اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
وكان العرف غالباً:
سبع رؤوس من الغنم
وقد يزيد العدد أو ينقص حسب القدرة المادية.
أو راس بقر واحد كان راس البقر يحسب مقابل اربع غنم تيوس كبيرة في حالة اراد الحريو استبدال الغنم برأس بقر او العكس

6. - مأكول النار : وهو بندٌ توثيقي مخصص لما يقدمه العريس من لوازم الولائم والضيافة، ويشمل (بالاضافة الى الغنم، الطحين،والسمن والملح والبهارات الحطب، والتوابع) لضمان إتمام مراسم الفرح بما يليق بكرامة الأسرتين..
ومن أقصى حالات التيسير ان اراد أب او ولي الحريوة التيسير وعدم تخسير صهيره والتكليف عليه، كان يقول هات الذي تقدر عليه حتى #الكُيلة_الخُبء (فكان يقال قديمًا كيلة وليلة كناية على الزواج المختصر والبسيط وغير المكلف)* .
وكل ما ذكر من مؤن كانت تُقدَّم لضيوف ليلة النشرة، لم يعد لها وجود بشكلها ومقدارها في زماننا هذا ،وقد اندثرت مع الزمن.
7. شروط أجرة النساء ومنهن :
- #المسايرة:
تُحدد في الاتفاق تفاصيل انتقال الحريوة وضرورة تكفل الحريو باجرة لمسايرة وهي امرأة تذهب مرافقة معها من بيت ابوها الى بيت زوجها وبعض القرى تذهب معها اكثر من مسايرة ، وكانت قديماً في بعض القرى تنتقل الحريوة ب الجمل المزين بالهودج ، الا ان اغلب قرى يافع الجبلية كانت تنتقل الحريوة بالمشي على الارجل، واما حديثاً السيارة.
وكانت تُعدّ مظهراً من مظاهر التكريم والفرح.
- *الفالية او #المنبعة :
#الفالية او المنبعة : هي من تتولى مهمة تجهيزات الزينة الشعر الحريوة وقصة النبعة والشبكة للحريوة وتسمى اليوم المسرحة الكوافيرة .
- #المشوذرة : وهي من تتولى مهمة وضع الحناء والنقش على كفوف الحريوة يوم الحناء

تحديد يوم الزواج (الزفاف) .
يتم الاتفاق على اليوم النهائي للزفاف بما يناسب الطرفين وعادة بعد شهر او شهرين من اليلة السداد.
كتابة الشاهد (ورقة اتفاقية السداد)
بعد الاتفاق تُكتب ورقة بخط اليد تُعد وثيقة عرفية ملزمة، وتُحفظ نسخها عند: الذريع.
واخيرا :
#المَحْجَرَة
(زغاريد النساء)
بعد إعلان الاتفاق مباشرة، كانت أم الحريوة تبادر بإطلاق المَحْجَرَة داخل البيت، وهي ما يُعرف اليوم بالزغردة، تعبيراً عن الفرح والرضا.
وتتبعها محاجر النساء من القريبات والجيران، فتتعالى الأصوات إعلاناً الموافقة الأسرة ومباركتها.
*مظاهر الفرح وإطلاق الأعيرة النارية*
بعد ذلك، يخرج الرجال إلى مكان مفتوح ويطلقون الأعيرة النارية في الهواء إعلاناً لإتمام الاتفاق، وإشهاراً للمصاهرة بين الأسرتين.
وكان صوت الرصاص يُفهم في القرى على أنه إعلان رسمي بتمام خطوبة جديدةبعد كتابة الورقة يُقال :
" اتَّقَفُوا "
أو
" *سَدُّوا فلان على فلانة"*
أي: تم الاتفاق رسمياً وأصبحت الحريوة مخطوبة للحريو

*العشاء التقليدي*
بعد الإعلان يُقدَّم العشاء للحاضرين، وغالباً:
العصيد بالسمن
أو اللحم مع خبز المافي
وهو تكريم للحاضرين واحتفال بإتمام الاتفاق.
..............
نشكر كل من ساهم... وعلى رأسهم: المعد الرئيسي للحلقة هذه
الدكتور عمار بن دجران #العمري
وتقديم مع التصرف من الاستاذ عبدالفتاح نصر #السنيدي
والمساعدة في المعلومات التاريخية من الشيخ الفقيه سيف محمد #العمودي
من تراث #يافع زمان

#المعازب_الحميرية

رسالة أصيلة في جبال يافع.. وإرث معماري يوثق القيم الأنسانية ومعاني الكرم والتكافل الاجتماعي.
______
فريق الإعداد:
- الأستاذ الشيخ سيف محمد ثابت #العمودي*
- د. عمار راشد دجران #العمري
- عبدالفتاح نصر #السنيدي
( #الشتيت ابونصر #اليافعي )
______

في سفوح جبال يافع الشاهقة، حيث تتعانق الحجارة مع التاريخ، تنتصب "المعازب الحميرية" شاهدًا حيًا على عبقرية الإنسان اليمني القديم في تسخير البيئة لخدمة قيمه الاجتماعية. ليست مجرد غرف حجرية مهجورة، بل منظومة متكاملة للضيافة والإيواء، صاغها العرف الحميري قبل الإسلام ثم هذبها التشريع الإسلامي، فصارت رسالة أصيلة تتوارثها الأجيال.
*ما هي #المعازب؟.. الدور والوظيفة*
المعازب مبانٍ حجرية صغيرة منتشرة في طرقات يافع الجبلية ومسالكها الوعرة. دورها محوري في توفير احتياجات المزارع والمسافر وعابر السبيل من سكن وماء وحطب وكل ما يلزم من مقومات الإقامة، حتى يتمكن من إنجاز عمله أو مواصلة طريقه. وقد تطور هذا الدور في المخيال الشعبي حتى أصبح رمزًا للكرم الواسع.
لكن جغرافية المنطقة وتضاريسها القاسية تدل على أن وظيفتها أعمق من إيواء المسافر فقط، بل كانت ملاذًا لكل العابرين في #السرو_الحميري، داخله وخارجه. واستنادًا إلى ذلك نستدل ببيت الشاعر أحمد العبد:
_قال أحمد العبد:_
_لانا عيد ماشي بها_
_ما ليله إلا وانا لاصي مكاريبها_

*اسم ورسالة ضاربة في القدم*
لاسم "المعزبة" جذر حميري أصيل. رسالتها كانت -ولا زالت- إرشاد المسافر إلى المحطات التي توفر له الراحة والتزود، حتى يتمكن من قضاء ليلته وإكمال طريقه بأمان.
وقد فرضت هذه الوظيفة منذ العصور القديمة، وربما تعود إلى ما قبل الإسلام، حيث صقل العرف الحميري الأصيل أنظمة بديلة لما سبقها، فكانت المعازب تعبيرًا عن منظومة تكافل اجتماعي متقدمة.

*محطة للمسافر.. ومأوى للزارع والعابرين*
#المعزبة ليست مكانًا للضيافة فقط، بل هي محطة مناسبة للمسافر لدرء الخيام، فيستريح فيها ويتزود بالطعام، ويأخذ المعلومات عن الطريق التي أمامه. ولذلك كان الكرم اليافعي مشهورًا في إيواء الضيف، خصوصًا في الظروف المناخية الصعبة، حيث تلبي المعازب حاجات المسافر بقدر المستطاع.
كما يستدل برأي المثقفين والمهتمين بأن معنى "المعزبة" في أصلها يشمل أمرين:
1. الزارع : المزارع الذي يعمل في أرض بعيدة عن قريته او الراعي في الشعاب البعيدة عن المناطق الآهلة بالسكان.
2. *إيواء العابرين والمسافرين*.
ووفقًا لقاعدة القدرة على إيواء الراعي والزارع، فهي بالضرورة قادرة على إيواء غيره، لما تمتلكه من مقومات الإقامة القصيرة والطويلة.

*من العرف الحميري إلى التشريع الإسلامي*
لم يتعارض الإسلام مع هذه المنظومة، بل جاء ليحث عليها. فمن مقاصد الشريعة الإسلامية الحث على الإحسان إلى ابن السبيل، وهو المسافر المنقطع في الطريق. وحيث أمر الله تعالى بتزويده بأرزاد والإحسان إليه، كما جعل الإسلام للمسافر حقًا من الإعانة، ومن ذلك الاقتراض والاستدانة، بما يضمن وصوله إلى مقصده بأمان.
وبهذا تشير "المعازب" إلى أنها تمثل نظامًا اجتماعيًا قبليًا قديمًا، وفي المساحين محطات للزاد والغيث. وربما كانت تُدار وفق نظام إداري حميري قديم، أدار ساحة واسعة من الأرض العربية بحكمة وتنظيم.

*حضارة وتنظيم سبق عصره*
عُرفت الحضارة الحميرية بتدبيرها على إدارة أرض شاسعة الأطراف بتنوعها، وبأسلوب حكم بسيط لكنها فاعل. مكنت من تنظيم الحياة والتجارة والتنقل بأمن واستقرار، في زمن لم تكن تكن فيه حكومات حديثة. ومع ذلك كانت أكثر انضباطًا من بعض نظم العصر الحديث.

*تغير الزمن.. وبقاء القيمة*
مع تطور الزمن، وتوفر وسائل النقل والاتصال الحديثة، تضررت هذه الأطلال، لكن تاريخها لا يزال شاهدًا على مرحلة تاريخية مهمة من التنظيم الاجتماعي والحضاري في المنطقة.
ومن المعازب التي تحولت وظيفتها مع التطور المعماري والتحديثات السكنية للقرى و اصبحت الآن قرى كبيرة آهلة بالسكان ولكنها مازالت تحمل اسم معزبة او معزوب على امتداد رقعة يافع نورد لكم على سبيل المثال لا الحصر لبعض المعازب في مكاتب يافع المختلفة :
- معزبة اهل مخير وأهل عبدالباقي جبل مؤفجة مكتب كلد
- معزبة اهل بن جوير جبل مؤفجة مكتب كلد
- المعزوب جبل السنيدي مكتب كلد
- المعزوب جبل أهل علي مكتب كلد
- معزبة آل سلام لباقير مكتب كلد
- معزبة السويدا حوج سرار مكتب كلد
- معزبة الكاسي ولخ (معزبة عيال الشيخ) مكتب كلد
- معزبة بن حلموس جبل محرم مكتب يهر
- معزبة حيد الشعراء جبل محرم مكتب يهر
(التليد من موروث #يافع الفريد)
#الجمبية
#الجنبية_اليافعية:
خنجر الحشمة، وسيف الأصالة، ورمز الهوية
اعداد /
عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي
​بين تضاعيف الزمن، وتحت ظلال الجبال الصمّاء التي شهدت بزوغ فجر التاريخ، يبرزت في التراث اليافعي الجنبية كلوحةٍ حيةٍ لا تخبو ألوانها. وفي قلب هذه اللوحة، تتجلى كنوع من انواع الجنابي اليمنية العتيقة ليس كأداة زينة أو سلاح دفاٍع فحسب، بل كأيقونةٍ تختزل كبرياء الإنسان ، وعنواناً لشهامته التي لا تلين. إنها نغمةٌ من أصالة الماضي، تتردد أصداؤها في حاضرٍ متمسكٍ بجذوره.

​أولاً: تاريخٌها
يضرب في أعماق الأزل
​لم تكن الجنبية وليدة عصرٍ قريب، بل هي حكاية خطّتها أنامل الحضارات القديمة منذ آلاف السنين. إذا ما استنطقنا التاريخ، لوجدنا أن جذور هذا الخنجر اليماني العريق تمتد إلى عهود سبأ وحمير وقتبان.
​وتشهد على ذلك المنحوتات الأثرية والتماثيل البرونزية المكتشفة في محافد مأرب وظفار، لعل أبرزها تمثال الملك الحميري الشهير "شعر أوتر"، حيث تطوق خاصرته جنبية تشابه في هيئتها وفخامتها ما يرتديه اليمني اليوم. إنها استمرارية حضارية نادرة، جعلت من الجنبية شاهداً حياً على أن الإنسان اليمني لا يرتدي مجرد خنجر، بل يرتدي قطعةً من تاريخ العالم.

​ثانياً: القيمة الحضارية
والاجتماعية.. طوق الشرف وسياج القبيلة
​تتعدى الجنبية في الوجدان اليافعي واليمني بشكل عام حدود الوظيفة المادية؛ لتصبح قيمةً معنويةً سامقة، وسياجاً من التقاليد الاجتماعية الراسخة:
​رمز الرجولة والشهامة: تعتبر الجنبية جزءاً لا يتجزأ من اللباس التقليدي، وهي أول ما يتقلده الفتى اليافع ليعلن للمجتمع بـأنه قد ولج عتبة الرجولة وتحمل المسؤولية.
​أداة السلام والتحكيم العرفي: مفارقة الجنبية العجيبة أنها سلاحٌ يرمز للسلام؛ فعندما تشتعل الخصومات بين القبائل، تُسلّم الجنابي (فيما يُعرف بـالزقر ("العَدال") كضمانة للالتزام بحكم العقلاء، وهو ما يجسد قيم الصفح والصلح.

​ثالثاً: تكوين الجنبية..
تشريحها ومواد صنعها
​تتألف الجنبية من أجزاء متناغمة، يُصنع كل جزء منها بمهارة يدوية فائقة تتوارثها الأجيال:
١. ​الرأس (القبضة): وهو تاج الجنبية وعمودها الفقري، وسر غلاء قيمتها ، ويعد المقبض المصنوع من قرن وحيد القرن (الزراف) أغلاها وأثمنها، حيث يكتسب بمرور الوقت ولمس الأيدي رونقاً وشفافية ساحرة. كما تُصنع بعض المقابض من قرون الوعول، الماشية، وقرون الفيلة ، او من قرون بعض الاسماك النادرة ، وكلما قدمت الجنبية كلما بدأت تظهر ملامح جودتها .
٢. ​النصلة (الحديد): هي الجزء المعدني الحاد، وتُصنع من الفولاذ أو الحديد المذاب والمطروق بعناية، على شكل طبقتين تلصق على بعضها وتثبت بعناية . وتمتاز النصلة بوجود خط بارز في منتصفها يُسمى "العصب"، يمنحها الصلابة والانسيابية. وافضل انواع النصل تسمى القُصَبي والتي عند اعادة صقلها تكتسب لمعان قوي جدا .
٣. ​الغمد (الجفير): هو البيت الذي تستريح فيه النصلة، ويُصنع من الخشب الخفيف (مثل خشب الطنب أو العُشار)، ويُغطى بجلد الغنم أو القماش المطرز، ويأخذ شكلاً يشبه النصلة يسمى جفير سادحي وهو النوع المفضل عند اهل يافع ،او هلالياً منحنياً إلى الأعلى وهو ابنوع الشمالي
٤. العابدي : الجفير العابدي الملبس بالذهب والفضة هذا النوع يرتديه كبار الشيوخ والسلاطين يضفي على مرتديها هيبة الخيلاء .
٥. ​الحزام: هو النطاق الذي يلف خاصرة الرجل ليحمل الجنبية، يصنع من ابجلد يثبت عليه الجهاز او الجفير .وفي المناطق الشمالية يُطرز يدوياً بخيوط "الزري" الذهبية أو الفضية في لوحات فنية بالغة الدقة والجمال.

