، لأن الداعي الزواحي كان يعلم أن هذا الابن سيصير زعيم القبيلة بعد أبيه خاصة وهو الابن البكر، فأراد أن يوصل أفكاره إليه وهو مازال طريا لا يفهم...

وفعلا مال الولد (علي بن محمد الصليحي) لأفكار المذهب الشيعي الإسماعيلي، وبدأت تتسرب إلى رأسه سنة بعد سنة، وكان الزواحي يكثر من زيارتهم والجلوس مع الولد، والأب في غفلة يظنه يعلم ولده بعض العلوم الشرعية لأنه كان يستر انتماءه، ثم لما كبر الشيخ محمد الصليحي وبدأت بعض الأمور تصير إلى ابنه علي، جاء الموت للزواحي فأوصى بالدعوة إلى علي الصليحي وأوصى له بكتبه وأموال عظيمة كانت عنده، وكان علي الصليحي يحج بالناس في جبال السراة باليمن كل سنة رئيسا للحجيج اليمني حتى عظم أمره، وصار الناس منقادين له...

فأعلن دعوته بعد وفاة أبيه سنة 439هـ في حجة وحراز، وأقام دولة وكون مقاتلين وجيشا، واستفاد مما له من أموال عظيمة، فتوسع في اليمن توسعا سريعا، واستولى على صنعاء، ثم ذمار وإب وتعز ولحج وتهامة وعدن، وصار يحكم أكثر اليمن، وصار أقوى حكام اليمن خلال عشرين سنة، وكان رغم هذا يتخفى بمذهبه من أثر التقية التي تربى عليها أيام والده، ولكن انتشر عند الناس خبر انتماء هذه الدولة الصليحية بسبب دعاتها وكلامهم وأشعارهم وتشيعهم المكشوف...

وقتل الملك علي الصليحي هذا سنة 459هـ فخلفه ابنه أحمد بن علي الصليحي الملقب المكرم أحمد، وانتقل بعاصمته من صنعاء إلى مدينة جبلة في إب والتي بناها هو، ثم أصيب بالشلل فجعل ال
أمور بيد زوجته السيدة بنت أحمد الصليحية، التي صارت المتحكمة في شئون الدولة الصليحية باسم زوجها زمانا طويلا قارب نصف قرن من الزمان...

ولما ماتت السيدة بنت أحمد ضعف أمر الدولة الصليحية وحكمها بعض الصليحيين الضعفاء فترة يسيرة من الزمان، حتى بدأوا يبيعون حصونهم وقلاعهم مقابل الأموال والذهب، وكان المشترون هم الزريعيون حكام عدن والذين كانوا شيعة إسماعيلية مثلهم وكانوا ولاتهم على عدن ولحج سابقا قبل أن ينفصلوا عنهم بعد موت السيدة بنت أحمد...

وهكذا كتب للدولة الصليحية أن تنتهي في منتصف القرن الهجري السادس...

بعد انتهاء الدولة الصليحية صار أمر الإسماعيلية في صنعاء عند بني حاتم، وأمرهم في عدن عند الزريعيين...

وبنو حاتم طائفة من همدان على هذا المذهب المنحرف صار أمرهم في صنعاء فترة، حتى دخل الأيوبيون فقضوا عليهم سريعا، ولم يدم أمرهم طويلا...

أما بنو زريع فكانوا ولاة للصليحيين على منطقة عدن ولحج، وهم بنو عمومتهم وعلى نفس مذهبهم وطريقتهم، وينتسبون إلى جدهم زريع اليامي...

وقد توسع بنو زريع في جهات البحر العربي والبحر الأحمر، ودخلوا في مواجهات مع دولة بني نجاح في تهامة وزبيد، واستطاعوا أن يأخذوا بعض الموانئ البحرية، وبنوا مدينة الحديدة على ساحل البحر الأحمر، لتكون ميناءهم البحري المهم في تلك المنطقة.

ولما ضعفت الدولة الصليحية في النصف الأول من القرن الهجري السادس وذلك بعد ضعف الدولة الفاطمية في مصر ثم انهيارها على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، وأحست السيدة بنت أحمد الصليحية آخر سلاطين الصليحيين في اليمن بالضعف، قبلت الزواج بالأمير الزريعي الداعي سبأ (علي) بن أبي السعود بن زريع، لينتقل الملك للزريعيين، وخاصة بعد أن استطاع جيش بني مهدي الخوارج (الدولة الحديثة التي قامت على أنقاض دولة بني نجاح في زبيد) أن يدخلوا تعز، ويسيطروا على عامة حصون الصليحيين في تعز وإب، ولم تستطع السيدة بنت أحمد أن تدافع عنها لانتهاء الأموال لديها بسبب إيقاف الدعم الفاطمي من مصر...

