اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
#حضرموت

حضرموت.. الهجرة ذات العكس

د. عبدالله بن سعيد #الجعيدي

     اتسعت حركة الهجرة الحضرمية في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين؛ وذلك لغياب الدولة ذات الشوكة القوية، وشيوع الفوضى القبلية، ولموقعها الجغرافي في مناطق ظل المطر، وهناك عوامل أخرى مساعدة، وقد شكلت هذه الهجرة أهم مرتكزات الاقتصاد الوطني، لهذا صدّرت حضرموت أغلى ما عندها، وهم شبابها الذين وصلوا إلى أدغال أفريقيا وأقصى شرقي آسيا، وبما يشبه الدورة الكاملة جرت (هجرة عكسية) في شكل حركة للمال من مواطن الهجرة إلى وطن المهاجرين، وهي في جوهرها ارتداد لعرقهم ودمائهم وكدحهم، وبهذا أوجدت الهجرة ثنائية تلازمية شبه مستمرة، مضت مع الزمان في غير صالح بلادهم، وهي: (الشباب مقابل الغذاء)، فتحوَّلتْ حضرموت مع مرور الزمن إلى الوطن العبء؛ إذ عاش قسم من أهلها ليأكلوا، لا يأكلوا من أجل أن يعيشوا  وينهضوا، وهذه الحركة العكسية سنشير إليها في هذا المقال، وسنتجنَّب الحديث عن ظاهرة الهجرة؛ بوصفها دراما إنسانية، أو قصة نجاحات وإخفاقات.
  وحتى نكون أكثر دقة في تتبع (الهجرة العكسية) نجد من الأهمية بمكان تقسيم حضرموت على مفهومَيْنِ اقتصاديَيْنِ كبيريْنِ، هما: (حضرموت الفقيرة)، و(حضرموت الغنيَّة)، أو بصيغة أخرى حضرموت ما قبل اكتشاف النفط، وحضرموت ما بعد تدفق النفط من باطن أرضها، وهي مرحلة من حيث الانتقال مرت بها بلدان الجزيرة العربية، لكنْ شتَّانَ بين تحوُّلات حضرموت التنموية وتحولات حضرموت الغنيَّة (نظريًّا) الفقيرة قبل ظهور النفط، المتسوِّلة بعده.
     في مرحلة حضرموت الفقيرة، ومع ازدياد حركة الملاحة البحرية تسارعت حركة المال المهجري، الذي يصلها في صورة حوالات للدعم الأسري، أو أموال وقفيَّة (صدقات لمساجد، وآبار، وسقايات)، أو مشاريع سياسية، أو مشاريع تنموية، وهذه الحركة المالية لا تزال تفعل فعلها في المجتمع الحضرمي.  
    وأسهم المال المهجري المخصَّص للدعم الأسري في إطعام قسم كبير ممن بَقَـوْا في الوطن – خاصة في القرى والأرياف -، ورغم أهمية المال المهجري في حياة السكان، فإنه خلق جيلًا خاملًا واتكاليًا، لا يقدِّس العمل؛ بوصفه قيمة مجتمعية حيوية، لهذا أُهْمِلَتِ الزراعة، واعتمد الناس في حد بعيد على ما تحمله السفن القادمة من وراء البحار من طعام وأموال، وبعد أن تضع السفن أثقالها تعود دورتها الأولى.