رابعا :
اهم ميزات الجنبية اليافعية
١. تلبيس الجنبية المحرّفة بالذهب والفضة : تمتاز الجنبية اليافعية بتزيين راسها "القرن" بالذهب او الفضة او كليهما على النحو الآتي:
أ). حروف الذهب الخالص او الفضة من العملات القديمة ،
ب). #المخنق وهي صفيحة ذهبية تلف على رقبة راسها الوسطى،
ج). الكتاف : عبارة عن شرائط من شرائخ ذهبية او فضية تثبت على حواف راسها .
د). #الحضار وهو الجزء السفلي من القرن الذي تثبت به النصلة، و
ه). #البطان وهو الجزء الخلفي لراس الجنبية الذي غالبا ما يتم تلبيسه بطبقة من الفضة المزينة بالنقوش
٢. ​طريقة ارتدائها السادحية عند اهل يافع : للجنبية اليافعية طريقة ارتداء تميز وتبرز مكانة الرجل اليافعي الاجتماعية، وهي رفيقة دربه في الأفراح والأنغام، لاسيما في رقصة "البرع" المهيبة، حيث تلمع النصال في السماء تجسيداً للقوة والبهجة الفياضة، فاليافعي يرتدي الجنبية بطريقتين اهمها
٣. - السادحية وهي التي تكون الجنبية مابين خصره وحقوه مائلة من اليسار الى اليمين .
٤. الجفير العابدي وهو على شكل حرف "J" وهذا الجفير يكون ملبس بالفضة والذهب .
(التليد من موروث #يافع الفريد)

مَهَر ( #مهمات واعمال ) #البتول اليافعي خلال الموسم الزراعي للحبوب

إعداد؛
عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي

رحلة سنوية، تلاحمية، تفيض ببيان العرق وتترنم ببلاغة الصبر، تبدأ من سكون الشتاء وجذاره، وتمرّ بمخاض الذريئ والعلان، لتنتهي بزغاريد اللبيج وأهازيج الصراب.
...
بين يديْ جبال يافع الشمّاء، حيث تلتفّ المدرجات الزراعية كأساور من عقيق حول معاصم الجبال، لا تبدو الأرض مجرد تربة وصخر، بل هي نبضُ حياة، وسِفرُ خلود، يكتب فصولَه خنزرة البتول اليافعيٌّ التي مرّستها يداه على لثم الطين والحجر ومغازلة الشمس والمطر.
​دعونا نبحر في هذه الملحمة الإنسانية البديعة، ونرصد تلك الطقوس التي تُشبه صلاةً يومية يقيمها المزارع اليافعي في محراب أرضه المعلقة بين الأرض والسماء

​١. #الجذّار_والقراش.. منفضة الشتاء وتهيئة المحراب
​ما إن يلملم الموسم السابق أذياله، ويستريح الصيف في مخدعه، حتى يستقبل المزارع اليافعي أول الشتاء بـ "الجذّار والقراش". في هذه المرحلة، تنفض الأرض عنها غبار التعب الباقي؛ فيقوم المزارع بقلع الجذور الميتة (المخالف)، ويكنس السفوح والمدرجات من بقايا القشاش لتنفس التربة الصعداء. لا تقف السواعد عند هذا الحد، بل تمتد لـ "رفع الأسوام" و"سنّاف المدرجات"، حيث يعاد رصّ الأحجار التي تهاوت وتدحرجت من على اسوامها ، في لوحة بصرية مذهلة تُعيد للمدرجات هيبتها الهندسية الشامخة لتكون حِصنًا حصينًا في وجه السيول القادمة.
​٢. عِسّاب الدمان والبتالة الشتوية .. بث الروح في جسد التربة
​وفي "حادية" شهر يناير، حين يشتد البرد الصادق، تخرج الأنفاس دافئة لتواجه الصقيع في "البتالة الشتوية". هنا يبدأ "عِسّاب الدمان"، وهي طقوس حفر "المعاسب" العميقة في جوف الأرض لوضع السماد الطبيعي (الدمان)، مترافقًا مع حرث الأرض وشقّ بطنها لتهنأ بـ"مخاض" الدفء، وتهيئتها لاستقبال جينات الموسم الجديد بقلبٍ بكرٍ مفتوح.
وقد يتم تاخير البتالة الى بداية هطول الامطار قبل الذريئ بداية الصيف ، ولكن عساب الدمان يستحسن ان يكون في الشتاء بموسم حادية .
​٣. الذريئ..
قبل الذريئ يستحسن ان يبدأ المزارع بحراثة ارضة وخاصة الجرب ،​الى ان تحين اللحظة الحاسمة، تتهادى حبات النور (البذور) من كف المزارع الطاهرة إلى أحضان التربة المستعدة. "الذريئ" ليس مجرد إلقاء حبٍ في طين، بل هو إيداع للأماني، واستسقاءٌ للغمام، وتوقيعٌ على عقد الوفاء السنوي بين الإنسان والسماء، لتنام الحبة في مهدها بانتظار قبلة المطر الأولى.
​٤. #القيضية و #الفقّاح
​حين يشرئب الزرع باحثًا عن الشمس ويرتفع سنتيمترات قليلة فوق وجه الأرض، تبدأ "القيضية"، وهي البتالة على "الرزوة".
ففي الارض التي تم حرثها قبل الذريئ وهي ممطورة تسمى بتالة #طفلية ، اما لو لم تحرث قبل الذريئ في الشتاء نتيجة لاي ظرف منع البتول عن بتالتها وذرأها بما يسمى #الشزوز اي وضع حفر الذريئ بين حشائش طفيليات العشب الصغير تسمى حالة الارض في هذه الحالة (عادها شتا)،يرافق بتلة القيضية طقس "#الفقّاح"، وهو عملية تشذيب واختيار دقيقة، حيث تُزال النباتات الزائدة المزدحمة، ويُكتفى بترك خمس إلى ست نبتات في كل "معمد" لتمنحها المساحة والحرية في النمو. وفي هذا الطقس تتجلى حكمة الأجداد بعبارتهم المأثورة: "في القيضية #اسحب_زربة"؛ أي لا تنشغل بإقصاء كل عشبة برية صغيرة بحرفية متناهية، بل ركّز جهدك على تفكيك مسامات التربة وخلخلتها ليتنفس الجذر النتروجين والنسيم، فالزرع القوي كفيلٌ غدًا بأن يفرض سطوته وينزع تلك الحشائش بجبروته ونموه.
​٥. #الرِدِّاد.. عماد العُود وحماية الوجود
​ما إن يشتد عود الزرع ويبلغ طوله نحو نصف متر، حتى تأتي مرحلة "الرِداد". وكأن المزارع أمٌّ تحوط طفلها بالرعاية؛ فيقوم برفع التراب وكبسه حول الجذور الغضة، ليثبّت أقدام السنابل في وجه الرياح العاتية التي تشهدها جبال يافع الشاهقة، فلا تتقلب العيدان ولا تنحني لغير بارئها.
​٦. #جمشة_وربشة
​ومع بزوغ "السبول" (السنابل) كتيجان ذهبية في قمم العيدان، يبدأ جفاف الأوراق السفلية للأفرع، وهنا يأتي طقس "الجمشة والربشة" ويسمى كذلك (البرياش). يقوم المزارع بـ "جمش" تلك الأوراق الذابلة وإزالتها؛ ليقطع الطريق على هدر الغذاء والماء، ويوجه شريان الحياة الصاعد مباشرة نحو السنابل الوليدة لتكتنز حبًا ونماءً. ويصاحب ذلك بتالة خفيفة لخلخلة التربة السطحية تسمى "ربشة"، تنعش الأرض وتجدد حويصلاتها ، والجموش يخص زراعة الذرة بانواعها ولا يتم تجميش الدخن ، وهناك انواع من الذرة الرفيعة مثل العوبلي والجعيدي والمنزلة ،يتم جمش اغلب اوراق الساق ماعدى تترك وريقات قليلة غضة قريب عنق السبولة .
(التليد من موروث #يافع الفريد)

#القشاء (#القشوة )
وصناعاته الطينية التي تمثل
علاقة الانسان اليافعي الازلية بالطين .

اعداد /عبدالفتاح نصر #السنيدي
( الشتيت ابونصر #اليافعي)

اولاً: البعد الديني :
قال تعالى في ​سورة السجدة (الآية 7):
​{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ}
تعتبر من أوضح الآيات التي تبين ارتباط الانسان بالطين منذ بداية خلق جنس البشر (آدم عليه السلام) التي كانت من مادة الطين أمه الاولى و أساس تكوينة الجسدي .
ولعل هذا الأرتباط الروحي الوثيق بابطين والارض جعل الانسان يحن دوما الى حظن امه الاولى منذ سفر التكوين الاول ، والطين بالنسبة للانسان اليافعي ليست تلك التربة الزراعية التي اتخذ منها اجدادنا مصدرا للقوت حتى غلفوا بطون وظهور الجبال بالمدرجات ، ولا ذلك الخلب الذي عانق الأحجار في تشييد القصور الشامخات فحسب ، بل كان للطين لوحات صاغتها ايادي القشائين ( #مدار = مدارين ) الاوائل تمثلت بادوات واواني المأكل والمشرب المتوارثة منذ عرف بداية تفتقة الفكر الإنساني وتشكل الحياة العاقلة حتى ظهر القشائين وصناعة القشوة .
اول معلمين وملهمين الانسان .
هي تلك المخلوقات التي أودع الله سبحانه وتعالى فيها غرائز مدهشة للهندسة والبناء، وجعل من "الطين" مادة أساسية تعتمد عليها تلك الكائنات الحية لتشييد مساكن مخروطة بدقة بالغة تحميها من عوادي الطبيعة والأعداء.
المعلمين الاوائل للانسان
لم تاتي هذه الحرفة للانسان بالصدفة بل هو الهام من الله من خلال أبرز المعلمين للانسان في استخدام الطين كعنصر أساسي ووسيلة من وسائل حياته ؛هي بعض الكائنات الحية من مخلوقات الله التي رآها تبني بيوتها بدقة وحرفية متناهية '
ومن ابرز تلك المخلوقات:
​1. بعض الطيور مثل ماتسمى محليا ب "طيور السيل" والسنونو (الخطاف) وطيور اللقلق
​تُعد بعض هذه الأنواع الطيور، وخاصة طيور السنونو (Swallows)، من أمهر البنائين بالطين في عالم الحيوان.
2. الحِربان جمع حِربي وبانية الخير وهي "دبابير الطين (الزنابير الطّينة)" ​يوجد نوع شهير من الحشرات يُعرف بـ "الدبور البنّاء" (Mud Dauber).
3. الكببة " الأرضة" و "النمل الأبيض" (اليَخُور / المَشْط) ​يبني النمل الأبيض مستعمرات وقلاعاً طينية شاهقة وضخمة في بعض البيئات، تُعتبر معجزة هندسية في التهوية والتبريد الذاتي، حيث يخلط الطين بإفرازاته ليصبح بصلابة الصخر.

ثانياً: الدلالات اللغوية لمفردة قشُاء التي كانت تطلق في يافع على الحرفي والخبير بصناعة الادوات من خامات الطين .
وللغوص في اغوار اللغة نجد ان هذه التسمية قد اشتقت من اسم اهم أداة يصنعها وهي " #القشوة ".
و في اللسان العربي القديم، وتحديداً في لهجة #يافع #الحميرية وامتداداتها في جنوب شبه الجزيرة العربية، تُعد مفردة "القشوة" من الشواهد اللغوية الحية على تفاعل الإنسان مع بيئته وطريقة تطويعه للمواد.
​إذا تتبعنا الجذور اللغوية والاشتقاقية لهذه المفردة في المعاجم العربية واللسان الحميري، نجد لها توجيهاً دلالياً بليغاً يربط بين "الاسم" و"طبيعة الصنع والوظيفة"، وذلك عبر الاحتمالات اللغوية التالية:
​1. الجذر (ق ش و) أو (ق ش ي): القشرة والغطاء الخارجي
​في معجم مقاييس اللغة لابن فارس والقاموس المحيط، يدور جذر "قَشَا" أو "قَشَى" حول معنى التغطية، أو نزع القشرة، أو الشيء الذي يَبْسُ ويجفّ فيكون كالقشرة.
​علاقتها بالأداة: عندما يُصنع قدر الطين، فإنه يمر بمرحلة الجفاف (اليُبس) حتى يصبح له غلاف خارجي صلب وقاسٍ كالقشرة المحروقة بفعل النار (التخزف).
​وفي بعض الاستعمالات اللحميرية القديمة، يُطلق اللفظ على الوعاء الذي يقشر فيه الشيء أو يحويه كالغلاف.
​2. التداخل مع الجذر (ق ش ف): اليُبس والخشونة
​في لسان العرب، المُقْشَفّ أو القَشَف هو الشيء الذي جفّ وتغيّر وظهرت عليه الخشونة من أثر البيئة أو النار. وقدر الطين (القشوة) يتميز بخشونة ملمسه الخارجي قبل الصقل وبعد الطبخ في المحرق، حيث يكتسب صلابة وخشونة تميزه عن أواني المعادن، فكأن اللفظ عُدّل تخفيفاً في اللسان اليافعي من القشافة أو اليُبس إلى "قشوة" للدلالة على الإناء الخارجي الخشن والصلب.
​3. الدلالة الوظيفية في الموروث الحميري واليافعي
​الوعاء الطيني (القشوة) يتميز بجدرانه السميكة التي تحفظ الحرارة بداخلها وتمنع احتراق الطعام (العصيد أو اللحم) مباشرة بالنار، بل تنضجه بالتدريج. هذه السماكة والصلابة تجعل الإناء بمثابة "الحصن أو القشرة الواقية" للطعام المقذوف في جوفه؛ ومن هنا جاءت التسمية لتربط بين صلابة جدار الطين المحروق ووظيفته الحافظة.
(التليد من موروث #يافع الفريد)

#الدباغة_والخرازة
​العبَق التليد من دباغة الجلود والخِرازة .. أصالة هَوية وإبداع الأكَفّ اليافعية زمان

اعداد ؛ عبدالفتاح نصر #السنيدي
( الشتيت ابونصر #اليافعي )

​في فجاج #يافع الحاضنة للتاريخ، وبعزيمة الإنسان الساكن في أحضانها، لم تكن الحرف التقليدية مجرد وسيلة لسد الرمق، بل كانت ترنيمة يومية يمتزج فيها العرق بصلابة الطين وحاجة الوجود. ومن بين ثنايا ذلك التراث العريق، تبرز حرفتا "دباغة الجلود والخِرازة" كشاهدين حيّين على زمنٍ طوّع فيه الأجدادُ الطبيعةَ القاسية بصبرٍ جم، وحوّلوا خاماتها البسيطة إلى تحفٍ تُعاش وتُلبس.
​أولاً: الدباغة والخرازة لغةً واصطلاحاً:
​لُغـــةً: تدور مادة "دَبَغَ" في لسان العرب حول الإصلاح والتهذيب؛ فدباغة الجلد هي معالجته بما يمنع فتنته وتفسخه ويُكسبه ليونة وبقاءً. أما "الخِرازة"، فهي من "خَرَزَ"، أي خاطَ الجِلد ببعضه، فالخَرّاز هو صانع الأحذية ومُصلح الجلود ومُؤلّف شتاتها.
​اصطلاحاً: تُمثّل هاتان الحرفتان الركيزة الأساسية لـ "الصناعات الجلدية" القديمة، وهي التي اتخذت من جلود الماشية والأنعام خامتها الأولية والوحيدة، لتُحيلها عبر تضافر الدباغة والخرازة من إهابٍ خام لا نفع فيه، إلى أدوات متينة تُصاحب الإنسان في حِلّه وترحاله.
​ثانياً: البعد التاريخي.. والإرثٌ الممتد في عمق الزمن
​لم تكن الخرازة في #يافع وليدة الصدفة، بل هي امتدادٌ لإرثٍ حميري أوساني قتباني سبأي قديم. فالإنسان اليافعي منذ غابر الأزمان اعتمد على الثروة الحيوانية، ومع العزلة الجغرافية التي فرضتها التضاريس الجبلية الشاهقة، نشأت حاجة ملحة للاكتفاء الذاتي. غدت الدباغة علماً توارثته اسر معينة يسموا خرازين أجيال عقب أجيال؛ حيث استخدم الدباغون مواد طبيعية محلية متوفرة في بيئتهم الجبلية كـ " #القَرَظ" والإلقة ولحاء بعض الأشجار (العفص) ومياه الآبار النقية لتطهير الجلود وصباغتها، مما جعل الجلود اليافعية مشهورة بمقاومتها لعوامل الزمن وقسوة الطبيعة.