وهنا تلقب سبأ بن أبي السعود، بالسلطان المنصور سبأ الزريعي، وصارت دولته مستقلة عن التبعية الصليحية، ثم توفى وخلفه ابنه حاتم، والذي لم يمهله بنو مهدي الخوارج كثيرا، فقد حاصروا عدن مقر ملكه وعاصمة سلطانه، فاستنجد السلطان الزريعي بإخوانه بني حاتم الإسماعيليين سلاطين صنعاء فأنجدوه، وتقابل الجيشان الحاتمي والمهدي في مدينة تعز سنة 569، وانفك الحصار عن عدن.

ولم تمض على تلك المعركة أيام حتى دخل الأيوبيون السنة إلى اليمن فاتحين، فكان أول من قابلوه بني مهدي الخوارج في زبيد فقضوا عليهم، ثم انحدروا إلى تعز فأخذوها، ثم إلى عدن، فحاصروا الزريعيين هناك، واستطاعوا دخول عدن سنة 570هـ ليقضوا على الدولة الزريعية...

ولكن بقي للزريعيين امتداد بسيط في منطقة تعز ببلاد الحجرية، حيث كانت قلعة الدملوة في قضاء الصلو هناك تحت أيدي أحد موالي الزريعيين وهو جوهر المعظمي، وقد أرسل له آخر سلاطين الزريعيين أبناءه ليحميهم عنده وقت حصار الأيوبيين له، وكان جوهر هذا من عبيد الزريعيين، وكانت في شجاعة وحرص، فحافظ على الحصن ولم يسلمه، واستمر فيه بضع عشرة سنة بعد انتهاء ملك الزريعيين حتى حاصره السلطان طغتكين بن أيوب ثاني سلاطين الأيوبيين سنة 584هـ حصارا طويلا، فاصطلحا على التسليم للحصن وأمواله وسلاحه مقابل السماح لأبناء الزريعيين بالخروج إلى البحر، وخرج جوهر المعظمي مع مواليه متسترا بعباءة امرأة، فحينما دخل الأيوبيون الحصن لم يجدوه فسألوا عنه فأخبروا الخبر...

وبتسليم جوهر المعظمي لحصن الدملوة (الذي اتخذه السلطان طغتكين لاحقا مقرا له) انتهت الدولة الزريعية في اليمن انتهاء تاما، وكانت آخر مكان مستقل للإسماعيلية في اليمن كله...
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
#علي_بن_فضل

هو أبو الفتح علي بن الفضل بن يعلى الجدني الخنفري الحميري، ولد ونشأ بمدينة جيشان في العود، وكانت من المدن الكبرى في اليمن حينذاك في القرن الهجري الثالث وقريبة من مدينة عدن، ثم هاجر إلى مدينة عدن، وهناك أخذ التشيع، وصار شيعيا اثني عشريا…

وكان التشيع الاثني عشري موجودا حينذاك في عدن بسبب الفرس الموجودين هناك من ناحية، وبسبب الرحلات التجارية التي تأتي من فارس والعراق، ويظهر أنه كانت للشيعة الاثني عشرية خطة تستهدف عدن بالتشيع…

وكان ابن الفضل أديبا فصيحا، وله مكانة في منطقته، ثم سافر إلى العراق لزيارة قبور أئمة الشيعة الاثني عشر، ووصل إلى قبر الحسين فاقتنصه ميمون القداح الذي ينتسب إليه الفاطميون، ورأى في خشوعه وبكائه عند قبر الحسين أنه رجل يمكن الاعتماد عليه هو ومنصور بن حوشب، فأظهر لهما سره، ودعمهما وأمرهما بالذهاب إلى اليمن، ونقلهما من دعوة الشيعة الاثني عشرية إلى دعوة الشيعة الباطنية…

وسره هو ادعاؤه أن ابنه عبيدالله بن ميمون هو المهدي المنتظر عند الشيعة، وأنهما يصيران دعاته في اليمن، وجعل منصورا الأمير وأمره بحسن التعامل مع علي بن الفضل، وأرسل منصورا إلى منطقة في حجة، وأرسل عليا إلى الجند…

