3⃣
#ثورة_26سبتمر_المجيدة
#الدور_المصري
#دماء_وتضحيات
#بلال_الطيب
ولأجل تنفيذ تلك الخطة؛ ضَاعف المصريون من أعداد قواتهم في اليمن، وقد وصل عددها إجمالًا إلى حوالي 20,000 جندي، وقيل أكثر، وقاموا - بالتنسيق مع القيادة الجمهورية، وفي بداية الأسبوع الثاني لوصول المشير عامر، وتحت قيادة الأخير - بهجومهم الكبير (هجوم رمضان)، مَسنودين بـ 200 طائرة وصلت للتو، وقد كان لسلاح الجو بشكل عام، وللدبابات والمدافع والمدرعات التي رافقت تلك الحملة، دورٌ فاعل في حسم المعركة خلال أقل من شهر.
توجهت القوات المُشتركة بادئ الأمر شَمالًا، وتَعرضت قبل أنْ تستعيد مُعظم مَناطق لواء صعدة لمُحاولة صد إمامية فاشلة، قادها الأمير محمد بن الحسين، الذي سارع فور علمه بذلك الهجوم، بتجميع 1,500 مُقاتل من مُعسكراته في نجران، إلا أنَّ القوات المُهاجمة فَرَّقت جمعه، ثم توجهت شرقًا، وبدأ بعد استعادة تلك القوات لمدينة المطمة، ثم الحزم، انهيار القوات الإمامية في المناطق المجاورة؛ وتمت - تبعًا لذلك، وبدون قتال - استعادة مدينة مأرب، ثم الجوبة، ثم حريب 7 مارس 1963م.
بالتزامن مع ذلك الهجوم، قام الجمهوريون عبر بعض الوجهاء - أمثال المناضل عبدالسلام صبرة - باستقطاب بعض قبائل طوق صنعاء، في حين قامت قوات تابعة لهم بتصفية بعض جيوب المقاومة الإمامية في ذات الإطار، وفي الوقت الذي تمركزت فيه بعض المجاميع القبلية الجمهورية في منطقة الخانق، وقطعت طَريق إمداد الإماميين في خولان الطيال، تمكن الشيخ سنان أبو لحوم ومجاميع من قبيلته من استعادة السيطرة على وادي السر في بني حشيش، واختراق قطاع نهم، ولم يمضِ من الوقت الكثير حتى استدعاه المشير عامر، وكلفه بالتوسط لدى قبيلة جهم من أجل فك الحصار عن كتيبة الصاعقة المصرية في صرواح، وقد نجح في ذلك، وجمهرت تلك القبيلة مُؤقتًا.
حقق هجوم رمضان بالمعيار العسكري نجاحًا كبيرًا، فهو لم يُجبر الإماميين على الانسحاب إلى الشعاب والكهوف البعيدة فحسب؛ بل حرمهم من منفذين هامين كانا يمدانهم بالأموال والأسلحة، وهما منفذا نجران وبيحان، ولم يتبق لهم إلا منفذ جيزان الذي استعصى على القوات المُشتركة، والمُرتبط بجبال رازح، وخولان الشام، وبني الحداد، والممتد عبر سلسلة جبال اليمن الغربية إلى مشارف مدينة حجة، وصولاً إلى بلاد آنس جنوبًا.
دواء لجروح #النكسة
وتتوالى الأحداث، ويقوم المُعارضون للرئيس عبدالله السلال بحركة 5 نوفمبر 1967م، واعتبر البعض أنَّها - أي تلك الحركة - جاءت تنفيذًا لقرارات وتوصيات مُؤتمر الخرطوم (أغسطس من ذات العام)، واجتمع لمُواجهة ذلك قَادة سياسيون وعسكريون، وبعض قادة التكتلات الحزبية.
سُرَّ الإماميون لتلك التباينات، وفَسروه بالانشقاق الخطير؛ وبالفعل أجادوا استغلاله، وبدأوا بتحركاتهم الانقضاضية، وقد ساعدهم في ذلك التماهي انسحاب القوات المصرية، ومعها كل أسلحتها ومُعداتها، ثم مُغادرة الخبراء السوفيت على مرحلتين، وضعف الجيش الجمهوري، وعدم إمداده بالسلاح والذخائر.