​ثالثاً: اهمية وفلسفة الحرفة.. ماذا تمثل للمجتمعات؟
​في المجتمعات القديمة، كانت الخرازة صمام الأمان للاقتصاد المنزلي والمعيشي؛ فبدون الخراز، لا يمكن حفظ حبوب الذرة الرفيعة والدخن والبر والشعير، ولا يمكن جلب الماء من الغيول البعيدة، ولا السير فوق الصخور الحادة ولا تسهلت لهم اعمال الحراثة في الارض بدون السيور والصرار والجلاعيب او حمل الاحجار بدون الفروة .
فكانت حرفةً "سيادية" بمفهوم ذلك العصر.
أما في عصرنا الحديث، فإن هذه الحرفة لم تعد مجرد أداة وظيفية، بل تحولت إلى رمزٍ للهوية الثقافية، وأيقونة تُذكر الأجيال الحالية بجذورها وبأن أجدادهم كانوا صناعاً منتجين، يملكون عقولاً هندسية قادرة على الابتكار بأبسط الأدوات.

​رابعاً: الودات المصنوعة من الجلود واسمائها في معجم الإبداع اليافعي.. اي فئات المنتجات الجلدية:
​تنوعت عبقرية الخراز اليافعي لتغطي كافة مناحي الحياة اليومية، ويمكن تصنيف هذه الإبداعات إلى فئات تبرز دقة الصنعة:
​1. أدوات الخزن والادخار (حفظ القوت)
​كانت الحاجة لحفظ الحبوب والمواد الغذائية من الرطوبة والآفات ملحة، فصنع الخراز:
​خزن الحبوب الكبيرة والصغيرة:
جلود مدبوغة بعناية فائقة تُقفل بإحكام لحفظ حبوب البُر والذرة، وتمنع تسرب السوس إليها لشهور طويلة ويبرز هنا
" #العطل" الجلدي ذات السعة الكبيرة
و" #المسب" .
#البطة او ​#العُكك و #الظُرُوف: لحفظ السمن البلدي واللبن والعسل، حيث يضفي الجلد المدبوغ بالقرظ وقرون الشبه نكهة مميزة للمحتوى ويحميه من التلف.

​2. أدوات حمل الأمتعة والترحال
​لمواجهة الطرق الجبلية الوعرة، ابتكر الخراز أدوات مرنة تُحمل على الظهر أو الأكتاف:
#​المِسْب (أو #المسب اليافعي الشهير): وهو وعاء جلدي متين يُحمل على الظهر بنظام حبال جلدي ذكي، يُستخدم لنقل الأدوات، المحاصيل،
#مزابئ المواليد الصغار ابتي تغيهم من البرد وتحميهم من الزواحف أثناء عمل وامهاتهم .
#الغُفْرة والمِجْزَل: أكياس جلدية مخصصة لحمل الأغراض الشخصية الدقيقة والزاد أثناء السفر بين القرى والوديان.
#المجزل وهو اصغرهن لحمل العملات المالية وادوات مثل التنباك وغيرها .
#​الزمالة : #القِراب الجلدية الكبيرة التي تستخدم لنقل المتاع الثقيل.
​3. أدوات العمل، الكدّ، والزراعة
​في حقول الطين ومواقع البناء اليافعية، كان الجلد هو العصب المحرك للإنتاج:
​الصُّرّة و #الجلعاب والزُّمالة: أوعية جلدية مخصصة لنقل الأتربة، البذور، وحجارة البناء الصغيرة أثناء شق المدرجات أو تشييد الحصون ، و #الفروة بتقي الظهر اثناء حمل الاحجار .
(التليد من موروث #يافع الفريد)

#تلشنذفة_اليافعية

آداب كرم #الضيافات في يافعُ السيفِ والضيفِ في سفرِ الزمانِ العتيق

اعداد / عبدالفتاح نصر #السنيدي
( #الشتيت ابونصر #اليافعي )

دعونا اليوم نطوف بكم ​بين أسرار مكارم الاخلاق وقيم رجال صاغوا من صوانها ملاحم الإباء، والتي تبرز فيها "يافع" في سجل التاريخ التليد كأيقونةٍ فريدةٍ، لا تذكر إلا واقترن اسمُها بصفتين متلازمتين في الوجدان التاريخي، حتى كُنّيت يافع بـ "يافع السيف والضيف".
​هو سيفٌ ما فتيء يذود عن حياض الكرامة والحرية، وضَيفٌ يُفرش له السويداء قبل البساط، ويُحاط بالمهج والأرواح. وفي غابر الأيام، صاغ الأجداد في يافع لآداب الضيافة دستوراً غير مكتوب، مزجوا فيه النبل الن نبلَ القبيلةِ بفيضِ الأريحيةِ العربيةِ، محولين القِرى من مجرد إطعام طعام إلى طقسٍ بلاغي وجمالي يفيض بالشهامة والمهابة.

​أولاً: المناسبات الكبيرة العامة في محافل الحشود.. "البيت واحد والوجه وجه الجميع"
​حين كانت تلوح في أفق الوديان مناسبة عامة، كعرسٍ مبهج، أو ختانٍ ميمون، أو مصاهرةٍ ونسب، أو حتى محفلِ عزاءٍ مشهود؛ كانت اعداد السواكن تتحول إلى قلبٍ واحد. وبحكم الأعداد الغفيرة التي تفد مدعوة من مناطق ومكاتب وقبائل شتى ، والتي تعجز عن استيعابها دُور المضيف، كان الجيران يهبّون كبنيانٍ مرصوص.
​يُشرع الجار جدار بيته لجاره، وتُلغى الخلافات والخصومات مهما بلغت ضراوتها، وتُعلن "هدنة مأثورة" تكريماً للوافدين؛ إذ كانت الحكمة اليافعية السائدة حينها تتردد كنشيد مقدس: "البيت واحد والوجه وجه الجميع".
​طقوس الترحيب والاستقبال
​تبدأ مراسم الاحتفاء بـ "التلقية"، حيث يصطف المستقبلون تتقدمهم قرعات الطبل الشجي ونغمات "القصبة" (الناي) اليافعي النابض بالأصالة، بينما تحثو امرأةٌ مباركة البخور في الآفاق، ليمتزج شذاه بنسيم الجبال.
​تلي ذلك مظاهر الرجولة في "المنصاع"، حيث تنطلق الرصاصات من البنادق لتقصد بدقة أهداف "المرو" (الحصى الأبيض اللامع)، في استعراضٍ يجمع بين الترحيب وإبراز الهيبة والفروسية.
​ثم يُساق الضيوف بإعزازٍ إلى "المجالس" و"المفارج" الفسيحة، ليبدأ الطواف بـ "المقطرة" (مجمرة البخور) على الحاضرين نفساً نفساً، يرافقها الترحيب الحار، فيرد الضيف بالدعاء المأثور: "شرف الله قدرك".

ومن ​شيم الموائد
ما ​كان من وسم المعازيم والضيوف التحلي بأعلى درجات الشيم والترفع؛ فلا يُبدى لومٌ ولا عتبٌ إن حصل نقصٌ في زادٍ أو فراش. ولأن المضيف يرى نفسه مقصراً مهما بذل، كان يعتلي المجلس بعد الفراغ من الطعام، لينادي بأعلى صوته في الحشد: "ألا حياً وسهلاً بالجميع، ونبي الحملات لا شي قاصر!".
​وهنا تجلت بلاغة الرد ورُقيّ الطبع، إذ يجيبه الحاضرون بصوت واحد: "أكرمكم الله ماشي قاصر، أكرمتونا من فوق العَلَم"، لستر أي هفوة وحفظ ماء وجه أهل العزيمة.
لتبدأ بعد ذلك العادة اليافعية الرقيقة المعروفة بـ " #القشّاح"، حيث يمر أصحاب الدار لدهن أيدي الضيوف ووجوههم بـ "السمن البلدي" أو "السليط" (السمسم)، كرمز للنعمة والرفاه والود المتبادل.
ولعل ما يثري هذا الطيف الإنساني البديع، هو التلاحم بين المكان والإنسان في يافع. فالضيافة لم تكن تكتمل إلا بتقديم الأكلات اليافعية التقليدية، وعلى رأسها لحوم الذبائح وهناك لحمات معينة لاينبغي ان تقدم للضيف مثل الراس والكتف والزقلي والمخصة وتختلف تحديدها حسب العادات من منطقة الى اخرى ،
و"#المعصيد " الذي كان يقدم في سلق كبيرة سبق وتطرقنا له في حلقة سابقة بطريقة متوارثة، وتُقدم في وسطها بحيرة من السمن البري والعسل، كأعلى درجات التكريم والاحتفاء.
واما اللحم فكانوا يقسموه على كل ضيف إلى يده
وكانوا اثناء التقسيم #يسموا.
هذا رفاد وهذا وفاد وهذا عابر سبيل، وهذه سمعها وجي اي متسول .
لكون صاحب الزواج.
يعمل على قدر الإمكانيات المتاحة لة.
فكانت الشنذفة تتجلى في اروع صورها اذا لايأتي الى الزواج الا من كان معزوم بما يسمى معلم ، وغالبا ما يأتي برفيدة اي رفد الذي سبق وتطرقنا له في حلقة خاصة
وكانت تخلوا مناسبات الاعرس من الحضور الهمجي.
حتى انهم كانوا يحددوا عدد الذي بستقبلهم اهل الحريوة من الشواعة مسبقا .
او الذي يلحقون من أصحاب الحريوة وهذا لكي يضع المضيف حسابه ولا يلتام بالتقصير .

​ثانياً:
الضيافات #الفردية.. آداب الصهارة والمودة ودستور "ملء العين"
​الضيافات الخاصة، التي تنشأ بين الأصحاب، أو توثيقاً لصلات المصاهرة والنسب، أو رداً لمعروف سلف؛ فقد كان للقرى دستور صارم محكوم بالقيم والمبادئ الرفيعة.
​كان شعار اليافعي في حق ضيفه: "للضيف ملء عينه"، أي أن يرى العين ما يسرها من إكرام وسخاء قبل أن يطعم الفؤاد. ومن شروط هذا الإكرام أن تُذبح الذبيحة كاملة أمام الضيف، ويُعتبر تقديمها ناقصة منقصة في حق المضيف.
(الفريد من موروث #يافع التليد )
#السَنَن_و_العبيلة

السنن والعبيلة والعايد المحجر

بقلم / عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

أصالة العرف اليافعي وعمق حكمة الأجداد و​نواميس الأرض الساهرة:

السَّنَن والعبيلة والمَحْجَر
و ​دستور الأجداد في "يافع" الذي صان الحِمى قبل مَحاكم العصر
​قبل أن تولد السجلات المرقومة، وقبل أن تخط ريشة المَسَّاح خرائط الحدود، كان الأجداد في "يافع" يستنطقون الصخر الأصم ويحيلون شمَّ الجبال إلى نصوص قانونية قاطعة. لقد جعلوا من (السَّنَن) قلمًا يخط به الحق رسمه، ومن (العبيلة) شاهدًا عدلًا لا يرتشي ولا يميل، ومن (المَحْجَر) سبيلًا سالكًا لا يُحبس وذِمَّة لا تُخفر.

​أولًا: #السَّنَن.. منارة الأرض وخطّها القاني
​(السَّنَن) هو شامة الأرض وعلامتها الفارقة؛ صخرٌ مرصوص، أو نصبٌ شاخص، يقيمه الأجداد في مفاصل "الطين" ليُعلن مطلع الملك ومنتهاه. سُمي منارة الأرض لعلوّ كعبه وظهور عيانه، فتهتدي إليه الأبصار من فرسخ، ويقف عنده الطامع موقف المهيب.
​الحكمة القانونية والشرعية:
​فصل التخوم: به يتمايز ملك جَارٍ عن جاره، في تبيانٍ جليٍّ يقطع دابر اللبس والشبهات.
​الحرمة والمهابة: غدا تحريك "السَّنَن" في عُرف القبيلة جريرة نكراء وعيبًا أسود يقدح زناد المعارك؛ لذا تفيض وثائق البيع بعبارة: "على ما سُنِّن عليه"، صونًا لإرث الأوائل ومواضع أيديهم.
​دقة التوجيه: تؤصِّل الوثائق الجهات الأربع بإحكام متناهٍ؛ فيقولون: "يحدُّه قِبليًا" (شمالًا)، و"بحريًا" (جنوبًا)، وشرقًا وغربًا.
فإذا تلاصقت الرقاع قيل: "إلى حَرْفِ فلان" أي اتصلت الحدود بحدوده. أما الوثيقة العارية من السَّنَن بجهاته الأربع، فليست إلا "مشاعًا" تائهًا لا يستقر له قرار.
​عبقرية السَّنَن في تضاريس يافع:
ولم يكن الأجداد جامدي الفكر، بل فصلوا أحكام الأرض على قدّ تضاريسها:
​في المدرجات الجبلية: السَّنَن حزامٌ ضيق يفصل بين شفة طينك وشفة طين جارك.
​في الأطيان العمودية (العلو والسفل): السَّنَن هنا هو الجدار الساند (الجرَب)؛ وحُكمه أن الجدار مِلك لصاحب الطين الأعلى، يتعهده بالترميم إن تداعى بجرير السيول، مُلزمًا بترك فتحات ناصعة تُسمى "المسافح"، تُسرب ماء المطر بتؤدة إلى الأرض السفلى دون أن تجرف تربتها الطيبة.
​في الأطيان الأفقية بالوديان: السَّنَن شريط من تراب يُترك عمدًا بلا بذر ولا زرع ويُدعى "السَّوْم"، ليكون برزخًا بيّنًا بين الملكين.
​مَثَلٌ يافعيٌّ سائر: "مَن قارب السَّنَن، عينه على طين جاره"؛ ولهذا شُدّد على بقائه جليًّا مكشوفًا. فإذا ما عفت معالمه ريحٌ أو سيل، هبّ "أهل الخُبْرة" لبعثه من جديد، مستنطقين الصخور الصمّ والوثائق العتيقة.
​لغة الأرقام وشُمول البيع:
​حبال القياس: تُباع "الجِربة" بـ "الحبل"، وهو ميزان قياسي جليل يبلغ طوله (28.8 مترًا) وعرضه (5.76 مترًا).
​فيوضات الشمول: لا تخرج الأرض من يد بائعها إلا "مع الشافع" (الخلاء والآكام الملاصقة)، تعززها عبارات تفيض جزالة: "شامل كامل، تربة وكربة، شجر وحجر ومدر، نابت ومنبوت"؛ والنابت ما جادت به الطبيعة من عفو خاطرها، والمنبوت ما غرسته يد الإنسان حبًّا وشوقًا كالبُنّ الباسق والقات والفواكه.
​فقه العمران: ساح وباح وفساح
​وعند ابتياع "العرصة" (أرض البناء)، تُصاغ ثلاثة أحرف بليغة تقطع النزاع من جذوره:
​ساح: الفضاء الطليق المحيط بالبنيان، ليضمن المالك ملحقات بيته.
​باح: باحة الدار ووسطها، وحِمى الانتفاع المطلق الذي لا ينازعه فيه منازع.
​فساح: امتداد حقوق الارتفاق؛ من ممر للمشاة، ومسيل للمطر، ومطرح للدواب، كفالةً لـ "حق المرور والتوسع" حتى لا يقف الجار سدًا في وجه امتداد أخيه.
​حقوق البيت الحي: المداخل والمخارج والأنفاس
​البيت في يافع ليس جدرانًا صماء، بل هو كائن حيٌّ يُباع بثلاثة حقوق مقدسة:
​المداخل والمخارج: وهي أوردة المرور وسُبله، فلا يُغلق طريق مألوف، ولا يُحبس بيت في غربته.
​الأنفاس: وهي حق البيت في النور والتروية؛ فلا يسوغ لجارٍ أن يسد نافذة، أو يرفع جدارًا يحجب شمس الضحى أو يمنع هبوب النسيم. وبذلك، ينتقل البيت للمشتري "حيًا نافذًا"، له رئة تتنفس وشريان يتحرك.
​ثانيًا: #العبيلة.. تخوم صاغتها يد السماء
​العبيلة هي متن صخري صلب، أو أكمة حصباء تمنعت على المحاريث والزراعة. وهي في عُرف يافع مَعلَمٌ كونيٌّ ثابت يفصل بين الشعاب والمدرجات، أو يحجز بين الملك الخاص والمراعي العامة (الشافع).
​تتجلى عظمتها في كونها عاصية على البِلى؛ فالجدار قد ينهار، أما العبيلة فوتدٌ راسخ لا يُجر ولا يُزاح. فإذا سطرت الوثيقة: "ينتهي حده إلى العبيلة"، استقرت الأنفس وقُلع باب الخصومة.
(الفريد من موروث #يافع التليد)
#التحجير_و_التمطير
معتقدات #الغيث في الوجدان اليافعي القديم

