#أغانٍ محرَّمة في #اليمن..
حين تمرَّد الفن على الهوية والسياسة والمجتمع
#بلال_الجرادي
كاتب30 يونيو 2026
مُنعت بعض الأغاني في اليمن لأسباب مختلفة؛ سياسية، ودينية، واجتماعية، ومنها ما يتعلق بكلمات الأغنية ومحتواها، وما قد تراه السلطات تدخلاً في السياسة، أو جرأةً خادشةً للحياء، وأسباب أخرى تعود إلى الفنان نفسه، كنسبه وقبيلته وانتمائه، إذ يُنظر إلى الغناء بأنه عيب، فيتعرض الفنان لمضايقات تصل إلى المنع، وأحيانًا النفي، أو يضطر إلى السفر ومغادرة البلد.
قبل القنوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي، كان ممكنًا للسلطات منع أي أغنية لا تروق لها، لكن بات من الصعب اليوم قمع الفنانين أو منعهم بالطرق القديمة، فبمقدور أي فنان نشر أغنيته وبثها والترويج لها بالطريقة التي يراها مناسبة، دون التقيد بضوابط السلطات أو تسلط رجال الدين والقبيلة عليه.
وحين كانت أشرطة الكاسيت والإذاعات المحلية هما الطريقتين الوحيدتين لنشر الأغاني وبثها، كانت الحكومات تشدد الرقابة، ولا تسمح بخروج إلا ما يتوافق مع سياستها، ويتسق مع عادات المجتمع، دون تمرد.
في هذه المادة نستعرض نماذج لفنانين من اليمن، قديمًا وحديثًا، عوملوا بعنصرية بسبب عملهم، وحوربوا، وتعرضوا للنفي والملاحقة، ومُنعت بعض أغانيهم في فترة ما لأسباب مختلفة، اجتماعية وسياسية.
#أبو_نصار وأسرة حميد الدين
محمد أبو نصار، واسمه الكامل محمد بن حسين بن حميد الدين، هو أحد أمراء وأبناء أسرة حميد الدين، التي حكمت اليمن قبل عام 1962م. عُرف بكنيته أكثر من اسمه، فبعد ثورة 26 سبتمبر التي أطاحت بالحكم الإمامي، تخلى كثيرون عن أسمائهم المرتبطة بأسرة حميد الدين. ولأبي نصار شقيق هو الشاعر يحيى بن حسين بن حميد الدين، وهو من أكثر الشعراء الذين غنى لهم أبو نصار.
اعتُقل أبو نصار من قبل النظام الجمهوري بعد الثورة، قبل أن يُطلق سراحه، فغادر صنعاء والتحق بأسرته التي تشتت بين محافظات صعدة ومأرب والجوف، ومن هناك انتقل إلى السعودية.
بدأ أبو نصار، المولود سنة 1941م، رحلته مع الفن مطلع الخمسينيات بشكل سري، خوفًا من أسرته التي لم ترحب في البداية بفكرة أن يمارس أحد أبنائها الغناء، لكن بروزه الفني وجمال صوته جعلا بعض أمراء الأسرة المتوكلية الحاكمة يدعمونه، ليبدأ تسجيل بعض الأغاني في الإذاعة الملكية، ويذيع صيته.
في السعودية، واصل أبو نصار الغناء، وكانت أغانيه تصل إلى جمهوره في اليمن، وفي #السبعينيات أصدر مجموعة غنائية ذات طابع سياسي هاجم فيها نظام صنعاء ووصفه بالفاسد؛ ما دفع السلطات اليمنية إلى منع تداول أغانيه في اليمن، ومنعه رسميًا من العودة إلى البلد.
ورغم المنع، استمر أبو نصار في الغناء لسنوات طويلة من منفاه في السعودية، حتى بداية التسعينيات، إذ استطاع، وعبر وسطاء، أن يحصل على وعد من الرئيس علي عبد الله صالح بعدم التعرض له أو محاكمته إذا عاد إلى اليمن، مقابل التزامه بعدم إنتاج أي أغانٍ جديدة ذات طابع سياسي. وفعلاً عاد، بموجب هذا الاتفاق، إلى اليمن بعد سنوات من الغياب.
