ية حتى اليوم سببه فعلاً وبشكل رئيسي حكمة وبصيرة السيدة الحرة وبنفس الطريقة تقريباً فيمكن أن يعزى بقاء الأغلبية الإسماعيلية النزارية لجهود الحسن بن الصباح في تأسيس الدعوة النزارية المستقلة وفي كلتا الحالتين فقد بقي الأئمة أنفسهم بعيدين عن أتباعهم و يتعذر الوصول إليهم.
نهاية السلالة الصليحية الحاكمة
توفيت الملكة السيدة بنت أحمد الصليحي عام 532/1138 بعد فترة حكم طويلة مليئة بالأحداث. وضع موتها حدود النهاية الفعلية للسلالة الصليحية الحاكمة والتي تمسكت ببعض الحصون المبعثرة في اليمن و لبضعة عقود أطول. شغلت السيدة وهي الحاكمة الأكثر مقدرة مكاناً فريداً في سجلات التاريخ الإسماعيلية ليس فقط لأنها المرأة الوحيدة التي شغلت المراتب الأعلى في تسلسل هرم الدعوة الإسماعيلية وقادت الدعوة اليمنية في أوقات مضطربة ولكن الأكثر أهمية في الواقع أنها كانت مسؤولة غالباً عن تأسيس الدعوة المستعلية الطيبية المستقلة والتي لا يزال لها أتباع حتى الآن في اليمن والهند وباكستان وأماكن أخرى .
من الجدير بالذكر هنا أيضاً أن الإسماعيليين الطيبين كانوا مسؤولين عن حفظ الجزء الكبير من النصوص الإسماعيلية المنتجة خلال الفترة الفاطمية. إن الاحتفاظ بهذا الأدب الإسماعيلي يعود غالباً إلى بصيرة السيدة الحرة. إن إخلاص الملكة السيدة للإسماعيليين ودعوى الطيب وجد في عبارتها الأخيرة في وصيتها والتي أورثت بها الإمام الطيب19 مجموعتها المشهورة من المجوهرات. دفنت هذه المرأة الصليحية الإسماعيلية الرائعة، والمميزة في العالم الإسلامي في عصوره الوسطى، في جامع ذوجبلة والذي قد أقامته بنفسها. ومع مرور القرون فقد استخدم قبر السيدة كمكان لحج المسلمين من الطوائف المتنوعة ولم يكن الحجاج دائماً على وعي بصلتها الشيعية الإسماعيلية. قامت عدة محاولات في العصور الوسطى من قبل الزيديين وأعداء الإسماعيلية الآخرين في اليمن لتدمير جامع ذو جبلة ولكن حجرة قبر السيدة الحرة التي حفر عليها آيات قرآنية بقيت سليمة حتى تم تدميرها أيضاً في أيلول 1993 من قبل أفراد من مجموعة محلية والذين اعتبروا أن التردد الدائم لزيارة قبرها هو انشقاق20.
الملاحظات
1. انظرادريس عماد الدين ب. الحسن ’عيون الأخبار وفنون الآثار‘، حررمن قبل م. غالب (بيروت: دار الأندلس، 1973-78 )، المجلد الخامس، الصفحات 137-38، أعيدت طباعته في س. م. ستيرن، ’دراسات في الإسماعيلية الباكرة‘ (القدس- ليدن: مطبوعات ماغنيس، 1983 )، الصفحات 102-103.
2. تقي الدين أحمد ابن علي المرقريزي، ’كتاب المواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار‘ (بولاق، 1270/1853-54)، المجلد 1، الصفحات 390-91. والمجلد 2، الصفحات 341-42. انظر كذلك ل. هـ. هالم، "’عهد الولاء الإسماعيلي‘ و’مجالس الحكمة‘ في العهود الفاطمية‘" في التاريخ والفكر الإسماعيلي في القرون الوسطى، حرر من قبل ف. دفتري (كامبردج: مطبوعات جامعة كامبردج، 1996)، خصوصاً الصفحات 98-112. وهـ. هالم، الفاطميون وتقاليدهم في التعلم (لندن: اي. ب. تورس،1997)، الصفحات 41-56.
3. انظر ابن الطوير، ’نزهة المقلتين في أخبار الدولتين‘، حرر من قبل أ. فؤاد سعيد (شتوتغارت: ف.ستينر،1992)، الصفحات 110-112، و س. م. ستيرن ’القاهرة كمركز للحركة الإسماعيلية‘ في الندوة الدولية حول تاريخ القاهرة (القاهرة: وزارة الثقافة، 1972، الصفحة 441، تمت إعادة طباعته في ستيرن، دراسات، الصفحات 242-43.
4. عمارة ب. علي الحكمي، ’تاريخ اليمن‘، حرر وترجم من قبل هنري سي. كاي، في كتابه ’اليمن، تاريخه المبكر في القرون الوسطى‘ (لندن: اي. ارنولد، 1892)، نص الصفحات 1-102، الصفحات المترجمة 1-137، وفي الآونة الأخيرة، حرر هذا التاريخ من قبل حسن إس. محمود (القاهرة: مكتبات مصر،1957).
5. انظر ادريس عماد الدين، ’عيون الأخبار‘، المجلد 7، المخطوطات العربية 230، مكتبة معهد الدراسات الإسماعيلية، لندن، تحتوي على تاريخ الصلحيين المجلد 1-222 والمجلد 117-222 كرست للسيدة الحرة. انظر أ. جاسيك، فهرس المخطوطات العربية في مكتبة معهد الدراسات الإسماعيلية (لندن: المنشورات الإسلامية، 1984-85)، المجلد 1، الصفحات 136-40.
6. لفتُ الانتباه في هذه المقالة على الأعمال التالية ل. هـ. ف. الحمداني : ’مذاهب وتاريخ الدعوة الإسماعيلية في اليمن‘ (رسالة دكتوراه، جامعة لندن، 1931)، وخصوصا الصفحات 27-47 ؛ ’حياة وعهود ملكة اليمن السيدة أروى الصليحية‘ مجلة الجمعية الملكية لآسيا الوسطى 18 (1931): 505-17، و ’الصليحيين والحركة الفاطمية في اليمن‘ (القاهرة: مكتبات مصر، 1955)، وخصوصا الصفحات 141-211 ، والتي لا تزال أفضل دراسة حديثة حول هذا الموضوع. بعض المنشورات الحديثة حول السيدة الحرة ، تتضمن ل. العماد ’المرأة والدين في الخلافة الفاطمية: حالة السيدة الحرة ، ملكة اليمن‘، في كتاب ’دراسات فكرية عن الإسلام : مقالات مكتوبة على شرف مارتن ب. ديكسون‘، حررت من قبل م.م. مازوني و ف.ب. مورين ( مدينة سولت ليك : مطبوعات جام
نهاية السلالة الصليحية الحاكمة
توفيت الملكة السيدة بنت أحمد الصليحي عام 532/1138 بعد فترة حكم طويلة مليئة بالأحداث. وضع موتها حدود النهاية الفعلية للسلالة الصليحية الحاكمة والتي تمسكت ببعض الحصون المبعثرة في اليمن و لبضعة عقود أطول. شغلت السيدة وهي الحاكمة الأكثر مقدرة مكاناً فريداً في سجلات التاريخ الإسماعيلية ليس فقط لأنها المرأة الوحيدة التي شغلت المراتب الأعلى في تسلسل هرم الدعوة الإسماعيلية وقادت الدعوة اليمنية في أوقات مضطربة ولكن الأكثر أهمية في الواقع أنها كانت مسؤولة غالباً عن تأسيس الدعوة المستعلية الطيبية المستقلة والتي لا يزال لها أتباع حتى الآن في اليمن والهند وباكستان وأماكن أخرى .
من الجدير بالذكر هنا أيضاً أن الإسماعيليين الطيبين كانوا مسؤولين عن حفظ الجزء الكبير من النصوص الإسماعيلية المنتجة خلال الفترة الفاطمية. إن الاحتفاظ بهذا الأدب الإسماعيلي يعود غالباً إلى بصيرة السيدة الحرة. إن إخلاص الملكة السيدة للإسماعيليين ودعوى الطيب وجد في عبارتها الأخيرة في وصيتها والتي أورثت بها الإمام الطيب19 مجموعتها المشهورة من المجوهرات. دفنت هذه المرأة الصليحية الإسماعيلية الرائعة، والمميزة في العالم الإسلامي في عصوره الوسطى، في جامع ذوجبلة والذي قد أقامته بنفسها. ومع مرور القرون فقد استخدم قبر السيدة كمكان لحج المسلمين من الطوائف المتنوعة ولم يكن الحجاج دائماً على وعي بصلتها الشيعية الإسماعيلية. قامت عدة محاولات في العصور الوسطى من قبل الزيديين وأعداء الإسماعيلية الآخرين في اليمن لتدمير جامع ذو جبلة ولكن حجرة قبر السيدة الحرة التي حفر عليها آيات قرآنية بقيت سليمة حتى تم تدميرها أيضاً في أيلول 1993 من قبل أفراد من مجموعة محلية والذين اعتبروا أن التردد الدائم لزيارة قبرها هو انشقاق20.
الملاحظات
1. انظرادريس عماد الدين ب. الحسن ’عيون الأخبار وفنون الآثار‘، حررمن قبل م. غالب (بيروت: دار الأندلس، 1973-78 )، المجلد الخامس، الصفحات 137-38، أعيدت طباعته في س. م. ستيرن، ’دراسات في الإسماعيلية الباكرة‘ (القدس- ليدن: مطبوعات ماغنيس، 1983 )، الصفحات 102-103.
2. تقي الدين أحمد ابن علي المرقريزي، ’كتاب المواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار‘ (بولاق، 1270/1853-54)، المجلد 1، الصفحات 390-91. والمجلد 2، الصفحات 341-42. انظر كذلك ل. هـ. هالم، "’عهد الولاء الإسماعيلي‘ و’مجالس الحكمة‘ في العهود الفاطمية‘" في التاريخ والفكر الإسماعيلي في القرون الوسطى، حرر من قبل ف. دفتري (كامبردج: مطبوعات جامعة كامبردج، 1996)، خصوصاً الصفحات 98-112. وهـ. هالم، الفاطميون وتقاليدهم في التعلم (لندن: اي. ب. تورس،1997)، الصفحات 41-56.
3. انظر ابن الطوير، ’نزهة المقلتين في أخبار الدولتين‘، حرر من قبل أ. فؤاد سعيد (شتوتغارت: ف.ستينر،1992)، الصفحات 110-112، و س. م. ستيرن ’القاهرة كمركز للحركة الإسماعيلية‘ في الندوة الدولية حول تاريخ القاهرة (القاهرة: وزارة الثقافة، 1972، الصفحة 441، تمت إعادة طباعته في ستيرن، دراسات، الصفحات 242-43.
4. عمارة ب. علي الحكمي، ’تاريخ اليمن‘، حرر وترجم من قبل هنري سي. كاي، في كتابه ’اليمن، تاريخه المبكر في القرون الوسطى‘ (لندن: اي. ارنولد، 1892)، نص الصفحات 1-102، الصفحات المترجمة 1-137، وفي الآونة الأخيرة، حرر هذا التاريخ من قبل حسن إس. محمود (القاهرة: مكتبات مصر،1957).
5. انظر ادريس عماد الدين، ’عيون الأخبار‘، المجلد 7، المخطوطات العربية 230، مكتبة معهد الدراسات الإسماعيلية، لندن، تحتوي على تاريخ الصلحيين المجلد 1-222 والمجلد 117-222 كرست للسيدة الحرة. انظر أ. جاسيك، فهرس المخطوطات العربية في مكتبة معهد الدراسات الإسماعيلية (لندن: المنشورات الإسلامية، 1984-85)، المجلد 1، الصفحات 136-40.
6. لفتُ الانتباه في هذه المقالة على الأعمال التالية ل. هـ. ف. الحمداني : ’مذاهب وتاريخ الدعوة الإسماعيلية في اليمن‘ (رسالة دكتوراه، جامعة لندن، 1931)، وخصوصا الصفحات 27-47 ؛ ’حياة وعهود ملكة اليمن السيدة أروى الصليحية‘ مجلة الجمعية الملكية لآسيا الوسطى 18 (1931): 505-17، و ’الصليحيين والحركة الفاطمية في اليمن‘ (القاهرة: مكتبات مصر، 1955)، وخصوصا الصفحات 141-211 ، والتي لا تزال أفضل دراسة حديثة حول هذا الموضوع. بعض المنشورات الحديثة حول السيدة الحرة ، تتضمن ل. العماد ’المرأة والدين في الخلافة الفاطمية: حالة السيدة الحرة ، ملكة اليمن‘، في كتاب ’دراسات فكرية عن الإسلام : مقالات مكتوبة على شرف مارتن ب. ديكسون‘، حررت من قبل م.م. مازوني و ف.ب. مورين ( مدينة سولت ليك : مطبوعات جام
دخول القرامطة اليمن يافع والعدين
#الشيعة #الباطنية #المكارمة #نجران #الأثني_عشرية #الزيدية
كانت اليمن مثل بقية بلاد الأمة الإسلامية على عقيدة السلف الصالح منذ دخلها الإسلام...
وبدأت الأهواء تدخلها عن طريق التشيع البسيط بعد عودة بعض قبائل همدان ومذحج من العراق بعد الفتنة بين الصحابة...
ثم دخلها مذهب الخوارج في مطلع القرن الهجري الثاني لما حصل تمرد الخوارج المشهور من حضرموت أيام آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد واستطاع الخوارج حينها السيطرة على اليمن كلها بل وصلوا إلى مكة وحكموها ولكن مروان استطاع دحرهم والقضاء عليهم حتى عادوا إلى حضرموت وكمنوا فيها...
ثم دخلتها أفكار الباطنية القرامطة بمجيء علي بن الفضل إلى يافع والعدين، وشهر ابن حوشب إلى حجة في النصف الثاني من القرن الهجري الثالث، ثم محمد بن عيسى المهاجر إلى حضرموت في النصف الأول من القرن الرابع...
ثم دخلها الاعتزال بمجيء الهادي يحيى بن الحسين الزيدي المعتزلي في نهاية القرن الثالث الهجري...
ثم دخلها مذهب الأشاعرة في نهايات القرن الهجري الخامس إلى بعض المناطق في زبيد، وحصل صراع مشهور بين السلفيين والأشاعرة في إب وتعز في النصف الأول من القرن الهجري السادس...
ثم دخلها التصوف القبوري بمجيء الأيوبيين في النصف الثاني من القرن الهجري السادس...
ثم دخلها مذهب الماتريدية بدخول العثمانيين إلى اليمن في القرن العاشر الهجري...
وقد قامت في اليمن دول لكل هذه المذاهب والنحل ودخول كل مذهب وتطوره في اليمن، والدول التي قامت باسمه والدعوة إليه، تأريخ الفرق والمذاهب والأديان...
الشيعة من ناحية الأصل ثلاثة مذاهب رئيسة تفرقت عنها فرق متعددة:
الأول: المؤلهة، وهم الشيعة الباطنية، والإسماعيلية، والقرامطة، والفاطمية، وغيرها من الأسماء التي تدل على نفس المذهب...
الثاني: السابة، وهم الشيعة الاثني عشرية، والإمامية، والجعفرية، والرافضة وغيرها من الأسماء التي تدل على نفس المذهب...
الثالث: المفضلة، وهم الشيعة الزيدية، والهادوية، باستثناء الجارودية من الزيدية فهم رافضة...
وقد كان للمذاهب الثلاثة وجود في اليمن عبر العصور الماضية وحتى يومنا هذا، وسأفرد هذا الموضوع للحديث عن الشيعة المؤلهة، والذين عرفوا في اليمن بالإسماعيلية عبر التاريخ، ثم عرفوا مؤخرا عند عامة الناس (بالمكارمة) وهو اسم مستحدث، كما جاءت فترات كان يسميهم بعض المؤرخين (القرامطة) وخاصة في بدايتهم في القرن الهجري الثالث والرابع، كما كان بعض العلماء يطلق عليهم (الباطنية)، وهم الآن يتبعون فرقة البهرة المتفرعة عن فرقة المستعلية المتفرعة عن الإسماعيلية، كما أن البهرة متفرعة الآن إلى سليمانية وداوودية وكلاهما لهم وجود في اليمن
أول دخول الإسماعيلية إلى اليمن كان عن طريق ذهاب رجل من أهل اليمن كان قد تأثر ببعض الشيعة الإمامية في عدن وأخذ التشيع عنهم، فرحل إلى الحج ثم إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة عند الشيعة، وهذا الرجل هو علي بن الفضل الجدني الحميري...