اعداد /عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي

​أولًا: المطر عصب الحياة وسر الوجود
​لم تكن غيوث المطر في "يافع" مجرد ظاهرة طبيعية تجود بها السماء، بل كانت نبض الحياة، وشريان الوجود، والفيصل بين الرخاء والعدم. في تلك الجبال الشاهقة والمدرجات التي صاغتها سواعد الأجداد كلوحات فنية معجزة، عاش الإنسان اليافعي ملتحمًا بالأرض، معتمدًا اعتمادًا كليًا على زراعة موسمية تحاكي كرم السحاب. فكان الفلاح يرقب الأفق بعين الشوق، ويستنطق البرق بنبضات قلبه؛ فإذا جادت السماء اخضرت المدرجات واحتفلت الوديان بسنابل الدخن والذرة وبقية المحاصيل الزراعية ، وإذا شحّ الغيث خيم الصمت والثكل على البيوت والمراعي. المطر هناك هو الرزق، والوجاهة، والاستقرار، والبقاء.
​ثانيًا: العمق التاريخي
من نقوش الحميرية السبأية إلى رحاب الوحدانية التوحيد

​تضرب جذور الوجدان اليافعي في عمق التاريخ، حيث تكشف النقوش المسندية المكتشفة في بعض المواقع عن ميثاق قديم بين الإنسان والسماء في عصور ما قبل الإسلام. كان الأجداد الأوائل يقفون إجلالاً أمام قوى الكون، فيقدمون القرابين والذبائح للآلهة القديمة (كعم، والمقه، وشمس) استمطاراً للسحب، واستمناحاً للبركة، وطلباً للإغاثة من سنوات الجدب العجاف، في طقوس تعكس مدى استشعارهم بالضعف البشري أمام جبروت الخالق الرزاق.

و​مع إشراقة نور الإسلام، تهذبت تلك المشاعر وتحولت من الشرك إلى التوحيد الخالص، وارتبط المطر في الوعي اليافعي برحمة الله وعنايته، وأدرك الإنسان أن الغيث بيد الخالق وحده، وأن الطاعة تجلب الرزق والمعصية تحبسه. وتجلى هذا اليقين في التمسك بالآيات والأحاديث التي تبين مفاتيح الغيث وموانعه:
​الاستغفار كأعظم جالب للغيث: امتثالاً لقوله تعالى:
​﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾.
و​جادوا بالزكوات والصدقات عندما ادركوا ان منعها اسباب للقحط: استشهاداً بالحديث النبوي الشريف:
​"...وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا".
وانتهو عن ​ الفساد والظلم والحسد: ترسخ في المأثور اليافعي القديم حكمة بليغة تقول: (على ارض الفسد ولا ارض الحسد ) اي ان "المطر قد يأتي على بلاد الفسد، ولكنه مستحيل ان يسقي أرض ينتشر فيها الحسد" ، وهذا لايعني انها دعوة للفساد الممقوت بل تحذير ان الحسد اشد منه . فكانوا يعتقدون أن التباغض، وتفشي المنكرات، وظلم العباد، أسباب رئيسية تحبس الغيث في السماء كعقوبة ربانية، مما يدفع المجتمع قاطبة للتوبة ورفع المظالم لعل الله يرحمهم ويقيهم القحط.

​ثالثًا: طقوس وموروثات عقائدية مشبوهة ،
(#التحجير ومتاهات الاعتقاد)
​بفعل تداخل العصور، وتأثر المنطقة بمذاهب وأفكار دينية صوفية وفلكلورية غابت عنها الأسانيد الشرعية الثابتة، نشأت في يافع معتقدات عجيبة حول حبس المطر، عُرفت بمسألة "التحجير" (أي حجز المطر ومنعه من النزول بفعل فاعل). ومن أبرز هذه الممارسات والمعتقدات:
​1. التحجير بـ "الشويف" (السحر الأسود)
​"#الشافة" (وجملتها الشويف) هي طلاسم سحرية يُعتقد أن بعض العارفين بكتب السحر والشعوذة يكتبونها بخفية، ثم يضعونها في قمم الجبال الشاهقة أو الكهوف لـ"تحجير" المطر وعزل السحاب. وكان السائد أن المطر لن يهطل إلا بإبطال هذا السحر وإحراقه، ويتم ذلك عبر طرق ثلاث:
​إما باعتراف الساحر الواضع لها (وهو أمر نادر الحدوث).
​أو برؤيا صادقة تأتي لرجل صالح يرى فيها موضع الطلسم بدقة فيذهب لانتزاعه.
​أو عن طريق "#التمطير"، وهو ذبح الذبائح عند مقامات الأولياء أو في أماكن معينة، ظناً منهم أن ذلك سيستنزل صواعق سماوية من الله تضرب قمم الجبال فتحرق "الشويف" الخفية. وكان هذا الحل هو الأكثر رواجاً نظراً لصعوبة الطريقتين الأوليين.
​2. التحجير بحركات وطقوس "المشيخين"
​كان يُعتقد أن بعض الأشخاص "المشيخين" الذين يُنسبون إلى أجداد مباركين يمتلكون كرامات خاصة وقدرات خارقة. فإذا تعرض أحدهم لظلم، أو غُبِن في حق، ساد الاعتقاد بأنه قام بحركات أو طقوس معينة (تحجير) غضباً، مما يتسبب في احتباس المطر عن المنطقة كنوع من العقاب المعنوي، ولا ينزل المطر إلا برضاه وإرضائه.
​3. التحجير بانقلاب #جثة_الميت داخل قبره
​نظراً للطبيعة الجغرافية الصخرية لبلاد يافع، تُحفر القبور في الصخور الصلبة، ويُسد لَحدها بصفائح صخرية تُسمى (الصَّلَاء). ويُوضع الميت على جنبه الأيمن حصراً ويده اليمنى تحت خده.
(سلسلة الفريد من موروث #يافع التليد)

" #الحقيف" اليافعية
شموخ الجبل : ملحمة "الحقيف" وهندسة العبقرية الزراعية وسحر اللفظ
​بقلم:
عبد الفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي

لم يقف الإنسان اليافعي مكتوف الأيدي أمام قسوة الطبيعة ​بين صخور يافع الصمّاء الشامخة، وفي أحضان جبالها التي تطاول السماء ، بل خاض مع الجبل ملحمةً وجودية؛ طوّع فيها الصخر ليكون مهدًا للحياة، وحوّل القمم الوعرة إلى لوحة هندسية بديعة تعزف لحن البقاء.
فلم تكن تلك المدرجات مجرد كتل من تراب وحجر، بل كانت نظامًا عبقريًا متكاملًا يتحدّى الجاذبية، ونُقشت على كل شبر منه أسماء توارثها الأبناء عن الأجداد، كأنها وثائق عشق أبدي وصكوك انتماء معمدة بالدم والعرق بين الأرض والإنسان.

​أولاً: تعريف " #الحِقْفِة " لغةً واصطلاحاً
​لغةً: إذا أرتحلنا في سبر أغوار المعاجم العربية كـ لسان العرب والقاموس المحيط، نجد أن الجذر الثلاثي (حَقَفَ) يدور حول معاني الانحناء، والالتواء، والاحتواء. فـ "الأَحْقَف" هو الكثيب من الرمل الذي انحنى واعوجّ (ومنها سورة الأحقاف في القرآن الكريم). ويقال "احْقَوْقَفَ الشيء" أي التوى وتثنى خصره، واستُعمل اللفظ قديماً لوصف القطع المستطيلة الملتوية من الأرض أو انحناءات الجبال.
​اصطلاحاً (في اللهجة #اليافعية الدارجة): هي عملية تكييف مذهلة للّفظ الفصيح ونقله من سيولة الصحراء إلى صلابة الجبل؛ حيث تُطلق "الحِقْفِة" (والجمع: حَقَيْف) محلّياً على المدرج الزراعي الصغير جداً، أو تلك الزاوية الضيقة المنحنية والمحصورة بين صخرتين عاتيتين في معطف الجبل. فهي تطابق الفصحى تماماً في معنى "الانحناء والاحتواء"، لكنها هنا تحجز خلفها الطين والماء بدلاً من الرمال.
​ثانياً: "قشابة الحقيف"..
هندسة استصلاح المدرجات الجبلية
​إن بناء هذه المدرجات ليس مجرد رصٍّ عشوائي للحجارة، بل هو تكتيك هندسي فطري يُسمى محلّياً بـ "قشابة الحقيف"، ويمر بمراحل دقيقة تعكس صراع الإنسان مع الصخر:
​بناء الساس (بناء ذنوب): تبدأ الملحمة بتأسيس قاعدة الجدار على أرضية صخرية صلبة باستخدام أحجار عادية، ولكن بطريقة هندسية صارمة تُدعى "بناء ذنوب". وفي هذه الطريقة، يتم وضع الأحجار بوضعية طولية تمتد من الأمام إلى عمق الداخل، مع تجنب الوضعيات العرضية تماماً، مما يضمن تداخل الحجر مع الجبل وتثبيته كأنه جزء لا يتجزأ من تكوينه.
​محاكاة تضاريس الجبل (الضرك): أثناء ارتفاع الجدار الساند—والذي يُسمى "الضَّرْك"—فإنه لا يُبنى باستقامة هندسية جامدة من اليمين إلى اليسار، بل يتبع بتعرجاته وتقوساته واعوجاجه التكوين التضاريسي الطبيعي للجبل، وكأنه ثعبان من حجر يلتف حول خصر القمة.
​غربلة التربة وحشوة "الهرز": تزامناً مع رفع الجدار، يقوم المزارع بغربلة التربة وتنقيتها؛ فيأخذ الأحجار الكبيرة للبناء، بينما تُعزل الحصوات الصغيرة جداً وتُسمى "الهرز". تُوضع هذه الحصوات كحشوات دقيقة ومكثفة على الرؤوس الداخلية للأحجار لتسد أي منافذ أو شقوق قد يتسرب منها الماء مستقبلاً، مما يُكسب الجدار قوة وتماسكاً أسطورياً ضد عوامل التعرية.
ثم ​تتابع الطبقات: بعد أن يرتفع الجدار، وتُغربل التربة وتُسوّى وتُمهّد، يبدأ وضع الأساس للمدرج الذي يعلوه، وهكذا تتوالى الطبقات صعوداً نحو السماء كدرجات سلمٍ ممتد إلى المجهول.
وفي حالة وجود هرز زائدة عن احتياج بناء الجدار يتم اخراجها واما الى مكان خارج الطور او تكويمها في زاوية من الحقفة وبناء ساند لها وتسمى ِعْمِة .

​ثالثاً: مكونات المدرج الجبلي
​يتكون المدرج الجبلي اليافعي من أجزاء متكاملة، لكل منها وظيفة حيوية صممت بكفاءة عالية:
​١. الجدار (الضَّرْك): هو السد الحجري المنيع والدرع الواقي للمدرج، ومهمته الأساسية هي إسناد التربة وحمايتها من الانجراف والانهيار أمام سيول الأمطار العارمة.
​٢. #السُّوم (والسَّنُوفَة): هو الإطار البارز والحافة التي تعلو مستوى تربة سطح المدرج. يُبنى من أحجار مسطحة خاصة تُسمى "مَسَانِف"، ويتم تبطينها بـ "الهرز" ثم تُغطى بطبقة من التراب. وتكمن الأهمية القصوى لـ "السُّوم" في حبس مياه الأمطار داخل الحِقْفِة أو الطّور، ليتحول المدرج إلى ما يشبه الحوض المستقل الذي يستوعب الماء ويرغمّه على التغلغل في عمق الأرض.
​٣. الدَّوْر: هو بطن الحِقْفِة أو الطّور، ويمثل مساحة التربة الخصبة المحاذية لأساس (ساس) الجدار الذي يعلوه، وهي المنطقة التي تحتضن البذور وتستقبل خيرات السماء.
​رابعاً: أنواع المدرجات الجبلية وأسمائها المحلية
​تتدرج المساحات في المخيلة اليافعية من مسافة الشبر إلى امتداد الأفق، ولها مسميات محلية دقيقة سنتناولها تصاعدية من الاصغر مساحة الى الاكبر :
(سلسلة الفريد من موروث يافع التليد)

#الحصون_اليافعية القديمة:
بقلم :
عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابو نصر #اليافعي