كان أصدقاء النظام الجمهوري وأعداؤه - كما أفاد حسن مكي - على السواء، يرون أنَّ قدرته على الصمود والبقاء تقترب من درجة الصفر، وتأكيدًا لذلك قال الملازم أول طيار فارس سالم الشريفي أحد المُكلفين باستلام مطار الحديدة من القوات المصرية قبل مغادرتها اليمن، أنَّ مدير العمليات المصري خاطبهم يومها قائلًا: «لقد اشتركنا مع القيادة اليمنية في وضع الخطة الدفاعية عن صنعاء، ورغم ذلك نقول لكم: إنَّ تقديراتنا للموقف أنَّ صنعاء سوف تسقط، إلا أنْ تحل مُعجزة».
محسن العيني - رئيس الوزراء حينها - هو الآخر قال في إحدى شهاداته أنَّ جمال عبد الناصر قال له: «لا تشددوا، فنحن في ظروف عصيبة، وكل شيء يتوقف على شعبكم وقواتكم المسلحة».
كما أورد القاضي محمد إسماعيل الحجي أنَّ عبد الناصر التقاهم في القاهرة، ونصحهم بمصالحة الإماميين، وحين رآهم أكثر حماسًا، قال ناصحًا: «احمدوا الله على سلامة رؤوسكم، ماذا تعملون وأنتم بعدد الأصابع، بينما الجيش المصري بكل عدته وعدده لم يحقق الغرض المنشود».
وقبل أن أختم هذه التناولة، وجب التذكير أنَّ موقف الزعيم جمال عبدالناصر تغير تمامًا بعد ذلك، وبالأخص بعد سماعه بأخبار استبسال المُقاومين الجمهوريين في الدفاع عن عاصمتهم، وجه حينها بإرسال أكثر من خمسة ملايين طلقة رصاص شرفا وجرمل بكراتين المانجو (ماركة قها تحديدًا)؛ وذلك حتى لا يُلام على نقضه اتفاقية الخرطوم، وقدمت حكومته قرضًا بـ 40 مليون جنيه.
وذكر حسن مكي أنَّه التقى عبدالناصر أثناء الحصار، وأنَّه وجد قلبه وشعوره أكبر من أي مُساعدة؛ فقد أعطاهم روحًا معنوية بفرحته وسعادته لسماع أنَّ صنعاء لن تسقط، وخاطبهم قائلًا: «القاهرة هي صنعاء، وإذا سقطت صنعاء سقطت القاهرة».
#ثورة_26سبتمر_المجيدة
#الدور_المصري
#دماء_وتضحيات
#بلال_الطيب
ولأجل تنفيذ تلك الخطة؛ ضَاعف المصريون من أعداد قواتهم في اليمن، وقد وصل عددها إجمالًا إلى حوالي 20,000 جندي، وقيل أكثر، وقاموا - بالتنسيق مع القيادة الجمهورية، وفي بداية الأسبوع الثاني لوصول المشير عامر، وتحت قيادة الأخير - بهجومهم الكبير (هجوم رمضان)، مَسنودين بـ 200 طائرة وصلت للتو، وقد كان لسلاح الجو بشكل عام، وللدبابات والمدافع والمدرعات التي رافقت تلك الحملة، دورٌ فاعل في حسم المعركة خلال أقل من شهر.
توجهت القوات المُشتركة بادئ الأمر شَمالًا، وتَعرضت قبل أنْ تستعيد مُعظم مَناطق لواء صعدة لمُحاولة صد إمامية فاشلة، قادها الأمير محمد بن الحسين، الذي سارع فور علمه بذلك الهجوم، بتجميع 1,500 مُقاتل من مُعسكراته في نجران، إلا أنَّ القوات المُهاجمة فَرَّقت جمعه، ثم توجهت شرقًا، وبدأ بعد استعادة تلك القوات لمدينة المطمة، ثم الحزم، انهيار القوات الإمامية في المناطق المجاورة؛ وتمت - تبعًا لذلك، وبدون قتال - استعادة مدينة مأرب، ثم الجوبة، ثم حريب 7 مارس 1963م.