فوصل علي بن الفضل إلى الجند سنة 268هـ، ولم يستقر فيها وكانت تحت حكم جعفر المناخي الريمي سلطان العدين، فلم ينجح فيها وانتقل إلى أبين ولم يجد راحة فيها، ثم انتقل إلى جبال يافع في لحج واستقر هناك، وبقي هناك يظهر التعبد للناس والتنسك حتى مال إليه الناس وكانوا في تلك المناطق جهلة رعاع، والعلم عندهم قليل والعلماء معدومون لأنهم حينذاك قبائل بدوية في جبال وعرة…

فعظموه وأحبوه، وكانوا يأتونه بالطعام والهدايا فلا يأخذ منها شيئا حتى زاد إعجابهم به، وتعظيمهم له، وقالوا أن هذا هو العالم الحق، فطلبوه أن ينزل من الجبال إلى قراهم ليكون محترما معظما فرفض وامتنع، فأكثروا عليه وهو يظهر الامتناع حتى قبل بشروط، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك المعاصي وطاعته، فقبلوا، فأمرهم ببناء حصن قوي له في منطقة السرو من يافع…

وقد استمر في تمثيليته هذه عشر سنوات حتى تمكن وصار زعيما لهم وانتقل إلى حصن سرو يافع سنة 277هـ…

وبدأ يسمح لأتباعه بالغزو والإغارة على من لم يتبعه من قبائل يافع وما جاورها، فبدأت الفتن في أيامه، وتعلمت تلك القبائل البدوية التي اتبعته السلب والنهب والقتال وأكل أموال الآخرين وسفك دمائهم باسم الدين…

ثم استغل فترة مجاعة حصلت في بعض البلاد فجهز أتباعه وحرض الفقراء والمعدمين في كل البلاد أن يخرجوا لأخذ حقوقهم وهاجم سلطان لحج وأبين حينذاك وهو ابن أبي العلاء، وانتصر علي ابن أبي العلاء في أول الأمر، ثم دالت الدولة لابن الفضل بخديعة قام بها لما أغار عليهم وهم آمنون وقتلهم…

ووجد مالا عظيما في خزائن ابن أبي العلاء فجهز به المقاتلين الفقراء، وانضم إليه المئات، وقام بحركة اشتراكية هي الأولى من نوعها في اليمن، فقد كان شعاره تقسيم مال الله على عباد الله، واستغل فترة المجاعة الموجودة في اليمن حينذاك، وتحرك باتجاه مناطق تعز وإب بعد سيطرته على لحج وأبين وعدن، وكانت كبرى المدن هناك حينذاك مدينة المذيخرة بين تعز وإب…

فتوجه إليها وقاتل في الطريق كل من وجده من السلاطين والمشايخ، فقاتل الأمير أحمد بن منصور بن أبي المغلس أمير الدملوة وبلاد الصلو من الحجرية، وانتصر عليه وقتله، ثم حاصر الأمير محمد بن الكرندي سلطان المعافر في الحجرية بتعز وانتصر عليه واستولى على بلاده…

وأظهر التشيع في جيشه وكان يلقي عليهم ويبث فيهم شبهه، ولأنهم جهلة رعاع فقد كانوا يقبلون منه أي شيء يقوله ويطيعونه طاعة عمياء، وعاد إلى يافع مهتما ببث أفكاره، ثم تحرك مرة أخرى باتجاه المذيخرة سنة 291هـ، وعسكر بأتباعه في منطقة المعافر بالحجرية بين ذبحان وجبل صبر، وأرسل بالتهديد إلى جعفر المناخي في المذيخرة فتحرك جعفر بجيوشه الكبيرة وتحرك ابن الفضل بجيوشه، وتقابلا في منطقة النجد الأحمر بين إب وتعز، وانتصر المناخي وعاد ابن الفضل إلى يافع مرة أخرى…

ثم عاد مرة أخرى وانتصر على المناخي الذي هرب إلى زبيد عند السلاطين بني زياد، فأمدوه بقوات وسلاح، فعاد إلى المذيخرة وابن الفضل فيها، وحصلت بينهما معركة كبيرة في وادي نخلة في شرعب، وانتصر علي بن الفضل وقتل المناخي، واستقر في المذيخرة…