وفي العراق التقى بالزعيم الشيعي الكبير ميمون القداح الذي كان داعية الإسماعيلية هناك، وكان مشرفا على كنوز ومفاتيح قبر الحسين في جنوب العراق، وكان ميمون القداح هذا يعد العدة ليكون الداعية فيما بعد هو ابنه عبيدالله بن ميمون، والذي نجح في تكوين الدولة الفاطمية بعد سنوات في المغرب وتوسعت إلى مصر ومناطق متعددة من العالم الإسلامي...
أثر ميمون القداح على علي بن الفضل اليمني، وكاشفه بدعوته، وطلب منه أن يكون مناصرا لها ويمهد الطريق في اليمن للدعوة الإسماعيلية ووعده بأنه سيكون قائدا ووال من ولاتهم، وأمده بمال عظيم، وأرسل معه رجلا اسمه منصور بن حوشب الكوفي ليكون المعلم الرئيس والزعيم لإسماعيلية اليمن حتى تتوطأ لهم الأرض...
وهذا ما حصل، فقد عاد الرجلان إلى اليمن بمال وفير، وقاما ببث دعوتهما بادعاء مظلومية آل البيت، وإظهار التنسك والعبادة للناس حتى يحبهم العامة، فاختار علي بن الفضل منطقة يافع في محافظة لحج، واختار منصور بن حوشب منطقة عدن لاعة في محافظة حجة، وكان وصولهم إلى اليمن سنة 268هـ، واستمرا في دعوتهما حتى استمالا الكثير من الناس، وبنوا حصونا بدأوا يجمعون فيها السلاح ويبثون دعوتهم لتكوين دول مستقلة لهم...
وكان الوضع في اليمن حينذاك من الناحية السياسية غير مستتب، فولاة الخلافة العباسية ضعيفون، والاضطرابات كثيرة، فبنو زياد دولة في تهامة اليمن وعاصمتهم زبيد ويتبعون الخلافة العباسية اسميا، وبنو يعفر دولة في جبال اليمن وعاصمتهم صنعاء ويتبعون العباسيين اسميا كذلك، والقبائل مستقلة، فلهمدان زعماء محليون مستقلون كالضحاك شيخ حاشد، والدعام شيخ بكيل، ولحمير أمراء مستقلون في المناطق البعيدة عن سلطة بني يعفر الحميريون، ولمذحج زعماء، ولخولان، وقضاعة، وغيرها من قبائل اليمن...
وبعد سنوات نجح ذانك الشيعيان في تكوين مناطق مستقلة عن نفوذ الدول المجاورة، وكان حصن منصور بن حوشب في جبال مسور القريبة من عدن لاعة بحجة
#الشيعة #الباطنية #المكارمة #نجران #الأثني_عشرية #الزيدية
كانت اليمن مثل بقية بلاد الأمة الإسلامية على عقيدة السلف الصالح منذ دخلها الإسلام...
وبدأت الأهواء تدخلها عن طريق التشيع البسيط بعد عودة بعض قبائل همدان ومذحج من العراق بعد الفتنة بين الصحابة...
ثم دخلها مذهب الخوارج في مطلع القرن الهجري الثاني لما حصل تمرد الخوارج المشهور من حضرموت أيام آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد واستطاع الخوارج حينها السيطرة على اليمن كلها بل وصلوا إلى مكة وحكموها ولكن مروان استطاع دحرهم والقضاء عليهم حتى عادوا إلى حضرموت وكمنوا فيها...
ثم دخلتها أفكار الباطنية القرامطة بمجيء علي بن الفضل إلى يافع والعدين، وشهر ابن حوشب إلى حجة في النصف الثاني من القرن الهجري الثالث، ثم محمد بن عيسى المهاجر إلى حضرموت في النصف الأول من القرن الرابع...
ثم دخلها الاعتزال بمجيء الهادي يحيى بن الحسين الزيدي المعتزلي في نهاية القرن الثالث الهجري...
ثم دخلها مذهب الأشاعرة في نهايات القرن الهجري الخامس إلى بعض المناطق في زبيد، وحصل صراع مشهور بين السلفيين والأشاعرة في إب وتعز في النصف الأول من القرن الهجري السادس...
ثم دخلها التصوف القبوري بمجيء الأيوبيين في النصف الثاني من القرن الهجري السادس...
ثم دخلها مذهب الماتريدية بدخول العثمانيين إلى اليمن في القرن العاشر الهجري...
وقد قامت في اليمن دول لكل هذه المذاهب والنحل ودخول كل مذهب وتطوره في اليمن، والدول التي قامت باسمه والدعوة إليه، تأريخ الفرق والمذاهب والأديان...
الشيعة من ناحية الأصل ثلاثة مذاهب رئيسة تفرقت عنها فرق متعددة:
الأول: المؤلهة، وهم الشيعة الباطنية، والإسماعيلية، والقرامطة، والفاطمية، وغيرها من الأسماء التي تدل على نفس المذهب...
الثاني: السابة، وهم الشيعة الاثني عشرية، والإمامية، والجعفرية، والرافضة وغيرها من الأسماء التي تدل على نفس المذهب...
الثالث: المفضلة، وهم الشيعة الزيدية، والهادوية، باستثناء الجارودية من الزيدية فهم رافضة...
وقد كان للمذاهب الثلاثة وجود في اليمن عبر العصور الماضية وحتى يومنا هذا، وسأفرد هذا الموضوع للحديث عن الشيعة المؤلهة، والذين عرفوا في اليمن بالإسماعيلية عبر التاريخ، ثم عرفوا مؤخرا عند عامة الناس (بالمكارمة) وهو اسم مستحدث، كما جاءت فترات كان يسميهم بعض المؤرخين (القرامطة) وخاصة في بدايتهم في القرن الهجري الثالث والرابع، كما كان بعض العلماء يطلق عليهم (الباطنية)، وهم الآن يتبعون فرقة البهرة المتفرعة عن فرقة المستعلية المتفرعة عن الإسماعيلية، كما أن البهرة متفرعة الآن إلى سليمانية وداوودية وكلاهما لهم وجود في اليمن
أول دخول الإسماعيلية إلى اليمن كان عن طريق ذهاب رجل من أهل اليمن كان قد تأثر ببعض الشيعة الإمامية في عدن وأخذ التشيع عنهم، فرحل إلى الحج ثم إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة عند الشيعة، وهذا الرجل هو علي بن الفضل الجدني الحميري...
وفي العراق التقى بالزعيم الشيعي الكبير ميمون القداح الذي كان داعية الإسماعيلية هناك، وكان مشرفا على كنوز ومفاتيح قبر الحسين في جنوب العراق، وكان ميمون القداح هذا يعد العدة ليكون الداعية فيما بعد هو ابنه عبيدالله بن ميمون، والذي نجح في تكوين الدولة الفاطمية بعد سنوات في المغرب وتوسعت إلى مصر ومناطق متعددة من العالم الإسلامي...
أثر ميمون القداح على علي بن الفضل اليمني، وكاشفه بدعوته، وطلب منه أن يكون مناصرا لها ويمهد الطريق في اليمن للدعوة الإسماعيلية ووعده بأنه سيكون قائدا ووال من ولاتهم، وأمده بمال عظيم، وأرسل معه رجلا اسمه منصور بن حوشب الكوفي ليكون المعلم الرئيس والزعيم لإسماعيلية اليمن حتى تتوطأ لهم الأرض...
وهذا ما حصل، فقد عاد الرجلان إلى اليمن بمال وفير، وقاما ببث دعوتهما بادعاء مظلومية آل البيت، وإظهار التنسك والعبادة للناس حتى يحبهم العامة، فاختار علي بن الفضل منطقة يافع في محافظة لحج، واختار منصور بن حوشب منطقة عدن لاعة في محافظة حجة، وكان وصولهم إلى اليمن سنة 268هـ، واستمرا في دعوتهما حتى استمالا الكثير من الناس، وبنوا حصونا بدأوا يجمعون فيها السلاح ويبثون دعوتهم لتكوين دول مستقلة لهم...
وكان الوضع في اليمن حينذاك من الناحية السياسية غير مستتب، فولاة الخلافة العباسية ضعيفون، والاضطرابات كثيرة، فبنو زياد دولة في تهامة اليمن وعاصمتهم زبيد ويتبعون الخلافة العباسية اسميا، وبنو يعفر دولة في جبال اليمن وعاصمتهم صنعاء ويتبعون العباسيين اسميا كذلك، والقبائل مستقلة، فلهمدان زعماء محليون مستقلون كالضحاك شيخ حاشد، والدعام شيخ بكيل، ولحمير أمراء مستقلون في المناطق البعيدة عن سلطة بني يعفر الحميريون، ولمذحج زعماء، ولخولان، وقضاعة، وغيرها من قبائل اليمن...
وبعد سنوات نجح ذانك الشيعيان في تكوين مناطق مستقلة عن نفوذ الدول المجاورة، وكان حصن منصور بن حوشب في جبال مسور القريبة من عدن لاعة بحجة
، وحصن علي بن الفضل بيافع في لحج، ولكن علي بن الفضل توسع بقوة وسرعة لقيام بعض قبائل حمير معه، واتخذ من مدينة المذيخرة في إب لاحقا عاصمة لدولته الجديدة، وبدأ يمد سلطانه على معظم المناطق من عدن إلى صنعاء بعد معارك متعددة وقوية...
ولم يكد القرن الثالث الهجري ينتهي والقرن الرابع يبدأ إلا وقد صارت لعلي بن الفضل دولة كبيرة في اليمن، وخاصة بعدما دخل صنعاء وأخذها من بني يعفر، ثم دخل زبيد وأخذها من بني زياد، وقاتلت جيوشه جيش الإمام الزيدي الهادي يحيى بن الحسين الذي كان متمركزا في صعدة وتقدم إلى صنعاء، ولكن علي بن الفضل انتصر عليه فعاد إلى صعدة وبقي فيها حتى مات سنة 298هـ...
وكانت تلك الفترة هي الفترة الأولى لانتشار التشيع الإسماعيلي في اليمن في مناطق متعددة من صنعاء وإب ويافع ونجران وحراز وغيرها...
وقد كان توسع علي بن الفضل في نفس وقت قيام دولة القرامطة على يد أبي طاهر الجنابي فيما كان يسمى البحرين (وهي المنطقة التي تشمل الآن الكويت وقطر والبحرين والإمارات والأحساء في المنطقة الشرقية من السعودية)، كما أنه بعد فترة قريبة شهدت قيام الدولة العبيدية الفاطمية في المغرب على يد عبيدالله بن ميمون القداح، وكل هذه الدول كانت نجاحا للحركة الإسماعيلية السرية الحثيثة التي تولى قيادتها ميمون القداح الأب...
لكن دولة علي بن الفضل لم تستمر كثيرا، إذ انهارت بموته سنة 303هـ، واستطاع بنو يعفر الحميريون أن يجمعوا فلولهم من جديد ويتحالفوا مع القبائل الحميرية ويهاجموا المذيخرة عاصمة دولة علي بن الفضل، وكان ابن علي بن الفضل يقود جيوش القرامطة في تلك المعركة، التي تكللت بخسارة عظيمة للقرامطة الإسماعيلية، واستطاع اليعفريون وحلفاؤهم القضاء على تلك الدولة قضاء مبرما، فلم تقم لهم قائمة...
أما دولة منصور بن حوشب في حجة فقد استمرت، ولكنها كانت صغيرة محصورة في مناطقها بدون توسع، حتى مات منصور بن حوشب، فولى أمير العبيديين في المغرب واحدا من معاوني منصور خليفة له واسمه عبدالله بن العباس، فاحتج أحد أولاد منصور بن حوشب الذي كان يريد خلافة أبيه، فقتل ابن العباس، ثم أصبح من أهل السنة والجماعة "تسنن"، ثم قتله بعض خصومه، واضطربت الدولة وتزعزعت، وذلك سنة 322هـ...
لتنتهي بهذا أول دولتين إسماعيليتين في اليمن، وليدخل الإسماعيلية في اليمن بعدها في طور الدعوة السرية، حتى قامت الدولة الصليحية بعد حوالي مائة سنة من هذه الأحداث
بعد نهاية دولة منصور بن حوشب في حجة دخلت الدعوة الإسماعيلية الباطنية في اليمن طور الدعوة السرية...
وكانوا يتميزون بأن لهم رئيسا لدعوتهم يسمونه الداعي، وكلما مات داع منهم أوصى بالأمر لواحد من بعده ليكون رأس الدعاة لهذا المذهب بشكل سري، حيث تنتقل له الكتب الخاصة بالمذهب والأموال، ويستلم الزكوات والأخماس ويحفظ أسرار المذهب، ويتواصل مع الدعاة خارج اليمن في أمور المذهب...
ووصلت رئاسة الدعوة إلى رجل اسمه سليمان الزواحي، فكان يفد على مشايخ القبائل اليمنية ويجالسهم وهو يخفي مذهبه، وكان ممن يفد عليه واحد من أقوى مشايخ قبائل اليمن وهو الشيخ محمد بن علي الصليحي الحاشدي، ومنطقته في حجة وحراز، وكان الشيخ محمد سنيا له معرفة ومحبة للسنة...
فاستغل الداعي الزواحي وجود ابن الشيخ محمد الصليحي وهو مازال فتى لم يبلغ الحلم، فبدأ يتقرب إليه، ويبث في عقله قضايا مظلومية أهل البيت، واغتصاب حق فاطمة، وظلم علي وغيرها من قضايا الشيعة، وكان هذا الأمر في خفاء من أبيه، لأن الداعي الزواحي كان يعلم أن هذا الابن سيصير زعيم القبيلة بعد أبيه خاصة وهو الابن البكر، فأراد أن يوصل أفكاره إليه وهو مازال طريا لا يفهم...
وفعلا مال الولد (علي بن محمد الصليحي) لأفكار المذهب الشيعي الإسماعيلي، وبدأت تتسرب إلى رأسه سنة بعد سنة، وكان الزواحي يكثر من زيارتهم والجلوس مع الولد، والأب في غفلة يظنه يعلم ولده بعض العلوم الشرعية لأنه كان يستر انتماءه، ثم لما كبر الشيخ محمد الصليحي وبدأت بعض الأمور تصير إلى ابنه علي، جاء الموت للزواحي فأوصى بالدعوة إلى علي الصليحي وأوصى له بكتبه وأموال عظيمة كانت عنده، وكان علي الصليحي يحج بالناس في جبال السراة باليمن كل سنة رئيسا للحجيج اليمني حتى عظم أمره، وصار الناس منقادين له...
فأعلن دعوته بعد وفاة أبيه سنة 439هـ في حجة وحراز، وأقام دولة وكون مقاتلين وجيشا، واستفاد مما له من أموال عظيمة، فتوسع في اليمن توسعا سريعا، واستولى على صنعاء، ثم ذمار وإب وتعز ولحج وتهامة وعدن، وصار يحكم أكثر اليمن، وصار أقوى حكام اليمن خلال عشرين سنة، وكان رغم هذا يتخفى بمذهبه من أثر التقية التي تربى عليها أيام والده، ولكن انتشر عند الناس خبر انتماء هذه الدولة الصليحية بسبب دعاتها وكلامهم وأشعارهم وتشيعهم المكشوف...
وقتل الملك علي الصليحي هذا سنة 459هـ فخلفه ابنه أحمد بن علي الصليحي الملقب المكرم أحمد، وانتقل بعاصمته من صنعاء إلى مدينة جبلة في إب والتي بناها هو، ثم أصيب بالشلل فجعل ال
ولم يكد القرن الثالث الهجري ينتهي والقرن الرابع يبدأ إلا وقد صارت لعلي بن الفضل دولة كبيرة في اليمن، وخاصة بعدما دخل صنعاء وأخذها من بني يعفر، ثم دخل زبيد وأخذها من بني زياد، وقاتلت جيوشه جيش الإمام الزيدي الهادي يحيى بن الحسين الذي كان متمركزا في صعدة وتقدم إلى صنعاء، ولكن علي بن الفضل انتصر عليه فعاد إلى صعدة وبقي فيها حتى مات سنة 298هـ...