​حين تتجلى الجبال تيجاناً مرصعة بالتاريخ، وتغدو الصخور لغةً يتحدث بها الزمان، تبرز يافع كأنشودة أزلية صاغتها سواعد الرجال صواناً ورخاماً. هناك، حيث تعانق السحب قمم الشمّاء، تقف "الحصون اليافعية القديمة" شواهد صدقٍ على حضارةٍ تجذرت في أعماق العصور، وحكاياتِ مجدٍ سُطرت بأحرف من كبرياء. إنها ليست مجرد حجارة رُصت فوق بعضها، بل هي سيرة إنسان تحدى التضاريس، وصنع من قمم الجبال قلاعاً للحرية والأمان.
​أولاً:
#الحصن.. بيان اللغة ودلالة الاصطلاح
​الحصن لغةً: هو كل موضعٍ منيع ممتنع لا يُوصَل إلى جوفه، واشتقاقه من الحصانة والتحصين، ويقال: أحْصَنَ المكانَ أي جعله حريزاً لا مأخذ فيه، والحاصن هي المرأة العفيفة الشريفة، فكأن الحصن في اللغة هو مجمع العزة والمنعة والترفع عن الدنايا.
​الحصن اصطلاحاً: هو ذلك البناء المعماري المتكامل، المشيد في الغالب من الأحجار الصلبة على مواقع استراتيجية مرتفعة، بغرض تأمين الحماية، وصد الهجمات، وإدارة الشؤون العسكرية والمدنية في أوقات السلم والحرب، فهو يجمع بين عبقرية الهندسة العسكرية ومتطلبات الحياة الاجتماعية.
​ثانياً: لمحة تاريخية.. نبض حميري في عروق الصخر
​ليست هذه الحصون وليدة قرون قريبة، بل إن جذورها الضاربة في أعماق التاريخ تمتد إلى عهد ممالك حمير القديمة. فقد ورث اليافعيون عن أجدادهم التبابعة مهارة نحت الجبال وتطويع الصخور، فكانت حصونهم امتداداً لتلك القلاع الحميرية السامقة التي كانت تحرس ثغور اليمن السعيد. تشهد التكوينات الأساسية والخطوط المعمارية الأولى لكثير من هذه الحصون على هويات أثرية قديمة، حيث تنفس الحجر بروح الحضارة اليمنية القديمة، وظل صامداً يتحدى عاديات الزمن وعواصف القرون.
​ثالثاً: الهياكل والأشكال.. تنوع هندسي يحاكي التضاريس
​لقد تنوعت أشكال الحصون اليافعية تيجاناً فوق رؤوس الجبال، تبعاً للتكوين التضاريسي والهدف من بنائها:
​القلاع الحصينة: وهي منشآت حربية ضخمة ذات أسوار منيعة وأبراج للمراقبة.
​المباني المربعة فوق القمم: مبانٍ هندسية دقيقة تتربع على قمم محصنة طبيعياً بفعل المنحدرات الساحقة المحيطة بها، فلا تحتاج إلا لجهد بشري يسير لتصبح قلاعاً لا تُقتحم.
​النُوَب والكوت الرباعي: ومفردها (نُوبَة)، وهي أبراج دائرية أو مربعة الشكل، تُبنى للمراقبة السريعة والدفاع المباشر.
​الديور والقصور اليافعية التقليدية: وهي تحف معمارية متعددة الطوابق، تجمع بين الفن الجمالي اليافعي الفريد (النوافذ المزخرفة والخطوط البيضاء) وبين التحصين الدفاعي الذاتي.
​رابعاً: طبيعة الحصون ووظائفها القديمة
​لم تُبنَ هذه الحصون عبثاً، بل كانت لكل حجرٍ فيها غاية، ولكل زاويةٍ مهمة، ويمكن تصنيف أغراضها إلى:
​حصون القمم الحربية: بنيت كقلاع عسكرية خالصة في مواقع حاكمة لصد الغزاة وإدارة المعارك وتأمين القبيلة.
​حصون الطرق والقوافل: بنيت مشرفةً ومطلةً على طرق القوافل التجارية القديمة (كالطرق القادمة من شبوة والبيضاء عبر يافع إلى موانئ أبين وعدن)، لتؤدي مهام أمنية ولوجستية، وتحمي العابرين والتجار.
​الحصون المساكن (الملجأ): وهي ديور وقصور كبيرة الحجم، شديدة التحصين بسبب موقعها وكبرها، كانت في زمن السلم مساكن عامرة، وفي زمن الحروب تتحول إلى ملاذات آمنة لجميع سكان المنطقة يلوذون بها للاحتماء.

​خامساً: محاور الحصر والتوثيق للحصون اليافعية
​المحور الأول:
#حصون تحولت إلى مدن عامرة (وألقاب حاضرة)
​وهي الحصون التي اتسعت وتكاثرت حولها الحارة والديار حتى غدت مدناً يشار إليها بالبنان، وارتشفت عائلاتها اسم الحصن لقباً لها فصاروا يُعرفون بـ (الحصني):
1. ​#حصن_عطية (يافع الساحل - كلد): تحول هذا الحصن التاريخي إلى عاصمة رديفة لسلطنة يافع بني قاصد، وهو اليوم مدينة صاخبة بالحياة وعامرة بالسكان. وما زالت حصون سلاطين آل عفيف تشهد على هذا المجد شامخة على جبل المنقاش المطل على المدينة التي أصبحت تدعى اليوم "الحصن" أو "حصن عطية"، نسبة إلى أول حصن شيده هناك آل عطية الهويدي الجلادي الكلدي (مشائخ مكتب كلد، أكبر مكاتب يافع العشرة).
2. ​#حصن_الحد (حصن زُعْلِي): من أقدم الحصون وأكبرها مساحة، حمل اسم الحصن منذ فجر التاريخ، ولا تزال حصونه السكنية المتكاثرة واقفة على ربوة مرتفعة تطل بكبرياء على المناطق المنبسطة من حولها.
3. ​#حصن_بني_علسي (لبعوس):
كان يرتفع فوق قلعة جبلية حصينة بقيت من مبانيها الشاهقة آثار تعلو القمة. اليوم، تحولت المنطقة السكنية المكتظة بالديور الشامخة حوله إلى منطقة تحمل اسم "الحصن"، وتذيل عائلاتها أسماءها بلقب "الحصني".
(سلسلة الفريد من موروث #يافع التليد)

#مروح_الحريوة #اليافعية

من اصوات التوديع وأهازيج السيّار الى التلقية والترحيب : في مراسيم "يوم المروح" للحريوة اليافعية زمان

بقلم /
عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي

​تنطوي عادات وتقاليد يافع الاصالة والتاريخ على إرثٍ تليد، تتلفع به عاداتها القديمة بأثوابٍ من البهاء البديع والبيان الرفيع.
وإذا ما أدركتَ السبعة الأيام التي تدور عليها مراسيم الزواج الغابر، من يوم الحا ويوم الشواعة ويوم المروح ويوم الأون (الغون ) ويوم البراك وثاني البراك ، يكفيك إن ألفيتَ قلادة تلك المناسبات تتوهج بـ "نهار #المَرْوَح"؛ ذلك اليوم المشهود الذي تهتز له الشغاف، وتتربع فيه المرأة اليافعية أميرةً على عرش القلوب والمهج، في دلالةٍ شعورية يمتزج فيها فرح الوصال بمرارة الفراق.
​زئير البرَع وعناد الدّلال
​مع تباشير الصباح الباكر،

اولاً: حفّات الشواعة وحلقات البرع :
حين تغص دار العروس والديار المجاورة لها بجمع "الشَّوَاعة" الذين وفدوا من ليلة "الشواعة" الفائتة، وقد عقدوا العزم على المغادرة مستصحبين "الجوهرة" الحريوة التي من أجلها شدّوا الرحال. وفي خضم ذلك، يملأ الوجل قلوبهم؛ إذ يتطيرون من أي إرهاصٍ قد يعكر صفو يومهم، فيحسبون له ألف حساب. ولما كان عقد النكاح قد أُبرم في الليلة السالفة تحت ظلال الضيافة الكريمة، لم يجد الشواعة بُدّاً من قطع الوقت بـ حلقات البرع اللاهبة والمساجلات الشعرية الصادحة أمام الدار؛ يبتغون بذلك تزجية الساعات التي تتمنع فيها العروس دلالاً، ويرسلون في الوقت عينه نداءً مبطناً لأهل الدار يُستحثونهم فيه على التعجيل والتجهيز.

ثانياً:
​مناكفة النسوة وبخور العود:
كان حفل النساء الأكبر يدور في الخدور بفلك توديعٍ مبالغٍ فيه، قد يمتد كظلال الغروب. هناك، تنسج النسوة من ألسنتهنّ شبكةً من الأهازيج؛ فتارةً يمدحن العروس بجمالٍ يضاهي "نجم السماء"، وتارةً يهجون "الشواعة" الأغيار الذين جاؤوا في ظنهنّ لاختطاف درّتهن الغالية،
​ولأنّ الاستفزاز فنٌّ من فنون ذلك اليوم، تعلو الأصوات بطلب "كبير الشواعة" بأهازيج تهكمية متسائلة: (ألا واهداني من هو كبير الشواعة... هدااان). عندها يسارع الشواعة متوجسين من الهجاء، فيدفعون بممثلهم حاملاً أغلى ما يملكون من البخور كـ العود الأخضر، ليضعه في مبخرةٍ كبرى عند بوابة النسوة. ورغم جودته، لا يقررن بصلاحه مناكفةً وعناداً، بل يرمينه بأنه بخورٌ جُلب من نبت "العَضْرَب"!
ولا يسلم من هذا التهكم والتقريع "الذَّريع" (الوسيط) الذي جرّع الكأس مُرّاً لأنه تسبب في إبعاد صديقتهن، فيقيدنه بألسنتهن قياداً: (وا هداني من هو ذريع الحمامه... وا هداني بانربطه للقرينه).
وإذا تمنع أحدهم أو تأخر، انهمر عليه سيل التقريع الساخر بأنه "حِنِب وسط مَزْرَب" أو "حِنِب وسط جَلّه".
ومن ​الشروط التعجيزية وانفراج الأسارير
​لا ينفك هذا الصراع الوجداني يحرق أعصاب الشواعة، حتى تلين عريكة النسوة فيطلبن "الحريو" (العريس)؛
قائلات في صوت جماعي رخيم وشجي (حريو اقرب تقارب طربوا لك بالامان .
طول الناس من يوم
وانت لك طول الزمان) .
فحينها تنفرج أسارير الوجوه، ويستبشر الرجال بـ "الأمان". يتقدم العريس ليجلس بجوار أميرته وسط الشروط التعجيزية والمطالب المالية الخيالية التي تفرضها النسوة لإثنائه وحرق أعصابه، فلا يملك إلا الصبر الجميل حتى ترضى العروس ببعض اليسير بما يسمى ( #حتامة_الهدّة).
وياتي الفرج عندها يغيرين اللحن الى لحن اعذب منه فيأمرينها بالنهوض قائلات:
(الا وانخلة اشتلي شلل وايعجبون الناس )
​ومع خطوتها الأولى، تعود العراقيل مرة اخرى ، وتسد الطرقات بـ "توديع" كل ركنٍ وطابق من طوابق الدار اليافعية الشاهقة، في غناءٍ مكرر مديد، يوحي بأن المسير قد يتأخر حتى مغيب الشمس ومرْوح الرعيان.
متمثلاتٍ بقولهن:
​ترحَّل وا جمل وارتح ** ويا مَن هو عِجِل يسرح
ألا سيري ألا سيري ** ولش لا مرْوَح الرّعيان
ألا سيري ألا سيري ** ألا وا خيّة الشجعان

ثالثاً:
ال​موكب المُهاب وزوامل الإياب
​حين ينتهي المخاض المبهج، ويستلم الشواعة عروستهم، يبرز من فخيذة العروس رجلان مدججان بالسلاح، يتخذ كل منهما مكاناً موازياً للموكب دون اختلاط، يرقبان العروس بوعيٍ يقظ حذر، كحارسين غامضين من حراس الحكايات القديمة، حتى إذا دنوا من ديار العريس، انسلّ الفارسَان فجأة وعادا أدراجهما في صمتٍ مهيب.
​وعلى طول الدرب الطويل المشيَّد مشياً على الأقدام، يصدح الشواعة بـ الزوامل اليافعية التي يرتجلها الشعراء الفطاحل. فإذا أراد أحدهم أن يطلق زاملاً جديداً، رفع يده صائحاً بأعلى صوته في شموخٍ يماني:
[الفريد من موروث #يافع التليد]
.......... ....................
شروع وأعراف #الأراضي الزراعية في يافع:
ميثاق الأرض وهندسة العرف الأصيل

عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي

​ لم تكن الأرض الزراعية في بلاد يافع مجرد حجر ومدر ، و نابت ومنبوت ومساقي وملاقي ، بل كانت عِرضاً يُصان، وتاريخاً يُكتب بعرق الجبين. ومن رِحم هذه العلاقة الأزلية بين الإنسان اليافعي ومدرجاته الخضراء، وُلدت "الشروع والأعراف"؛ لتكون بمثابة الدستور المكتوب وغير المكتوب الذي ينظم شؤون الزراعة، ويهندس العلاقات الإنسانية والمعاملات المادية بروح من العدالة، والحكمة، والبلاغة الفطرية التي توارثتها الأجيال.

​أولاً: عقود #الشَّرِكة و #الشُّرك (بين ذمّة المالك وعرق المستنفع)
​لقد صاغ العرف اليافعي عقود "الشراكة" بين مالك الأرض ومن يقوم بفلاحتها صياغةً بليغة تضمن ديمومة الأرض وحفظ الحقوق، وتتنوع هذه الاتفاقيات لتلبي كافة الظروف الاقتصادية والاجتماعية على النحو الآتي:
١. ​شُرْكة #الأَبَد (عهد الوفاء الممتد): وهي قمة التكافل والاستقرار؛ إذ يُسلّم مالك الأرض أرضاً بيضاء بـِكراً (غير مستصلحة) لشخص آخر، فيقوم الأخير بـ "قشابتها" وتذليل صخورها وبناء مدرجاتها حتى تغدو جنة خضراء. وتكليلاً لهذا الجهد الجبار، تبقى الأرض تحت يده يقتسم ثمرها مع المالك مناصفةً ان كانت تسقى من المطر ، وثلث بثلثين ان كانت تزرع بالبن المسني من الابار الذي يحتاج الى رعاية فائقة من البتلة والاهتمام ، وتتورث لأبنائه من بعده. وقد صاغ العرف اليافعي شرط استردادها في عبارة بليغة الدلالة: "لا يخرجه منها إلا خُلّ والا جدس " ويقال ايضا نقصٌ أو جدس".​
والخُل او النقص: هو الإخلال بالأمانة، اما بالتفريط في الأرض أو التحايل في إيتاء المالك نصيبه من الثمر.
و​الجدس: هو إهمال الطين وترك حراثته وتزريعه حتى يعود بوراً خراباً .
وفي حالة اراد المالك استرداد حقه عليه ان يتنازل للمستنفع عن ثلث من الارض تسجل بوثيقة ملك شرعي له مقابل القشابة .
٢. شركة #المناح :وبنودها ويتم بالتراضي والقناعة بين المالك والشريك أي المستنفع ، وهذا الشرط أن يسلم المالك أرض بكر للمستنفع ويقوم الثاني بقشابتها وتجهيزها على أن يستمنح هذه الأرض حسب الاتفاق بين الطرفين مثلاً المستنفع يستمنح الأرض بعد قشابتها لفترة خمس سنوات أو سبع أو أكثر أو أقل حسب الاتفاق بينهم يعني الفترة الذي يتفقون عليها يزرعها ويحصدها المستنفع دون قسم للمالك وبعدها يتم قسم الربع للمالك بفترة زمنية محددة خمس سنوات أو تزيد او تنقص ، المهم قسم الربع للمالك فقط ، وبعدها يتم قسم النصف للمالك وتبقى الطين بعد ذلك طلق بطلق للمالك الحق أخذ ارضه أي وقت ولكن بعد تنفيذ هذا الشرط بكامل بنودة كانوا الاباء والاجداد طيبين وتستمر العهود طوال الزمن .