وفي عام 1994م أصيب الفنان أبو نصار بجلطة دماغية في #صنعاء تسببت له بشلل، فاضطر أبناؤه إلى نقله إلى السعودية للعلاج، وهناك مكث حتى وفاته في ديسمبر 2002م.
أغاني عفراء هزاع
في الثمانينيات مُنعت أغانٍ لعفراء هزاع في اليمن. وهي فنانة يهودية من أصول يمنية، وُلدت عام 1957م، وتوفيت في 23 فبراير 2000م عن عمر ناهز 43 عامًا. ذاع صيتها في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة، خاصة بعد أن سجلت أغانٍ يهودية يمنية تقليدية بتوزيع جديد، متأثرة بموسيقى البوب، لكن أغانيها في اليمن كانت محظورة، لاعتبارات تتعلق بهوية الفنانة وانتمائها.
يقول الباحث في التراث الموسيقي رفيق العكوري: "لقد نجحت عفراء في نشر الأغاني اليمنية، وكانت دائمًا تردد أنها يمنية وتفتخر بالتراث الغنائي اليمني. قامت إذاعات وقنوات كثيرة ببث أغانيها لفترة طويلة، وحينما توفيت، لم نسمع أي نعي، أو حتى ذكر لوفاتها، في بلادها الأم اليمن!"
#نشوان .. لا تفجعك خساسة الحنشان
أغنية " #نشوان" التي كتب كلماتها الشاعر الدكتور سلطان الصريمي، مُنعت في شمال اليمن، ورفضها الرئيس سالمين وعبد الفتاح إسماعيل في الجنوب عام 1977م، بسبب بعض الكلمات التي تضمنتها، وقد تناولت الأغنية قضايا الأرض وهموم الإنسان اليمني في المناطق الشمالية، أو ما كان يعرف بالجمهورية العربية اليمنية، ومجدت، في المقابل، التحولات الاقتصادية في الجنوب "جمهورية اليمن الديمقراطية".
ونشوان في هذه الأغنية هو إشارة إلى الشاعر والثائر #نشوان بن سعيد الحميري، وقد استمر حظر الأغنية عامين كاملين بعد تسجيلها (1977-1979م)، قبل أن تسمح أمزجة السياسيين ورجالات الدولة ببثها.
حين تمرَّد الفن على الهوية والسياسة والمجتمع
#بلال_الجرادي
كاتب30 يونيو 2026
مُنعت بعض الأغاني في اليمن لأسباب مختلفة؛ سياسية، ودينية، واجتماعية، ومنها ما يتعلق بكلمات الأغنية ومحتواها، وما قد تراه السلطات تدخلاً في السياسة، أو جرأةً خادشةً للحياء، وأسباب أخرى تعود إلى الفنان نفسه، كنسبه وقبيلته وانتمائه، إذ يُنظر إلى الغناء بأنه عيب، فيتعرض الفنان لمضايقات تصل إلى المنع، وأحيانًا النفي، أو يضطر إلى السفر ومغادرة البلد.
قبل القنوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي، كان ممكنًا للسلطات منع أي أغنية لا تروق لها، لكن بات من الصعب اليوم قمع الفنانين أو منعهم بالطرق القديمة، فبمقدور أي فنان نشر أغنيته وبثها والترويج لها بالطريقة التي يراها مناسبة، دون التقيد بضوابط السلطات أو تسلط رجال الدين والقبيلة عليه.
وحين كانت أشرطة الكاسيت والإذاعات المحلية هما الطريقتين الوحيدتين لنشر الأغاني وبثها، كانت الحكومات تشدد الرقابة، ولا تسمح بخروج إلا ما يتوافق مع سياستها، ويتسق مع عادات المجتمع، دون تمرد.
في هذه المادة نستعرض نماذج لفنانين من اليمن، قديمًا وحديثًا، عوملوا بعنصرية بسبب عملهم، وحوربوا، وتعرضوا للنفي والملاحقة، ومُنعت بعض أغانيهم في فترة ما لأسباب مختلفة، اجتماعية وسياسية.
#أبو_نصار وأسرة حميد الدين
محمد أبو نصار، واسمه الكامل محمد بن حسين بن حميد الدين، هو أحد أمراء وأبناء أسرة حميد الدين، التي حكمت اليمن قبل عام 1962م. عُرف بكنيته أكثر من اسمه، فبعد ثورة 26 سبتمبر التي أطاحت بالحكم الإمامي، تخلى كثيرون عن أسمائهم المرتبطة بأسرة حميد الدين. ولأبي نصار شقيق هو الشاعر يحيى بن حسين بن حميد الدين، وهو من أكثر الشعراء الذين غنى لهم أبو نصار.