بعد ذلك قويت دعوة القرامطة في اليمن، فكان علي بن الفضل يحكم مناطق تعز وإب ولحج وعدن وأبين، ومنصور بن حوشب يحكم حجة وعمران والمحويت، وتحركا باتجاه صنعاء كل من منطقته…

فأما علي بن الفضل وهو مدار بحثنا هنا فبدأ بمنطقة يحصب شمال إب فدخل عاصمتها منكث، وانتصر على السلاطين آل الصوار السخطيين حكامها، ثم انتقل إلى يريم فأخذها ووصل إل ذمار…

وفي ذمار وجد جيشا عظيما تابعا لسلطة دولة بني يعفر التي عاصمتها صنعاء، فراسل ابن الفضل حاكم ذمار فاقتنع بدعوته وأعلن تشيعه وفتح المدينة له وسلمها…

ثم تحرك ابن الفضل إلى صنعاء في محرم سن
الله، فاتفقا على ذلك، وخرج الطبيب إلى المذيخرة، وصار فترة يمارس الطب فيها ويخالط رجال الدولة والوزراء وقواد الجيش ويعالجهم ويصبر بعيدا عن ابن الفضل…

حتى كان شهر جمادى الآخرة سنة 303 هـ حين احتاج ابن الفضل إلى الفصد والحجامة، فذكروا له هذا الطبيب الحاذق، فجاءه وجعل السم في أطراف شعره، ثم قام وأخذ المبضع (الموس) وجعله في فمه كما جرت العادة أمام الملوك لتطمينهم، ثم مسح به شعره المملوء سما كأنه يجففه، ففصد ابن الفضل في أسفل ساقه (في الكاحل) وربطه، ثم خرج…

وتحرك من فوره هاربا من المذيخرة إلى صنعاء، وبعد ساعة شعر ابن الفضل بالسم، فأمر بإحضار الطبيب فبحثوا عنه فلم يجدوه، وعلموا بهروبه فأرسلوا في طلبه بسرعة، وأمر ابن الفضل بقتله حيثما وجدوه، فوجدوه في منطقة السحول القريبة من يريم، فقتلوه رحمه الله…

ومات ابن الفضل من يومه، بعد أن بقي قرابة العشرين سنة يعيث في اليمن فسادا…

ولما بلغ خبر موت ابن الفضل في المذيخرة فرح أسعد بن أبي يعفر فرحا شديدا، ودخل صنعاء، وأقام حلفا جديدا بين القبائل والمشايخ لاجتثاث القرامطة من اليمن، فتحالف معه مشايخ ذمار بعد أن دخلها في طريقه للمذيخرة، ثم ملوك يحصب وخبان آل السخطي والتراخم، وكذلك مشايخ آل الكلاع في العدين وإب، وشيخ شرعب عبدالله بن يحيى بن أبي الغارات المجيدي، وشيخ المعافر بالحجرية أحمد الكرندي، وشيخ ماوية عبدالله السكسكي، ثم وصل إليهم ملك زبيد وتهامة إبراهيم بن محمد بن زياد، فكان جيشا عظيما كله من أهل السنة (بخلاف المرة الأولى التي كان الهادي عضوا في الجيش، وتسبب في فشله بسبب الخلاف بين السنة وبينه، رغم أنهم طلبوا منه بيان عقيدته قبل الحلف وأنه من السنة والجماعة فأرسل لهم يبين عقيدته بكلام موهوم، فلما صاروا في صنعاء استأثر بالأمر فحصل بينهم الحرب والفساد والقتال)…

واجتمع هذا الجيش العظيم في السحول، وتوجهوا به إلى المذيخرة فحاصروها، وضربوها بالمنجنيق وفيها أولاد علي بن الفضل، واستمر الحصار طويلا مدة سنة تقريبا، حتى دخلها الجيش الفاتح بالسيف قهرا في رجب سنة 304هـ…

فقتل الملك أسعد بن أبي يعفر من قدر عليهم من قادة القرامطة وكبارهم، ومنهم اثنين من أولاد علي بن الفضل، وسبى بنات علي الثلاث فوهب واحدة منهم لابن أخيه، واثنتان أخريان لاثنين من مشايخ اليمن المرافقين له، وحصل على مال كثير ففرقه بين الملوك والمشايخ والجيوش الموجودة، وعاد إلى صنعاء بعد أن ترك واليا في تلك المناطق، ودان له المشايخ بالطاعة، وعاد إلى صنعاء ومعه بعض كبار القرامطة، فقتلهم وأرسل برؤوسهم إلى مكة المكرمة في أربعة صناديق فنصبت هناك في الموسم…