بالتزامن مع ذلك الهجوم، قام الجمهوريون عبر بعض الوجهاء - أمثال المناضل عبدالسلام صبرة - باستقطاب بعض قبائل طوق صنعاء، في حين قامت قوات تابعة لهم بتصفية بعض جيوب المقاومة الإمامية في ذات الإطار، وفي الوقت الذي تمركزت فيه بعض المجاميع القبلية الجمهورية في منطقة الخانق، وقطعت طَريق إمداد الإماميين في خولان الطيال، تمكن الشيخ سنان أبو لحوم ومجاميع من قبيلته من استعادة السيطرة على وادي السر في بني حشيش، واختراق قطاع نهم، ولم يمضِ من الوقت الكثير حتى استدعاه المشير عامر، وكلفه بالتوسط لدى قبيلة جهم من أجل فك الحصار عن كتيبة الصاعقة المصرية في صرواح، وقد نجح في ذلك، وجمهرت تلك القبيلة مُؤقتًا.
حقق هجوم رمضان بالمعيار العسكري نجاحًا كبيرًا، فهو لم يُجبر الإماميين على الانسحاب إلى الشعاب والكهوف البعيدة فحسب؛ بل حرمهم من منفذين هامين كانا يمدانهم بالأموال والأسلحة، وهما منفذا نجران وبيحان، ولم يتبق لهم إلا منفذ جيزان الذي استعصى على القوات المُشتركة، والمُرتبط بجبال رازح، وخولان الشام، وبني الحداد، والممتد عبر سلسلة جبال اليمن الغربية إلى مشارف مدينة حجة، وصولاً إلى بلاد آنس جنوبًا.
دواء لجروح #النكسة
وتتوالى الأحداث، ويقوم المُعارضون للرئيس عبدالله السلال بحركة 5 نوفمبر 1967م، واعتبر البعض أنَّها - أي تلك الحركة - جاءت تنفيذًا لقرارات وتوصيات مُؤتمر الخرطوم (أغسطس من ذات العام)، واجتمع لمُواجهة ذلك قَادة سياسيون وعسكريون، وبعض قادة التكتلات الحزبية.
سُرَّ الإماميون لتلك التباينات، وفَسروه بالانشقاق الخطير؛ وبالفعل أجادوا استغلاله، وبدأوا بتحركاتهم الانقضاضية، وقد ساعدهم في ذلك التماهي انسحاب القوات المصرية، ومعها كل أسلحتها ومُعداتها، ثم مُغادرة الخبراء السوفيت على مرحلتين، وضعف الجيش الجمهوري، وعدم إمداده بالسلاح والذخائر.
كان أصدقاء النظام الجمهوري وأعداؤه - كما أفاد حسن مكي - على السواء، يرون أنَّ قدرته على الصمود والبقاء تقترب من درجة الصفر، وتأكيدًا لذلك قال الملازم أول طيار فارس سالم الشريفي أحد المُكلفين باستلام مطار الحديدة من القوات المصرية قبل مغادرتها اليمن، أنَّ مدير العمليات المصري خاطبهم يومها قائلًا: «لقد اشتركنا مع القيادة اليمنية في وضع الخطة الدفاعية عن صنعاء، ورغم ذلك نقول لكم: إنَّ تقديراتنا للموقف أنَّ صنعاء سوف تسقط، إلا أنْ تحل مُعجزة».
محسن العيني - رئيس الوزراء حينها - هو الآخر قال في إحدى شهاداته أنَّ جمال عبد الناصر قال له: «لا تشددوا، فنحن في ظروف عصيبة، وكل شيء يتوقف على شعبكم وقواتكم المسلحة».
كما أورد القاضي محمد إسماعيل الحجي أنَّ عبد الناصر التقاهم في القاهرة، ونصحهم بمصالحة الإماميين، وحين رآهم أكثر حماسًا، قال ناصحًا: «احمدوا الله على سلامة رؤوسكم، ماذا تعملون وأنتم بعدد الأصابع، بينما الجيش المصري بكل عدته وعدده لم يحقق الغرض المنشود».
وقبل أن أختم هذه التناولة، وجب التذكير أنَّ موقف الزعيم جمال عبدالناصر تغير تمامًا بعد ذلك، وبالأخص بعد سماعه بأخبار استبسال المُقاومين الجمهوريين في الدفاع عن عاصمتهم، وجه حينها بإرسال أكثر من خمسة ملايين طلقة رصاص شرفا وجرمل بكراتين المانجو (ماركة قها تحديدًا)؛ وذلك حتى لا يُلام على نقضه اتفاقية الخرطوم، وقدمت حكومته قرضًا بـ 40 مليون جنيه.
