اليمن_تاريخ_وثقافة
14.7K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
1⃣
الحدود #الشطرية بين شمال #اليمن وجنوبه ..
الرواية الغائبة


#محمد_القاسم

#الإنجليز و #العثمانيون يضعون بذرة التشطير الأولى والأخطر
 
قبل القرن الماضي لم يكن هناك حدود بين شطري اليمن على الإطلاق أو حتى خلاف في الهوية والانتماء، ما عدا بعض التباينات المذهبية والطائفية التي كانت تظهر وتختفي من وقت لآخر إذ كانت تغذيها القوى الاستعمارية بشكل كبير.
 
إن أكبر وأول خطوة حقيقية لخلق واقع التشطير في اليمن إلى شمال وجنوب إنما تمت بفعل الصراع البريطاني العثماني على النفوذ في المناطق الجنوبية وباب المندب، فبعد المناوشات العسكرية وشراء الولاءات، وخاصة في الضالع ولحج والصبيحة، حدثت خلافات وتجاذبات بين طرفي الاستعمار حول ترسيم الحدود بين مناطق سيطرتهما، وخاصة المناطق المهمة مثل الضالع باعتبارها بوابة الجنوب، وكذلك الحزام الساحلي لباب المندب.
 
وفي مطلع القرن العشرين، وبعد تقاسم القوى الاستعمارية النفوذ في الشرق الأوسط والمغرب العربي، وخصوصاً بين القوتين الرئيستين فرنسا وبريطانيا، أجبرت فرنسا على الاقتصار على المغرب العربي وغرب أفريقيا، والابتعاد عن مصر والجزيرة العربية لصالح بريطانيا، وذلك على وقع إشغال فرنسا بالنزاع الذي نشب مع ألمانيا في 1905.
 
كل ذلك دفع بريطانيا إلى توسيع مطامعها وتعميق هيمنتها، فبعد أن فرضت هيمنتها على مناطق مختلفة في الجنوب اليمني على حساب الوجود العثماني اتفق الجانبان على إنزال لجنة حدودية من الطرفين رسمت الحدود بين شطري اليمن في عام 1905، ولم يتم ذلك إلا من خلال نزول فرق مسح جغرافي مزودة بقوة عسكرية، نظراً لرفض القبائل تقسيم الحدود وتصديها لكل محاولات المسح السابقة، حيث اتفق الطرفان على رسم حدود باب المندب والمناطق البرية التي تشكل خلفية لساحل المخا وذوباب، حيث امتد خط الحدود من ساحل رأس الشيخ مراد بالقرب من باب المندب وصولاً إلى جنوب مدينة التربة في مديرية الشمايتين التابعة لمحافظة تعز، بشرط أن يلتزم العثمانيون عدم التنازل عن أراضي المناطق البرية الواقعة شرق سواحل المخا وذوباب لأي دولة أخرى.
 
من قبل ذلك كان قد تم الاتفاق على حدود إمارة الضالع المحاذية لقعطبة، أما بقية المناطق شرقي الضالع (حدود يافع العليا والعواذل والعوالق) فقد تم رسمها على الخريطة بدون نزول ميداني، نظراً للتكاليف الباهظة التي يستغرقها المسح، بفعل عصيان القبائل اليمنية. وأما بالنسبة للشمال الشرقي باتجاه صحراء شبوة وحضرموت فلم يتم تقسيمها، ولم تكن تلك المناطق حينها قد خضعت لحملات تنقيب عن النفط.
 
موقف الإمام يحيى 
 
قوبل النزاع البريطاني العثماني على ترسيم الحدود برفض قاطع من قبل الإمامة الزيدية لهذا الإجراء، معتبرة المحميات الجنوبية جزءاً لا يتجزأ من اليمن الكبير. وقد حاول الأتراك أن يكون الإمام يحيى جزءاً من الاتفاق الأولي للترسيم أو أن يوافق عليه، وكانوا يغرونه بأن يمنح حكماً ذاتياً للمناطق التي تحت سيطرته، ولكنه رفض رفضا قاطعا واستمر في الجهاد ضد الوجود التركي.
 
