الفريد في موروث #يافع التليد
عبدالفتاح نصر #السنيدي.
#الشتيت ابو نصر
#عبد_الماء ( #الخطاف)
حين تحرس الأسطورة براءة الصغار:
«عبد الماء» و«الخطاف » في الذاكرة اليافعية
بعد ان تناولنا في حلقات سابقة مجموعة من الاساطير التي تزخر بها الثقافة اليافعية ابمتوارثة منذ القدم ومنها :
العُمينم
وحش الجمعة
النباش
جارية البيت
وحش الجمعة
الحنش المجوهر .
وما زالت لدينا الكثير والكثير منها حيث
تظل الأسطورة اليافعية ، في جوهرها الإنساني العميق، إحدى أدقّ حيل العقل الجمعي حين يستدعي الخيال ليشيّد به حصوناً للحقيقة. وفي أعالي جبال «يافع» ، حيث ، تُحفر الآبار بأعماق بالغة الخطورة وتبنى المواجل و البرك والسدود في أحشاء الصخر، على مقربة من البيوت ، لتشكل خطر يهدد حيات الاطفال من مغبة السقوط فيها ، حينها لم تكن الخرافة مجرد حكايات تُستجلب لقطع هدوء الليل، بل كانت فلسفة تربوية مبكرة، و«جدار حماية» نسجته مخيلة الأجداد ليحمي صبيانهم من طيش السنون وجسارة الفضول، فحضرت الاسطورة مثل .
«عبد الماء»..
#الشبح المتأهب عند حافة المجهول
مع هطول الأمطار وانقشاع الضباب، كانت السدود والمواجل تطفح بالماء الثجاج، لتبدو تلك البرك والمناهل العميقة كحدقات زرقاء مفتوحة في قلب الأرض. وهناك، حيث تدعو برودة الماء شغف الأطفال لاستكشاف الأعماق، كانت تجلس أسطورة «عبد الماء»—أو ما كان يُعرف بـ «الخطاف».
كان «عبد الماء» كائناً هلامياً خافتاً، هكذا صوّره الرواة، يربض في القاع المظلم للمناهل، عينان متأهبتان ويدان طويلتان تسعيان لخطف كل من يتجرأ على ملامسة الحافة.
فإذا ما دنا طفلٌ غريرٌ من جدار بئرٍ سحيق، وتطلع نحو الأعماق، لم يكن يرى سوى انعكاس وجهه على صفحة الماء الرقراق؛ لكن المخيلة المحشوة بالتحذير كانت تحيل ذلك الظل المتراقص إلى وجه «الخطاف» وهو يتهيأ لانتشاله إلى غياهب المجهول!
في تلك اللحظة بالذات، ينخلع قلب الصبي، ويتراجع ققزاً نحو الأمان، هارباً من حتفه المحتوم. لقد نجحت الخرافة في أن تجعل من انعكاس الصورة تحذيراً باصماً، ومن ركود الماء درعاً للسلامة.
«الحنش المجوهر».. بريق القمر وحيلة الزجر
وكما تطرقنا في حلقة سابقة انها لم تقتصر عبقرية الترهيب التربوي في يافع على سكون النهار، بل امتدت لتسبر أغوار الليالي الماطرة. ففي مواسم السيول، حين تصبح الطين والانزلاقات الصخرية فخاخاً متربصة بكل عابر، كان بريق القمر يتسلل ليرتدّ عن صفحات المياه المتجمعة فوق الصخور، محدثاً لمعاناً يأخذ بالألباب، ويحسبه الصغار جواهراً وكنوزاً نادرة ألقى بها الغمام.
وهنا، تولد أسطورة «الحنش المجوهر».
كانت الحكاية تُروى بنبرة تهمس بالرهبة:
ثعبان أسطوري عظيم، يحمل على رأسه جوهرة يتيمة تتلألأ في الظلام فتضيء الآفاق.
ليس وحده، بل يكتنفه حراسٌ شداد: قبله سبعة ثعابين هائلة، وبعده سبعة أخرى حارسة!
كانت هذه الصورة البديعة كفيلة بزجر أي خطوة طائشة تسعى لخوض طين الليل استكشافاً لذلك الضوء المتلألئ. لم تكن الغاية من «الحنش المجوهر» سوى حماية هؤلاء الأغمار من مغبة الانزلاق فوق الصخور الملساء أو التردي في الشعاب الهابطة التي خلفها السيل.
عبقرية الوعي الشفهي
إن التعرّج في شعباب التراث اليافعي يبرز كيف استطاع الإنسان اليمني القديم تسخير الحكاية كأداة للسلامة العامة. لم تكن لديهم لافتات تحذيرية، ولا حراس يطوفون حول البرك العميقة، فأنشأوا في مخيلة الطفل «حارساً وهمياً» يرافقه حيثما حلّ.
رحل الأجداد، وغارت بعض تلك المناهل، لكن «عبد الماء» و«الحنش المجوهر» يبقيان شاهدَين على أدبٍ شفهيٍّ بديع؛ وظّف الخوف ليصنع الأمان، وجعل من الخرافة حكمةً تقي الصغار السقوط في مهالك الطبيعة الحاضنة والقاسية في آن واحد.