وذكر حسن مكي أنَّه التقى عبدالناصر أثناء الحصار، وأنَّه وجد قلبه وشعوره أكبر من أي مُساعدة؛ فقد أعطاهم روحًا معنوية بفرحته وسعادته لسماع أنَّ صنعاء لن تسقط، وخاطبهم قائلًا: «القاهرة هي صنعاء، وإذا سقطت صنعاء سقطت القاهرة».
الحقيقة #الجازمية
#بلال_الطيب
هناك، وفي مدينةِ #تعز، تعرَّف الشيخ #جازم محمد #الحِروي
عن قربٍ على الأستاذِ أحمد محمد #نعمان، ورفيقِ دربِه القاضي محمد محمود #الزُّبيري، استضافَهما في مَنزلِه أكثرَ من مرَّة، وأُعجبَ بهما، واستشعرَ صدقَهما، ونقاءَ سـريرتِهما، وحبَّهما الفيَّاضَ للوطنِ المُنهَك، ورغبتَهما العارمةَ في تخليصِه من براثنِ الظُّلمِ والطُّغيان، وكان لهما خيرَ عونٍ وسند.
وحين عزم القاضي الزُّبيري على العودةِ إلى #صنعاءَ لزيارةِ أسـرته 1943م، استأذنَ من وليِّ العهد، فسمحَ له الأخيرُ بالسفر، وأمرَ له بمبلغٍ زهيدٍ لا يفي بمُتطلباته؛ وما إنْ علمَ الشيخ جازم الحِروي بذلك، حتى قامَ بشـراءِ بعضِ الحاجيات، وسارعَ بتسليمِها له قبلَ سفرِه، ومعها مبلغٌ كبيرٌ من المال، وكان الأستاذُ النعمان - كما تشيرُ الرسالةُ التالية - حاضـرًا ذلك المَوقف.
تأثَّر القاضي #الزُّبيري من ذلك المَوقفِ أيَّما تأثير، وجفاهُ المنام، مُفكِّرًا ببطلِنا النبيل، وبموقفِه، وما إنْ أطلَّ الصباح، حتى كتبَ للأستاذِ النُعمان رِسالةً مُعبِّرةً عن ذلك البرقِ الروحانيِّ اللامعِ الذي مزَّقَ ظلماتِ ليلتِهم البَارحة، ومَزَّقَ معها دياجيرَ الشكِّ والالتباس، وأشعلَ نفسَه بشعاعِ من الإيمانِ لا عهدَ له به، ولهبٍ من الحماسةِ خشـيَ أن يُذيبَ قلبَه ولسانَه وقلمَه.
وأضافَ مُخاطبًا رفيقَ دربِه: «تأمَّلِ الحقيقةَ الجازمية، فإنَّ المناطقةَ يُحدِّدون الإنسانَ بأنَّه الحيوانُ الناطق، أمَّا جَازم فإنَّه ليس من هذا الطراز، فهو ملاكٌ طهورٌ أنجبته الغمائم، تلك هي الصفةُ التي كنَّا نحومُ حولَها، أليس كذلك؟».
كان #الزُّبيري الشاعرَ الإنسان، مُرهفَ الحس، جَياشَ العاطفة، قويَّ البيان. جادتْ قريحتُه في تلك الليلةِ الليلاءِ بكتابةِ مطلعِ قصيدتِه (مصحف جبريل)، ومنها نقتطف:
ألا فليعِــــشْ في مُهجـةِ الشعبِ جازمُ
تُغـــــذّي بـــرؤيـــاهُ النُّـــهى والعــزائمُ
فتــىً راعــني بالجــودِ حتى ظنــنـتــهُ
مـَـــــلاكًا طهــورًا أنجبـــتــهُ الغمــائمُ
تبسَّــــمَ لي بشــرًا، فخلــتُ ابتســـامهُ
بُــروقَ فـــؤادٍ أثـــقلتـــــهُ المكـــــارمُ
يُحـاولُ أن يُخفـي عُبـــابَ يمـــيـــــنهِ
وهل يختفي ذاك الخضـــمُّ الخضــارمُ
إلى أنْ قال:
لهُ مهجـةٌ كانــتْ لجبــريلَ مُصحفًا
يُفصَـــلُ منـهُ في الســماءِ التمــائمُ
فـــيـا ملــكًا مــن أمــةٍ سـبـــئــيةٍ
لقد بَعُــــدتْ عنك اللـذّاتُ التـوائمُ
لقد أخرجتك الأرضُ وحدك مُعجزًا
كما أخـرجتْ حــرَّ النضارِ المناجمُ
كأنك روحٌ قد نزلتَ مــن السـمــا،
تُفيضُ عليـنا من يــديك المراحمُ
فباللهِ قُلْ لي كيـف جئــتَ مُهذبًا
نبــيـلًا، ومــا بالحيِّ إلا السوائمُ
لم يمضِ من الوقتِ الكثير، حتى عادَ القاضي محمد محمود الزُّبيري من مدينة صنعاء، واستمرَّ ورفيقُه الأستاذ أحمد محمد نُعمان في التردُّدِ على وليِّ العهدِ أحمد يحيى حميد الدين، وكان حالُهما كمن ينفخُ في قِربةٍ مَثقوبة، فاستوقفَهما - حينها - الشيخ جازم الحِروي، وقال لهما بحماسٍ لافتٍ: «بدلًا من أنْ تظلُّوا تُبعثرون أدبَكم وأفكارَكم في تقديسِ الحُكَّام، اخرجوا نحوَ الشَّعب».