وكانت تلك الفترة هي الفترة الأولى لانتشار التشيع الإسماعيلي في اليمن في مناطق متعددة من صنعاء وإب ويافع ونجران وحراز وغيرها...
وقد كان توسع علي بن الفضل في نفس وقت قيام دولة القرامطة على يد أبي طاهر الجنابي فيما كان يسمى البحرين (وهي المنطقة التي تشمل الآن الكويت وقطر والبحرين والإمارات والأحساء في المنطقة الشرقية من السعودية)، كما أنه بعد فترة قريبة شهدت قيام الدولة العبيدية الفاطمية في المغرب على يد عبيدالله بن ميمون القداح، وكل هذه الدول كانت نجاحا للحركة الإسماعيلية السرية الحثيثة التي تولى قيادتها ميمون القداح الأب...
لكن دولة علي بن الفضل لم تستمر كثيرا، إذ انهارت بموته سنة 303هـ، واستطاع بنو يعفر الحميريون أن يجمعوا فلولهم من جديد ويتحالفوا مع القبائل الحميرية ويهاجموا المذيخرة عاصمة دولة علي بن الفضل، وكان ابن علي بن الفضل يقود جيوش القرامطة في تلك المعركة، التي تكللت بخسارة عظيمة للقرامطة الإسماعيلية، واستطاع اليعفريون وحلفاؤهم القضاء على تلك الدولة قضاء مبرما، فلم تقم لهم قائمة...
أما دولة منصور بن حوشب في حجة فقد استمرت، ولكنها كانت صغيرة محصورة في مناطقها بدون توسع، حتى مات منصور بن حوشب، فولى أمير العبيديين في المغرب واحدا من معاوني منصور خليفة له واسمه عبدالله بن العباس، فاحتج أحد أولاد منصور بن حوشب الذي كان يريد خلافة أبيه، فقتل ابن العباس، ثم أصبح من أهل السنة والجماعة "تسنن"، ثم قتله بعض خصومه، واضطربت الدولة وتزعزعت، وذلك سنة 322هـ...
لتنتهي بهذا أول دولتين إسماعيليتين في اليمن، وليدخل الإسماعيلية في اليمن بعدها في طور الدعوة السرية، حتى قامت الدولة الصليحية بعد حوالي مائة سنة من هذه الأحداث
بعد نهاية دولة منصور بن حوشب في حجة دخلت الدعوة الإسماعيلية الباطنية في اليمن طور الدعوة السرية...
وكانوا يتميزون بأن لهم رئيسا لدعوتهم يسمونه الداعي، وكلما مات داع منهم أوصى بالأمر لواحد من بعده ليكون رأس الدعاة لهذا المذهب بشكل سري، حيث تنتقل له الكتب الخاصة بالمذهب والأموال، ويستلم الزكوات والأخماس ويحفظ أسرار المذهب، ويتواصل مع الدعاة خارج اليمن في أمور المذهب...
ووصلت رئاسة الدعوة إلى رجل اسمه سليمان الزواحي، فكان يفد على مشايخ القبائل اليمنية ويجالسهم وهو يخفي مذهبه، وكان ممن يفد عليه واحد من أقوى مشايخ قبائل اليمن وهو الشيخ محمد بن علي الصليحي الحاشدي، ومنطقته في حجة وحراز، وكان الشيخ محمد سنيا له معرفة ومحبة للسنة...
فاستغل الداعي الزواحي وجود ابن الشيخ محمد الصليحي وهو مازال فتى لم يبلغ الحلم، فبدأ يتقرب إليه، ويبث في عقله قضايا مظلومية أهل البيت، واغتصاب حق فاطمة، وظلم علي وغيرها من قضايا الشيعة، وكان هذا الأمر في خفاء من أبيه، لأن الداعي الزواحي كان يعلم أن هذا الابن سيصير زعيم القبيلة بعد أبيه خاصة وهو الابن البكر، فأراد أن يوصل أفكاره إليه وهو مازال طريا لا يفهم...
وفعلا مال الولد (علي بن محمد الصليحي) لأفكار المذهب الشيعي الإسماعيلي، وبدأت تتسرب إلى رأسه سنة بعد سنة، وكان الزواحي يكثر من زيارتهم والجلوس مع الولد، والأب في غفلة يظنه يعلم ولده بعض العلوم الشرعية لأنه كان يستر انتماءه، ثم لما كبر الشيخ محمد الصليحي وبدأت بعض الأمور تصير إلى ابنه علي، جاء الموت للزواحي فأوصى بالدعوة إلى علي الصليحي وأوصى له بكتبه وأموال عظيمة كانت عنده، وكان علي الصليحي يحج بالناس في جبال السراة باليمن كل سنة رئيسا للحجيج اليمني حتى عظم أمره، وصار الناس منقادين له...
فأعلن دعوته بعد وفاة أبيه سنة 439هـ في حجة وحراز، وأقام دولة وكون مقاتلين وجيشا، واستفاد مما له من أموال عظيمة، فتوسع في اليمن توسعا سريعا، واستولى على صنعاء، ثم ذمار وإب وتعز ولحج وتهامة وعدن، وصار يحكم أكثر اليمن، وصار أقوى حكام اليمن خلال عشرين سنة، وكان رغم هذا يتخفى بمذهبه من أثر التقية التي تربى عليها أيام والده، ولكن انتشر عند الناس خبر انتماء هذه الدولة الصليحية بسبب دعاتها وكلامهم وأشعارهم وتشيعهم المكشوف...
وقتل الملك علي الصليحي هذا سنة 459هـ فخلفه ابنه أحمد بن علي الصليحي الملقب المكرم أحمد، وانتقل بعاصمته من صنعاء إلى مدينة جبلة في إب والتي بناها هو، ثم أصيب بالشلل فجعل ال
أمور بيد زوجته السيدة بنت أحمد الصليحية، التي صارت المتحكمة في شئون الدولة الصليحية باسم زوجها زمانا طويلا قارب نصف قرن من الزمان...
ولما ماتت السيدة بنت أحمد ضعف أمر الدولة الصليحية وحكمها بعض الصليحيين الضعفاء فترة يسيرة من الزمان، حتى بدأوا يبيعون حصونهم وقلاعهم مقابل الأموال والذهب، وكان المشترون هم الزريعيون حكام عدن والذين كانوا شيعة إسماعيلية مثلهم وكانوا ولاتهم على عدن ولحج سابقا قبل أن ينفصلوا عنهم بعد موت السيدة بنت أحمد...
وهكذا كتب للدولة الصليحية أن تنتهي في منتصف القرن الهجري السادس...
بعد انتهاء الدولة الصليحية صار أمر الإسماعيلية في صنعاء عند بني حاتم، وأمرهم في عدن عند الزريعيين...
وبنو حاتم طائفة من همدان على هذا المذهب المنحرف صار أمرهم في صنعاء فترة، حتى دخل الأيوبيون فقضوا عليهم سريعا، ولم يدم أمرهم طويلا...
أما بنو زريع فكانوا ولاة للصليحيين على منطقة عدن ولحج، وهم بنو عمومتهم وعلى نفس مذهبهم وطريقتهم، وينتسبون إلى جدهم زريع اليامي...
وقد توسع بنو زريع في جهات البحر العربي والبحر الأحمر، ودخلوا في مواجهات مع دولة بني نجاح في تهامة وزبيد، واستطاعوا أن يأخذوا بعض الموانئ البحرية، وبنوا مدينة الحديدة على ساحل البحر الأحمر، لتكون ميناءهم البحري المهم في تلك المنطقة.
ولما ضعفت الدولة الصليحية في النصف الأول من القرن الهجري السادس وذلك بعد ضعف الدولة الفاطمية في مصر ثم انهيارها على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، وأحست السيدة بنت أحمد الصليحية آخر سلاطين الصليحيين في اليمن بالضعف، قبلت الزواج بالأمير الزريعي الداعي سبأ (علي) بن أبي السعود بن زريع، لينتقل الملك للزريعيين، وخاصة بعد أن استطاع جيش بني مهدي الخوارج (الدولة الحديثة التي قامت على أنقاض دولة بني نجاح في زبيد) أن يدخلوا تعز، ويسيطروا على عامة حصون الصليحيين في تعز وإب، ولم تستطع السيدة بنت أحمد أن تدافع عنها لانتهاء الأموال لديها بسبب إيقاف الدعم الفاطمي من مصر...
وهنا تلقب سبأ بن أبي السعود، بالسلطان المنصور سبأ الزريعي، وصارت دولته مستقلة عن التبعية الصليحية، ثم توفى وخلفه ابنه حاتم، والذي لم يمهله بنو مهدي الخوارج كثيرا، فقد حاصروا عدن مقر ملكه وعاصمة سلطانه، فاستنجد السلطان الزريعي بإخوانه بني حاتم الإسماعيليين سلاطين صنعاء فأنجدوه، وتقابل الجيشان الحاتمي والمهدي في مدينة تعز سنة 569، وانفك الحصار عن عدن.
ولم تمض على تلك المعركة أيام حتى دخل الأيوبيون السنة إلى اليمن فاتحين، فكان أول من قابلوه بني مهدي الخوارج في زبيد فقضوا عليهم، ثم انحدروا إلى تعز فأخذوها، ثم إلى عدن، فحاصروا الزريعيين هناك، واستطاعوا دخول عدن سنة 570هـ ليقضوا على الدولة الزريعية...
ولكن بقي للزريعيين امتداد بسيط في منطقة تعز ببلاد الحجرية، حيث كانت قلعة الدملوة في قضاء الصلو هناك تحت أيدي أحد موالي الزريعيين وهو جوهر المعظمي، وقد أرسل له آخر سلاطين الزريعيين أبناءه ليحميهم عنده وقت حصار الأيوبيين له، وكان جوهر هذا من عبيد الزريعيين، وكانت في شجاعة وحرص، فحافظ على الحصن ولم يسلمه، واستمر فيه بضع عشرة سنة بعد انتهاء ملك الزريعيين حتى حاصره السلطان طغتكين بن أيوب ثاني سلاطين الأيوبيين سنة 584هـ حصارا طويلا، فاصطلحا على التسليم للحصن وأمواله وسلاحه مقابل السماح لأبناء الزريعيين بالخروج إلى البحر، وخرج جوهر المعظمي مع مواليه متسترا بعباءة امرأة، فحينما دخل الأيوبيون الحصن لم يجدوه فسألوا عنه فأخبروا الخبر...
وبتسليم جوهر المعظمي لحصن الدملوة (الذي اتخذه السلطان طغتكين لاحقا مقرا له) انتهت الدولة الزريعية في اليمن انتهاء تاما، وكانت آخر مكان مستقل للإسماعيلية في اليمن كله...
ولما ماتت السيدة بنت أحمد ضعف أمر الدولة الصليحية وحكمها بعض الصليحيين الضعفاء فترة يسيرة من الزمان، حتى بدأوا يبيعون حصونهم وقلاعهم مقابل الأموال والذهب، وكان المشترون هم الزريعيون حكام عدن والذين كانوا شيعة إسماعيلية مثلهم وكانوا ولاتهم على عدن ولحج سابقا قبل أن ينفصلوا عنهم بعد موت السيدة بنت أحمد...
وهكذا كتب للدولة الصليحية أن تنتهي في منتصف القرن الهجري السادس...
بعد انتهاء الدولة الصليحية صار أمر الإسماعيلية في صنعاء عند بني حاتم، وأمرهم في عدن عند الزريعيين...
وبنو حاتم طائفة من همدان على هذا المذهب المنحرف صار أمرهم في صنعاء فترة، حتى دخل الأيوبيون فقضوا عليهم سريعا، ولم يدم أمرهم طويلا...
أما بنو زريع فكانوا ولاة للصليحيين على منطقة عدن ولحج، وهم بنو عمومتهم وعلى نفس مذهبهم وطريقتهم، وينتسبون إلى جدهم زريع اليامي...
وقد توسع بنو زريع في جهات البحر العربي والبحر الأحمر، ودخلوا في مواجهات مع دولة بني نجاح في تهامة وزبيد، واستطاعوا أن يأخذوا بعض الموانئ البحرية، وبنوا مدينة الحديدة على ساحل البحر الأحمر، لتكون ميناءهم البحري المهم في تلك المنطقة.
ولما ضعفت الدولة الصليحية في النصف الأول من القرن الهجري السادس وذلك بعد ضعف الدولة الفاطمية في مصر ثم انهيارها على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، وأحست السيدة بنت أحمد الصليحية آخر سلاطين الصليحيين في اليمن بالضعف، قبلت الزواج بالأمير الزريعي الداعي سبأ (علي) بن أبي السعود بن زريع، لينتقل الملك للزريعيين، وخاصة بعد أن استطاع جيش بني مهدي الخوارج (الدولة الحديثة التي قامت على أنقاض دولة بني نجاح في زبيد) أن يدخلوا تعز، ويسيطروا على عامة حصون الصليحيين في تعز وإب، ولم تستطع السيدة بنت أحمد أن تدافع عنها لانتهاء الأموال لديها بسبب إيقاف الدعم الفاطمي من مصر...
وهنا تلقب سبأ بن أبي السعود، بالسلطان المنصور سبأ الزريعي، وصارت دولته مستقلة عن التبعية الصليحية، ثم توفى وخلفه ابنه حاتم، والذي لم يمهله بنو مهدي الخوارج كثيرا، فقد حاصروا عدن مقر ملكه وعاصمة سلطانه، فاستنجد السلطان الزريعي بإخوانه بني حاتم الإسماعيليين سلاطين صنعاء فأنجدوه، وتقابل الجيشان الحاتمي والمهدي في مدينة تعز سنة 569، وانفك الحصار عن عدن.
ولم تمض على تلك المعركة أيام حتى دخل الأيوبيون السنة إلى اليمن فاتحين، فكان أول من قابلوه بني مهدي الخوارج في زبيد فقضوا عليهم، ثم انحدروا إلى تعز فأخذوها، ثم إلى عدن، فحاصروا الزريعيين هناك، واستطاعوا دخول عدن سنة 570هـ ليقضوا على الدولة الزريعية...
ولكن بقي للزريعيين امتداد بسيط في منطقة تعز ببلاد الحجرية، حيث كانت قلعة الدملوة في قضاء الصلو هناك تحت أيدي أحد موالي الزريعيين وهو جوهر المعظمي، وقد أرسل له آخر سلاطين الزريعيين أبناءه ليحميهم عنده وقت حصار الأيوبيين له، وكان جوهر هذا من عبيد الزريعيين، وكانت في شجاعة وحرص، فحافظ على الحصن ولم يسلمه، واستمر فيه بضع عشرة سنة بعد انتهاء ملك الزريعيين حتى حاصره السلطان طغتكين بن أيوب ثاني سلاطين الأيوبيين سنة 584هـ حصارا طويلا، فاصطلحا على التسليم للحصن وأمواله وسلاحه مقابل السماح لأبناء الزريعيين بالخروج إلى البحر، وخرج جوهر المعظمي مع مواليه متسترا بعباءة امرأة، فحينما دخل الأيوبيون الحصن لم يجدوه فسألوا عنه فأخبروا الخبر...
وبتسليم جوهر المعظمي لحصن الدملوة (الذي اتخذه السلطان طغتكين لاحقا مقرا له) انتهت الدولة الزريعية في اليمن انتهاء تاما، وكانت آخر مكان مستقل للإسماعيلية في اليمن كله...