وحتى صلح دعان (1911) لم يتضمن إقرار الإمام بتلك الحدود. ومن خبث المستعمرين أنهم يتركون نفساً طائفياً في كل خطوة، حيث جعل العثمانيون من أنفسهم وكلاء لما سموها المناطق الشافعية، وبالتالي كانت الصلاحيات الواسعة التي انتزعها الثوار باستبدال القانون العثماني بالشريعة الإسلامية صلاحية تعيين الولاة والقضاة… الخ، ولكنها تقتصر على مناطق سيطرة الإمام. والحقيقة أن مناطق سيطرة الإمام يحيى مليئة بالشوافع السنة، مثلما أن مناطق السيطرة العثمانية مليئة بالزيود الشيعة، ولكن المستعمر يريد أن يقزم تلك الثورة فيوحي بأنها ثورة طائفية، وفي الوقت نفسه يخادع السكان الشوافع بأنه يمثلهم ويدافع عنهم.
 
على أي حال، تحول اتفاق ترسيم الحدود إلى معاهدة بين الاستعمارين التركي والعثماني في 1915، وبعد انسحاب العثمانيين 1918 وإعلان أول دولة يمنية في التاريخ، حيث كرست الهوية الجهوية التاريخية كهوية وطنية اسمها “اليمن”. وحينها اشتد إصرار الإمام يحيى على توحيد اليمن ورفض كل محاولات الترهيب والترغيب من قبل بريطانيا لكي يعترف بالحدود المرسومة بين طرفي الاستعمار، حيث وجه الإمام يحيى حميد الدين مطالبات رسمية بإعادة عدن ومحمياتها باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من التراب اليمني، وأكد أن البريطانيين اغتصبوها بالقوة كما اغتصبها الأتراك من قبل، وأنه لا يعترف بالمعاهدات التي عقدها البريطانيون مع العثمانيين، ومن ضمنها معاهدة الحدود التي وصفها بأنها تمت بين طرفين مغتصبين لا حق لهما في التصرف بأرض اليمن.

إلا أن البريطانيين اعتبروا شمال اليمن المستقل وريث الدولة العثمانية وملتزماً بكل المعاهدات التي وقعتها الدولة العثمانية معهم، ووصفوا خلافهم مع الإمام بأنه خلاف حول تحديد الحدود، في حين رفض الإمام هذا التوصيف وأصر على استرجاع كامل تراب جنوب اليمن، حتى قرر أن يضم المحميات الجنوبية بالقوة، وخاض حروباً عدة لتحرير جنوب اليمن، وكان
2⃣
الحدود #الشطرية بين شمال #اليمن و جنوبه
الرواية الغائبة
#محمد_القاسم
 
حاول بنو سعود تصفية جيزان من الأدارسة والسيطرة على الحديدة التي كانوا قد زحفوا إليها بغية تسليم الحديدة لبريطانيا لقاء تعاونها معهم في احتلال باقي الأراضي اليمنية في نجران وجيزان وعسير.
 
إن سيطرة الجيش اليمني على نجران ثم استيلاء السعودية على جيزان وتحقيقها خرقا باتجاه الحديدة، وما تلا ذلك من تطورات، قد مهدت الساحة لتوقيع اتفاقية حدودية مع السعودية في العام 1934.
 
انفجار الصراع بين الإمام والإنجليز على حامية شبوة
 
لم يكن اتفاق 1934 بين الإنجليز واليمن إلا مجرد تهدئة وتجميد للتصادم المباشر بين الجيش اليمني وبين المحميات البريطانية في الجنوب اليمني، حيث لجأ الطرفان إلى أسلوب آخر في الصراع، وهو اختراق الحاضنة الشعبية والقبلية، فمثلما عمد الإمام إلى استنهاض القبائل الجنوبية ودعمها بالمال والسلاح لمقاومة الاستعمار وجعل من تعز والبيضاء مأوى للثوار وعائلاتهم، وخاصة من تعرضت قراهم للقصف والتدمير، فإن بريطانيا لم تقف مكتوفة الأيدي، فقد قامت باختراق طبقة من وجهاء ومثقفي اليمن وجعلت من عدن مأوى لهم ودفعتهم لتشكيل ما يسمى “حزب الأحرار اليمنيين” بهدف الضغط على الإمام يحيى لتغيير سياسته العدائية الصلبة تجاه الوجود البريطاني في جنوب اليمن، وقد أثمرت هذه المساعي البريطاني تمكين هذا التنظيم من اغتيال الإمام يحيى في 1948.
 
ولكي تتضح الصورة أكثر عن تلك الحقبة سنتناول بإيجاز بعض تفاصيل تلك الأحداث.
 