٣. شُرك #الطَلَق بَطَلَق ​: وهو إشراك الطين المستصلحة ب(عقد الموسم والجهد): وفيها يسلم المالك أرضاً جاهزة ومستصلحة للمستنفع، ليقوم بحراثتها وسقيها وزراعتها، وفي نهاية كل موسم يقتسمان الثمرة نصفين ، او ثلث للمالك وثلثين للمستنفع اذا كانت الارض تحتاج لرعايات وسفي مسنى وغيرها . وللمالك الحق في استعادة أرضه متى شاء؛ إما عند نهاية الموسم، أو قبل حصد الثمرة شريطة أن يُحاسب المستنفع ويوَفّيه أتعابه وجهده. وفي كلا الحالتين السابقتين على المستنفع استدعاء المالك وقت نضوج الثمرة وللمالك حسب التراضي اخذ نصيبه من الثمار يوم الصراب او الجني او تكليف المستنفع بالصراب واللبيج او جني البن وضحايه اي تجفيفه ويأخذ مقابل اتعابه بهذا العمل ويقسم الباقي من الحب او البن للمالك حسب امانته والثقة المتبادلة.
٤. #السحب : هناك قوانين خاصة سنت وسرت على اطيان بلاد يافع الساحل في دلتا ابين في زمن احتاجت به بريطانيا لزراعة القطن هناك وتحديدا في الخمسينات من القرن المنصرم وذاك لتمويل مصانعها بخام القطن ،حيث عملت شبكة الري وسمي سحب عندما تم سحب الارض البور من اصحاب الملكيات القديمة واعطتها المستنفعين (لبرتها) اي استصلاحها ومع انها انكرت كثير من الملاك وسمت ارضهم بيت مال للسلطنة ، فاعطت حينها للمالك حق استلام خمس الثمرة واربعة أخماس لمستنفع ، وبحين احرمت المالك من استرداد ارضه وسحبها من المستنفع اعطت للأخير الحق ان يورث هذا السحب او يبيعه او يتنازل عنه لاي مستنفع آخر وقتما اراد ولا للمالك سوى ان يساق له نسبته من الثمرة وهي الخمس ، ولكن مؤخرا أُعطي للمالك حق البيع في حالة تحويل هذه الارض الى مخططات سكنية بالتراضي مع صاحب السحب .
٥. حق #الشرحة : وهي نصيب من الثمرة يعطى لمن يشرح الارض كإن تكون الارض قريب من بيته ويقوم بشراحتها من الحيوانات ومراعات السيل اثناء المطر ففي اطيان البُن يحصل المشارح على التسع مع كمية يقدرها المالك بحق القهوة والدبئان . وان كان الشارح يبتل الارض قد يحصل على السدس من الثمرة .
سلسلة الفريد من موروث #يافع التليد

تسميات مباني الديور #الدور في يافع
من هَندَسَةُ الحَجَرِ والى أَنْسَنَةُ الأَثَر: قِرَاءَةٌ فِي جُمَالِيَّاتِ "تَسْمِيَاتِ الدِّيُورِ اليَافِعِيَّةِ القَدِيمَة"

​بقلم /
عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

​لم يكن المعماريُّ اليافعيّ قديماً مجرّدَ بَنَّاءٍ يَرْصُفُ الحِجَارَةَ فوقَ الحِجَارَةِ؛ بل كانَ شَاعِراً يُشَيِّدُ قَصَائِدَهُ مِن صُمِّ الصَّخْرِ، يَرْفَعُهَا نَحْوَ السَّمَاءِ شَوَامِخَ تُنَاطِحُ السَّحَابَ، وَتَحْرُسُ الذَّاكِرَةَ. وفي يافع، تلك المَجَرَّةُ الجَبَلِيَّةُ المَهَابَة، لم تَقِفِ الفَرْدَانِيَّةُ العِمَارِيَّةُ عِندَ حُدُودِ التَّصْمِيمِ الـمُبْهِرِ أو الزَّخْرَفَةِ التَّالِدَةِ، بل تَجَاوَزَتْهَا إلى صَنِيعٍ بَلاغِيٍّ بَدِيع: أَنْسَنَةُ الدَّارِ. لقدْ أَنْزَلُوا هَذِهِ الدِّيُورَ مَنْزِلَةَ البَشَرِ، فَمَنَحُوهَا أَسْمَاءً وَأَلْقَاباً، وَخَلَعُوا عَلَيْهَا هَيْبَةً وَمَكَانَةً تَسْكُنُ الـمُقَلَ وَتَسْتَوْطِنُ الوِجْدَانَ.
​وفي قِرَاءَةٍ صَحَفِيَّةٍ لِـمَا خَطَّتْهُ الأَقْلامُ حَوْلَ "تَسْمِيَاتِ الدِّيُورِ اليَافِعِيَّةِ القَدِيمَة"، نَكْتَشِفُ أنَّ تِلْكَ الأسْمَاءَ لَمْ تَكُنْ صُدْفَةً عَابِرَةً، بَلْ هِيَ مَنْظُومَةٌ ثَقَافِيَّةٌ وَاجْتِمَاعِيَّةٌ حَافِلَةٌ بِالدَّلالاتِ، كَلْمَةٌ تَلْوِ أُخْرَى، حَتَّى لَكَأَنَّ لِكُلِّ حَجَرٍ فِي تِلْكَ الأَبْرَاجِ نَبْضاً وَلِسَاناً.
​أَبْرَاجٌ تَرْفُلُ بِالـهَيْبَةِ وَالـجَمَال.
اولاً:
​فِي الصِّنْفِ الأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ التَّسْمِيَاتِ، تَشْخَصُ الدِّيُورُ الَّتِي حَازَتْ أَلْقَاباً خَاصَّةً تَنِضُّ بِالـمَجْدِ وَالسُّؤْدُدِ.
فَنَجِدُ "دَارَ #الـمُقْدُمِ"
يتَصَدَّرُ قِمَمَ الـجِبَالِ كَأَنَّهُ القَائِدُ الـمُظَفَّرُ، يُطِلُّ بِهَيْبَتِهِ عَلَى الوِدْيَانِ وَالفِسَاحِ فِي كُلَّد، والسَّعْدِي، واليَهَرِي، وبَنِي مَالِك، وبِقَاعِ الـحَدّ.
وَبِجَانِبِهِ يَشْخَصُ "دَارُ #الـمُشْتَبِحِ" الَّذِي يَمْتَدُّ صَدْرُهُ كَالنَّسْرِ لِيُشْرِفَ عَلَى الطُّرُقِ وَمَسَارَاتِ القَوَافِلِ،
بَيْنَمَا يَقِفُ "دَارُ َمْزَان" عُنْوَاناً لِلْعَظَمَةِ وَالفَخَامَةِ فِي المَعْمَارِ الَّذِي ضُرِبَتْ بِهِ الأمْثَالُ.
وَإِذَا أَرَدْتَ لَـمْسَ العَاطِفَةِ الـمَحْضَةِ، طَالَعَكَ "دَارُ #السَّعَادَةِ" فِي قَلْعَةِ القَارَةِ التَّارِيخِيَّةِ، حَيْثُ حَلَّتْ هَيْبَةُ السَّلاطِينِ العَفِيفِيِّينَ مُقْتَرِنَةً بِعِشْقِ الـمَكَانِ.

ثانياً:
​تسميات من #الوَظِيفَةِ :
​وَلَمْ يَتَوَقَّفْ المَعْمَارِيُّ الَيَافِعِيُّ عِنْدَ الـمَهَابَةِ، بَلْ جَعَلَ لِكُلِّ رَسْمٍ دَلالَةً وَظِيفِيَّةً أوْ شَكْلِيَّةً تُفْصِحُ عَنْ جَوْهَرِهِ:
​تَسْمِيَاتٌ وَظِيفِيَّة: دِيُورٌ تَشُدُّ الـمَشَاعِرَ لِتَارِيخِهَا السِّيَاسِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ، كَـ دَارِ #السَّلَطَنَةِ، ودَارِ #الـمَعْقَلَةِ، ودَارِ #الزَّكَاةِ، ودَارِ #الـحَضْرَةِ، ودَارِ الـمُلَمِّ، وصولاً إلى دَارِ #الضِّيَافَةِ وَ #السَّمْسَرَةِ وَ #الـمَحْرَاسِ وَ #الرُّتْبَةِ.

ثالثاً:
​تَسْمِيَاتُ الشَّكْلِ وَالأَلْوَان: دِيُورٌ تَسْتَحْضِرُ البَصَرَ لِتُحَاكِيَ بَهَاءَهَا،
فَمِنْ الـدَّارِ #الكَبِيرِ وَ #الـمُنَوَّرِ، إلى الـدَّارِ لأَبْيَض وَلأَسْوَد، وَ #الـمَنْقَشِ، وَ #المُدَوَّرِ، وَ #الـدَّوِيلِ، وَدار التطليعة.. إنَّهَا أَلْوَانٌ وَأَشْكَالٌ تُحَالِفُ الطَّبِيعَةَ وَتُشَاكِلُهَا.

رابعاً:
تسميات من ​جُغْرَافِيَا الأَرْضِ وَنَبْضُ الإِنْسَان
​وَفِي انْتِمَاءٍ صَارِخٍ لِلتُّرَابِ، أَبَتِ الدِّيُورُ إلا أَنْ تَحْمِلَ بَصَمَاتِ جُغْرَافِيَّتِهَا وَأَسْمَاءِ سَاكِنِيهَا:
​تَضَارِيسُ الـمَكَان: حَيْثُ نَفَاحَاتِ الجَبَلِ وَالوِادِي فِي أسْمَاءِ كَـ الـدَّارِ َعْلِي وَلَسِّفل، ودَارِ #القَوْدِ، و #الـحَبِيلِ، و #القُلَّةِ، والرَّهْوَةِ، و #السِيلَةِ، والعَقَبَةِ، و #الحَيْدِ.
​خُصُوصِيَّةُ الـمَوَاقِع: بِمَسْمَيَاتٍ تَرْتَبِطُ بِمَعَالِمَ دَقِيقَةٍ كَـ دَارِ #الـمَصْنَعَةِ، والقُفْلِ، والفَارِسِ، والـحَاجِبِ، و َبَّانَ، والمصنعة و #الخلوة والعبأءة
وَحَتَّى الأَشْجَارِ المَبْرُوكَةِ كَـ دَارِ #التِّينَةِ وَالسُّوسَةِ والعلب والبلسة و #السقمة .

​خامساً: أسْمَاءٌ تُنْسَبُ لِرِجَالٍ وَبُنَاةٍ خَلَّدُوا مَآثِرَهُمْ، كَـ دَارِ #أحْمَدَ، وَدَارِ َالِحٍ، ،دار بن سند ، وَدَارِ بن ِيَّانَ، ودار بن سلمان ،دار جابر ، وفِي آلافِ المُنْشَآتِ الَّتِي لا تُحْصَى.
الفريد من موروث #يافع التليد
#تسنين_المواش

علم تسنين الحيوانات الأليفة كإرثاً حضارياً ومعرفياً عميقاً توارثه الاجداد واصبح الكثيرون منا اليوم نجهله

عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

كان آباؤنا وأجدادنا في يافع زمان يمتلكون فراسة وعملاً ميدانياً يُضاهي أحدث العلوم البيطرية اليوم. حيث لم تكن عملية معرفة أعمار الماشية مجرد "تخمين"، بل كانت علماً تطبيقياً دقيقاً يُعرف بـ "علم التسنين"، يعتمد على تفحص الفك السفلي للحيوان (الذي توجد فيه القواطع) لملاحظة تبديل الأسنان اللبنية بالأسنان الدائمة.
​إليكم لمحة مختصراة ومنظمة جمعنا فيها أهم تفاصيل هذا العلم ومراحل عمر الماشية وأسمائها العرفية عند الأولين في بلاد #يافع :
​علم التسنين عند الأجداد: فراسة وتأصيل لمعرفة أعمار الماشية
​قبل ظهور الوثائق والسجلات البيطرية، استطاع أجدادنا تطوير نظام دقيق لمعرفة العمر الحقيقي للماشية (من أغنام، وأبقار، وإبل) عبر فحص فم الحيوان وسنانه. هذا الخبرة المكتسبة لم تكن ترفاً، بل كانت ضرورة تجارية وشرعية؛ لمعرفة صلاحية الأضاحي، ولتقييم القيمة المالية للحيوان وإنتاجيته في البيع والشراء.
​الفكرة الأساسية لـ "التسنين"
​تعتمد هذه الطريقة على مراقبة القواطع في الفك السفلي للمواشي المجترة؛ حيث يولد الحيوان بأسنان لبنية (صغيرة وبيضاء ودقيقة)، ومع تقدمه في العمر يبدأ بفقدان هذه الأسنان اللبنية وتحل محلها أسنان دائمة (تسمى العِراض، وتكون أكبر حجماً وأكثر قوة ولونها يميل للصفرة قليلاً).
​المراحل العمرية للماشية وأسماؤها العرفية
​قسم الأجداد مراحل نمو الماشية بناءً على عدد الأسنان الدائمة النابتة في الفك السفلي إلى مصطلحات دقيقة ولا تزال مستخدمة حتى اليوم:
​1. #الجَذَع (أقل من سنة)
​علامته: تكون جميع أسنان الفك السفلي (الثمانية) لبنية دقيقة وصغيرة.
​العمر التقديري: من عمر 6 أشهر إلى سنة (في الغنم والماعز).
​في العرف: يُطلق عليه "جَذَع" لبداية اشتداده وقدرته على الرعي المستقل.
​2. #الثَّنِي (تجاوز السنة)
​علامته: يسقط القاطعان الأوسطان اللبنيان، وينبت بدلاً منهما سنّان دائمان عريضان في منتصف الفك السفلي، وتكون شبه مشرمة من حافتها العلوية .
​العمر التقديري: من سنة إلى سنة ونصف في الأغنام، وحوالي سنتين في الأبقار.
​الأهمية الشرعية: "الثني" هو الحد الأدنى المقبول في معظم الأضاحي والنذور.
​3. #الرَّبَع / الرَّبَاع (تجاوز السنتين)
​علامته: ظهور أربعة أسنان دائمة عريضة في منتصف الفك (الزوج الأوسط والزوج الذي يليه).
​العمر التقديري: من سنتين إلى سنتين ونصف في الأغنام، و3 سنوات تقريباً في الأبقار.
​4. #السَّدِيس / المُتِم (الجامع)
​علامته: تبديل الأسنان المتبقية ليمتلك الحيوان ستة إلى ثمانية أسنان دائمة كاملة متراصة وعريضة.
​العمر التقديري: بين 3 إلى 4 سنوات في الأغنام، ومن 4 إلى 5 سنوات في الأبقار.
​في العرف: يقال عن الحيوان في هذه المرحلة إنه "مُتِم" أو "جامع"، أي أتمّ نمو أسنانه بالكامل وهو في ذروة قوته وشبابه.
​5. #الساحق اوالقَارِح / الهَرِم (كبير السن)
​علامته: تكتمل الأسنان الدائمة وتبدأ بالتآكل، وتظهر بينها فراغات، أو تتكسر وتسقط، وتتغير ألوانها.
​العمر التقديري: يتجاوز 5 إلى 6 سنوات في الأغنام، و8 سنوات في الأبقار.
​في العرف: يُعرف بالحيوان القارح أو المسنّ ويسمى (ساحق)، وتتراجع قيمته في المبيعات لقلة جودة لحمه أو ضعف قدرته على الرعي.
​دقة العلم الموروث.
اما الحمير فعلامة تحديد مراحلها العمرية فيتم من خلال فحص انيابها التي يبقى في مرحلة الجذع بدون انياب، وبعدما تبدأ تنبت نابيه يتم معرفة عمره حسب اطوال ولون هذه النابين .
​"إن تحديد عمر الحيوان عبر شكل وسن أسنانه لم يكن مجرد حدس، بل كان علماً يعتمد على أرقام وأشكال وأحجام لا تقبل الخطأ، أورثه الآباء للأبناء ليظل شاهداً على عمق المعرفة البيئية والخبرة العملية التي تمتع بها أجدادنا."
(الفريد من موروث يافع التليد )

#المَعْفِي #والمُشَبِّه #والمِتْمِئِّد
المَعْفي والمَشِبِّه والمُتْمَئِّد: حينَ تتماهى البلاغةُ ب #العين في مَوْروثِ يافِع التليد

​عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي

​في غَياهِبِ المَوروثِ الشَّعبيِّ المُمْتَدِّ في حِكاياتٌ يافع التي تَتَجاوَزُ حُدودَ المَألوفِ، وتَسْبُرُ غَوْرَ النَّفْسِ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاء. ، وحَيْثُ تَتَداخلُ المَعْتَقَداتُ بِنَسَجِ الخَيالِ، تَبْرُزُ أَوْصافٌ ثَلاثَةٌ لأَشْخاصٍ يُعْتَقَدُ أَنَّهُم يَحْمِلونَ في طَياتِ أَرْواحِهِم "طاقاتٍ خَفِيَّةً" تَتَطايَرُ شَراراً لِتُصيبَ الآخَرينَ بِالأَذى، في صورةٍ شَبيهَةٍ بـ " #العَيْنِ" التي حَذَّرَتْ مِنْها الأَحاديثُ النَّبَويَّةُ الشَّريفَةُ. بَيْدَ أَنَّ المِعْيارَ اليافِعِيَّ اللّطيفَ يَجْعَلُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْ هَؤلاءِ طابَعاً خاصّاً وسِماتٍ بَيانِيَّةً تُفَرِّقُهُ عَنْ صَاحِبِه.