وقد حصلت انتفاضتين من أتباع القرامطة في سرو حمير وسرو مذحج، فأرسل لهما أسعد بن أبي يعفر جيشا فقضى على فتنتهم، واستقر الأمر لابن أبي يعفر في معظم اليمن من صنعاء حتى عدن، وكان جميع المشايخ تحت طاعته إلا أولاد الهادي يحيى بن الحسين في صعدة، والذين دخلوا بدورهم في مواجهات مع أتباع علي بن الفضل من القرامطة في نجران وصعدة استمرت سنوات، فانشغل كل فريق من الشيعة بأخيه…

وهكذا انتهت فتنة ابن الفضل تماما، وبموته ماتت دولتهم ولم تقم لها قائمة، والحمد لله رب العالمين…


مراجع ومصادر:

1- قرة العيون بأخبار اليمن الميمون لابن الديبع…

2- اللطائف السنية في أخبار الممالك اليمنية لمحمد الكبسي…

3- أشعة الأنوار على مرويات الأخبار للعلامة محمد بن سالم البيحاني…

4- العسجد المسبوك فيمن تولى اليمن من الملوك لعلي لخزرجي…

كل هذه الكتب في مظان الخبر المعروفة من منتصف القرن الهجري الثالث وحتى الربع الأول من القرن الهجري الرابع
ة 293هـ بجيوش عظيمة، فهرب منه حاكم بني يعفر أبو حسان أسعد بن أبي يعفر الحوالي، فدخلها ابن الفضل واستولى عليها وتم ملكه لنصف اليمن…

وكان منصور بن حوشب قد وصل إلى مدينة شبام كوكبان القريبة من صنعاء، فصارت أكثر الجبال بأيديهم، ولم يخرج عن سلطتهم إلا دولتي بني زياد السنية في تهامة وزبيد، والهادي يحيى بن الحسين الشيعي الزيدي في صعدة، وبعض الزعامات والمشيخات القبلية في همدان كالدعام شيخ مشايخ بكيل، والضحاك شيخ مشايخ حاشد، وكذلك بقايا ملوك بني يعفر المتحصنين في الحصون البعيدة…

وفي صنعاء أظهر علي بن الفضل مذهبه الشيعي المتطرف، وأعلن الكفر والانحراف والسب واللعن للصحابة الكرام، وهناك جاءه منصور بن حوشب فاجتمعا في صنعاء بعد دخولهما اليمن بخمس وعشرين سنة…

ثم قرر ابن الفضل أن يتحرك إلى بلاد بني زياد السنية في تهامة لأخذها والقضاء عليهم، فجهز جيشا كبيرا قوامه ثلاثون ألفا وتحرك باتجاه تهامة، فشاغله بعض اليعفريين بمعارك متعددة فلم يستطع تجاوزهم حتى أرسل له منصور بن حوشب جيشا كبيرا لمساعدته، ثم عاد ابن الفضل إلى صنعاء…

ومنها انتقل إلى حراز بين صنعاء والحديدة، وثم ملحان في المحويت، حتى وصل إلى مدينة المهجم في تهامة، وكانت ثاني أكبر مدن تهامة بعد زبيد، وتقع بين المدينتين التي تسمى اليوم اللحية والزيدية، واستطاع أخذها، ثم توجه إلى زبيد فخرج منها السلطان الزيادي، فدخلها ابن الفضل وقتل المئات من أبنائها، وسبى أربعة آلاف امرأة منها، ثم قتلهن جميعا في منطقة تسمى المشاحيط، وأراد الظفر بسلطان بني زياد فلم يستطع، وكان يعرف أنه إن غادر بجيشه تلك المنطقة فإن السلطان الزيادي سوف يعود مرة أخرى إلى زبيد ويدخلها، فلم يظفر به، وعاد إلى المذيخرة عاصمة ملكه، وعاد ابن زياد إلى زبيد…


فلما وصل علي بن الفضل إلى المذيخرة جاءته الأخبار أن تحالفا عقد في صعدة بين الهادي يحيى بن الحسين الزيدي، وشيخ مشايخ بكيل الدعام، والأمير جعفر المناخي الريمي الحميري، وبعض آل ملوك بني يعفر، وأن جيوش هذا التحالف قد دخلت صنعاء في جمادى الآخرة سنة 293هـ، فأمر قواده باستعادتها..