بداية نتطرق إلى شبوة، التي لم ترسم حدودها نهائياً، وتسبب ذلك في تفجير أزمة بين اليمن وبريطانيا، فقد كانت المناطق الواقعة في قبيلة الكرب في شبوة على الحدود مع مأرب وحضرموت متروكة وخارج سيطرة صنعاء. وحين بعث أبناء القبائل تلك رسائل الولاء والطاعة إلى الإمام، أرسل إليهم الإمام مجموعة بقيادة شيخ مراد (القردعي) في سنة 1937 لتقيم حامية في مدينة شبوة باسم حكومة اليمن، فأرسلت بريطانيا تسع طائرات قامت بتحليق استعراضي فوق شبوة والعبر وبيحان لتخويف القردعي وقواته وقبائل المنطقة، وعينت الكابتن “هملتن” الذي انتقل إلى الإدارة السياسية البريطانية في عدن ليرتب عملية استعادة شبوة من القردعي، فتواصل مع شريف بيحان وبلحارث والعاقل الهمامي واصطحب معه قوة من حرس الحكومة بقيادة الرايس علي جازع العولقي، فتحرك مرتزقة من همام وكانوا حوالي مائة رجل بقيادة العاقل صالح بن حسين الهمامي، كما أرسل هملتن رسالة إلى آل مهدي وعلى وجه التحديد طالب بن علي بن أحمد، وطالب بن علي بن حسين، وحسن بن علي بن مقلم، مع مجموعة من أصحابهم، يطلب حضورهم إلى شبوة لمواجهة القردعي وقواته، فذهبوا ومعهم الشيخ عيدروس بن أحمد بن طالب الذي تزمل قائلاً:
 
إحنا توكلنا على الباري
 
ذي كل شي مكتوب بالخيرة
 
يا حد بن غالب ويا عرما
 
جا لش هملتن من جبل صيرة!
 
من جهة أخرى كانت علاقة السلطان عوض بن صالح العولقي مع بريطانيا سيئة للغاية حينذاك، فرفض إرسال أي قوات عولقية للمشاركة مع هملتن في دحر العولقي. كما أن عامل الإمام في البيضاء، السيد محمد عبدالله الشامي، قام باتصالات سرية، بواسطة السيد ناصر بن محسن “عاقل مرخة”، مع السلطان عوض بن صالح لكي يتنازل عن أية حقوق تاريخية للعوالق في شبوة، لكنه رفض ذلك أيضاً، فكلاهما (الإنجليز والإمام) يبحث عن الغطاء القانوني لأي تدخل أو تصعيد، فالإنجليز يبحثون عن شيخ أو سلطان ليدعي ملكيته لتلك الأرض ليعقد معه الإنجليز معاهدات الحماية يتدخلون تحت مظلتها. وفي المقابل فإن الإمام يعمل حساباً للبعدين السياسي والقانوني في حال تراجع الخيار العسكري والثوري، فكان يبذل جهده لإفقاد الإنجليز ورقة المناطقية والخلافات الحدودية بين القبائل التي يسخرونها في استغلالهم وتجييشهم ضد القيادة اليمنية.
 
عموما عندما توجهت قوات الإنجليز ومرتزقتهم باتجاه حامية شبوة حسمت الموضوع سريعاً دون قتال، لأن القردعي تعمد الذهاب بقوة صغيرة لم تكن نداً للإنجليز، بزعم أن الإمام أرسله بغرض التخلص منه، وبعد القبض عليه أمره الإنجليز بالتراجع. ولا يوجد تفسير لما حصل إلا أن القردعي قد داهن الإنجليز بشكل سري، بدليل أنه بعدها أصبح مرتبطا بتنظيم الأحرار الذي تأسس في عدن تحت رعاية الإنجليز الذين استخدموا التنظيم في الضغط على الإمام يحيى وصولاً إلى اغتياله في عام 1948.
 
وبرغم ما آلت إليه الأمور في شبوة فإن القيادة اليمنية في صنعاء لم تسلم بالأمر الواقع، وأصرت على تبعية تلك المناطق للدولة اليمنية، فشعرت بريطانيا أن شبوة الغنية بمعادنها وبترولها قد تفلت من يدها فلجأت كالعادة إلى حيلة خبيثة، وهي استخدام ورقة محلية يمنية ضد الإمام، فتذرعت بأن هذه المنطقة تدخل ضمن الأراضي الحضرمية التابعة للسلطان الكثيري، مع أن السلطان الكثيري في ذلك الوقت كان السلطان الوحيد الذي لم يكن قد دخل في معاهدة مباشرة مع بريطانيا لحمايته، ولم يكن في مخيلته التصادم مع الدولة
3⃣
الحدود #الشطرية بين شمال #اليمن وجنوبه
الرواية الغائبة
#محمد_القاسم
 