#علي_بن_فضل
هو أبو الفتح علي بن الفضل بن يعلى الجدني الخنفري الحميري، ولد ونشأ بمدينة جيشان في العود، وكانت من المدن الكبرى في اليمن حينذاك في القرن الهجري الثالث وقريبة من مدينة عدن، ثم هاجر إلى مدينة عدن، وهناك أخذ التشيع، وصار شيعيا اثني عشريا…
وكان التشيع الاثني عشري موجودا حينذاك في عدن بسبب الفرس الموجودين هناك من ناحية، وبسبب الرحلات التجارية التي تأتي من فارس والعراق، ويظهر أنه كانت للشيعة الاثني عشرية خطة تستهدف عدن بالتشيع…
وكان ابن الفضل أديبا فصيحا، وله مكانة في منطقته، ثم سافر إلى العراق لزيارة قبور أئمة الشيعة الاثني عشر، ووصل إلى قبر الحسين فاقتنصه ميمون القداح الذي ينتسب إليه الفاطميون، ورأى في خشوعه وبكائه عند قبر الحسين أنه رجل يمكن الاعتماد عليه هو ومنصور بن حوشب، فأظهر لهما سره، ودعمهما وأمرهما بالذهاب إلى اليمن، ونقلهما من دعوة الشيعة الاثني عشرية إلى دعوة الشيعة الباطنية…
وسره هو ادعاؤه أن ابنه عبيدالله بن ميمون هو المهدي المنتظر عند الشيعة، وأنهما يصيران دعاته في اليمن، وجعل منصورا الأمير وأمره بحسن التعامل مع علي بن الفضل، وأرسل منصورا إلى منطقة في حجة، وأرسل عليا إلى الجند…
فوصل علي بن الفضل إلى الجند سنة 268هـ، ولم يستقر فيها وكانت تحت حكم جعفر المناخي الريمي سلطان العدين، فلم ينجح فيها وانتقل إلى أبين ولم يجد راحة فيها، ثم انتقل إلى جبال يافع في لحج واستقر هناك، وبقي هناك يظهر التعبد للناس والتنسك حتى مال إليه الناس وكانوا في تلك المناطق جهلة رعاع، والعلم عندهم قليل والعلماء معدومون لأنهم حينذاك قبائل بدوية في جبال وعرة…
فعظموه وأحبوه، وكانوا يأتونه بالطعام والهدايا فلا يأخذ منها شيئا حتى زاد إعجابهم به، وتعظيمهم له، وقالوا أن هذا هو العالم الحق، فطلبوه أن ينزل من الجبال إلى قراهم ليكون محترما معظما فرفض وامتنع، فأكثروا عليه وهو يظهر الامتناع حتى قبل بشروط، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك المعاصي وطاعته، فقبلوا، فأمرهم ببناء حصن قوي له في منطقة السرو من يافع…
وقد استمر في تمثيليته هذه عشر سنوات حتى تمكن وصار زعيما لهم وانتقل إلى حصن سرو يافع سنة 277هـ…
وبدأ يسمح لأتباعه بالغزو والإغارة على من لم يتبعه من قبائل يافع وما جاورها، فبدأت الفتن في أيامه، وتعلمت تلك القبائل البدوية التي اتبعته السلب والنهب والقتال وأكل أموال الآخرين وسفك دمائهم باسم الدين…
ثم استغل فترة مجاعة حصلت في بعض البلاد فجهز أتباعه وحرض الفقراء والمعدمين في كل البلاد أن يخرجوا لأخذ حقوقهم وهاجم سلطان لحج وأبين حينذاك وهو ابن أبي العلاء، وانتصر علي ابن أبي العلاء في أول الأمر، ثم دالت الدولة لابن الفضل بخديعة قام بها لما أغار عليهم وهم آمنون وقتلهم…
ووجد مالا عظيما في خزائن ابن أبي العلاء فجهز به المقاتلين الفقراء، وانضم إليه المئات، وقام بحركة اشتراكية هي الأولى من نوعها في اليمن، فقد كان شعاره تقسيم مال الله على عباد الله، واستغل فترة المجاعة الموجودة في اليمن حينذاك، وتحرك باتجاه مناطق تعز وإب بعد سيطرته على لحج وأبين وعدن، وكانت كبرى المدن هناك حينذاك مدينة المذيخرة بين تعز وإب…
فتوجه إليها وقاتل في الطريق كل من وجده من السلاطين والمشايخ، فقاتل الأمير أحمد بن منصور بن أبي المغلس أمير الدملوة وبلاد الصلو من الحجرية، وانتصر عليه وقتله، ثم حاصر الأمير محمد بن الكرندي سلطان المعافر في الحجرية بتعز وانتصر عليه واستولى على بلاده…
وأظهر التشيع في جيشه وكان يلقي عليهم ويبث فيهم شبهه، ولأنهم جهلة رعاع فقد كانوا يقبلون منه أي شيء يقوله ويطيعونه طاعة عمياء، وعاد إلى يافع مهتما ببث أفكاره، ثم تحرك مرة أخرى باتجاه المذيخرة سنة 291هـ، وعسكر بأتباعه في منطقة المعافر بالحجرية بين ذبحان وجبل صبر، وأرسل بالتهديد إلى جعفر المناخي في المذيخرة فتحرك جعفر بجيوشه الكبيرة وتحرك ابن الفضل بجيوشه، وتقابلا في منطقة النجد الأحمر بين إب وتعز، وانتصر المناخي وعاد ابن الفضل إلى يافع مرة أخرى…
ثم عاد مرة أخرى وانتصر على المناخي الذي هرب إلى زبيد عند السلاطين بني زياد، فأمدوه بقوات وسلاح، فعاد إلى المذيخرة وابن الفضل فيها، وحصلت بينهما معركة كبيرة في وادي نخلة في شرعب، وانتصر علي بن الفضل وقتل المناخي، واستقر في المذيخرة…
بعد ذلك قويت دعوة القرامطة في اليمن، فكان علي بن الفضل يحكم مناطق تعز وإب ولحج وعدن وأبين، ومنصور بن حوشب يحكم حجة وعمران والمحويت، وتحركا باتجاه صنعاء كل من منطقته…
فأما علي بن الفضل وهو مدار بحثنا هنا فبدأ بمنطقة يحصب شمال إب فدخل عاصمتها منكث، وانتصر على السلاطين آل الصوار السخطيين حكامها، ثم انتقل إلى يريم فأخذها ووصل إل ذمار…
وفي ذمار وجد جيشا عظيما تابعا لسلطة دولة بني يعفر التي عاصمتها صنعاء، فراسل ابن الفضل حاكم ذمار فاقتنع بدعوته وأعلن تشيعه وفتح المدينة له وسلمها…
ثم تحرك ابن الفضل إلى صنعاء في محرم سن
هو أبو الفتح علي بن الفضل بن يعلى الجدني الخنفري الحميري، ولد ونشأ بمدينة جيشان في العود، وكانت من المدن الكبرى في اليمن حينذاك في القرن الهجري الثالث وقريبة من مدينة عدن، ثم هاجر إلى مدينة عدن، وهناك أخذ التشيع، وصار شيعيا اثني عشريا…
وكان التشيع الاثني عشري موجودا حينذاك في عدن بسبب الفرس الموجودين هناك من ناحية، وبسبب الرحلات التجارية التي تأتي من فارس والعراق، ويظهر أنه كانت للشيعة الاثني عشرية خطة تستهدف عدن بالتشيع…
وكان ابن الفضل أديبا فصيحا، وله مكانة في منطقته، ثم سافر إلى العراق لزيارة قبور أئمة الشيعة الاثني عشر، ووصل إلى قبر الحسين فاقتنصه ميمون القداح الذي ينتسب إليه الفاطميون، ورأى في خشوعه وبكائه عند قبر الحسين أنه رجل يمكن الاعتماد عليه هو ومنصور بن حوشب، فأظهر لهما سره، ودعمهما وأمرهما بالذهاب إلى اليمن، ونقلهما من دعوة الشيعة الاثني عشرية إلى دعوة الشيعة الباطنية…
وسره هو ادعاؤه أن ابنه عبيدالله بن ميمون هو المهدي المنتظر عند الشيعة، وأنهما يصيران دعاته في اليمن، وجعل منصورا الأمير وأمره بحسن التعامل مع علي بن الفضل، وأرسل منصورا إلى منطقة في حجة، وأرسل عليا إلى الجند…
فوصل علي بن الفضل إلى الجند سنة 268هـ، ولم يستقر فيها وكانت تحت حكم جعفر المناخي الريمي سلطان العدين، فلم ينجح فيها وانتقل إلى أبين ولم يجد راحة فيها، ثم انتقل إلى جبال يافع في لحج واستقر هناك، وبقي هناك يظهر التعبد للناس والتنسك حتى مال إليه الناس وكانوا في تلك المناطق جهلة رعاع، والعلم عندهم قليل والعلماء معدومون لأنهم حينذاك قبائل بدوية في جبال وعرة…
فعظموه وأحبوه، وكانوا يأتونه بالطعام والهدايا فلا يأخذ منها شيئا حتى زاد إعجابهم به، وتعظيمهم له، وقالوا أن هذا هو العالم الحق، فطلبوه أن ينزل من الجبال إلى قراهم ليكون محترما معظما فرفض وامتنع، فأكثروا عليه وهو يظهر الامتناع حتى قبل بشروط، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك المعاصي وطاعته، فقبلوا، فأمرهم ببناء حصن قوي له في منطقة السرو من يافع…
وقد استمر في تمثيليته هذه عشر سنوات حتى تمكن وصار زعيما لهم وانتقل إلى حصن سرو يافع سنة 277هـ…
وبدأ يسمح لأتباعه بالغزو والإغارة على من لم يتبعه من قبائل يافع وما جاورها، فبدأت الفتن في أيامه، وتعلمت تلك القبائل البدوية التي اتبعته السلب والنهب والقتال وأكل أموال الآخرين وسفك دمائهم باسم الدين…
ثم استغل فترة مجاعة حصلت في بعض البلاد فجهز أتباعه وحرض الفقراء والمعدمين في كل البلاد أن يخرجوا لأخذ حقوقهم وهاجم سلطان لحج وأبين حينذاك وهو ابن أبي العلاء، وانتصر علي ابن أبي العلاء في أول الأمر، ثم دالت الدولة لابن الفضل بخديعة قام بها لما أغار عليهم وهم آمنون وقتلهم…
ووجد مالا عظيما في خزائن ابن أبي العلاء فجهز به المقاتلين الفقراء، وانضم إليه المئات، وقام بحركة اشتراكية هي الأولى من نوعها في اليمن، فقد كان شعاره تقسيم مال الله على عباد الله، واستغل فترة المجاعة الموجودة في اليمن حينذاك، وتحرك باتجاه مناطق تعز وإب بعد سيطرته على لحج وأبين وعدن، وكانت كبرى المدن هناك حينذاك مدينة المذيخرة بين تعز وإب…
فتوجه إليها وقاتل في الطريق كل من وجده من السلاطين والمشايخ، فقاتل الأمير أحمد بن منصور بن أبي المغلس أمير الدملوة وبلاد الصلو من الحجرية، وانتصر عليه وقتله، ثم حاصر الأمير محمد بن الكرندي سلطان المعافر في الحجرية بتعز وانتصر عليه واستولى على بلاده…
وأظهر التشيع في جيشه وكان يلقي عليهم ويبث فيهم شبهه، ولأنهم جهلة رعاع فقد كانوا يقبلون منه أي شيء يقوله ويطيعونه طاعة عمياء، وعاد إلى يافع مهتما ببث أفكاره، ثم تحرك مرة أخرى باتجاه المذيخرة سنة 291هـ، وعسكر بأتباعه في منطقة المعافر بالحجرية بين ذبحان وجبل صبر، وأرسل بالتهديد إلى جعفر المناخي في المذيخرة فتحرك جعفر بجيوشه الكبيرة وتحرك ابن الفضل بجيوشه، وتقابلا في منطقة النجد الأحمر بين إب وتعز، وانتصر المناخي وعاد ابن الفضل إلى يافع مرة أخرى…
ثم عاد مرة أخرى وانتصر على المناخي الذي هرب إلى زبيد عند السلاطين بني زياد، فأمدوه بقوات وسلاح، فعاد إلى المذيخرة وابن الفضل فيها، وحصلت بينهما معركة كبيرة في وادي نخلة في شرعب، وانتصر علي بن الفضل وقتل المناخي، واستقر في المذيخرة…
بعد ذلك قويت دعوة القرامطة في اليمن، فكان علي بن الفضل يحكم مناطق تعز وإب ولحج وعدن وأبين، ومنصور بن حوشب يحكم حجة وعمران والمحويت، وتحركا باتجاه صنعاء كل من منطقته…
فأما علي بن الفضل وهو مدار بحثنا هنا فبدأ بمنطقة يحصب شمال إب فدخل عاصمتها منكث، وانتصر على السلاطين آل الصوار السخطيين حكامها، ثم انتقل إلى يريم فأخذها ووصل إل ذمار…
وفي ذمار وجد جيشا عظيما تابعا لسلطة دولة بني يعفر التي عاصمتها صنعاء، فراسل ابن الفضل حاكم ذمار فاقتنع بدعوته وأعلن تشيعه وفتح المدينة له وسلمها…
ثم تحرك ابن الفضل إلى صنعاء في محرم سن
الله، فاتفقا على ذلك، وخرج الطبيب إلى المذيخرة، وصار فترة يمارس الطب فيها ويخالط رجال الدولة والوزراء وقواد الجيش ويعالجهم ويصبر بعيدا عن ابن الفضل…
حتى كان شهر جمادى الآخرة سنة 303 هـ حين احتاج ابن الفضل إلى الفصد والحجامة، فذكروا له هذا الطبيب الحاذق، فجاءه وجعل السم في أطراف شعره، ثم قام وأخذ المبضع (الموس) وجعله في فمه كما جرت العادة أمام الملوك لتطمينهم، ثم مسح به شعره المملوء سما كأنه يجففه، ففصد ابن الفضل في أسفل ساقه (في الكاحل) وربطه، ثم خرج…
وتحرك من فوره هاربا من المذيخرة إلى صنعاء، وبعد ساعة شعر ابن الفضل بالسم، فأمر بإحضار الطبيب فبحثوا عنه فلم يجدوه، وعلموا بهروبه فأرسلوا في طلبه بسرعة، وأمر ابن الفضل بقتله حيثما وجدوه، فوجدوه في منطقة السحول القريبة من يريم، فقتلوه رحمه الله…
ومات ابن الفضل من يومه، بعد أن بقي قرابة العشرين سنة يعيث في اليمن فسادا…
ولما بلغ خبر موت ابن الفضل في المذيخرة فرح أسعد بن أبي يعفر فرحا شديدا، ودخل صنعاء، وأقام حلفا جديدا بين القبائل والمشايخ لاجتثاث القرامطة من اليمن، فتحالف معه مشايخ ذمار بعد أن دخلها في طريقه للمذيخرة، ثم ملوك يحصب وخبان آل السخطي والتراخم، وكذلك مشايخ آل الكلاع في العدين وإب، وشيخ شرعب عبدالله بن يحيى بن أبي الغارات المجيدي، وشيخ المعافر بالحجرية أحمد الكرندي، وشيخ ماوية عبدالله السكسكي، ثم وصل إليهم ملك زبيد وتهامة إبراهيم بن محمد بن زياد، فكان جيشا عظيما كله من أهل السنة (بخلاف المرة الأولى التي كان الهادي عضوا في الجيش، وتسبب في فشله بسبب الخلاف بين السنة وبينه، رغم أنهم طلبوا منه بيان عقيدته قبل الحلف وأنه من السنة والجماعة فأرسل لهم يبين عقيدته بكلام موهوم، فلما صاروا في صنعاء استأثر بالأمر فحصل بينهم الحرب والفساد والقتال)…
واجتمع هذا الجيش العظيم في السحول، وتوجهوا به إلى المذيخرة فحاصروها، وضربوها بالمنجنيق وفيها أولاد علي بن الفضل، واستمر الحصار طويلا مدة سنة تقريبا، حتى دخلها الجيش الفاتح بالسيف قهرا في رجب سنة 304هـ…
