#محمد_محفوظ_بن_سميدع
بمناسبة #يوم_عاشوراء الذكرى الثالثة والخمسون لاستشهاد
#القائد #صالح_بن_يسلم_سميدع.
كتب أ.د عبدالله سعيد بن جسار #الجعيدي مقدمة كتابي الموسوم ب (( #سيرة_قائد))
------------------------
في منعطفات التاريخ الحاسمة، وعلى صفحاته البارزة تظهر شخصيات استثنائية حفرت أسماءها في ذاكرة الزمن بمواقفها الثابتة، وأدوارها الفاعلة في مجريات عصرها، من هؤلاء اللواء صالح يسلم بن سميدع الذي يتناول هذا الكتاب جانبًا من سيرته من وجهة نظر متعاطفة إذ إن المؤلف هو حفيد صاحب السيرة ، وهذه القرابة الأسرية تضع القارئ من الوهلة الأولى أمام شبهة الانحياز التي غالبًا ما تفسد للتاريخ قضية، وحقيقة الأمر إن المؤلف حرص على أن يخرج كتابه بوصفه وثيقة للتاريخ أي لكتابة التاريخ وهي (حرفة) المؤرخين، متجنبا بذلك الشكوك التي تلاحق من يكتبون عن ذويهم، وعلى العكس من ذلك قدّم لهم مادة تاريخية مصدرية غنية تمثلت في الوثائق، والصور التي ضمنها في الملاحق، وشهادات معاصرة، إضافة الى ذلك رواية العائلة التي وثقت اللحظات الأخيرة الأليمة لصاحب السيرة.
تبدا قصة الكتاب من لحظة الولادة في هضبة حضرموت حيث الأرض الصلبة الواسعة، والجبال الشامخة ، وتنتهي بمشهد إعدامه المأساوي في مدينة المكلا بساحل حضرموت حيث مجده الحقيقي، وبين البدايات، والنهايات عاش رحلة طويلة ذاق فيها مرارة اليتم ، ومعاناة البعد عن الأهل والوطن، وقد امتدت جولته المهجرية من السودان غربًا الى جاوا والهند شرقًا، في هذه المهاجر المترامية الأطراف - التي لا يشد الرحال إليها إلا المغامرين المدفوعين بالطموح، وروح التحدي والسعي للنجاح -تشكلت شخصيته، وبرزت مواهبه وقدراته ، لهذا فإن ابن سميدع لم يكن نبتة صنعتها الصدفة بل اجتمعت عوامل متعددة هيّأته ليكون من أبرز رجالات حضرموت في عهد السلطنة القعيطية .
إن الثلث الثاني من القرن العشرين هو عصر القائد بن سميدع الذهبي فقد كان أحد أضلاع مثلث الحكم في السلطنة القعيطية إلى جانب السلطان القعيطي والمستشار البريطاني، وقد اجتهد بن سميدع للحفاظ على الدولة في حضرموت إلى أيامه الأخيرة وكان يرى ان الحماية البريطانية ضرورية لحضرموت التي لا تستطيع بقواتها المحدودة، وامكانياتها المتواضعة وقتئذ حماية حدودها المترامية الاطراف من التهديدات الخارجية، وهو ما ذكره في مقابلته مع صحيفة النداء (نصها في الفصل الرابع)، وبموت السلطان صالح بن غالب القعيطي عام 1956م اهتز مثلث الحكم في السلطنة القعيطية لكنه صمد بالبناء المؤسسي للدولة، وبالحماية البريطانية وهيبة امبراطوريتها.