ومن الشواهد أيضاً التي تعكس التورط المباشر للجانب البريطاني أنه سبق عملية اغتيال الإمام يحيى محاولة فاشلة قبل شهر من اغتياله، ولم تعلم بريطانيا أن العملية فشلت وأذيع من عدن بيان الثورة وأرسل الحاكم البريطاني لعدن تعازيه الشخصية إلى سيف الإسلام إبراهيم بن يحيى حميد الدين، كما تبنت العملية الجمعية اليمنية الكبرى (الاسم الجديد لحزب الأحرار)، معلنة أن عبدالله بن الوزير بويع بالإمامة خلفا للإمام. وحدثت هذه الفضيحة لأن الرجل الذي اختارته “الجمعية اليمنية الكبرى” ليشق طريقه داخل قصر الإمام ليقوم باغتياله قد نجح في دخول القصر، إلا أنه قبض عليه بواسطة حارس مخلص من حرس القصر اسمه عامر عنبر، قبل أن يصل إلى غرفة الإمام، ولكن الرجل هرب من القصر عبر السور مروراً بحي بير الغرب، فظن زملاؤه الذين رأوه يهرب أنه نجح وبالتالي ظن الإنجليز وتنظيم الأحرار أن العملية قد نجحت.
 
ولا ننسى أن نعرج على الدور المحوري لتنظيم الإخوان المسلمين في انقلاب 1948 (ثورة الدستور)، إذ إن تنظيم الأحرار في عدن هو الذي تبنى العملية والذي على رأسه رموز محسوبة على الإخوان (مثل أحمد محمد النعمان والقاضي عبدالرحمن الإرياني والقاضي محمد محمود الزبيري)، وقد كان المنظم والمنظر لتلك الثورة هو الفضيل الورتلاني (من الجزائر) أحد أعلام جماعة الإخوان المسلمين، وكان مرتبطاً بأدق تفاصيل عملية اغتيال الإمام يحيى، حيث أعد علي السنيدار ومحمد الكبوس سيارة من سيارات شركة الفضيل الورتلاني التي أنشأها في اليمن، عليها خمسة أشخاص مسلحين وكان يقودها أحمد ريحان، لتعترض موكب الإمام يحيى وتجهز عليه عند قرية حزيز جنوب العاصمة، وبعد الانقلاب ووصول عبدالله الوزير ورموز حركة الأحرار من عدن (وهم من الإخوان) إلى صنعاء تم تعيين الفضيل الورتلانى (مهندس الثورة) أول مستشار عام للدولة، وأصبح مؤسس الإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا والفريق عزيز المصري من المستشارين العموميين للحكومة، وأعلنت إذاعة صنعاء أن الإمام الجديد تفضل وعين أحد المصريين (مصطفى الشكعة) مديرا للإذاعة اليمنية وباقي زملائه مذيعين، وهم من الإخوان، لتعمل الإذاعة أربع ساعات يومياً.
 
وقد فشل الانقلاب في النهاية بعد أن استطاع الأمير أحمد، نجل الإمام يحيى، الوصول إلى حجة قادماً من تعز، وقام بتحشيد القبائل من حاشد وبكيل واقتحم صنعاء وقضى على الانقلاب وأعدم معظم قادته، وهناك الكثير من التفاصيل لا يتسع المقام لذكرها هنا، حتى لا نخرج عن موضوعنا الأساسي المتعلق باستمرار المساعي البريطانية لتقسيم اليمن، الذي أسست له وزرعت جذوره منذ العقد الأول للقرن العشرين، وعلاقة الأحداث والتطورات المتلاحقة بمشروع التقسيم هذا.
 