فقتل الملك أسعد بن أبي يعفر من قدر عليهم من قادة القرامطة وكبارهم، ومنهم اثنين من أولاد علي بن الفضل، وسبى بنات علي الثلاث فوهب واحدة منهم لابن أخيه، واثنتان أخريان لاثنين من مشايخ اليمن المرافقين له، وحصل على مال كثير ففرقه بين الملوك والمشايخ والجيوش الموجودة، وعاد إلى صنعاء بعد أن ترك واليا في تلك المناطق، ودان له المشايخ بالطاعة، وعاد إلى صنعاء ومعه بعض كبار القرامطة، فقتلهم وأرسل برؤوسهم إلى مكة المكرمة في أربعة صناديق فنصبت هناك في الموسم…
وقد حصلت انتفاضتين من أتباع القرامطة في سرو حمير وسرو مذحج، فأرسل لهما أسعد بن أبي يعفر جيشا فقضى على فتنتهم، واستقر الأمر لابن أبي يعفر في معظم اليمن من صنعاء حتى عدن، وكان جميع المشايخ تحت طاعته إلا أولاد الهادي يحيى بن الحسين في صعدة، والذين دخلوا بدورهم في مواجهات مع أتباع علي بن الفضل من القرامطة في نجران وصعدة استمرت سنوات، فانشغل كل فريق من الشيعة بأخيه…
وهكذا انتهت فتنة ابن الفضل تماما، وبموته ماتت دولتهم ولم تقم لها قائمة، والحمد لله رب العالمين…
مراجع ومصادر:
1- قرة العيون بأخبار اليمن الميمون لابن الديبع…
2- اللطائف السنية في أخبار الممالك اليمنية لمحمد الكبسي…
3- أشعة الأنوار على مرويات الأخبار للعلامة محمد بن سالم البيحاني…
4- العسجد المسبوك فيمن تولى اليمن من الملوك لعلي لخزرجي…
كل هذه الكتب في مظان الخبر المعروفة من منتصف القرن الهجري الثالث وحتى الربع الأول من القرن الهجري الرابع
حتى كان شهر جمادى الآخرة سنة 303 هـ حين احتاج ابن الفضل إلى الفصد والحجامة، فذكروا له هذا الطبيب الحاذق، فجاءه وجعل السم في أطراف شعره، ثم قام وأخذ المبضع (الموس) وجعله في فمه كما جرت العادة أمام الملوك لتطمينهم، ثم مسح به شعره المملوء سما كأنه يجففه، ففصد ابن الفضل في أسفل ساقه (في الكاحل) وربطه، ثم خرج…
وتحرك من فوره هاربا من المذيخرة إلى صنعاء، وبعد ساعة شعر ابن الفضل بالسم، فأمر بإحضار الطبيب فبحثوا عنه فلم يجدوه، وعلموا بهروبه فأرسلوا في طلبه بسرعة، وأمر ابن الفضل بقتله حيثما وجدوه، فوجدوه في منطقة السحول القريبة من يريم، فقتلوه رحمه الله…
ومات ابن الفضل من يومه، بعد أن بقي قرابة العشرين سنة يعيث في اليمن فسادا…
ولما بلغ خبر موت ابن الفضل في المذيخرة فرح أسعد بن أبي يعفر فرحا شديدا، ودخل صنعاء، وأقام حلفا جديدا بين القبائل والمشايخ لاجتثاث القرامطة من اليمن، فتحالف معه مشايخ ذمار بعد أن دخلها في طريقه للمذيخرة، ثم ملوك يحصب وخبان آل السخطي والتراخم، وكذلك مشايخ آل الكلاع في العدين وإب، وشيخ شرعب عبدالله بن يحيى بن أبي الغارات المجيدي، وشيخ المعافر بالحجرية أحمد الكرندي، وشيخ ماوية عبدالله السكسكي، ثم وصل إليهم ملك زبيد وتهامة إبراهيم بن محمد بن زياد، فكان جيشا عظيما كله من أهل السنة (بخلاف المرة الأولى التي كان الهادي عضوا في الجيش، وتسبب في فشله بسبب الخلاف بين السنة وبينه، رغم أنهم طلبوا منه بيان عقيدته قبل الحلف وأنه من السنة والجماعة فأرسل لهم يبين عقيدته بكلام موهوم، فلما صاروا في صنعاء استأثر بالأمر فحصل بينهم الحرب والفساد والقتال)…
واجتمع هذا الجيش العظيم في السحول، وتوجهوا به إلى المذيخرة فحاصروها، وضربوها بالمنجنيق وفيها أولاد علي بن الفضل، واستمر الحصار طويلا مدة سنة تقريبا، حتى دخلها الجيش الفاتح بالسيف قهرا في رجب سنة 304هـ…
فقتل الملك أسعد بن أبي يعفر من قدر عليهم من قادة القرامطة وكبارهم، ومنهم اثنين من أولاد علي بن الفضل، وسبى بنات علي الثلاث فوهب واحدة منهم لابن أخيه، واثنتان أخريان لاثنين من مشايخ اليمن المرافقين له، وحصل على مال كثير ففرقه بين الملوك والمشايخ والجيوش الموجودة، وعاد إلى صنعاء بعد أن ترك واليا في تلك المناطق، ودان له المشايخ بالطاعة، وعاد إلى صنعاء ومعه بعض كبار القرامطة، فقتلهم وأرسل برؤوسهم إلى مكة المكرمة في أربعة صناديق فنصبت هناك في الموسم…
وقد حصلت انتفاضتين من أتباع القرامطة في سرو حمير وسرو مذحج، فأرسل لهما أسعد بن أبي يعفر جيشا فقضى على فتنتهم، واستقر الأمر لابن أبي يعفر في معظم اليمن من صنعاء حتى عدن، وكان جميع المشايخ تحت طاعته إلا أولاد الهادي يحيى بن الحسين في صعدة، والذين دخلوا بدورهم في مواجهات مع أتباع علي بن الفضل من القرامطة في نجران وصعدة استمرت سنوات، فانشغل كل فريق من الشيعة بأخيه…
وهكذا انتهت فتنة ابن الفضل تماما، وبموته ماتت دولتهم ولم تقم لها قائمة، والحمد لله رب العالمين…
مراجع ومصادر:
1- قرة العيون بأخبار اليمن الميمون لابن الديبع…
2- اللطائف السنية في أخبار الممالك اليمنية لمحمد الكبسي…
3- أشعة الأنوار على مرويات الأخبار للعلامة محمد بن سالم البيحاني…
4- العسجد المسبوك فيمن تولى اليمن من الملوك لعلي لخزرجي…
كل هذه الكتب في مظان الخبر المعروفة من منتصف القرن الهجري الثالث وحتى الربع الأول من القرن الهجري الرابع
ة 293هـ بجيوش عظيمة، فهرب منه حاكم بني يعفر أبو حسان أسعد بن أبي يعفر الحوالي، فدخلها ابن الفضل واستولى عليها وتم ملكه لنصف اليمن…
وكان منصور بن حوشب قد وصل إلى مدينة شبام كوكبان القريبة من صنعاء، فصارت أكثر الجبال بأيديهم، ولم يخرج عن سلطتهم إلا دولتي بني زياد السنية في تهامة وزبيد، والهادي يحيى بن الحسين الشيعي الزيدي في صعدة، وبعض الزعامات والمشيخات القبلية في همدان كالدعام شيخ مشايخ بكيل، والضحاك شيخ مشايخ حاشد، وكذلك بقايا ملوك بني يعفر المتحصنين في الحصون البعيدة…
وفي صنعاء أظهر علي بن الفضل مذهبه الشيعي المتطرف، وأعلن الكفر والانحراف والسب واللعن للصحابة الكرام، وهناك جاءه منصور بن حوشب فاجتمعا في صنعاء بعد دخولهما اليمن بخمس وعشرين سنة…
ثم قرر ابن الفضل أن يتحرك إلى بلاد بني زياد السنية في تهامة لأخذها والقضاء عليهم، فجهز جيشا كبيرا قوامه ثلاثون ألفا وتحرك باتجاه تهامة، فشاغله بعض اليعفريين بمعارك متعددة فلم يستطع تجاوزهم حتى أرسل له منصور بن حوشب جيشا كبيرا لمساعدته، ثم عاد ابن الفضل إلى صنعاء…
ومنها انتقل إلى حراز بين صنعاء والحديدة، وثم ملحان في المحويت، حتى وصل إلى مدينة المهجم في تهامة، وكانت ثاني أكبر مدن تهامة بعد زبيد، وتقع بين المدينتين التي تسمى اليوم اللحية والزيدية، واستطاع أخذها، ثم توجه إلى زبيد فخرج منها السلطان الزيادي، فدخلها ابن الفضل وقتل المئات من أبنائها، وسبى أربعة آلاف امرأة منها، ثم قتلهن جميعا في منطقة تسمى المشاحيط، وأراد الظفر بسلطان بني زياد فلم يستطع، وكان يعرف أنه إن غادر بجيشه تلك المنطقة فإن السلطان الزيادي سوف يعود مرة أخرى إلى زبيد ويدخلها، فلم يظفر به، وعاد إلى المذيخرة عاصمة ملكه، وعاد ابن زياد إلى زبيد…
فلما وصل علي بن الفضل إلى المذيخرة جاءته الأخبار أن تحالفا عقد في صعدة بين الهادي يحيى بن الحسين الزيدي، وشيخ مشايخ بكيل الدعام، والأمير جعفر المناخي الريمي الحميري، وبعض آل ملوك بني يعفر، وأن جيوش هذا التحالف قد دخلت صنعاء في جمادى الآخرة سنة 293هـ، فأمر قواده باستعادتها..
وكان الهادي يحيى بن الحسين أرسل ابنه محمد المرتضى بن الهادي إلى ذمار فاستطاع دخولها مع مقاتليه، ولم يطل أمره فيها فخرج منسحبا بعد هجوم أتباع ابن الفضل عليه فعاد إلى أبيه في صنعاء…
ثم تجمع أتباع بني يعفر لما رأوا الهادي يحيى بن الحسين سيطر على صنعاء واستفرد بالأمر دون حلفائه، فاقتربوا من صنعاء يريدون طرد الهادي منها، فخرج هاربا إلى صعدة، ولم يعد بعدها إلى صنعاء أبدا حتى مات…
ثم هاجم ذو الطوق اليافعي أحد قواد علي بن الفضل صنعاء وفيها بنو يعفر استطاع هزيمتهم ودخول صنعاء وإعادتها لحظيرة ابن الفضل…
فأرسل الهادي يحيى بن الحسين ابنه المرتضى إليها فدخلها وأخرج اليافعي…
ثم أخرج أتباع ابن الفضل المرتضى من صنعاء…
ودخل أبو حسان أسعد بن يعفر بعدها إلى صنعاء وطرد أتباع ابن الفضل…
ثم جاء علي بن الفضل بنفسه بعد أن رأى هذه الاختلالات وعدم قدرة جيوشه على الاستقرار، وأتى بجيش عظيم، واستطاع طرد بني يعفر من صنعاء، ودخلها للمرة الثانية، واستقر فيها ثلاث سنوات، واستقر له ملك اليمن فيها، من سنة 294 وحتى 297هـ…
وهنا خلع طاعة المهدي عبيدالله بن ميمون القداح، وأرسل لمنصور بن حوشب بهذا الأمر فلامه وعاتبه، فقال ابن الفضل أن له أسوة بأبي عبدالله الجنابي مؤسس دولة القرامطة في الأحساء والبحرين حيث دعا إلى نفسه وخلع طاعة المهدي عبيدالله، وطلب ابن الفضل من منصور بن حوشب طاعته والدخول في حكمه وإلا قاتله…
فتحصن ابن حوشب في مسور حجة، وجاءه ابن الفضل فحاصره ثمانية أشهر، ثم أرسل له منصور بالصلح مقابل مال، فاشترط ابن الفضل أن يرسل معه ابنه رهينة فأعطاه منصور ابنه وعاد ابن الفضل إلى صنعاء…
ثم عاد ابن الفضل إلى المذيخرة سنة 297، وترك على صنعاء مولى اسمه الحسن، ثم وثب عليه ابن أبي يعفر وقتله وارسل إلى ابن الفضل بالطاعة، فولاه ابن الفضل صنعاء وجعله حاكما باسم ابن الفضل، فقطع ابن أبي يعفر الدعاء للعباسيين!!
وبعد فترة حصلت حرب بين ابن يعفر هذا وأتباع علي بن الفضل بشبام فخرج وقاتلهم وانتصر عليهم، فغضب عليه ابن الفضل وخرج بجيش كبير من المذيخرة قاصدا صنعاء فدخلها للمرة الثالثة سنة 299هـ، فأقام أياما وولى واليا وعاد إلى المذيخرة..
وبقي فيها وأمره مستقر أربع سنوات، وهو يملك معظم اليمن حتى سنة 303 هـ…
في مطلع القرن الرابع الهجري جاء رجل غريب من العراق يمتهن الطب والجراحة، ويعالج الناس وله خبرة ومعرفة…
وقصد صنعاء في فترة ولاية ابن أبي يعفر عليها لما كان متفقا مع ابن الفضل، فكان يدخل على ابن أبي يعفر ويجالسه، فلما رأى بغضه لابن الفضل وخوفه منه أبلغه أنه إنما أتى من العراق يريد قتل علي بن الفضل لما بلغه من كفره وانحرافه وبلائه على المسلمين…
فوعده أسعد بن أبي يعفر بمقاسمة نصف ملكه وماله إن فعل ذلك الأمر ونجح، وإن مات فشهيد في سبيل الله بإذن
وكان منصور بن حوشب قد وصل إلى مدينة شبام كوكبان القريبة من صنعاء، فصارت أكثر الجبال بأيديهم، ولم يخرج عن سلطتهم إلا دولتي بني زياد السنية في تهامة وزبيد، والهادي يحيى بن الحسين الشيعي الزيدي في صعدة، وبعض الزعامات والمشيخات القبلية في همدان كالدعام شيخ مشايخ بكيل، والضحاك شيخ مشايخ حاشد، وكذلك بقايا ملوك بني يعفر المتحصنين في الحصون البعيدة…
وفي صنعاء أظهر علي بن الفضل مذهبه الشيعي المتطرف، وأعلن الكفر والانحراف والسب واللعن للصحابة الكرام، وهناك جاءه منصور بن حوشب فاجتمعا في صنعاء بعد دخولهما اليمن بخمس وعشرين سنة…
ثم قرر ابن الفضل أن يتحرك إلى بلاد بني زياد السنية في تهامة لأخذها والقضاء عليهم، فجهز جيشا كبيرا قوامه ثلاثون ألفا وتحرك باتجاه تهامة، فشاغله بعض اليعفريين بمعارك متعددة فلم يستطع تجاوزهم حتى أرسل له منصور بن حوشب جيشا كبيرا لمساعدته، ثم عاد ابن الفضل إلى صنعاء…
ومنها انتقل إلى حراز بين صنعاء والحديدة، وثم ملحان في المحويت، حتى وصل إلى مدينة المهجم في تهامة، وكانت ثاني أكبر مدن تهامة بعد زبيد، وتقع بين المدينتين التي تسمى اليوم اللحية والزيدية، واستطاع أخذها، ثم توجه إلى زبيد فخرج منها السلطان الزيادي، فدخلها ابن الفضل وقتل المئات من أبنائها، وسبى أربعة آلاف امرأة منها، ثم قتلهن جميعا في منطقة تسمى المشاحيط، وأراد الظفر بسلطان بني زياد فلم يستطع، وكان يعرف أنه إن غادر بجيشه تلك المنطقة فإن السلطان الزيادي سوف يعود مرة أخرى إلى زبيد ويدخلها، فلم يظفر به، وعاد إلى المذيخرة عاصمة ملكه، وعاد ابن زياد إلى زبيد…
فلما وصل علي بن الفضل إلى المذيخرة جاءته الأخبار أن تحالفا عقد في صعدة بين الهادي يحيى بن الحسين الزيدي، وشيخ مشايخ بكيل الدعام، والأمير جعفر المناخي الريمي الحميري، وبعض آل ملوك بني يعفر، وأن جيوش هذا التحالف قد دخلت صنعاء في جمادى الآخرة سنة 293هـ، فأمر قواده باستعادتها..