اعتُقل أبو نصار من قبل النظام الجمهوري بعد الثورة، قبل أن يُطلق سراحه، فغادر صنعاء والتحق بأسرته التي تشتت بين محافظات صعدة ومأرب والجوف، ومن هناك انتقل إلى السعودية.
بدأ أبو نصار، المولود سنة 1941م، رحلته مع الفن مطلع الخمسينيات بشكل سري، خوفًا من أسرته التي لم ترحب في البداية بفكرة أن يمارس أحد أبنائها الغناء، لكن بروزه الفني وجمال صوته جعلا بعض أمراء الأسرة المتوكلية الحاكمة يدعمونه، ليبدأ تسجيل بعض الأغاني في الإذاعة الملكية، ويذيع صيته.
في السعودية، واصل أبو نصار الغناء، وكانت أغانيه تصل إلى جمهوره في اليمن، وفي #السبعينيات أصدر مجموعة غنائية ذات طابع سياسي هاجم فيها نظام صنعاء ووصفه بالفاسد؛ ما دفع السلطات اليمنية إلى منع تداول أغانيه في اليمن، ومنعه رسميًا من العودة إلى البلد.
ورغم المنع، استمر أبو نصار في الغناء لسنوات طويلة من منفاه في السعودية، حتى بداية التسعينيات، إذ استطاع، وعبر وسطاء، أن يحصل على وعد من الرئيس علي عبد الله صالح بعدم التعرض له أو محاكمته إذا عاد إلى اليمن، مقابل التزامه بعدم إنتاج أي أغانٍ جديدة ذات طابع سياسي. وفعلاً عاد، بموجب هذا الاتفاق، إلى اليمن بعد سنوات من الغياب.
وفي عام 1994م أصيب الفنان أبو نصار بجلطة دماغية في #صنعاء تسببت له بشلل، فاضطر أبناؤه إلى نقله إلى السعودية للعلاج، وهناك مكث حتى وفاته في ديسمبر 2002م.
أغاني عفراء هزاع
في الثمانينيات مُنعت أغانٍ لعفراء هزاع في اليمن. وهي فنانة يهودية من أصول يمنية، وُلدت عام 1957م، وتوفيت في 23 فبراير 2000م عن عمر ناهز 43 عامًا. ذاع صيتها في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة، خاصة بعد أن سجلت أغانٍ يهودية يمنية تقليدية بتوزيع جديد، متأثرة بموسيقى البوب، لكن أغانيها في اليمن كانت محظورة، لاعتبارات تتعلق بهوية الفنانة وانتمائها.
يقول الباحث في التراث الموسيقي رفيق العكوري: "لقد نجحت عفراء في نشر الأغاني اليمنية، وكانت دائمًا تردد أنها يمنية وتفتخر بالتراث الغنائي اليمني. قامت إذاعات وقنوات كثيرة ببث أغانيها لفترة طويلة، وحينما توفيت، لم نسمع أي نعي، أو حتى ذكر لوفاتها، في بلادها الأم اليمن!"
#نشوان .. لا تفجعك خساسة الحنشان
أغنية " #نشوان" التي كتب كلماتها الشاعر الدكتور سلطان الصريمي، مُنعت في شمال اليمن، ورفضها الرئيس سالمين وعبد الفتاح إسماعيل في الجنوب عام 1977م، بسبب بعض الكلمات التي تضمنتها، وقد تناولت الأغنية قضايا الأرض وهموم الإنسان اليمني في المناطق الشمالية، أو ما كان يعرف بالجمهورية العربية اليمنية، ومجدت، في المقابل، التحولات الاقتصادية في الجنوب "جمهورية اليمن الديمقراطية".
ونشوان في هذه الأغنية هو إشارة إلى الشاعر والثائر #نشوان بن سعيد الحميري، وقد استمر حظر الأغنية عامين كاملين بعد تسجيلها (1977-1979م)، قبل أن تسمح أمزجة السياسيين ورجالات الدولة ببثها.