اليمن_تاريخ_وثقافة
15.3K subscribers
153K photos
361 videos
2.29K files
25.6K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
#مدافن الحبوب في #يافع
--------------
#علي_صالح_الخلاقي

المدفن: في اللغة موضع الدَّفن وما يحيط به من بناء، وجمعها مدافن. وقد كان قدامى المصريون يدفنون ملوكهم الفراعنة في الأهرامات الشهيرة. وهناك من يدفن الكنوز من الذهب والفضة والنقود، ونسمع عن قصص وحكايات غريبة عن الكنوز الدفينة في أكثر من مكان في العالم. أما كنوز اليافعيين في مرتفعات (سَرْو حِمْيَر) الجبلية فقد كانت وإلى زمن قريب هي حبوب الذرة بأنواعها المختلفة التي خصصوا لها مدافن فريدة نحتوها في صميم الجبال الصخرية. ومثل هذه المدافن شائعة ومنتشرة في معظم القرى اليافعية، كما في الكثير من مناطق اليمن الجبلية، وهي من الآثار والشواهد الأثرية على استقرار الناس القديم في تجمعاتهم السكنية الحضرية.
ومن الصعب معرفة البدايات الأولى لحفر هذه المدافن، لكنها دون شك أثر حضاري من الآثار الحِمْيَرية القديمة، وشاهد على الاستيطان القديم للإنسان في مرتفعات (سرو حِمْيَر) الذي كَيَّف الطبيعة من حوله بمدرجاتها الزراعية وخزانات المياه من (الكرفان والمواجل) ونحت الحجارة والصخور مشيداً منها ناطحات السحاب الحجرية بنمطها المعماري المميز في العالم، وحفر بجوارها مدافن يكنز فيها غلال الذرة، القوت الهام الذي أطعم الأجيال المتعاقبة على مر العصور، فأمن بهذه الطريقة نفسه من نوائب الدهر وموجات الجفاف والكوارث، وأحتاط لنفسه في قراه الحصينة بخزن ما يفيض عن حاجته من الحبوب في أوقات الخير الوفيرة التي تُحفظ في هذه المدافن لسنوات عديدة دون أن تفسد أو تعطب، وقد يجدد خزن الغلال بين فترة وأخرى من خلال إخراج الحبوب المخزونة لسنوات واستبدالها بالمحاصيل الجديدة.
هناك مثل يافعي يقول:" البيت: مَرَهْ وبَقَرَهْ ومَدْفَنْ ذُرَهْ"، ووفقاً لهذا المثل فقد كان البيت السعيد قوامه هذا المثلث المتكامل، المتمثل بالمرأة الصالحة المدبِّرة لشئون الأسرة، والبقرة التي تدر اللبن والسمن، والمدفن الممتلئ بحبوب الذرة، التي كانت المصدر الهام لقوت اليافعيين إلى عقود قليلة مضت، قبل أن تدخل المواد الاستهلاكية المستوردة ويصبح الاعتماد عليها أكثر مما على المحاصيل الزراعية المحلية، التي تراجعت لصالح شجرة القات للأسف الشديد.
ومدافن الحبوب لا يمكن أن تُحفَر إلاَّ في الجبال الصخرية الصلدة التي لا تتشبع بالماء ولا يتسرب إلى داخلها، ولعل أشهر مدافن الحبوب في يافع مدافن (القارة) عاصمة السلطنة العفيفية في ساحتها المعروفة بـ (حبيل الجَرَاشة) وأكبرها مدفن السلطنة الذي يطلق عليه مدفن (الألف) لأنه يتسع لألف مكيال (كيلة) من الحبوب، وكذا المدافن الشهيرة في مدينة(خُلاقة)، في بطن جبل (القفلة) الصخري، وما زال الكثير منها باقياً حتى الآن وإن لم تعد تستخدم لوجود بدائل صناعية.
وبهذه الطريقة التي ابتدعها أجدادنا تمكنوا من أن يدخروا أهم الغلال المتمثلة بحبوب الذرة بأصنافها المتنوعة: العوبلي، الجعيدي، المنزلة، الكَوَري، الغربة وهي التي تُخزن في هذه المدافن لسنوات عديدة. أما أصناف الغلال الأخرى كالدخن والشعير والبر والعلس والشامي (الهند) فلا تصلح للخزن في المدافن ولذلك يتم الاحتفاظ بها في أوعية منزلية خاصة لاستهلاكها أولاً بأول. ويظل المدفن حكرا على حبوب الذرة فقط، وكانت تمثل رأسمال اليافعيين واستخدموها عوضاً عن النقود في التبادل البضائعي، وفي البيع والشراء وفي العمل المأجور، حيث كان العامل الأجير (البتول) يحصل على كمية من حبوب الذرة مقابل أجرة العمل وكذلك الحال مع الحرفيين في المجتمع، كما كان يُعطى لمن يقوم بحفر المدفن (النَّقاش) كمية من الحبوب تساوي قدر حجم ما أنجزه من سعة في المدفن، وهو أجر مُغرٍ يتناسب مع طبيعة هذه المهنة الشاقة وصعوبتها التي تتطلب القوة البدنية والحذاقة والمهارة في النقر بالصخر.
وكانت هذه المدافن تُحفر عادة في محيط القرية أو بجانب البيوت أو حتى داخلها في الدور الأرضي، لجعلها في مأمن من النهـــب ولضمـــان عــــــدم تعــرضــهــــا للسرقة، وكانت معظم الأسر تمتلك مدافنها الخاصة بها، وقد يكون المدفن ملكية مشتركة لأكثر من أسرة، وكانوا عندما يخزنون الحبوب يدونون كمية كل شخص في حساب خاص أو يحفظون ذلك شفهياً، وكان يلجأ من لا يملكون مدافن خاصة بهم إلى إيداع حبوبهم لدى أصحاب هذه المدافن حسبما تسمح به سعة مدافنهم. وتؤل ملكية المدافن إلى الورثة الشرعيين من الأخوة أو الأبناء، وإذا كان المدفن كبيراً يتم تقسيمه بينهم، وتُسمى حصة كل منهم "كَيد" ويفصل بينها بجدار من الحجارة، وقد يقسم المدفن إلى "أكياد" حسب نوعية وصنف المخزون من حبوب الذرة، فهناك "كَيْد" للجعيدي، وآخر للغربة..الخ. كما كانت المدافن تُرهن أو تباع بكاملها أو جزء منها حسبما تؤكد ذلك الوثائق التاريخية[ انظر صورة سجل البيع أدناه، وهو يعود إلى سنة 1144هجرية].
#مدافن_الحبوب ...