     والنوع الآخر من هجرة الحضارمة هي العكسية، وصلها  في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ بغرض تغيير الخريطة السياسية لصالح طامحين، نافسوا على الحكم. ونقطة الانطلاق لهذه الحركة كانت من منطقة حيدر أباد بالهند؛ إذ تمكَّن بعض المهاجرين من تجميع ثروات هائلة، شجَّعتْهم على المغامرة؛ ليكوّنوا لأنفسهم كيانات سياسية، فآلُ كثيرٍ سَعَوْا بقيادة السلطان غالب بن محسن الكثيري، وبمساندة (سادة) حضرموت؛ لإعادة مجدهم التاريخي القديم ، والجمعدار عمر بن عوض القعيطي تطلَّع  لتأسيس سلطنة في حضرموت، ولو على حساب الكيانات اليافعية القائمة، وحاول الجمعدار عبدالله بن علي العولقي أنْ يُدلي بدلوه وسط المتنافسين الجُدُد، وبعد الحرب العالمية الأولى حاول الثَّرِيُّ عمر عبيد بن عبدات الكثيري انطلاقًا من جزيرة بتافيا (جاكرتا) تأسيس سلطنة، قاعدتها مدينة الغُرْفَة، فشهدتْ حضرموت موجةً من الصراع الدَّمويِّ، المُغَذَّى بالمال المهجري، وبعيدًا عن مآسي الحروب فإنَّ لهذه الهجرة العكسية مكاسب سياسية؛ فقد نتج منها اختفاء الكيانات القبلية الصغيرة، وظهور سلطنتين، هما: الكثيرية، والقعيطية.
     وبموجب معاهدة عدن 1918م بين سلطنتي حضرموت برعاية السلطات الاستعمارية في عدن دخلت السلطنة الكثيرية ضمنًا في نظام الحماية البريطانية، وكان القعيطيون قد سبقوهم إلى ذلك في عام 1888م، وبموجب نظام الحماية صار البريطانيون المرجعية العليا لهما، وتحول الحضارمة إلى رعايا بريطانيين حيثما حطوا رحالهم في مناطق نفوذ الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس كما يقولون.
     في مرحلة (الصداقة الحضرمية البريطانية) تيسَّرت السبل للهجرة العكسية لغرض التنمية، ففيها تمكَّنَ الأثرياءُ الحضارمة من إدخال أموالهم إلى بلادهم بأمان، وبنَوا القصور الفارهة، التي سبقت في فخامتها العمارة في بلدان جزيرة العرب قبل ظهور عصر النفط فيها، وحظيت مدينتا سيئون وتريم ببروز أهم الأسر الحضرمية الثرية، ولاسيما آل الكاف، الذين كان لهم دور كبير في دعم التعليم، وتعبيد الطرقات، ومساعدة الفقراء، وفي إحلال السلام العام في حضرموت، وغيرها، وعلينا هنا أن نذكر بإجلال دور السيد أبي بكر بن شيخ الكاف، الذي كان عَلَامةً بارزة في الإسهام المجتمعي التنموي في حضرموت في النصف الأول من القرن العشرين، ومهما كانت محدودية الإسهامات الأسرية، وعفوية تنظيمها، وتشتُّت مساراتها ، فإنَّها استقرت لخدمة الصالح العام.
#محمد_محفوظ_بن_سميدع