​الفُروقُ الدَّقيقَة: بَيْنَ نَظْرَةِ العَيْنِ وشَهْقَةِ اللِّسان
١. #المَعْفي: هُوَ الأَقْرَبُ صورَةً إلى صَاحِبِ العَيْنِ الحَاسِدَةِ المَعْروفَةِ؛ نَظْرَةٌ حادَّةٌ كالسَّهْمِ تَنْفُذُ إلى صَميمِ النِّعْمَةِ فَتُحيلُها عَدَماً، وهي الاصاباتُ التي تَحَدَّثَ عَنْها نَبِيُّنا الكَريمُ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.

٢. #المَشِبِّه: كائِنٌ لا يَكْتَفي بِالنَّظَرِ، بَلْ يَشْتَرِكُ مَعَ "المَعْفي" في سَطْوَةِ العَيْنِ ويَزيدُ عَلَيْهِ بِـ "الرَّمْيِ البَلاغِيّ"! فالمَشِبِّهُ، حَسَبَ المعتقدات القديمة، يَسْتَلُّ تشبيهاً بَيانِيّاً (صَريحاً أَوْ ضِمْنِيّاً) يَكونُ كَإِطْلاقِ الرَّصاصَةِ العَمْياءِ!
​مِنْ شَوارِدِ الأُسْطورَة:
يُرْوى أَنَّ أَحَدَ "المَشِبِّهينَ" رَأى صَقْراً (سافِعاً) يَنْقَضُّ مِنَ العَلياءِ على دَجاجَةٍ تَحْرُسُ صيصانَها، فَأَخَذَ الأُمَّ وتَرَكَ الصِّغارَ في ذُعَرٍ. لَمْ يَتَمالَكِ المَشِبِّهُ نَفْسَهُ، فَأَطْلَقَ ضَحْكَةً ساخِرَةً وتَفَوَّهَ بِبَلاغَةٍ قاتِلَة: (أَخَذْتَ الدَّلَّةَ وتَرَكْتَ الكاساتِ.. أَرى بِماذا تَشْرَبُ؟)!
وما هي إلاَّ لَحَظاتٌ حَتّى هَوى الصَّقْرُ صَريعاً مَعَ الدَّجاجَةِ إلى الأَرْضِ، وماتَتِ الصّيصانُ خَوْفاً! قَدْ تَكونُ المَقُولَةُ أُسْطورَةً خَيالِيَّةً، لكِنَّ العَقْلَ الجَمْعِيَّ تَناقَلَها كَحَقيقَةٍ تُجَسِّدُ شُؤْمَ "التَّشْبيهِ".

٣. #المُتْمَئِّد: قَريبٌ جِدّاً مِنَ المَشِبِّهِ، إلاَّ أَنَّ سُلْطانَهُ يَشْتَدُّ ويَظْهَرُ جَلِيّاً على المَوائِدِ (وَمِنْها اشْتُقَّ اسْمُهُ: مُتْمَئِد). إنَّها حالَةٌ لا إِرادِيَّةٌ تَعْتَريهِ كَالهاجِسِ المُفاجِئِ عِنْدَ الأَكْلِ والشُّرْبِ.
​فاجِعَةُ المائِدَة:
حُكِيَ أَنَّ رَجُلاً اشْتَهَرَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ المُهْلِكَةِ، وقَضى على عَائِلَتِهِ جَميعاً بالتمئاد! ولَمْ يَبْقَ لَهُ إلاَّ وَلَدٌ واحِدٌ يَرِثُ ذاتَ الجينِ المَشْؤومِ. وفي يَوْمٍ، جَلَسا على المائِدَةِ، وكانَ الابْنُ يَتَهَيَّبُ مَدَّ يَدِهِ خَوْفاً مِنْ قُدْرَةِ أَبيهِ، فَلَمَحَهُ الأَبُ وقالَ عَفْوِيّاً: (كِنّ القُعَيَّد هَمَل؟) أي: لِماذا صَغيرُ الجَمَلِ مُهْمِلٌ للأَكْلِ؟
فَرَدَّ الابْنُ مَذْعوراً: (مِنْ فَجيعَةِ الجَمَل!).. وهنا، سَقَطَ الاثْنانِ مَغْشيّاً عَلَيْهِمَا، كَأَنَّهُما تَبادَلا طَعَناتٍ بِسِلاحٍ بَلاغِيٍّ قاتِل! ومع ذلك تبقى مجرد قصة ليس لها اي سند من الواقع .

ثانيا ​: سُبُلُ الوِقايَةِ والعِلاج
بَيْنَ الهَدْيِ النَّبَوِيِّ والوَهْمِ الشَّعْبِيّ
​لِمُواَجَهَةِ هَذِهِ الطّاقاتِ المَرْهوبَةِ، نَسَجَ الأَهالي شَبَكَةً مِنَ الحِصانَةِ تَتَرَاوَحُ بَيْنَ الشَّرْعِ الشَّريفِ والمَوْروثِ الخُرافِيّ:
​1. النَّهْجُ الدّينِيُّ والـمَأْثور:
​الذِّكْرُ والبَرَكَة: التَّعَوُّذُ بِـ "ما شاءَ الله" والتَّصْليَةُ على النَّبِيِّ عندَ رؤيةِ ما يُعْجِب.
​السَّتْرُ والـحِجاب: إِخْفاءُ النِّعَمِ عَنْ أَعْيُنِ الفُضولِيّينَ؛ كَعَدَمِ إِخْراجِ الأَطْفالِ الصِّغارِ إلى المَلأِ، وحَجْبِ زِينَةِ المَرْأَةِ ومَفَاتِنِها، وسَتْرِ رَضيعِ البَقَرِ والمَواشي المُمَيَّزَة.
​الأَخْذُ مِنْ أَثَرِ الـمُعين: طَلَبُ غُسالَةِ ماءٍ أَوْ وُضوءٍ أَوْ خَصْلَةِ شَعْرٍ وثَوْبٍ مِمَّنْ يُشَكُّ فيهِ لِيَتَبَخَّرَ أَوْ يَغْتَسِلَ بِهِ المَصابُ (وَهُوَ بَابٌ مَبْنِيٌّ على الظَّنِّ لِغِيابِ الدَّليلِ القاطِع).
​2. الخُرافاتُ والأَساطيرُ القَديمَة:
​كَسْرُ العُود: كَسْرُ عودٍ خَشَبِيٍّ في وَجْهِ المَشِبِّهِ لإِبْطالِ سِحْرِ كَلامِه! او مسك الخشب ،
الفريد من موروث #يافع التليد

#العُمّيم
: "العُمّيم" حارس الأساطير اليافعية القديمة

​عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابو نصر

​مثلما اختزلت الذاكرة العربية أساطيرها في سياقٍ رمزِيٍّ غابر، فجسّدت وجلها في "الغول" و"العنقاء" و"الخل الوفي"، تلك الكائنات التي اتخذت من صفحات الخيال مستقراً لها دون أن تطأ لها قدمٌ أرض الواقع؛ فإنّ الثقافة اليافعية القديمة قد زخرت بموروثٍ خرافيٍّ عريض، وجَسّدت أوهاماً استوطنت المخيلة الجمعية لقرون.
​وفي صدارة هذه الرموز والأطياف الخفية، يبرز "العُمّيم"؛ ذلك الكائن الأسطوري الأثير الذي اتخذت منه الأمهات والآباء تعويذةً لتخويف الأطفال، وسلاحاً بيضاوياً لإطفاء فرط حركتهم إذا ما أظلم الليل واشتبكت العتمة. كان "العُمّيم" حاضراً دائماً، يُدعى بأسماءٍ شتى، ويُستحضر في لحظات عجز الأمهات عن كبح جماح الصغار خارج المنزل، أو عند رغبتهن في إسكاط بكائهم، ليغدو هذا الكائن الخفي حارساً للسكينة وشاخصاً مرعباً يفرض الهيبة والهدوء.
​أولاً: أطياف الظلام وسادنو الفزع
​لم يكن استحضار "العُمّيم" مجرد عبثٍ فلكلوري، بل كان وليد جغرافيةٍ صلبة، وطبيعةٍ تحفّها المخاطر؛ حيث بُنيت الدور والقرى على قممٍ شاهقة تطوّقها المنحدرات والضياح (الهوات السحيقة). ولكي يضمن الأهل سلامة صغارهم من الردى والتعثر في ظلمات الليل، كان لا بد من نسج عالمٍ موازٍ من الرعب اللذيذ، تتجسد فيه أشكال العُمّيم لتلائم التخويف من الظلام، ومن أبرز أولئك السدنة الخياليين:

​تبيع الليل: ذلك المخلوق الخفي الخفيّ الوطء، الذي ينسلّ من الظلمة متمثلاً في صورة ثورٍ هائج يتربص بالخطوات التائهة.

​ساحرة سليمان: الجنية المرعبة التي خطّت المخيلة أبعاد هيئتها البشعة؛ بضروعٍ طوالٍ متدليةٍ على ظهرها من كبرها وثقلها.

​صاحب السبع المطاحن: الجنيّ الساحر العملاق، الذي ينوء رأسه بأحجار رحى سبع، تهتز الخطوات لشرّه المخبوء.
​وحش الجمعة: الخرافيّ المجيء، الذي يأتي مقيداً بالسلاسل، يتقارح ذيله نارا، وتتفاشع منه الشرر الملتهبة في صمت العتمة.

​النبّاش: ذاك الذي ينسلّ في ساعات السحر، ليعبث بجمال المقابر، ويخرج جثث الموتى لا سيما من غادروا الدنيا تحت طالع "نجم الحمل".

وفحاس الايدين ذلك الكائن الخفي الذي يتربص في الليل ولاتسمع منه سوى اثر فحر كفوف يديه الناشفات ،

و​قصصٌ خيالية تُنسَج ببراعةٍ وشغف، لتصيب الصغار بالذعر الفطري، فيلجأون إلى أحضان أمهاتهم، مستجيبين لسلطان النوم ومجبرين على أخذ السكينة ملجأً وملاذاً.
​إن "العُمّيم" وأترابه من الكائنات الخرافية لم يكونوا مجرد حكاياتٍ تُروى لملء الفراغ، بل كانوا درعاً لحماية طفولة الأمس في زمنٍ لم تكن فيه أسوارٌ تقي القمم ولا أنوارٌ تضيء الضياح. وظلت هذه الأساطير سجلاً حياً لأدب الشفاهية اليافعية، وشاهداً على كيف استطاع الإنسان القديم صياغة الخوف ليصنع منه وسيلةً للنجاة.
وهناك
صورٌ اخرى لاساطير تتعدد بتعدد المخاطر"للعُمّيم" في الوجدان اليافعي الذي لم يقتصر على رهبة الظلام وحده، بل امتدت أطيافه وتشعبت أشكاله لتشمل كافة مفاصل الحياة القديمة ودروبها الموحشة، حيث تُفرَد لكل خطرٍ أسطورته الخاصة مثل :

- ​تخويفُ المناهل والماء:
حمايةً للأطفال من الاقتراب من موارد المياه الخطرة، تشكّل العُمّيم في صور "عبد الماء"، أو "الخطاف"، أو "الحنش المجوهر" الذي يخرج مشعاً بريقه الساحر عقب هطول الأمطار.

- ​وحوشُ الخلاء والشعاب:
ومنعاً للاقتحام الخاطئ للأماكن الموحشة والشعاب الخالية المترعة بالحيوانات المفترسة، وُلدت أسطورة "دجيرة"—تلك الجنية التائهة في هيئة شاة، وظهر "وحش الجآبة" الذي يتخفى وسط الضباب الكثيف، إضافة إلى "عامر المزمّر" أو "عامر المقصّب"، ذلك الجنيّ الذي يتجسد في هيئة كلبٍ أسود شديد السواد.

- ​حراسُ النار والأصعاد:
ولم تسلم المطابخ والمواقد من هيبة "العُمّيم"، فبرزت "المنوّرة" التي سبق وتناولناها في حلقة سابقة كجنية تجوب مواقد النار في الأصعاد (المطابخ)، و"جنيّ المرمادة"، و"عسني المَنْسم" (قط الرماد الأسود المتلبس بالجن)، ليحذّر الصغار من العبث بقبس النار أو الدنو من جمرها.

- وكذا اسماء العَفَر حسب المخيال اليافعي القديم من اهل بسم الله والسكني والساهن والجني الطيار والساحرة المحلفة واتفوها والمسومة التي تصيب بالسومة والجني المبدل وغيرها من الصفات لهذا العالم الخفي التي كانت تستخدمهم الامهات والجدات للدعوة على الابناء اثنا وصولهن الى قمة الغضب
الفريد في موروث #يافع التليد

عبدالفتاح نصر #السنيدي.
#الشتيت ابو نصر

#عبد_الماء ( #الخطاف)
حين تحرس الأسطورة براءة الصغار:
«عبد الماء» و«الخطاف » في الذاكرة اليافعية
بعد ان تناولنا في حلقات سابقة مجموعة من الاساطير التي تزخر بها الثقافة اليافعية ابمتوارثة منذ القدم ومنها :
العُمينم
وحش الجمعة
النباش
جارية البيت
وحش الجمعة
الحنش المجوهر .