بريطانيا تشترط تخطيط الحدود قبل أية مفاوضات
 
بعد وصول الإمام أحمد إلى دفة الحكم خلفاً لوالده التزم هو أيضاً باتفاقية 1934 لتجميد الصراع الحدودي، وبالتالي استمرار تجميد التصادم المباشر بين القوات اليمنية وبين المحميات البريطانية في الجنوب اليمني. وقد عمد في بادئ الأمر إلى استخدام المسار الدبلوماسي مع الإنجليز، فأرسل إليهم وفداً للتفاوض والتعاون، وحين شعر المستعمر بهذه المرونة من الإمام أظهر التصلب في موقفه بأن امتنعت بريطانيا عن الدخول في أية مفاوضات ما لم يتم تخطيط أو ترسيم الحدود بين اليمن الحرة وبين ما تسميه بريطانيا “المحميات”، واقترحت أولاً تشكيل هيئة من الجانبين لتخطيط الحدود بموجب المعاهدة التركية البريطانية المعقودة في لندن سنة 1914. ورد الوفد اليمني بأن التخطيط أمر لن يكون، وأن المعاهدة التركية -إن صح وقوعها- فإن الأتراك ليس لهم الحق في التصرف بشيء كانوا يعتبرون فيه غاصبين، وبهذا فشلت المفاوضات وأرجئت إلى أغسطس 1950.
 
في أغسطس عاد الوفد اليمني مجدداً إلى لندن. وفي أول اجتماع قدم الوفد مذكرة تتضمن على 10 مواد تمثل رغبة الإمام في تحسين العلاقات مع بريطانيا والتعاون معها اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، بشرط شمول السيادة اليمنية على جميع المناطق التي وضعتها بريطانيا تحت نفوذها.
 
ولكن الجانب البريطاني أصر على تشبثه بالاتفاقية التركية، وكرر طلبه ضرورة تخطيط الحدود، وكادت أن تفشل المفاوضات. وللخروج بماء وجه لها قام الطرفان بتجديد معاهدة سنة 1934 (بقاء الأمور على ما هي عليه) مع بعض التفاهمات الشكلية حول التعاون الاقتصادي وتبادل التمثيل السياسي… إلخ.
 
موجة جديدة من الانتفاضات في الجنوب
 
لما رأت بريطانيا أنها فشلت في إقناع وفد اليمن بتخطيط الحدود، سلكت طرقاً أخرى لتحقيق مآربها، مثل تكثيف الدعم للمعارضة التي تحتضنها في عدن وتمكينها في مايو 1951 من تشكيل تنظيم جديد في عدن تحت اسم “الاتحاد اليمني”، وكذلك إثارة القلاقل والتحرشات على طول المناطق الشرقية اليمنية، محاولة بذلك أن تضغط على اليمن للدخول في مفاوضات حول هذا الشأن… واستمرت في خطتها هذه إلى سنة 1954، السنة
4⃣
الحدود #الشطرية بين شمال #اليمن و جنوبه
الرواية الغائبة
#محمد_القاسم
 
الإمام أحمد واليمن الكبير
 
لقد كان من أهداف الإمام أحمد غير المعلنة هو التخطيط لإقامة دولة اليمن الكبير، التي تشمل جنوب اليمن وشماله مع جيزان ونجران وعسير، وكذلك مسقط وعمان مع إمارات ساحل عمان المتصالح (دولة الإمارات حاليا). وهناك ما يؤكد هذا التوجه لدى الإمام أحمد، فقد كتب الأستاذ “ستوكي” في تعليق له: “خلال شتاء 1959، فاجأت مفوضية المملكة المتوكلية اليمنية في واشنطن موظفي وزارة الخارجية المهتمين بالشؤون العربية، بإرسالها لهم بطاقة تهنئة فاخرة وغير عادية بها خريطة كبيرة للجزيرة العربية تمثلت فيها العاصمة اليمنية صنعاء بجوهرة صغيرة تحيطها منطقة مظللة تحدد المدى الذي تشمله أقاليم المملكة المفترضة. وقد شملت هذه المنطقة بالإضافة إلى اليمن -كما توضحها الخرائط المعروفة في ذلك الوقت- عدن وكل محمية عدن وظفار ومسقط وعمان وشاطئ الإمارات المتصالحة وجزءاً كبيراً من الربع الخالي ونجران وعسير”.
 
وبالتالي، لا نستغرب عندما نلحظ أن الحركة الوطنية في الجنوب، المدعومة من الإمام أحمد، قد تبنت هذا التوجه، فحزب الرابطة احتوى برنامجه على هذه الخريطة تحت مسمى “الجنوب العربي”، ومن بعده برنامج الجبهة الوطنية المتحدة تحت مسمى “اليمن الكبرى”، وهما المكونان اللذان لقيا دعما مباشرا لأنشطتهما من قبل نظام الإمام أحمد، وتحديدا عندما كانا يتبنيان شعار الوحدة.
 