حكمة من ذهب، وذاكره نحتت في قلب الصخور.
في زمنٍ كانت الحكمة فيه تسبق الحاجة وكانت الكلمة الطيبة والسواعد الصلبة هي التي تبني الحضارات نحت أجدادنا مدافن الحبوب في قلب الصخور لا بأدوات حديثة بل بأظافرهم وصبرهم وحرصهم على المستقبل
هذه المدافن التي لا يكاد يخلو منها بيتٌ في كثير من قرى بلادنا ليست مجرد تجاويف في الجبال أو في مداخل المنازل بل هي ذاكرة حية لحضارة عرفت كيف تخزن قوتها حين كانت الأمانة زادًا والتخطيط للمستقبل واجبًا.
تخزن هذه المدافن كميات هائلة من الحبوب، قد تصل إلى أكثر من 900 كيلة والكيله تساوي اربعه اثمان والثمين يساوي تقريبا 2.75كجم
وكانت تُبنى بطريقة تجعلها تحافظ على الحبوب لعشرات السنين وربما أكثر دون تلف أو تسوس تخيّلوا...!
مخزونٌ كهذا كان يكفي لإعالة أكثر من أسرة لأكثر من سنتين في أحلك الظروف وهذا ما نسميه بالاستعداد الحقيقي والتفكير العميق في المستقبل كان عندهم الأمن الغذائي اساس الحياة
ولأنهم أدركوا قيمة الحبوب كانوا يرددون حكمةً عظيمة:
" اخزن سوس ولا تخزن فلوس"
نعم المال قد يُسرق أو يفقد قيمته أما الحبوب فهي الحياة وهي التي تطعم الجائع وتحفظ الكرامة وقت الشدة.
واليوم ومع ما يمر به وطننا والعالم من حروب وأزمات وجوع وخوف وجفاف وتغيرات مناخيه أثرت كثيرا على الجميع بات من الضروري أن نعيد إحياء هذه القيم وأن نتأمل حضارتنا لا كماضي بل كدروس خالدة تنفعنا في الحاضر وتضيء لنا طريق المستقبل فهل آن الأوان أن نعيد الاعتبار لتلك المدافن وننظر إليها كأحد أهم رموز الأمن الغذائي والعيش الكريم...؟
ختاما ..
رحم الله من تعب وسهر ونحت وبنى هذه المدافن وترك لنا
إرثًا لا يُقدّر بثمن
وأسأل الله أن يسكنهم فسيح جناته فقد أدوا الأمانة وعلّمونا أن التخزين ليس ترفًا بل ضرورة وأن الحكمة في أيادي المزارعين كانت أبلغ من كثيرٍ من كتب اليوم

الاستاذ ؛
عبدالقادر خضر #السميطي