وكان الهادي يحيى بن الحسين أرسل ابنه محمد المرتضى بن الهادي إلى ذمار فاستطاع دخولها مع مقاتليه، ولم يطل أمره فيها فخرج منسحبا بعد هجوم أتباع ابن الفضل عليه فعاد إلى أبيه في صنعاء…
ثم تجمع أتباع بني يعفر لما رأوا الهادي يحيى بن الحسين سيطر على صنعاء واستفرد بالأمر دون حلفائه، فاقتربوا من صنعاء يريدون طرد الهادي منها، فخرج هاربا إلى صعدة، ولم يعد بعدها إلى صنعاء أبدا حتى مات…
ثم هاجم ذو الطوق اليافعي أحد قواد علي بن الفضل صنعاء وفيها بنو يعفر استطاع هزيمتهم ودخول صنعاء وإعادتها لحظيرة ابن الفضل…
فأرسل الهادي يحيى بن الحسين ابنه المرتضى إليها فدخلها وأخرج اليافعي…
ثم أخرج أتباع ابن الفضل المرتضى من صنعاء…
ودخل أبو حسان أسعد بن يعفر بعدها إلى صنعاء وطرد أتباع ابن الفضل…
ثم جاء علي بن الفضل بنفسه بعد أن رأى هذه الاختلالات وعدم قدرة جيوشه على الاستقرار، وأتى بجيش عظيم، واستطاع طرد بني يعفر من صنعاء، ودخلها للمرة الثانية، واستقر فيها ثلاث سنوات، واستقر له ملك اليمن فيها، من سنة 294 وحتى 297هـ…
وهنا خلع طاعة المهدي عبيدالله بن ميمون القداح، وأرسل لمنصور بن حوشب بهذا الأمر فلامه وعاتبه، فقال ابن الفضل أن له أسوة بأبي عبدالله الجنابي مؤسس دولة القرامطة في الأحساء والبحرين حيث دعا إلى نفسه وخلع طاعة المهدي عبيدالله، وطلب ابن الفضل من منصور بن حوشب طاعته والدخول في حكمه وإلا قاتله…
فتحصن ابن حوشب في مسور حجة، وجاءه ابن الفضل فحاصره ثمانية أشهر، ثم أرسل له منصور بالصلح مقابل مال، فاشترط ابن الفضل أن يرسل معه ابنه رهينة فأعطاه منصور ابنه وعاد ابن الفضل إلى صنعاء…
ثم عاد ابن الفضل إلى المذيخرة سنة 297، وترك على صنعاء مولى اسمه الحسن، ثم وثب عليه ابن أبي يعفر وقتله وارسل إلى ابن الفضل بالطاعة، فولاه ابن الفضل صنعاء وجعله حاكما باسم ابن الفضل، فقطع ابن أبي يعفر الدعاء للعباسيين!!
وبعد فترة حصلت حرب بين ابن يعفر هذا وأتباع علي بن الفضل بشبام فخرج وقاتلهم وانتصر عليهم، فغضب عليه ابن الفضل وخرج بجيش كبير من المذيخرة قاصدا صنعاء فدخلها للمرة الثالثة سنة 299هـ، فأقام أياما وولى واليا وعاد إلى المذيخرة..
وبقي فيها وأمره مستقر أربع سنوات، وهو يملك معظم اليمن حتى سنة 303 هـ…
في مطلع القرن الرابع الهجري جاء رجل غريب من العراق يمتهن الطب والجراحة، ويعالج الناس وله خبرة ومعرفة…
وقصد صنعاء في فترة ولاية ابن أبي يعفر عليها لما كان متفقا مع ابن الفضل، فكان يدخل على ابن أبي يعفر ويجالسه، فلما رأى بغضه لابن الفضل وخوفه منه أبلغه أنه إنما أتى من العراق يريد قتل علي بن الفضل لما بلغه من كفره وانحرافه وبلائه على المسلمين…
فوعده أسعد بن أبي يعفر بمقاسمة نصف ملكه وماله إن فعل ذلك الأمر ونجح، وإن مات فشهيد في سبيل الله بإذن
يافع في التاريخ الوسيط
أدَّى أهل يافع أدوارًا سياسية وعسكرية مهمة أثَّرت تأثيرًا مباشرًا في التاريخ الوسيط لجنوب الجزيرة العربية، ويكفي أن نلقي نظرة وجيزة على التاريخ الوسيط والحديث لنرى تلك الأدوار التي لعبها أهل يافع فأثَّرت في امتداد نفوذهم أو انحساره:
1) كان أهل يافع هم قوام جيش الملك (علي بن الفضل بن أحمد الجَدَني الخَنْفَري)(1)، ومن بلادهم انطلقت دعوته وحركته السياسية التي سيطرت على (أبين) و(عدن) و(المعافر) و(إب) و(تهامة) حتى وصلت إلى (صنعاء) في العقد الأخير من القرن الثالث الهجري، ومن قواده الكبار (ذو الطَّوْق اليافعي)، وقد بسط هذا الجيش نفوذه على معظم الأرض اليمنية، وكان الدافع الرئيس لهذه الحركة هو استعادة مُلك (حِمْيَر).. بدليل اصطدام ابن الفضل وجيشه بداعية الإسماعيلية في اليمن (ابن حوشب). وقد ألصق خصوم هذه الحركة كثيرًا من المبالغات والتهم.. وكل ما كُتب عن هذه الحركة في الماضي إنما كان بأيدي خصومها، ويفتقر إلى التجرد والموضوعية(2).
2) وكان أهل يافع أهم عناصر جيش الدولة الرسولية الشافعية، وخصوصًا في مدينة (عدن)، وكان لهم أثرهم في إحداث أي تمرد أو قمعه طوال فترة حكم الرسوليين لهذه المدينة، ومن المعروف أن (عدن) هي آخر معاقل الرسوليين سقوطًا في أيدي الطاهريين سنة (858هـ)، وما كان سقوطها إلا بعد تعاون قبيلة (أهل أحمد) اليافعية مع الطاهريين للنكاية بخصومهم من قبيلة (كلد) التي تنافسهم في الزعامة العسكرية على عدن(3).
3) وكانوا جزءًا مهمًا من التركيبة القبلية والسياسية في الدولة الطاهرية الشافعية، وأسهموا في بناء الدولة والدفاع عنها، وكانوا في معارضتها أحيانًا(4)، ففي سنة (903هـ) قام السلطان (عامر بن عبدالوهاب الطاهري) بحملة عسكرية لإخضاع قبيلة (يافع)(5) بعد مساندتها لابن عمه (عبدالباقي بن محمد بن داود بن طاهر) سنة (895هـ) في ثورته على السلطان عامر، ومحاولته السيطرة على مدينة عدن(6). وفي عهدها كانوا أكثر سكان مدينة عدن(7).
4) وعندما امتد نفوذ الإمام المتوكل على الله شرف الدين يحيى بن شمس الدين(8) إلى بعض الجهات الجنوبية من اليمن، أرسل بعض أهالي يافع إلى الحبشة لمساعدة أمرائها المسلمين في حروبهم ضد النجاشي عند استنجادهم به، وكان غرض الإمام هو التخلص منهم بسبب وقوفهم ضده(9)، وهذا يفسر لنا الوجود اليافعي العريق في بلاد (الحَبَشة).
**
(1) توفي مقتولًا بالسم سنة 303هـ. وللتوسع ينظر: كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة، ص40-67؛ السلوك في طبقات العلماء والملوك 1/ 201- 213؛ قرة العيون بأخبار اليمن الميمون، ص158- 180، مع مبالغات غير معقولة ولا مقبولة في هذه المصادر؛ الصليحيون والحركة الفاطمية في اليمن، ص27-48؛ ابن حوشب والحركة الفاطمية في اليمن، ص50-87؛ التاريخ العام لليمن، ج2 ص179-210، وفيه كلام جيد في دحض الافتراءات التاريخية المنسوبة إلى ابن الفضل ودعوته؛ معجم أعلام يافع، ص312-314، وفيه تحليل جيد حول شخصية ابن الفضل ودعوته؛ مقال (علي بن الفضل الخنفري الحميري لا فضل القرمطي)، علي صالح الخلاقي، صحيفة الثقافية، عدد 121، بتاريخ 6/12/2001م، ص8، وفيه دحض تهمة القَرمطة عن ابن الفضل.
(2) لست هنا مدافعًا عن ابن الفضل وحركته.. ولكن الهوة التاريخية السحيقة التي تفصلنا عنه، وأثر السياسة في كتابة التاريخ إذا كان بأيدي الخصوم، والمبالغة التي تستهجنها العقول فيما نسب من شنائع لهذه الحركة وقائدها.. كل هذا ونحوه يجعل الباحث يتوقف ولا يقبل ما روي، ويجعل هذه الحركة في ذمة التاريخ الضائع الذي لا يحق لمتخرص الخوض فيه حتى يأذن الله –تعالى- بظهور الحقيقة.
(3) للتوسع ينظر: العقود اللؤلؤية 2/13، 47، 48؛ تاريخ الدولة الرسولية في اليمن، ص141، 197؛ قرة العيون، ص433، 434؛ قلادة النحر 3/3588- 3590؛ هدية الزمن، ص83- 84؛ تاريخ حضرموت للحامد 2/581- 584؛ تاريخ القبائل اليمنية، ص170- 171؛ العقبة، ص163- 171.
(4) ينظر: قرة العيون، ص 538، 542؛ تاريخ القبائل اليمنية ص171.
(5) قال ابن الديبع الزبيدي في (قرة العيون بأخبار اليمن الميمون)، ص542: «وفي آخر شهر جمادى المذكور [يعني: سنة 903هـ] توجه مولانا الظافر -أيده الله بنصره- إلى بلاد (يافع)، لذنوب كثيرة تقدمت منهم، فسار إليهم في جيوش عظيمة، فحط عليهم في سابع جمادى الآخر، فلما تراءى الجمعان انهزمت يافع هزيمة منكرة، واستولى الظافر على حصونهم جميعًا في أقرب مدة، ولم يكن منهم أمر متعب بعد ذلك، مع كثرتهم واتساع بلادهم ودعاويهم العريضة، فكان استفتاح بلادهم من أسهل الفتوح، فدخلوا عليه، وأذم عليهم، فتابوا من الخلاف توبة نصوحًا، وسار منهم جماعة تحت ركابه العالي، وإلى الآن لا يزال منهم جماعة تحت ركابه أينما سار أعزه الله» ا.هـ. ويلاحظ أن ابن الديبع كان من المقربين للسلطان عامر بن عبدالوهاب الطاهري، فلا غرو أن يتحيز له في أخبار وقائعه، وهذا من تأثير السياسة في حيادية المؤرخ!
(6) قرة العيون، ص528- 529؛ اليمن عبر ال
أدَّى أهل يافع أدوارًا سياسية وعسكرية مهمة أثَّرت تأثيرًا مباشرًا في التاريخ الوسيط لجنوب الجزيرة العربية، ويكفي أن نلقي نظرة وجيزة على التاريخ الوسيط والحديث لنرى تلك الأدوار التي لعبها أهل يافع فأثَّرت في امتداد نفوذهم أو انحساره:
1) كان أهل يافع هم قوام جيش الملك (علي بن الفضل بن أحمد الجَدَني الخَنْفَري)(1)، ومن بلادهم انطلقت دعوته وحركته السياسية التي سيطرت على (أبين) و(عدن) و(المعافر) و(إب) و(تهامة) حتى وصلت إلى (صنعاء) في العقد الأخير من القرن الثالث الهجري، ومن قواده الكبار (ذو الطَّوْق اليافعي)، وقد بسط هذا الجيش نفوذه على معظم الأرض اليمنية، وكان الدافع الرئيس لهذه الحركة هو استعادة مُلك (حِمْيَر).. بدليل اصطدام ابن الفضل وجيشه بداعية الإسماعيلية في اليمن (ابن حوشب). وقد ألصق خصوم هذه الحركة كثيرًا من المبالغات والتهم.. وكل ما كُتب عن هذه الحركة في الماضي إنما كان بأيدي خصومها، ويفتقر إلى التجرد والموضوعية(2).
2) وكان أهل يافع أهم عناصر جيش الدولة الرسولية الشافعية، وخصوصًا في مدينة (عدن)، وكان لهم أثرهم في إحداث أي تمرد أو قمعه طوال فترة حكم الرسوليين لهذه المدينة، ومن المعروف أن (عدن) هي آخر معاقل الرسوليين سقوطًا في أيدي الطاهريين سنة (858هـ)، وما كان سقوطها إلا بعد تعاون قبيلة (أهل أحمد) اليافعية مع الطاهريين للنكاية بخصومهم من قبيلة (كلد) التي تنافسهم في الزعامة العسكرية على عدن(3).
3) وكانوا جزءًا مهمًا من التركيبة القبلية والسياسية في الدولة الطاهرية الشافعية، وأسهموا في بناء الدولة والدفاع عنها، وكانوا في معارضتها أحيانًا(4)، ففي سنة (903هـ) قام السلطان (عامر بن عبدالوهاب الطاهري) بحملة عسكرية لإخضاع قبيلة (يافع)(5) بعد مساندتها لابن عمه (عبدالباقي بن محمد بن داود بن طاهر) سنة (895هـ) في ثورته على السلطان عامر، ومحاولته السيطرة على مدينة عدن(6). وفي عهدها كانوا أكثر سكان مدينة عدن(7).
4) وعندما امتد نفوذ الإمام المتوكل على الله شرف الدين يحيى بن شمس الدين(8) إلى بعض الجهات الجنوبية من اليمن، أرسل بعض أهالي يافع إلى الحبشة لمساعدة أمرائها المسلمين في حروبهم ضد النجاشي عند استنجادهم به، وكان غرض الإمام هو التخلص منهم بسبب وقوفهم ضده(9)، وهذا يفسر لنا الوجود اليافعي العريق في بلاد (الحَبَشة).
**
(1) توفي مقتولًا بالسم سنة 303هـ. وللتوسع ينظر: كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة، ص40-67؛ السلوك في طبقات العلماء والملوك 1/ 201- 213؛ قرة العيون بأخبار اليمن الميمون، ص158- 180، مع مبالغات غير معقولة ولا مقبولة في هذه المصادر؛ الصليحيون والحركة الفاطمية في اليمن، ص27-48؛ ابن حوشب والحركة الفاطمية في اليمن، ص50-87؛ التاريخ العام لليمن، ج2 ص179-210، وفيه كلام جيد في دحض الافتراءات التاريخية المنسوبة إلى ابن الفضل ودعوته؛ معجم أعلام يافع، ص312-314، وفيه تحليل جيد حول شخصية ابن الفضل ودعوته؛ مقال (علي بن الفضل الخنفري الحميري لا فضل القرمطي)، علي صالح الخلاقي، صحيفة الثقافية، عدد 121، بتاريخ 6/12/2001م، ص8، وفيه دحض تهمة القَرمطة عن ابن الفضل.
(2) لست هنا مدافعًا عن ابن الفضل وحركته.. ولكن الهوة التاريخية السحيقة التي تفصلنا عنه، وأثر السياسة في كتابة التاريخ إذا كان بأيدي الخصوم، والمبالغة التي تستهجنها العقول فيما نسب من شنائع لهذه الحركة وقائدها.. كل هذا ونحوه يجعل الباحث يتوقف ولا يقبل ما روي، ويجعل هذه الحركة في ذمة التاريخ الضائع الذي لا يحق لمتخرص الخوض فيه حتى يأذن الله –تعالى- بظهور الحقيقة.
(3) للتوسع ينظر: العقود اللؤلؤية 2/13، 47، 48؛ تاريخ الدولة الرسولية في اليمن، ص141، 197؛ قرة العيون، ص433، 434؛ قلادة النحر 3/3588- 3590؛ هدية الزمن، ص83- 84؛ تاريخ حضرموت للحامد 2/581- 584؛ تاريخ القبائل اليمنية، ص170- 171؛ العقبة، ص163- 171.
(4) ينظر: قرة العيون، ص 538، 542؛ تاريخ القبائل اليمنية ص171.