مع أن الرابطة أثيرت حولها الكثير من الشبهات، إذ تدعي أنها مع وحدة اليمن والمحميات إضافة إلى عمان ومسقط تحت مسمى الجنوب العربي، في حين كان لديها حساسية غريبة من الهوية اليمنية برمتها، وحتى الوحدة التي تدعيها كانت تريد قبلها نيل الاستقلال أولا ثم التفكير في الوحدة ووفق شروط… إلخ.
 
لقد كان الجناح اليساري داخل الحركة الوطنية في الجنوب أكثر تمسكا بالهوية اليمنية، وهذا هو سر التعاطف الكبير الذي حظي به من نظام الإمام أحمد والتسهيلات الكبيرة التي وفرها لنشاطه، ففي عام 1955 عندما نظم المستعمر انتخابات للمجلس التشريعي، قبل حزب الرابطة المشاركة فيها، غير أن الجناح اليساري داخل الحزب رفض أن يشارك فيها، لأن الانتخابات تستثني المواطنين الشماليين الذين يشكلون نسبة كبيرة من سكان عدن. وبفعل مشاركة الرابطة في الانتخابات أصبحت سياستها محكومة بالتصور البريطاني لمستقبل الجنوب بعد الاستقلال.
 
وبعد رفضه للانتخابات قام الجناح اليساري داخل الرابطة بتشكيل كيان جديد، وهو الجبهة الوطنية المتحدة برئاسة عبدالله باذيب، فنالت الجبهة الدعم من النظام الوطني في الشمال، ولعبت دوراً بارزاً في مناهضة سلطات الاستعمار، ومحاربة التيار العدني الانفصالي، وطالبت بوحدة شاملة بين الجنوب والشمال ومسقط وعُمان في إطار جمهورية ديمقراطية مستقلة استقلالاً تاماً، حيث كان طموحهم هو إحياء وخلق اليمن الكبرى، الأمر الذي أدى إلى ملاحقة أعضائها، فتم اعتقال قائدها عبدالله باذيب، ونفي محمد عبده نعمان إلى صنعاء، فيما أسقطت الجبهة كلا من عُمان ومسقط من برنامجها.
 
وفي عام 1959 قام رئيس الجبهة (عبدالله باذيب) بزيارة مفاجئة للإمام أحمد في تعز لمعرفة رد فعله إزاء برنامج الجبهة لتحرير الجنوب وإدماجه نهائيا في اليمن الكبرى، فصدر أمر بنفي رئيس الجبهة إلى الشمال، وبالرغم من أن برنامج الجبهة لم يكن عملياً أو قابلاً للتطبيق المباشر، إلا أنه مثل خطراً حقيقياً في وجه التفكير البريطاني طويل المدى في ذلك الوقت، وكما قال أحد المسؤولين البريطانيين: “إن تفاهمنا مع الوطنيين اليمنيين سيعني تنازلنا عن عدن والجنوب العربي لليمن”.
 
ومنذ وصول عبدالله باذيب إلى تعز مكنه الإمام أحمد من إشعال حرب دعائية ضد السلطات الاستعمارية في اليمن، عبر قناة إذاعية افتتحت لهذا الغرض في الإذاعة المتوكلية، وسميت “ركن الجنوب المحتل”، وكذلك دعمه الإمام لإصدار صحيفة “الطليعة” لتؤدي الدور نفسه أيضاً. كما نشط أيضا في مقابلة وتنظيم الثوار من رجال وقادة القبائل الهاربين إلى تعز، وكذلك التكفل برعاية اللاجئين إلى عدن.
 
رغم أن من المعروف أن الجبهة كان لها نشاط سياسي وإعلامي وفكري، إلا أنه أثناء موجة الانفجارات في مستعمرة عدن عام 1958 تبين أن أحد أقارب عبدالله باذيب قد شارك مباشرة في تهريب المتفجرات إلى عدن، وقد قتل أحد الضباط البريطانيين بسبب قيام أحد الثوار بإلقاء قنبلة على سريره. وقد استمرت الانفجارات حتى يوليو 1958 عندما أعلنت حالة الطوارئ، حيث إن الرابطة وشيخ يافع السفلى محمد العيدروس قد جعلوا من تعز والقاهرة منطلقاً للتنسيق وإدارة هذه العمليات، وحينها كان حزب الرابطة قد جمد دعواته الانفصالية، وكان ينادي بالوحدة اليمنية استغلالا لدعم الإمام أحمد للنشاط التحرري في الجنوب.