جَازم الشابُّ المُتحمِّس، ذو الاثنين والعشـرين ربيعًا، كان أكبرَ من سنِّه بكثير. لم يكتفِ بالتحفيزِ المعنويِّ؛ بل تكفَّلَ بالدَّعمِ المادِّي، خاصَّةً بعد أنْ تعذَّرَا له الثائرَان العظيمَان بضيقِ الحال.
وبالفعل، نجحَ بعد جُهدٍ جهيد، وبمساعدةِ القاضي عباس أحمد #باشا، في تهريبِهما - ذاتَ ليلةٍ مُمطرةٍ - إلى عدن، في الرابع من يونيو 1944م، وذلك بعد أنْ توفَّرت الأسبابُ المَوضوعيَّةُ لذلك الهروب، والمُتمثِّلة بتهديدِ وليِّ العهدِ (السيف أحمد) للعصـريِّينَ بشكلٍ عامٍّ بالقتل، ووعدِه بأنْ يلقى اللهَ تعالى ويدُه مُخضَّبةٌ بدمائِهم.
- النص والصورة من كتاب (جازم الحروي.. صانع تحول)، الطبعة الثانية.
#بلال_الطيب
هناك، وفي مدينةِ #تعز، تعرَّف الشيخ #جازم محمد #الحِروي
عن قربٍ على الأستاذِ أحمد محمد #نعمان، ورفيقِ دربِه القاضي محمد محمود #الزُّبيري، استضافَهما في مَنزلِه أكثرَ من مرَّة، وأُعجبَ بهما، واستشعرَ صدقَهما، ونقاءَ سـريرتِهما، وحبَّهما الفيَّاضَ للوطنِ المُنهَك، ورغبتَهما العارمةَ في تخليصِه من براثنِ الظُّلمِ والطُّغيان، وكان لهما خيرَ عونٍ وسند.
وحين عزم القاضي الزُّبيري على العودةِ إلى #صنعاءَ لزيارةِ أسـرته 1943م، استأذنَ من وليِّ العهد، فسمحَ له الأخيرُ بالسفر، وأمرَ له بمبلغٍ زهيدٍ لا يفي بمُتطلباته؛ وما إنْ علمَ الشيخ جازم الحِروي بذلك، حتى قامَ بشـراءِ بعضِ الحاجيات، وسارعَ بتسليمِها له قبلَ سفرِه، ومعها مبلغٌ كبيرٌ من المال، وكان الأستاذُ النعمان - كما تشيرُ الرسالةُ التالية - حاضـرًا ذلك المَوقف.
تأثَّر القاضي #الزُّبيري من ذلك المَوقفِ أيَّما تأثير، وجفاهُ المنام، مُفكِّرًا ببطلِنا النبيل، وبموقفِه، وما إنْ أطلَّ الصباح، حتى كتبَ للأستاذِ النُعمان رِسالةً مُعبِّرةً عن ذلك البرقِ الروحانيِّ اللامعِ الذي مزَّقَ ظلماتِ ليلتِهم البَارحة، ومَزَّقَ معها دياجيرَ الشكِّ والالتباس، وأشعلَ نفسَه بشعاعِ من الإيمانِ لا عهدَ له به، ولهبٍ من الحماسةِ خشـيَ أن يُذيبَ قلبَه ولسانَه وقلمَه.