بمناسبة #يوم_عاشوراء الذكرى الثالثة والخمسون لاستشهاد
#القائد #صالح_بن_يسلم_سميدع.

كتب أ.د عبدالله سعيد بن جسار #الجعيدي مقدمة كتابي الموسوم ب (( #سيرة_قائد))
------------------------
في منعطفات التاريخ الحاسمة، وعلى صفحاته البارزة تظهر شخصيات استثنائية حفرت أسماءها في ذاكرة الزمن بمواقفها الثابتة، وأدوارها الفاعلة في مجريات عصرها، من هؤلاء اللواء صالح يسلم بن سميدع الذي يتناول هذا الكتاب جانبًا من سيرته من وجهة نظر متعاطفة إذ إن المؤلف هو حفيد صاحب السيرة ، وهذه القرابة الأسرية تضع القارئ من الوهلة الأولى أمام شبهة الانحياز التي غالبًا ما تفسد للتاريخ قضية، وحقيقة الأمر إن المؤلف حرص على أن يخرج كتابه بوصفه وثيقة للتاريخ أي لكتابة التاريخ وهي (حرفة) المؤرخين، متجنبا بذلك الشكوك التي تلاحق من يكتبون عن ذويهم، وعلى العكس من ذلك قدّم لهم مادة تاريخية مصدرية غنية تمثلت في الوثائق، والصور التي ضمنها في الملاحق، وشهادات معاصرة، إضافة الى ذلك رواية العائلة التي وثقت اللحظات الأخيرة الأليمة لصاحب السيرة.
تبدا قصة الكتاب من لحظة الولادة في هضبة حضرموت حيث الأرض الصلبة الواسعة، والجبال الشامخة ، وتنتهي بمشهد إعدامه المأساوي في مدينة المكلا بساحل حضرموت حيث مجده الحقيقي، وبين البدايات، والنهايات عاش رحلة طويلة ذاق فيها مرارة اليتم ، ومعاناة البعد عن الأهل والوطن، وقد امتدت جولته المهجرية من السودان غربًا الى جاوا والهند شرقًا، في هذه المهاجر المترامية الأطراف - التي لا يشد الرحال إليها إلا المغامرين المدفوعين بالطموح، وروح التحدي والسعي للنجاح -تشكلت شخصيته، وبرزت مواهبه وقدراته ، لهذا فإن ابن سميدع لم يكن نبتة صنعتها الصدفة بل اجتمعت عوامل متعددة هيّأته ليكون من أبرز رجالات حضرموت في عهد السلطنة القعيطية .
إن الثلث الثاني من القرن العشرين هو عصر القائد بن سميدع الذهبي فقد كان أحد أضلاع مثلث الحكم في السلطنة القعيطية إلى جانب السلطان القعيطي والمستشار البريطاني، وقد اجتهد بن سميدع للحفاظ على الدولة في حضرموت إلى أيامه الأخيرة وكان يرى ان الحماية البريطانية ضرورية لحضرموت التي لا تستطيع بقواتها المحدودة، وامكانياتها المتواضعة وقتئذ حماية حدودها المترامية الاطراف من التهديدات الخارجية، وهو ما ذكره في مقابلته مع صحيفة النداء (نصها في الفصل الرابع)، وبموت السلطان صالح بن غالب القعيطي عام 1956م اهتز مثلث الحكم في السلطنة القعيطية لكنه صمد بالبناء المؤسسي للدولة، وبالحماية البريطانية وهيبة امبراطوريتها.
وقد ارتبط اسم اللواء بن سميدع ببدايات تكوين المؤسسات الوطنية العسكرية الحديثة في حضرموت، وبحادثة القصر الشهيرة في مدينة المكلا ديسمبر1950م التي صار- بأثر رجعي – شهيدها الثامن عشر كما أشار إلى ذلك الدكتور محمد سعيد القدال في قراءته لهذه الحادثة المذكورة بنصها في الفصل الثاني، ومن هذا المنطلق ركزت فكرة الكتاب على دوره العسكري ومكانته الرسمية واسهاماته المجتمعية في محاولة لتأكيد براءته من دماء ضحايا تلك الحادثة المشؤومة، وهو ملمح فطن له المحامي عادل سالم باقحوم في مقاله المتضمن في الفصل الرابع
ولا ريب ان المؤرخين سيتوقفون عند ديناميكية شخصية ابن سميدع خصوصًا ان الرواية الرسمية خلال حكم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية صنّفته بحدة في قائمة العملاء، وركائز الاستعمار وحمّلته ( جريمة) حادثة القصر التي أعدم بسببها لاحقًا، - كما المحنا - وقريب من هذا المنوال وأحيانًا بالتوازي معه تكررت تلك السردية في أدبيات تلك المرحلة، وحتى الأدبيات التي لم تضعه في دائرة المسؤولية المباشرة فإنها صنّفته من ضمن رموز الحكم الإنجلو سلاطيني، وفي الجهة المناهضة لإرادة الجماهير التي طالبت بالشراكة في السلطة ( العميلة للاستعمار) لتعيين ( وزير) فيها من أبناء حضرموت بدلًا من الأجانب.
وامتدت هذه الرواية الثورية إلى الجيل اللاحق لمرحلة (مجد بن سميدع) بشكل مباشر، وغير مباشر، وأجبر تلاميذ المدارس في الطابور المدرسي لترديد الشعارات التي تمجد عهدهم الجديد، وعلى هذا التوجه تعمّد الحكام الثوار وضع حاجزًا معرفيًا مبالغًا فيه للمرحلة السابقة لحكمهم، وتشويه جوانبها الإيجابية مما خلق جيلًا مفصولًا عن تاريخه القريب، يفتقد ذاكرة متينة تجنبه تقلبات المراحل، واهتزازاتها، وانحداراتها. وبعد إعلان الجمهورية اليمنية عام 1990م اتيحت مساحة كبيرة لإعادة كتابة التاريخ ومراجعة سردياته، الأمر الذي شجع في ظهور مؤلفات كان محظور دخولها البلاد، وفي إصدار كتب جديدة منها هذا الكتاب الذي وإن عبّر عن الرواية الأسرية فإنه يسلط الضوء على بعض الوقائع المغيبة، ويحفز لإعادة النظر في دراسة القضايا التاريخية الشائكة.