وقد ارتبط اسم اللواء بن سميدع ببدايات تكوين المؤسسات الوطنية العسكرية الحديثة في حضرموت، وبحادثة القصر الشهيرة في مدينة المكلا ديسمبر1950م التي صار- بأثر رجعي – شهيدها الثامن عشر كما أشار إلى ذلك الدكتور محمد سعيد القدال في قراءته لهذه الحادثة المذكورة بنصها في الفصل الثاني، ومن هذا المنطلق ركزت فكرة الكتاب على دوره العسكري ومكانته الرسمية واسهاماته المجتمعية في محاولة لتأكيد براءته من دماء ضحايا تلك الحادثة المشؤومة، وهو ملمح فطن له المحامي عادل سالم باقحوم في مقاله المتضمن في الفصل الرابع
ولا ريب ان المؤرخين سيتوقفون عند ديناميكية شخصية ابن سميدع خصوصًا ان الرواية الرسمية خلال حكم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية صنّفته بحدة في قائمة العملاء، وركائز الاستعمار وحمّلته ( جريمة) حادثة القصر التي أعدم بسببها لاحقًا، - كما المحنا - وقريب من هذا المنوال وأحيانًا بالتوازي معه تكررت تلك السردية في أدبيات تلك المرحلة، وحتى الأدبيات التي لم تضعه في دائرة المسؤولية المباشرة فإنها صنّفته من ضمن رموز الحكم الإنجلو سلاطيني، وفي الجهة المناهضة لإرادة الجماهير التي طالبت بالشراكة في السلطة ( العميلة للاستعمار) لتعيين ( وزير) فيها من أبناء حضرموت بدلًا من الأجانب.
وامتدت هذه الرواية الثورية إلى الجيل اللاحق لمرحلة (مجد بن سميدع) بشكل مباشر، وغير مباشر، وأجبر تلاميذ المدارس في الطابور المدرسي لترديد الشعارات التي تمجد عهدهم الجديد، وعلى هذا التوجه تعمّد الحكام الثوار وضع حاجزًا معرفيًا مبالغًا فيه للمرحلة السابقة لحكمهم، وتشويه جوانبها الإيجابية مما خلق جيلًا مفصولًا عن تاريخه القريب، يفتقد ذاكرة متينة تجنبه تقلبات المراحل، واهتزازاتها، وانحداراتها. وبعد إعلان الجمهورية اليمنية عام 1990م اتيحت مساحة كبيرة لإعادة كتابة التاريخ ومراجعة سردياته، الأمر الذي شجع في ظهور مؤلفات كان محظور دخولها البلاد، وفي إصدار كتب جديدة منها هذا الكتاب الذي وإن عبّر عن الرواية الأسرية فإنه يسلط الضوء على بعض الوقائع المغيبة، ويحفز لإعادة النظر في دراسة القضايا التاريخية الشائكة.
بمناسبة #يوم_عاشوراء الذكرى الثالثة والخمسون لاستشهاد
#القائد #صالح_بن_يسلم_سميدع.
كتب أ.د عبدالله سعيد بن جسار #الجعيدي مقدمة كتابي الموسوم ب (( #سيرة_قائد))
------------------------
في منعطفات التاريخ الحاسمة، وعلى صفحاته البارزة تظهر شخصيات استثنائية حفرت أسماءها في ذاكرة الزمن بمواقفها الثابتة، وأدوارها الفاعلة في مجريات عصرها، من هؤلاء اللواء صالح يسلم بن سميدع الذي يتناول هذا الكتاب جانبًا من سيرته من وجهة نظر متعاطفة إذ إن المؤلف هو حفيد صاحب السيرة ، وهذه القرابة الأسرية تضع القارئ من الوهلة الأولى أمام شبهة الانحياز التي غالبًا ما تفسد للتاريخ قضية، وحقيقة الأمر إن المؤلف حرص على أن يخرج كتابه بوصفه وثيقة للتاريخ أي لكتابة التاريخ وهي (حرفة) المؤرخين، متجنبا بذلك الشكوك التي تلاحق من يكتبون عن ذويهم، وعلى العكس من ذلك قدّم لهم مادة تاريخية مصدرية غنية تمثلت في الوثائق، والصور التي ضمنها في الملاحق، وشهادات معاصرة، إضافة الى ذلك رواية العائلة التي وثقت اللحظات الأخيرة الأليمة لصاحب السيرة.
تبدا قصة الكتاب من لحظة الولادة في هضبة حضرموت حيث الأرض الصلبة الواسعة، والجبال الشامخة ، وتنتهي بمشهد إعدامه المأساوي في مدينة المكلا بساحل حضرموت حيث مجده الحقيقي، وبين البدايات، والنهايات عاش رحلة طويلة ذاق فيها مرارة اليتم ، ومعاناة البعد عن الأهل والوطن، وقد امتدت جولته المهجرية من السودان غربًا الى جاوا والهند شرقًا، في هذه المهاجر المترامية الأطراف - التي لا يشد الرحال إليها إلا المغامرين المدفوعين بالطموح، وروح التحدي والسعي للنجاح -تشكلت شخصيته، وبرزت مواهبه وقدراته ، لهذا فإن ابن سميدع لم يكن نبتة صنعتها الصدفة بل اجتمعت عوامل متعددة هيّأته ليكون من أبرز رجالات حضرموت في عهد السلطنة القعيطية .