وكان الهادي يحيى بن الحسين أرسل ابنه محمد المرتضى بن الهادي إلى ذمار فاستطاع دخولها مع مقاتليه، ولم يطل أمره فيها فخرج منسحبا بعد هجوم أتباع ابن الفضل عليه فعاد إلى أبيه في صنعاء…

ثم تجمع أتباع بني يعفر لما رأوا الهادي يحيى بن الحسين سيطر على صنعاء واستفرد بالأمر دون حلفائه، فاقتربوا من صنعاء يريدون طرد الهادي منها، فخرج هاربا إلى صعدة، ولم يعد بعدها إلى صنعاء أبدا حتى مات…

ثم هاجم ذو الطوق اليافعي أحد قواد علي بن الفضل صنعاء وفيها بنو يعفر استطاع هزيمتهم ودخول صنعاء وإعادتها لحظيرة ابن الفضل…

فأرسل الهادي يحيى بن الحسين ابنه المرتضى إليها فدخلها وأخرج اليافعي…

ثم أخرج أتباع ابن الفضل المرتضى من صنعاء…

ودخل أبو حسان أسعد بن يعفر بعدها إلى صنعاء وطرد أتباع ابن الفضل…

ثم جاء علي بن الفضل بنفسه بعد أن رأى هذه الاختلالات وعدم قدرة جيوشه على الاستقرار، وأتى بجيش عظيم، واستطاع طرد بني يعفر من صنعاء، ودخلها للمرة الثانية، واستقر فيها ثلاث سنوات، واستقر له ملك اليمن فيها، من سنة 294 وحتى 297هـ…

وهنا خلع طاعة المهدي عبيدالله بن ميمون القداح، وأرسل لمنصور بن حوشب بهذا الأمر فلامه وعاتبه، فقال ابن الفضل أن له أسوة بأبي عبدالله الجنابي مؤسس دولة القرامطة في الأحساء والبحرين حيث دعا إلى نفسه وخلع طاعة المهدي عبيدالله، وطلب ابن الفضل من منصور بن حوشب طاعته والدخول في حكمه وإلا قاتله…

فتحصن ابن حوشب في مسور حجة، وجاءه ابن الفضل فحاصره ثمانية أشهر، ثم أرسل له منصور بالصلح مقابل مال، فاشترط ابن الفضل أن يرسل معه ابنه رهينة فأعطاه منصور ابنه وعاد ابن الفضل إلى صنعاء…

ثم عاد ابن الفضل إلى المذيخرة سنة 297، وترك على صنعاء مولى اسمه الحسن، ثم وثب عليه ابن أبي يعفر وقتله وارسل إلى ابن الفضل بالطاعة، فولاه ابن الفضل صنعاء وجعله حاكما باسم ابن الفضل، فقطع ابن أبي يعفر الدعاء للعباسيين!!

وبعد فترة حصلت حرب بين ابن يعفر هذا وأتباع علي بن الفضل بشبام فخرج وقاتلهم وانتصر عليهم، فغضب عليه ابن الفضل وخرج بجيش كبير من المذيخرة قاصدا صنعاء فدخلها للمرة الثالثة سنة 299هـ، فأقام أياما وولى واليا وعاد إلى المذيخرة..

وبقي فيها وأمره مستقر أربع سنوات، وهو يملك معظم اليمن حتى سنة 303 هـ…


في مطلع القرن الرابع الهجري جاء رجل غريب من العراق يمتهن الطب والجراحة، ويعالج الناس وله خبرة ومعرفة…

وقصد صنعاء في فترة ولاية ابن أبي يعفر عليها لما كان متفقا مع ابن الفضل، فكان يدخل على ابن أبي يعفر ويجالسه، فلما رأى بغضه لابن الفضل وخوفه منه أبلغه أنه إنما أتى من العراق يريد قتل علي بن الفضل لما بلغه من كفره وانحرافه وبلائه على المسلمين…

فوعده أسعد بن أبي يعفر بمقاسمة نصف ملكه وماله إن فعل ذلك الأمر ونجح، وإن مات فشهيد في سبيل الله بإذن