وأضافَ مُخاطبًا رفيقَ دربِه: «تأمَّلِ الحقيقةَ الجازمية، فإنَّ المناطقةَ يُحدِّدون الإنسانَ بأنَّه الحيوانُ الناطق، أمَّا جَازم فإنَّه ليس من هذا الطراز، فهو ملاكٌ طهورٌ أنجبته الغمائم، تلك هي الصفةُ التي كنَّا نحومُ حولَها، أليس كذلك؟».
كان #الزُّبيري الشاعرَ الإنسان، مُرهفَ الحس، جَياشَ العاطفة، قويَّ البيان. جادتْ قريحتُه في تلك الليلةِ الليلاءِ بكتابةِ مطلعِ قصيدتِه (مصحف جبريل)، ومنها نقتطف:
ألا فليعِــــشْ في مُهجـةِ الشعبِ جازمُ
تُغـــــذّي بـــرؤيـــاهُ النُّـــهى والعــزائمُ
فتــىً راعــني بالجــودِ حتى ظنــنـتــهُ
مـَـــــلاكًا طهــورًا أنجبـــتــهُ الغمــائمُ
تبسَّــــمَ لي بشــرًا، فخلــتُ ابتســـامهُ
بُــروقَ فـــؤادٍ أثـــقلتـــــهُ المكـــــارمُ
يُحـاولُ أن يُخفـي عُبـــابَ يمـــيـــــنهِ
وهل يختفي ذاك الخضـــمُّ الخضــارمُ
إلى أنْ قال:
لهُ مهجـةٌ كانــتْ لجبــريلَ مُصحفًا
يُفصَـــلُ منـهُ في الســماءِ التمــائمُ
فـــيـا ملــكًا مــن أمــةٍ سـبـــئــيةٍ
لقد بَعُــــدتْ عنك اللـذّاتُ التـوائمُ
لقد أخرجتك الأرضُ وحدك مُعجزًا
كما أخـرجتْ حــرَّ النضارِ المناجمُ
كأنك روحٌ قد نزلتَ مــن السـمــا،
تُفيضُ عليـنا من يــديك المراحمُ
فباللهِ قُلْ لي كيـف جئــتَ مُهذبًا
نبــيـلًا، ومــا بالحيِّ إلا السوائمُ
لم يمضِ من الوقتِ الكثير، حتى عادَ القاضي محمد محمود الزُّبيري من مدينة صنعاء، واستمرَّ ورفيقُه الأستاذ أحمد محمد نُعمان في التردُّدِ على وليِّ العهدِ أحمد يحيى حميد الدين، وكان حالُهما كمن ينفخُ في قِربةٍ مَثقوبة، فاستوقفَهما - حينها - الشيخ جازم الحِروي، وقال لهما بحماسٍ لافتٍ: «بدلًا من أنْ تظلُّوا تُبعثرون أدبَكم وأفكارَكم في تقديسِ الحُكَّام، اخرجوا نحوَ الشَّعب».
جَازم الشابُّ المُتحمِّس، ذو الاثنين والعشـرين ربيعًا، كان أكبرَ من سنِّه بكثير. لم يكتفِ بالتحفيزِ المعنويِّ؛ بل تكفَّلَ بالدَّعمِ المادِّي، خاصَّةً بعد أنْ تعذَّرَا له الثائرَان العظيمَان بضيقِ الحال.
وبالفعل، نجحَ بعد جُهدٍ جهيد، وبمساعدةِ القاضي عباس أحمد #باشا، في تهريبِهما - ذاتَ ليلةٍ مُمطرةٍ - إلى عدن، في الرابع من يونيو 1944م، وذلك بعد أنْ توفَّرت الأسبابُ المَوضوعيَّةُ لذلك الهروب، والمُتمثِّلة بتهديدِ وليِّ العهدِ (السيف أحمد) للعصـريِّينَ بشكلٍ عامٍّ بالقتل، ووعدِه بأنْ يلقى اللهَ تعالى ويدُه مُخضَّبةٌ بدمائِهم.
- النص والصورة من كتاب (جازم الحروي.. صانع تحول)، الطبعة الثانية.