(5) قال ابن الديبع الزبيدي في (قرة العيون بأخبار اليمن الميمون)، ص542: «وفي آخر شهر جمادى المذكور [يعني: سنة 903هـ] توجه مولانا الظافر -أيده الله بنصره- إلى بلاد (يافع)، لذنوب كثيرة تقدمت منهم، فسار إليهم في جيوش عظيمة، فحط عليهم في سابع جمادى الآخر، فلما تراءى الجمعان انهزمت يافع هزيمة منكرة، واستولى الظافر على حصونهم جميعًا في أقرب مدة، ولم يكن منهم أمر متعب بعد ذلك، مع كثرتهم واتساع بلادهم ودعاويهم العريضة، فكان استفتاح بلادهم من أسهل الفتوح، فدخلوا عليه، وأذم عليهم، فتابوا من الخلاف توبة نصوحًا، وسار منهم جماعة تحت ركابه العالي، وإلى الآن لا يزال منهم جماعة تحت ركابه أينما سار أعزه الله» ا.هـ. ويلاحظ أن ابن الديبع كان من المقربين للسلطان عامر بن عبدالوهاب الطاهري، فلا غرو أن يتحيز له في أخبار وقائعه، وهذا من تأثير السياسة في حيادية المؤرخ!
(6) قرة العيون، ص528- 529؛ اليمن عبر ال
تاريخ؛ ص231- 232؛ تاريخ القبائل اليمنية ص171؛ وقائع من تاريخ يافع، ص155. وينبغي أن نعلم هنا أن السلطان عامر أحس بعصيان أهل يافع في عدن وتمردهم عليه، فضلًا عن وقوع بلادهم خارج دائرة الطاعة لدولته، فأمر الشيخ محمد بن عبدالملك عامل السلطان عامر على عدن بإخراج أهل يافع منها في رجب سنة (894هـ)، ومنهم نحو (400) إنسان ما بين صغير وكبير، فكان ذلك سببًا لتحالف اليافعيين مع الأمير عبدالباقي الطاهري في السنة التي تليها، وقد باءت هذه المحاولة بالفشل، وأدت إلى تسيير السلطان عامر حملة عسكرية لتأديب أهل يافع، مع أنه يحتمل أن هذه الحملة وصلت إلى أطراف بلاد يافع من جهة الساحل، فمن الصعب الدخول إلى الجبال الوعرة والأودية العميقة بجيش مهما تكن قوته.
(7) تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر، ص152. قال الدكتور سيد مصطفى سالم في كتابه (الفتح العثماني الأول لليمن)، ص351: «وكان إقليم يافع يشتهر بقوة رجاله وبأنهم محاربون شجعان وأنهم من الجبليين الأشداء لذلك كان السلاطين الطاهريون يستخدمونهم في جيوشهم».
(8) إمام زيدي أعلن إمامته في (حجة) في 10 جمادى الأولى سنة (912هـ)، الموافق 28 سبتمبر سنة (1506هـ).. تمكن في آخر فترة حكمه أن يمد نفوذه إلى (عدن). ينظر: البرق اليماني، ص60، والفتح العثماني الأول لليمن، ص55.
(9) الفتح العثماني الأول لليمن، ص351
(7) تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر، ص152. قال الدكتور سيد مصطفى سالم في كتابه (الفتح العثماني الأول لليمن)، ص351: «وكان إقليم يافع يشتهر بقوة رجاله وبأنهم محاربون شجعان وأنهم من الجبليين الأشداء لذلك كان السلاطين الطاهريون يستخدمونهم في جيوشهم».
(8) إمام زيدي أعلن إمامته في (حجة) في 10 جمادى الأولى سنة (912هـ)، الموافق 28 سبتمبر سنة (1506هـ).. تمكن في آخر فترة حكمه أن يمد نفوذه إلى (عدن). ينظر: البرق اليماني، ص60، والفتح العثماني الأول لليمن، ص55.
(9) الفتح العثماني الأول لليمن، ص351
يافع قبل الإسلام
كانت قبيلة يافع بطنًا من قبيلة (ذي رُعَيْن) الحِمْيَرية، وقد ارتبطت بالدولة الحِمْيَرية التي شملت جميع أرجاء اليمن أكثر من (600) سنة بين عامي (115 ق.م- 525م). وقد كان الاسم الأقدم لمرتفعات (يافع) هو (دَهْس/ دَهْسَم)(1) الوارد ذكره في بعض النقوش السبئية القديمة، وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن (يافع) هي المسكن القديم للحِمْيَريين، يقول جواد علي: «وقد كان الحِمْيَريون يسيطرون على القسم الجنوبي الغربي من العربية الجنوبية [يعني: (ظِفار رُعَيْن)](2) في أيام مؤلف كتاب (التطواف حول البحري الأرتيري) [ألَّفه بين عامي 40- 70م] ولا سيما في مدينة (ظفار) وحصنها المشهور المعروف بـ(رَيْدان) والذي يرمز إلى مُلك (حِمْيَر) الذي يحمي العاصمة من غارات الأعداء، وهو بيت الملوك وقصرهم أيضًا. وقد كانت منازل (حِمْيَر) في الأصل إلى الشرق من هذه المنازل(3) التي ذكرها مؤلف الكتاب. كانت تؤلف جزءًا من أرض حكومة(4) (قَتَبان) وتتصل بحكومة (حضرموت). وتقع في جنوب (مَيْفَعة) وتؤلف أرض (يافع) المسكن القديم للحِمْيَريين، وذلك قبل نزوحهم قبل عام (100ق.م) إلى مواطنهم الجديدة، حيث حلوا في أرض (دهس) (داهس) وفي أرض (رُعَيْن)، حيث كانت (رُعَيْن) فأسسوا على أشلائها حكومة (ذو ريدان)... ويظهر من الكتب العربية أن الحِمْيَريين كانوا يقطنون حول (لحج) في منطقة (ظِفار) و(رَداع) وفي (سرو حِمْيَر)(5) و(نَجْد حِمْيَر)»(6). وتقول إسمهان سعيد الجَرو: «لقد توافرت لدولة (حِمْيَر) كل المناخات الملائمة لبروزها على الخريطة الجغرافية، ككيان سياسي مستقل، هذا الكيان الجديد الذي أصبح يشكل خطرًا يهدد الكيانات السياسية السائدة على الساحة. وقد... قام مكاربة حضرموت بتحصينات على مداخل أوديتهم الجنوبية تحسبًا لأي هجوم حِمْيَري مباغت، في الوقت ذاته نجد دولة سبأ العتيدة تصطدم عسكريًا بالدولة الجديدة في أراضيها أعني: أرض حِمْيَر وهي مرتفعات (يافع)»(7).
وقد وردت في نقش (النصر)(8) الإشارة إلى الحملة العسكرية التي شنها الملك السبئي (كَرْب إِل وَتَر) على بلاد (دَهْسم) التي كانت تتبع مملكة (أَوْسان) الحِمْيَرية في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، والتي شملت أراضي واسعة من مملكة (أَوْسان) وغيرها، وكانت يافع من ضمنها، وورد في النقش عدد القتلى والأسرى وإحراق المدن(9). ونصه المترجم: «ويوم هاجم دَهْسَم وتبني (تُبَن) وكان قتلاهم ألفين، والسبي منهم خمسة آلاف، وأحرق مدنهم... (تلف في النقش)» ثم يقول: «ووهب دَهْسَم وتبني ودثنت لألمقة ولسبأ (أي: للدولة) ووهب عودَم لملك دَهْسَم»... «وأذهبها وعرها وسرها ومرعاها اقتطعها، وكل مدن ومناطق (أبضع) حول منطقة تفض (أبين) باتجاه دَهْسَم (يافع) والتي على البحر، وكل البحار التابعة لهذه المناطق، وكل أرض يلاي وشيعن...»(10).
وعلى كل حال: فإن المعلومات التفصيلية المتوفرة عن بلاد (يافع) في فترة ما قبل الإسلام قليلة.. ولكن وجود الآثار الكثيرة، والنقوش الحِمْيَرية المتناثرة في الشعاب والأودية، وآثار القصور، والمعابد، والنُّقْوَل (الطرق الجبلية)، والمآجل (خزانات المياه)، والمقابر غير الإسلامية، والمدرجات الزراعية الموغلة في القدم في جبال (يافع) وعلى جوانب أوديتها، وتسميات الأماكن ذات الصبغة الحِمْيَرية الواضحة، ومخلفات اللهجة الحِمْيَرية في لغة التخاطب عند أهل (يافع) اليوم، فضلًا عن فنون العمارة الحِمْيَرية المميزة التي توارثتها الأجيال.. كل هذه الأمور وغيرها تدل على العمق الحضاري الراسخ في أغوار التاريخ العربي منذ العصور القديمة.. وكل هذه الآثار الحضارية وغيرها لم تخضع إلى الآن للدراسة والبحث والتنقيب.. ولعلها ستكشف نقابها ومخبآت أسرارها في المستقبل بإذن مالك الملك.
التسمية بـ(سَرْو حِمْيَر) في شعر العرب القدامى ومروياتهم:
وقد عرفت يافع أيضًا باسم: (سَرْو حِمْيَر) تمييزًا لها عن (سَرْو مَذْحَج)(11)، وقد وردت هذه التسمية في أشعار بعض الجاهليين والمخضرمين، كقول الأعشى مَيْمَون:
وَقَدْ طُفْتُ للمَالِ آفَاقَهُ
عُمَانَ فحِمصَ فَأُورِيشَلِمْ
أتيتُ النجاشيَّ في أرضهِ
وأرضَ النّبيطِ وأرضَ العجمْ
فنجرانَ فالسّروَ منْ حِمْيَرٍ
فأيَّ مرامٍ لهُ لمْ أرمْ
ومنْ بعدِ ذاكَ إلى حضرموت
فأوفيتُ همّي وحينًا أهِم(12)
- وقول حسان بن ثابت الخزرجي الأنصاري:
يمانون تدعونا سَبا فنجيبها
إلى الجوهر المكنون خير الجواهرِ
ونحن ملوك الناس من عهد تبَّع ٍ
إذا الملك في أبناء عمرو بن عامر
ونحن جلبنا الخيل من سرو حِمْيَر
إلى جاسم بالمحنقات السنادر
ونورد أبطال العدو مناهلًا
حياض المنايا وردها غير صادر
- وقول مالك بن حريم الهمداني الملقب (مُفزع الخيل):
ونحن جلبنا الخيل من سرو حِمْيَر(13)
إلى أن وطئنا أرض خثعمَ أجمعا
فمن يأتنا أو يعترض بسبيلنا
يجد أثرًا دعسًا وسخلًا موضَّعا
-
كانت قبيلة يافع بطنًا من قبيلة (ذي رُعَيْن) الحِمْيَرية، وقد ارتبطت بالدولة الحِمْيَرية التي شملت جميع أرجاء اليمن أكثر من (600) سنة بين عامي (115 ق.م- 525م). وقد كان الاسم الأقدم لمرتفعات (يافع) هو (دَهْس/ دَهْسَم)(1) الوارد ذكره في بعض النقوش السبئية القديمة، وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن (يافع) هي المسكن القديم للحِمْيَريين، يقول جواد علي: «وقد كان الحِمْيَريون يسيطرون على القسم الجنوبي الغربي من العربية الجنوبية [يعني: (ظِفار رُعَيْن)](2) في أيام مؤلف كتاب (التطواف حول البحري الأرتيري) [ألَّفه بين عامي 40- 70م] ولا سيما في مدينة (ظفار) وحصنها المشهور المعروف بـ(رَيْدان) والذي يرمز إلى مُلك (حِمْيَر) الذي يحمي العاصمة من غارات الأعداء، وهو بيت الملوك وقصرهم أيضًا. وقد كانت منازل (حِمْيَر) في الأصل إلى الشرق من هذه المنازل(3) التي ذكرها مؤلف الكتاب. كانت تؤلف جزءًا من أرض حكومة(4) (قَتَبان) وتتصل بحكومة (حضرموت). وتقع في جنوب (مَيْفَعة) وتؤلف أرض (يافع) المسكن القديم للحِمْيَريين، وذلك قبل نزوحهم قبل عام (100ق.م) إلى مواطنهم الجديدة، حيث حلوا في أرض (دهس) (داهس) وفي أرض (رُعَيْن)، حيث كانت (رُعَيْن) فأسسوا على أشلائها حكومة (ذو ريدان)... ويظهر من الكتب العربية أن الحِمْيَريين كانوا يقطنون حول (لحج) في منطقة (ظِفار) و(رَداع) وفي (سرو حِمْيَر)(5) و(نَجْد حِمْيَر)»(6). وتقول إسمهان سعيد الجَرو: «لقد توافرت لدولة (حِمْيَر) كل المناخات الملائمة لبروزها على الخريطة الجغرافية، ككيان سياسي مستقل، هذا الكيان الجديد الذي أصبح يشكل خطرًا يهدد الكيانات السياسية السائدة على الساحة. وقد... قام مكاربة حضرموت بتحصينات على مداخل أوديتهم الجنوبية تحسبًا لأي هجوم حِمْيَري مباغت، في الوقت ذاته نجد دولة سبأ العتيدة تصطدم عسكريًا بالدولة الجديدة في أراضيها أعني: أرض حِمْيَر وهي مرتفعات (يافع)»(7).
وقد وردت في نقش (النصر)(8) الإشارة إلى الحملة العسكرية التي شنها الملك السبئي (كَرْب إِل وَتَر) على بلاد (دَهْسم) التي كانت تتبع مملكة (أَوْسان) الحِمْيَرية في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، والتي شملت أراضي واسعة من مملكة (أَوْسان) وغيرها، وكانت يافع من ضمنها، وورد في النقش عدد القتلى والأسرى وإحراق المدن(9). ونصه المترجم: «ويوم هاجم دَهْسَم وتبني (تُبَن) وكان قتلاهم ألفين، والسبي منهم خمسة آلاف، وأحرق مدنهم... (تلف في النقش)» ثم يقول: «ووهب دَهْسَم وتبني ودثنت لألمقة ولسبأ (أي: للدولة) ووهب عودَم لملك دَهْسَم»... «وأذهبها وعرها وسرها ومرعاها اقتطعها، وكل مدن ومناطق (أبضع) حول منطقة تفض (أبين) باتجاه دَهْسَم (يافع) والتي على البحر، وكل البحار التابعة لهذه المناطق، وكل أرض يلاي وشيعن...»(10).
وعلى كل حال: فإن المعلومات التفصيلية المتوفرة عن بلاد (يافع) في فترة ما قبل الإسلام قليلة.. ولكن وجود الآثار الكثيرة، والنقوش الحِمْيَرية المتناثرة في الشعاب والأودية، وآثار القصور، والمعابد، والنُّقْوَل (الطرق الجبلية)، والمآجل (خزانات المياه)، والمقابر غير الإسلامية، والمدرجات الزراعية الموغلة في القدم في جبال (يافع) وعلى جوانب أوديتها، وتسميات الأماكن ذات الصبغة الحِمْيَرية الواضحة، ومخلفات اللهجة الحِمْيَرية في لغة التخاطب عند أهل (يافع) اليوم، فضلًا عن فنون العمارة الحِمْيَرية المميزة التي توارثتها الأجيال.. كل هذه الأمور وغيرها تدل على العمق الحضاري الراسخ في أغوار التاريخ العربي منذ العصور القديمة.. وكل هذه الآثار الحضارية وغيرها لم تخضع إلى الآن للدراسة والبحث والتنقيب.. ولعلها ستكشف نقابها ومخبآت أسرارها في المستقبل بإذن مالك الملك.