إن الثلث الثاني من القرن العشرين هو عصر القائد بن سميدع الذهبي فقد كان أحد أضلاع مثلث الحكم في السلطنة القعيطية إلى جانب السلطان القعيطي والمستشار البريطاني، وقد اجتهد بن سميدع للحفاظ على الدولة في حضرموت إلى أيامه الأخيرة وكان يرى ان الحماية البريطانية ضرورية لحضرموت التي لا تستطيع بقواتها المحدودة، وامكانياتها المتواضعة وقتئذ حماية حدودها المترامية الاطراف من التهديدات الخارجية، وهو ما ذكره في مقابلته مع صحيفة النداء (نصها في الفصل الرابع)، وبموت السلطان صالح بن غالب القعيطي عام 1956م اهتز مثلث الحكم في السلطنة القعيطية لكنه صمد بالبناء المؤسسي للدولة، وبالحماية البريطانية وهيبة امبراطوريتها.
وقد ارتبط اسم اللواء بن سميدع ببدايات تكوين المؤسسات الوطنية العسكرية الحديثة في حضرموت، وبحادثة القصر الشهيرة في مدينة المكلا ديسمبر1950م التي صار- بأثر رجعي – شهيدها الثامن عشر كما أشار إلى ذلك الدكتور محمد سعيد القدال في قراءته لهذه الحادثة المذكورة بنصها في الفصل الثاني، ومن هذا المنطلق ركزت فكرة الكتاب على دوره العسكري ومكانته الرسمية واسهاماته المجتمعية في محاولة لتأكيد براءته من دماء ضحايا تلك الحادثة المشؤومة، وهو ملمح فطن له المحامي عادل سالم باقحوم في مقاله المتضمن في الفصل الرابع
ولا ريب ان المؤرخين سيتوقفون عند ديناميكية شخصية ابن سميدع خصوصًا ان الرواية الرسمية خلال حكم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية صنّفته بحدة في قائمة العملاء، وركائز الاستعمار وحمّلته ( جريمة) حادثة القصر التي أعدم بسببها لاحقًا، - كما المحنا - وقريب من هذا المنوال وأحيانًا بالتوازي معه تكررت تلك السردية في أدبيات تلك المرحلة، وحتى الأدبيات التي لم تضعه في دائرة المسؤولية المباشرة فإنها صنّفته من ضمن رموز الحكم الإنجلو سلاطيني، وفي الجهة المناهضة لإرادة الجماهير التي طالبت بالشراكة في السلطة ( العميلة للاستعمار) لتعيين ( وزير) فيها من أبناء حضرموت بدلًا من الأجانب.
وامتدت هذه الرواية الثورية إلى الجيل اللاحق لمرحلة (مجد بن سميدع) بشكل مباشر، وغير مباشر، وأجبر تلاميذ المدارس في الطابور المدرسي لترديد الشعارات التي تمجد عهدهم الجديد، وعلى هذا التوجه تعمّد الحكام الثوار وضع حاجزًا معرفيًا مبالغًا فيه للمرحلة السابقة لحكمهم، وتشويه جوانبها الإيجابية مما خلق جيلًا مفصولًا عن تاريخه القريب، يفتقد ذاكرة متينة تجنبه تقلبات المراحل، واهتزازاتها، وانحداراتها. وبعد إعلان الجمهورية اليمنية عام 1990م اتيحت مساحة كبيرة لإعادة كتابة التاريخ ومراجعة سردياته، الأمر الذي شجع في ظهور مؤلفات كان محظور دخولها البلاد، وفي إصدار كتب جديدة منها هذا الكتاب الذي وإن عبّر عن الرواية الأسرية فإنه يسلط الضوء على بعض الوقائع المغيبة، ويحفز لإعادة النظر في دراسة القضايا التاريخية الشائكة.