...
عبدالفتاح نصر #السنيدي.
#الشتيت ابو نصر
#عبد_الماء ( #الخطاف)
حين تحرس الأسطورة براءة الصغار:
«عبد الماء» و«الخطاف » في الذاكرة اليافعية
بعد ان تناولنا في حلقات سابقة مجموعة من الاساطير التي تزخر بها الثقافة اليافعية ابمتوارثة منذ القدم ومنها :
العُمينم
وحش الجمعة
النباش
جارية البيت
وحش الجمعة
الحنش المجوهر .
وما زالت لدينا الكثير والكثير منها حيث
تظل الأسطورة اليافعية ، في جوهرها الإنساني العميق، إحدى أدقّ حيل العقل الجمعي حين يستدعي الخيال ليشيّد به حصوناً للحقيقة. وفي أعالي جبال «يافع» ، حيث ، تُحفر الآبار بأعماق بالغة الخطورة وتبنى المواجل و البرك والسدود في أحشاء الصخر، على مقربة من البيوت ، لتشكل خطر يهدد حيات الاطفال من مغبة السقوط فيها ، حينها لم تكن الخرافة مجرد حكايات تُستجلب لقطع هدوء الليل، بل كانت فلسفة تربوية مبكرة، و«جدار حماية» نسجته مخيلة الأجداد ليحمي صبيانهم من طيش السنون وجسارة الفضول، فحضرت الاسطورة مثل .
«عبد الماء»..
#الشبح المتأهب عند حافة المجهول
مع هطول الأمطار وانقشاع الضباب، كانت السدود والمواجل تطفح بالماء الثجاج، لتبدو تلك البرك والمناهل العميقة كحدقات زرقاء مفتوحة في قلب الأرض. وهناك، حيث تدعو برودة الماء شغف الأطفال لاستكشاف الأعماق، كانت تجلس أسطورة «عبد الماء»—أو ما كان يُعرف بـ «الخطاف».
كان «عبد الماء» كائناً هلامياً خافتاً، هكذا صوّره الرواة، يربض في القاع المظلم للمناهل، عينان متأهبتان ويدان طويلتان تسعيان لخطف كل من يتجرأ على ملامسة الحافة.
فإذا ما دنا طفلٌ غريرٌ من جدار بئرٍ سحيق، وتطلع نحو الأعماق، لم يكن يرى سوى انعكاس وجهه على صفحة الماء الرقراق؛ لكن المخيلة المحشوة بالتحذير كانت تحيل ذلك الظل المتراقص إلى وجه «الخطاف» وهو يتهيأ لانتشاله إلى غياهب المجهول!
في تلك اللحظة بالذات، ينخلع قلب الصبي، ويتراجع ققزاً نحو الأمان، هارباً من حتفه المحتوم. لقد نجحت الخرافة في أن تجعل من انعكاس الصورة تحذيراً باصماً، ومن ركود الماء درعاً للسلامة.
«الحنش المجوهر».. بريق القمر وحيلة الزجر
وكما تطرقنا في حلقة سابقة انها لم تقتصر عبقرية الترهيب التربوي في يافع على سكون النهار، بل امتدت لتسبر أغوار الليالي الماطرة. ففي مواسم السيول، حين تصبح الطين والانزلاقات الصخرية فخاخاً متربصة بكل عابر، كان بريق القمر يتسلل ليرتدّ عن صفحات المياه المتجمعة فوق الصخور، محدثاً لمعاناً يأخذ بالألباب، ويحسبه الصغار جواهراً وكنوزاً نادرة ألقى بها الغمام.
وهنا، تولد أسطورة «الحنش المجوهر».
كانت الحكاية تُروى بنبرة تهمس بالرهبة:
ثعبان أسطوري عظيم، يحمل على رأسه جوهرة يتيمة تتلألأ في الظلام فتضيء الآفاق.
ليس وحده، بل يكتنفه حراسٌ شداد: قبله سبعة ثعابين هائلة، وبعده سبعة أخرى حارسة!
كانت هذه الصورة البديعة كفيلة بزجر أي خطوة طائشة تسعى لخوض طين الليل استكشافاً لذلك الضوء المتلألئ. لم تكن الغاية من «الحنش المجوهر» سوى حماية هؤلاء الأغمار من مغبة الانزلاق فوق الصخور الملساء أو التردي في الشعاب الهابطة التي خلفها السيل.
عبقرية الوعي الشفهي
إن التعرّج في شعباب التراث اليافعي يبرز كيف استطاع الإنسان اليمني القديم تسخير الحكاية كأداة للسلامة العامة. لم تكن لديهم لافتات تحذيرية، ولا حراس يطوفون حول البرك العميقة، فأنشأوا في مخيلة الطفل «حارساً وهمياً» يرافقه حيثما حلّ.
رحل الأجداد، وغارت بعض تلك المناهل، لكن «عبد الماء» و«الحنش المجوهر» يبقيان شاهدَين على أدبٍ شفهيٍّ بديع؛ وظّف الخوف ليصنع الأمان، وجعل من الخرافة حكمةً تقي الصغار السقوط في مهالك الطبيعة الحاضنة والقاسية في آن واحد.
...