التسمية بـ(سَرْو حِمْيَر) في شعر العرب القدامى ومروياتهم:
وقد عرفت يافع أيضًا باسم: (سَرْو حِمْيَر) تمييزًا لها عن (سَرْو مَذْحَج)(11)، وقد وردت هذه التسمية في أشعار بعض الجاهليين والمخضرمين، كقول الأعشى مَيْمَون:
وَقَدْ طُفْتُ للمَالِ آفَاقَهُ
عُمَانَ فحِمصَ فَأُورِيشَلِمْ
أتيتُ النجاشيَّ في أرضهِ
وأرضَ النّبيطِ وأرضَ العجمْ
فنجرانَ فالسّروَ منْ حِمْيَرٍ
فأيَّ مرامٍ لهُ لمْ أرمْ
ومنْ بعدِ ذاكَ إلى حضرموت
فأوفيتُ همّي وحينًا أهِم(12)
- وقول حسان بن ثابت الخزرجي الأنصاري:
يمانون تدعونا سَبا فنجيبها
إلى الجوهر المكنون خير الجواهرِ
ونحن ملوك الناس من عهد تبَّع ٍ
إذا الملك في أبناء عمرو بن عامر
ونحن جلبنا الخيل من سرو حِمْيَر
إلى جاسم بالمحنقات السنادر
ونورد أبطال العدو مناهلًا
حياض المنايا وردها غير صادر
- وقول مالك بن حريم الهمداني الملقب (مُفزع الخيل):
ونحن جلبنا الخيل من سرو حِمْيَر(13)
إلى أن وطئنا أرض خثعمَ أجمعا
فمن يأتنا أو يعترض بسبيلنا
يجد أثرًا دعسًا وسخلًا موضَّعا
-
مذحج إلا بأَخَرة، وهو من أوطان ذي رعين، وسوقهم فيه، وقبور ملوكهم وقصورها وآثارها، وأكثر مواضعه وبقاعه مسمى بأسماء متوطنه من آل ذي رعين».
(12) ديوان الأعشى، ص200.
(13) يبدو من هذه الأبيات وسابقاتها أن الخيل التي تجلب من (سرو حِمْيَر) كانت من أجود الخيل العربية وأكرمها، وقد تغنى بها الشعراء عبر العصور، فهذا ابن الأَبَّار الأندلسي من أهل القرن السابع الهجري (ت 658هـ) يقول في وصف الخيل:
سرى نوعها في سرو حِمْيَر برهةً وذاك خصوص طالما خصها سروا
أبت خيلاء الخيل بأوًا بذاتها عن الكبر لم يترك لراكبها بأوا
(14) ديوان مالك بن حريم، ص50.
(15) ديوان ابن مقبل، ص225.
(16) أورده ياقوت الحموي في (معجم البلدان)، 3/ 217.
(17) ديوان العجاج بشرح الأصمعي، 1/ 457- 458.
(18) ص172- 173
(12) ديوان الأعشى، ص200.
(13) يبدو من هذه الأبيات وسابقاتها أن الخيل التي تجلب من (سرو حِمْيَر) كانت من أجود الخيل العربية وأكرمها، وقد تغنى بها الشعراء عبر العصور، فهذا ابن الأَبَّار الأندلسي من أهل القرن السابع الهجري (ت 658هـ) يقول في وصف الخيل:
سرى نوعها في سرو حِمْيَر برهةً وذاك خصوص طالما خصها سروا
أبت خيلاء الخيل بأوًا بذاتها عن الكبر لم يترك لراكبها بأوا
(14) ديوان مالك بن حريم، ص50.
(15) ديوان ابن مقبل، ص225.
(16) أورده ياقوت الحموي في (معجم البلدان)، 3/ 217.
(17) ديوان العجاج بشرح الأصمعي، 1/ 457- 458.
(18) ص172- 173
وقول عامر بن الحارث النميري الملقب (جِرَان العَود):
أراقب لوحًا من سهيلٍ كأنه إذا ما
بدى من آخر الليل يَطرِفُ
يعارض عن مجرى النجوم وينتحي
كما عارض الشوكَ البعيرُ المؤلَّفُ
بدا لجرانَ العود والبحر دونه
وذو حدَبٍ من سرو حِمْيَرَ مُشْرفُ(14)
- وقول تميم بن أُبي بن مقبل العامري:
طاف الخيال بنا ركبًا يمانينا
ودون ليلى عوادٍ لو تعدِّينا
منهن معروف آيات الكتاب وقد
تعتاد تكذب ليلى ما تمنينا
لم تسر ليلى ولم تطرق بحاجتها
من أهل رَيمان إلا حاجة فينا
من سروِ حِمْيَرَ أبوال البغال به
أنى تسدَّيتَ وهنًا ذلك البينا(15)
- وقول عبدالله بن الحارث الهمداني في بيت لم يرو عنه غيره:
وما رحلت من سرو حِمْيَر ناقتي
ليحجبها من دون بابك حاجبُ(16)
- وقول العجَّاج في أرجوزة طويلة:
ورُبَّ هديٍ كالحَنيِّ مؤذَمِ
مُخَزَّمٍ أو غير لا مُخَزَّمِ
كالخَيْم في شَطِيِّه المخيمِ
يوم أضاميمَ له بميضمِ
بمشعر التكبير والمهينمِ
بين ثبيرين بجمعٍ مَعلَمِ
للسَّرو سَروِ حِميرٍ فجَيْهَمِ
وللشآمينِ طريق المشأم(17)
هذا ما وجدناه من أشعار ذلك العصر...
وقد أورد المؤرخ الهمداني في كتابه (صفة جزيرة العرب)(18) هذه التسمية وبينها تحديدًا فقال: «سرْو حِمْيَرَ وأوديته وساكنه: العُرّ وثَمَر وحَبَة وعَلة وحَطيب ويَهَر وذو ناخِب جبل، وذو ثاوب وسَلَفة وشَعْب وعرُّميحان وسُلُب والعَرِقة ومَدْوَرة والمجزعة وتَيْم، فالعرُّ لأذان من يافع وثمر للذَّراحن من يافع، وحَبة للأبقور من يافع، وعَلّة للأَصووت من يافع، وحَطيب لبني قاسد من يافع، يَهَر لبني شُعيب من يافع، ذو ناخب لبني جَبْر منهم، وذو ثاوب لبني صائد منهم، سَلَفة لبني شُعيب أيضًا، شَعْب لبني سُمَيٍّ منهم، عُرُّميحان لبني شُعَيب أيضًا، سُلُب لبني جَبْر، العرقة للأَهْجور منهم وهي واد وهم بنو هَجَر، صُدُور لكَلْب من يافع، وفي كل موضع من هذه المواضع قرى مساكن كثيرة».
ولن أناقش هنا ما ذكره الهمداني من أماكن وقبائل، فهو يتحدث عن يافع دون أن يراها، لذا فيحتمل تسرب الخطأ إلى بعض المعلومات الواردة بناء على خطإ المصدر الذي اعتمد عليه، وهو أيضًا يذكر أسماء القبائل التي كانت معروفة في زمنه في القرن الرابع الهجري، وكم أماكن وقبائل تبدلت أسماؤها طوال العصور.
**
(1) ممن ذهب إلى هذا الرأي: جواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، 2/ 289، ومحمد عبدالقادر بافقيه في كتابه (تاريخ اليمن القديم)، ص62- 63، وإسمهان الجرو في كتابها (التاريخ السياسي لجنوب شبه الجزيرة العربية: اليمن القديم)، ص161، ومحمد يحيى الحداد في كتابه (التاريخ العام لليمن)، 1/ 221.
(2) الكلمات الواردة بين معقوفين [ ] للتوضيح.
(3) وردت في نقش مسجد الحصن بقرية الديوان بمكتب لبعوس إشارة إلى تسمية بلاد يافع أو الجزء الأعلى منها بـ(عَلَّة)، وإلى اجتياح جيش الملك السبئي (يهاقم) لمدنها. وقد تخلفت هذه التسمية في اسم قرية بمكتب الموسطة، تقع في وادٍ شمال شرق جبل الحميري، جنوب سوق (14) أكتوبر حاليًّا. ينظر: نقوش من الحد، مصدر سابق، ص(69-70)؛ توحيد اليمن القديم، ص130.
(4) التعبير في هذا الموضع وما شابهه بالحكومة مجازي، لأن الدويلات القديمة كانت كيانات قبلية بدائية، ولم تعرف التنظيم الإداري الحكومي، وإن وجد فهو بصورة بدائية.
(5) قال ياقوت الحموي في (معجم البلدان)، 3/ 217: «السَّرْو بفتح أوله وسكون ثانيه على وزن الغزو، والسرو الشرف، والسرو من الجبل ما ارتفع عن مجرى السيل وانحدر عن غلظ الجبل ومنه سرو حِمْيَر لمنازلهم وهو النعف والخيف، والسرو شجرة الواحدة، سروة والسرو سخاء في مروءة وهو منازل حِمْيَر بأرض اليمن وهي عدة مواضع سرو حِمْيَر».
(6) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 2/ 516.
(7) التاريخ السياسي لجنوب شبه الجزيرة العربية: اليمن القديم، ص215.
(8) نقش النصر (Glaser1000=RES3945): نص سبأي مكتوب بخط المسند على الصخر يقوم في معبد (إل مقه) الكبير في (صرواح) بمأرب، سجل فيه الملك السبئي (كَرب إِل وتر) حروبه وانتصاراته في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، وهو أقدم نص طويل يصل إلينا من حضارة (سبأ)، وقد حفظ للباحثين أسماء مناطق كثيرة من أرجاء اليمن، وساعدهم على معرفة الأراضي التي كانت تتبع مملكة (أوسان) شبه المجهولة. ينظر: تاريخ اليمن القديم، ص57- 58.
(9) تاريخ اليمن القديم، ص62، التاريخ السياسي لجنوب شبه الجزيرة العربية، ص160- 161.
(10) تاريخ اليمن القديم، ص63.
(11) سرو مذحج: هي ما يطلق على أنقاضها اليوم بلاد البيضاء، وتقع شمال سرو حِمْيَر. ينظر: صفة جزيرة العرب للهمداني بتعليق الأكوع، ص175- 189. والأصل في سرو مذحج أنه كان مسكنًا لذي رُعَيْن من حِمْيَر التي يافع منها، غير أن قبائل مذحج اغتصبتها من حِمْيَر بعد حربٍ بينهما، قال الهمداني في (صفة جزيرة العرب)، ص175: «وكذلك سرو مذحج لم توطنه
أراقب لوحًا من سهيلٍ كأنه إذا ما
بدى من آخر الليل يَطرِفُ
يعارض عن مجرى النجوم وينتحي
كما عارض الشوكَ البعيرُ المؤلَّفُ
بدا لجرانَ العود والبحر دونه
وذو حدَبٍ من سرو حِمْيَرَ مُشْرفُ(14)
- وقول تميم بن أُبي بن مقبل العامري:
طاف الخيال بنا ركبًا يمانينا
ودون ليلى عوادٍ لو تعدِّينا
منهن معروف آيات الكتاب وقد
تعتاد تكذب ليلى ما تمنينا
لم تسر ليلى ولم تطرق بحاجتها
من أهل رَيمان إلا حاجة فينا
من سروِ حِمْيَرَ أبوال البغال به
أنى تسدَّيتَ وهنًا ذلك البينا(15)
- وقول عبدالله بن الحارث الهمداني في بيت لم يرو عنه غيره:
وما رحلت من سرو حِمْيَر ناقتي
ليحجبها من دون بابك حاجبُ(16)
- وقول العجَّاج في أرجوزة طويلة:
ورُبَّ هديٍ كالحَنيِّ مؤذَمِ
مُخَزَّمٍ أو غير لا مُخَزَّمِ
كالخَيْم في شَطِيِّه المخيمِ
يوم أضاميمَ له بميضمِ
بمشعر التكبير والمهينمِ
بين ثبيرين بجمعٍ مَعلَمِ
للسَّرو سَروِ حِميرٍ فجَيْهَمِ
وللشآمينِ طريق المشأم(17)
هذا ما وجدناه من أشعار ذلك العصر...
وقد أورد المؤرخ الهمداني في كتابه (صفة جزيرة العرب)(18) هذه التسمية وبينها تحديدًا فقال: «سرْو حِمْيَرَ وأوديته وساكنه: العُرّ وثَمَر وحَبَة وعَلة وحَطيب ويَهَر وذو ناخِب جبل، وذو ثاوب وسَلَفة وشَعْب وعرُّميحان وسُلُب والعَرِقة ومَدْوَرة والمجزعة وتَيْم، فالعرُّ لأذان من يافع وثمر للذَّراحن من يافع، وحَبة للأبقور من يافع، وعَلّة للأَصووت من يافع، وحَطيب لبني قاسد من يافع، يَهَر لبني شُعيب من يافع، ذو ناخب لبني جَبْر منهم، وذو ثاوب لبني صائد منهم، سَلَفة لبني شُعيب أيضًا، شَعْب لبني سُمَيٍّ منهم، عُرُّميحان لبني شُعَيب أيضًا، سُلُب لبني جَبْر، العرقة للأَهْجور منهم وهي واد وهم بنو هَجَر، صُدُور لكَلْب من يافع، وفي كل موضع من هذه المواضع قرى مساكن كثيرة».
ولن أناقش هنا ما ذكره الهمداني من أماكن وقبائل، فهو يتحدث عن يافع دون أن يراها، لذا فيحتمل تسرب الخطأ إلى بعض المعلومات الواردة بناء على خطإ المصدر الذي اعتمد عليه، وهو أيضًا يذكر أسماء القبائل التي كانت معروفة في زمنه في القرن الرابع الهجري، وكم أماكن وقبائل تبدلت أسماؤها طوال العصور.
**
(1) ممن ذهب إلى هذا الرأي: جواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، 2/ 289، ومحمد عبدالقادر بافقيه في كتابه (تاريخ اليمن القديم)، ص62- 63، وإسمهان الجرو في كتابها (التاريخ السياسي لجنوب شبه الجزيرة العربية: اليمن القديم)، ص161، ومحمد يحيى الحداد في كتابه (التاريخ العام لليمن)، 1/ 221.
(2) الكلمات الواردة بين معقوفين [ ] للتوضيح.
(3) وردت في نقش مسجد الحصن بقرية الديوان بمكتب لبعوس إشارة إلى تسمية بلاد يافع أو الجزء الأعلى منها بـ(عَلَّة)، وإلى اجتياح جيش الملك السبئي (يهاقم) لمدنها. وقد تخلفت هذه التسمية في اسم قرية بمكتب الموسطة، تقع في وادٍ شمال شرق جبل الحميري، جنوب سوق (14) أكتوبر حاليًّا. ينظر: نقوش من الحد، مصدر سابق، ص(69-70)؛ توحيد اليمن القديم، ص130.
(4) التعبير في هذا الموضع وما شابهه بالحكومة مجازي، لأن الدويلات القديمة كانت كيانات قبلية بدائية، ولم تعرف التنظيم الإداري الحكومي، وإن وجد فهو بصورة بدائية.
(5) قال ياقوت الحموي في (معجم البلدان)، 3/ 217: «السَّرْو بفتح أوله وسكون ثانيه على وزن الغزو، والسرو الشرف، والسرو من الجبل ما ارتفع عن مجرى السيل وانحدر عن غلظ الجبل ومنه سرو حِمْيَر لمنازلهم وهو النعف والخيف، والسرو شجرة الواحدة، سروة والسرو سخاء في مروءة وهو منازل حِمْيَر بأرض اليمن وهي عدة مواضع سرو حِمْيَر».
(6) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 2/ 516.
(7) التاريخ السياسي لجنوب شبه الجزيرة العربية: اليمن القديم، ص215.
(8) نقش النصر (Glaser1000=RES3945): نص سبأي مكتوب بخط المسند على الصخر يقوم في معبد (إل مقه) الكبير في (صرواح) بمأرب، سجل فيه الملك السبئي (كَرب إِل وتر) حروبه وانتصاراته في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، وهو أقدم نص طويل يصل إلينا من حضارة (سبأ)، وقد حفظ للباحثين أسماء مناطق كثيرة من أرجاء اليمن، وساعدهم على معرفة الأراضي التي كانت تتبع مملكة (أوسان) شبه المجهولة. ينظر: تاريخ اليمن القديم، ص57- 58.
(9) تاريخ اليمن القديم، ص62، التاريخ السياسي لجنوب شبه الجزيرة العربية، ص160- 161.
(10) تاريخ اليمن القديم، ص63.
(11) سرو مذحج: هي ما يطلق على أنقاضها اليوم بلاد البيضاء، وتقع شمال سرو حِمْيَر. ينظر: صفة جزيرة العرب للهمداني بتعليق الأكوع، ص175- 189. والأصل في سرو مذحج أنه كان مسكنًا لذي رُعَيْن من حِمْيَر التي يافع منها، غير أن قبائل مذحج اغتصبتها من حِمْيَر بعد حربٍ بينهما، قال الهمداني في (صفة جزيرة العرب)، ص175: «وكذلك سرو مذحج لم توطنه