وما زالت لدينا الكثير والكثير منها حيث
​تظل الأسطورة اليافعية ، في جوهرها الإنساني العميق، إحدى أدقّ حيل العقل الجمعي حين يستدعي الخيال ليشيّد به حصوناً للحقيقة. وفي أعالي جبال «يافع» ، حيث ، تُحفر الآبار بأعماق بالغة الخطورة وتبنى المواجل و البرك والسدود في أحشاء الصخر، على مقربة من البيوت ، لتشكل خطر يهدد حيات الاطفال من مغبة السقوط فيها ، حينها لم تكن الخرافة مجرد حكايات تُستجلب لقطع هدوء الليل، بل كانت فلسفة تربوية مبكرة، و«جدار حماية» نسجته مخيلة الأجداد ليحمي صبيانهم من طيش السنون وجسارة الفضول، فحضرت الاسطورة مثل .
​«عبد الماء»..
#الشبح المتأهب عند حافة المجهول
​مع هطول الأمطار وانقشاع الضباب، كانت السدود والمواجل تطفح بالماء الثجاج، لتبدو تلك البرك والمناهل العميقة كحدقات زرقاء مفتوحة في قلب الأرض. وهناك، حيث تدعو برودة الماء شغف الأطفال لاستكشاف الأعماق، كانت تجلس أسطورة «عبد الماء»—أو ما كان يُعرف بـ «الخطاف».
​كان «عبد الماء» كائناً هلامياً خافتاً، هكذا صوّره الرواة، يربض في القاع المظلم للمناهل، عينان متأهبتان ويدان طويلتان تسعيان لخطف كل من يتجرأ على ملامسة الحافة.
​فإذا ما دنا طفلٌ غريرٌ من جدار بئرٍ سحيق، وتطلع نحو الأعماق، لم يكن يرى سوى انعكاس وجهه على صفحة الماء الرقراق؛ لكن المخيلة المحشوة بالتحذير كانت تحيل ذلك الظل المتراقص إلى وجه «الخطاف» وهو يتهيأ لانتشاله إلى غياهب المجهول!
​في تلك اللحظة بالذات، ينخلع قلب الصبي، ويتراجع ققزاً نحو الأمان، هارباً من حتفه المحتوم. لقد نجحت الخرافة في أن تجعل من انعكاس الصورة تحذيراً باصماً، ومن ركود الماء درعاً للسلامة.
​«الحنش المجوهر».. بريق القمر وحيلة الزجر
​وكما تطرقنا في حلقة سابقة انها لم تقتصر عبقرية الترهيب التربوي في يافع على سكون النهار، بل امتدت لتسبر أغوار الليالي الماطرة. ففي مواسم السيول، حين تصبح الطين والانزلاقات الصخرية فخاخاً متربصة بكل عابر، كان بريق القمر يتسلل ليرتدّ عن صفحات المياه المتجمعة فوق الصخور، محدثاً لمعاناً يأخذ بالألباب، ويحسبه الصغار جواهراً وكنوزاً نادرة ألقى بها الغمام.
​وهنا، تولد أسطورة «الحنش المجوهر».
​كانت الحكاية تُروى بنبرة تهمس بالرهبة:
​ثعبان أسطوري عظيم، يحمل على رأسه جوهرة يتيمة تتلألأ في الظلام فتضيء الآفاق.
​ليس وحده، بل يكتنفه حراسٌ شداد: قبله سبعة ثعابين هائلة، وبعده سبعة أخرى حارسة!
​كانت هذه الصورة البديعة كفيلة بزجر أي خطوة طائشة تسعى لخوض طين الليل استكشافاً لذلك الضوء المتلألئ. لم تكن الغاية من «الحنش المجوهر» سوى حماية هؤلاء الأغمار من مغبة الانزلاق فوق الصخور الملساء أو التردي في الشعاب الهابطة التي خلفها السيل.
​عبقرية الوعي الشفهي
​إن التعرّج في شعباب التراث اليافعي يبرز كيف استطاع الإنسان اليمني القديم تسخير الحكاية كأداة للسلامة العامة. لم تكن لديهم لافتات تحذيرية، ولا حراس يطوفون حول البرك العميقة، فأنشأوا في مخيلة الطفل «حارساً وهمياً» يرافقه حيثما حلّ.
​رحل الأجداد، وغارت بعض تلك المناهل، لكن «عبد الماء» و«الحنش المجوهر» يبقيان شاهدَين على أدبٍ شفهيٍّ بديع؛ وظّف الخوف ليصنع الأمان، وجعل من الخرافة حكمةً تقي الصغار السقوط في مهالك الطبيعة الحاضنة والقاسية في آن واحد.
...
الفريد من موروث #يافع التليد

َهْلُ "ِسْمِ_اللهِ"

​عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابو نصر

َهْلُ "ِسْمِ_اللهِ"
عالم الجن في سَفَرٌ مِخْيَالِ «يَافِعَ» القَدِيمِ بَيْنَ أُسْطُورَةِ المَغِيبِ وَوَهَجِ العَقِيدَةِ.
​في حَشْرَجَةِ الظَّلامِ العَتِيقِ، حِينَمَا كَانَتْ صَخُورُ جِبَالِ «يَافِعَ» تَتَنَفَّسُ صَمْتَ القُرُونِ، وَتُعِيدُ صَدَى الرِّيَاحِ كَأَنَّهَا أَهْداءٌ مِنْ عَوَالِمَ غَائِرَةٍ فِي القِدَمِ، لَمْ يَكُنِ اللَّيْلُ مُجَرَّدَ انْحِِسَارٍ لِلضَّوْءِ، بَلْ كَانَ سِتَاراً يُرْفَعُ لِتَبْدَأَ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى حَيَاتَهَا. كَانَ الأَجْدَادُ، وَهُمْ يَلْتَفُّونَ حَوْلَ مَوَاقِدِ «النار» وَيَرْتَشِفُونَ القَهْوَةَ المَشُوبَةَ بِبَقَايَا النَّهَارِ، لا يَسْتَحْضِرُونَ الخَوْفَ جِهَاراً؛ بَلْ يَتَهَامَسُونَ بِاسْمٍ يَمْلَؤُهُ الوجَلُ وَالتَّبْجِيلُ:
«أَهْلُ بِسْمِ اللهِ».
​هَذَا التَّعْبِيرُ البَلاغِيُّ الشَّجِيُّ -الَّذِي يُمَثِّلُ الجِنَاسَ المَعْنَوِيَّ بَيْنَ الخَوْفِ مِنَ المَجْهُولِ وَالتَّعَوُّذِ بِالخَالِقِ- لَمْ يَكُنْ سِوَى كِنَايَةٍ صُوفِيَّةٍ إِثْنِيَّةٍ عَنْ عَالَمِ الجِنِّ؛ العَالَمِ الَّذِي اسْتَوْطَنَ الوجْدَانَ اليَافِعِيَّ، حَيْثُ نَسَجَتِ الثَّقَافَةُ المَحَلِّيَّةُ خُيُوطَهَا لِتَكُونَ مِرْآةً لِلثَّقَافَةِ العَرَبِيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ فِي شَغَفِهَا بِالعَوَالِمِ الخَفِيَّةِ.

​أَوَّلاً: جُذُورُ المِخْيَالِ.. خُرَافَاتُ التَّارِيخِ وَتَصَادُي الثَّقَافَاتِ
​لَمْ تَكُنْ خَرَافَةُ "أَهْلِ بِسْمِ اللهِ" فِي يَافِعَ بوِلادَةَ لَحْظَةٍ سَاحِرَةٍ، بَلْ كَانَتْ نَتِيجَةَ مَزِيجٍ ثَقَافِيٍّ غَزِيرٍ تَنَاوَبَتْ عَلَيْهِ الرَّوَافِدُ:
​المَوْرُوثُ الحِمْيَرِيُّ وَالاوساني والسَّبَأيُّ: جُذُورٌ مَغْرُوسَةٌ فِي تُُرَبِ المَمَالِكِ القَدِيمَةِ، حَيْثُ اسْتُنْبِطَتِ الأَسَاطِيرُ مِنْ كُُهُوفِ الصَّخْرِ وَمَسَارِبِ المِيَاهِ، فَبَقِيَتْ شَيَاطِينُ الحَجَرِ تُطَالِعُ الأَحْفَادَ مِنْ بَيْنِ النُّقُوشِ.
​الوافِدَاتُ الأَجْنَبِيَّةُ وَكُتُبُ السِّحْرِ: تَسَرَّبَتْ تِلاوَاتٌ ثَقَافِيَّةٌ عَبْرَ التِّجَارَةِ وَالأَسْفَارِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ، وَالهِنْدِيَّةِ، وَالأَفْرِيقِيَّةِ، وَازْدَهَرَتْ فِكْرَةُ "الإِحْضَارِ" عَبْرَ مَخْطُوطَاتٍ أُسْطُورِيَّةٍ مِثْلِ «شَمْسِ المَعَارِفِ الكُبْرَى»، الَّذِي جَعَلَ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى المَجْهُولِ سِلْعَةً تُدَاوَلُ.

​الرَّوَافِدُ الصُّوفِيَّةُ (الحَقِيقَةُ وَالطَّرِيقَةُ): الَّتِي أَسَْبَغَتْ نَوْعاً مِنَ "الرُّوحَانِيَّةِ" عَلَى هَذِهِ الكَائِنَاتِ، فَأَصْبَحَتْ فِكْرَةُ "الجِنِّيِ الوليّ" وَالرَّابِطِ الـمَقََامِيِّ جُزْءاً مِنْ عِشْرَةِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ.

​الحَقِيقَةُ الإِسْلامِيَّةُ وَالمِخْيَالُ الشَّعْبِيُّ:
لَيْسَ المَقْصُودُ هُنَا إِنْكَارَ ما جاء في كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ؛ فَالجِنُّ حَقِيقَةٌ قُرْآنِيَّةٌ ثَابِتَةٌ كَالمَلائِكَةِ وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ، نُؤْمِنُ بِهَا عَقِيدَةً كَغَيْبٍ مَحْضٍ دونَ أَنْ نُنَزِّلَهَا مَنْزِلَةَ المُتَصَرِّفِ فِي واقِعِنَا. لَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُهُمْ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"}، وَظَهَرُوا فِي مُعْجِزَاتِ الأَنْبِيَاءِ كَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ. بَيْدَ أَنَّ المِخْيَالَ الشعْبِيَّ اليَافِعِيَّ –كغيرِهِ مِنَ المَوَارِيثِ– خَلَطَ هَذَا النَّصَّ الدِّينِيَّ الصَّافِيَ بِمُعْتَقَدَاتٍ وَأَسَاطِيرَ وَثَنِيَّةٍ وَمُسْتَوْرَدَةٍ، فَسَكَبَهَا فِي قَالَبٍ حَيَاتِيٍّ مَحَلِّيٍّ تَمَثَّلَهَا فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ المَنْزِلِ وَالشِّعْبِ.

​ثَانِياً: طَبَقَاتُ "أَهْلِ بِسْمِ اللهِ"..
عَالَمٌ يُشَارِكُ الإِنْسَ العَيْشَ
​فِي يَافِعَ، لَمْ يَكُنِ الجِنُّ مُجَرَّدَ أَرْوَاحٍ شَرِيرَةٍ، بَلْ كَانُوا جِيرَاناً فِي عَالَمٍ مَوَازٍ يُشَارِكُونَ الإِنْسَ طَعَامَهُمْ وَمَنَازِلَهُمْ. وَمِنْ أَبْرَزِ هَذِهِ الأَصْنَافِ:

1. ​#السَّاهِن (حَامِي الدَّارِ):
جِنِّيٌّ يَسْكُنُ البُيُوتَ وَيَحْمِيهَا مِنْ الصَّوَاعِقِ الَّتِي تَنَزَّلُ عَلَى المَرَدَةِ. كَانَ الأَوَّلُونَ يَنْذَرُونَ الذَّبَائِحَ لِلَّهِ، لَكِنَّ لِلـ "سَاهِنِ" نَصِيباً؛ يُقْطَعُ لَهُ مِنْ كُلِّ لَحْمَةٍ قِطْعَةٌ بِحَجْمِ رَأْسِ الإِبْهَامِ وَتُرْمَى بِاليَدِ اليُسْرَى خَلْفَ الظَّهْرِ، كَمَا كَانَتِ الأُمَّهَاتُ يُسْفِخْنَ لَهُ أَوَّلَ كَأْسٍ مِنَ القَهْوَةِ صَبَاحاً، أَوْ يَرْمِينَ لَهُ مَاءَ غَسُولِ «العَصِيدِ».
الفريد من موروث #يافع التليد

#النّدَّاف

رحلة في ذاكرة " #النِّدّافة" كاحد المهن اليافعية القديمة التي سادت ثم بادت)

عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابو نصر اليافعي

​رحلة في مهنة قد يكون الأغلب لم يسمع عنها من قبل ، ولكن نجزم ان من عاش في بيئة يافع ولهج لسانه بلهجتها لابد انه سمع كلمة الندف والندافة كمفردة تعبر عن الضرب بالعصاء ، او حين يهدد الوالدان طفلهم الشقي بندفه، او حين يقال ان فلان ندف فلان اي ضربه بعصاء ، بل وان لم تشاهد النساء كيف كانين يضربن فرشان البِجاد والفريقة والفروة بالصميل لتنضيفها ، فمن المؤكد انك شاهدتهن يضربن سوى جوادر العُطب القطنية القديمة او الاسفنجية الحديثة وسجاد الموكيت بالعصيان لتنضيفها من الغبار العالق بها ، وهذه هي اصل مهنة الندافة .
فحين كانت البساطة تزيّن تفاصيل الحياة، كان لـ "النّدّاف" حكايةٌ تنبضُ بالدفء وتتضوع بعرق الكدح الحلال. برزت مهنةٌ شريفةٌ طالما كانت ركناً أساسياً في البيوت اليافعية العتيقة، ابتكرت لها وسائل تطورت مع الزمن ، فكان يسري منها صوت قوسها لتنضيف الفراش بفرد شعر صوفه، او اعادة ترتيب كتله القطنية ، ليستقبل الناس في مجالسهم وتحفهم بأسباب الراحة والهناء وتحيطهم بالنضافة.
​وكما أمتهن بعض الحرفين مهن مختلفة كدباغة الجلود وخرازتها وصناعة الوقيان (فرشان واوقية الجلوس والنوم )؛ ظهر النداف كممتهن لحرفة تشبه حرفة التنجيد في يومنا هذا.
​لوم يكن الندّاف مجرد حرفيٍّ يزاول فرد الفراء وصوفه ، و قَصَّ القطن ورَفْأَه، بل كان فناناً يُصغي لنداء الألياف المتلبدة.
يمتشق أدواته البسيطة الذي ابتكرها بابداعه ، والعجيبة في أثرها ومنها :
#​القَوس: ذلك العود الخشبيّ المرن المربوط بوترٍ مشدودٍ بدقة متناهية.
ِضْرَب_المندفة (المقشعة): #المندفة_الخشبية التي إذا ما لامست الوتر، أطلقت نغمات رنّانة ترنّ في أرجاء المكان (طَن.. طَن)، كأنها معزوفة شعبية تشقّ سكون الصباح.
#عصا_التنفيش . #المسلة(المخيط) . #خيوط_الخياطة: لتسوية الصوف في #الفروة و #الفريقة و #البجاد و #الخُطَّة (سبق وتناولناهن في حلقة سابقة)، أو القطن وتوزيعه بالتساوي داخل #الجودري (مرتبة فراش النوم) والأغطية ("اللُّحُف") والوسائد والمطارح، لتستعيد لينها وطراوتها بعد أن طالها التصلب والقسوة.
​كانت اهتزازات قوسه تغوص في أحشاء القطن، فتعيدُ إليه روحَهُ الأولى، وتتطايرُ ذرات الغبار في شعاع الشمس الدافيء داخل الدور اليافعية كأنها نجومٌ صغيرة تسبح في الفضاء.
​ أصداء الندافة باللهجة اليافعية
​حين دارت عجلة الزمان، وغطّت التكنولوجيا الحديثة وأقمشة الألياف والفيبر على صهيل القوس ورنين الوتر، ورحلت تلك الحرفة الجميلة واندثرت من تفاصيل اليوم، لكنها لم ترحل كلياً من الذاكرة...
​فقد أبت اللهجة اليافعية الأَصِيلة إلا أن تحفظ لـ "النّداف" رقماً في سفْر كلماتها وشواهدها؛ فحين غاب قوس الندّاف واندثرت أدواره، بقيت اللفظةُ مجازاً حياً يتردد على الألسن. أصبحت "النّدافة" في لسان أهل يافع تشبيهاً بيليغاً ومستعاراً للضرب المتوالي بعصا غليظة على الظهر - كتشبيه ضرب النداف لقطنه كي يستقيم ويعتدل!
​فحين ينشب خلافٌ أو يقسى الحديث، تجد التهديد اليافعي الرنان يتردد بأصداء الماضي: "شَفْنِي أَنْدَفُك!"، أو يقال في الأثر والتسامر: "فلان نَدَفَ فُلان"، ومن الطريف ماكان يوصف به الشخص ذو البنية الكبيرة في وصف ظهره وعرض منكبيه فيقال هذا ظهره سيع ظهر النداف، باعتبار ان ممتهني هذه المهنة ذي بنيات كبيرة ، فارتبط وصف كل عملاق بالنداف لتبقى المفردةُ شاهدةً على تاريخ مهنةٍ رحل أربابُها، وظلّ أثرها محفوراً في ذاكرة الجبال وعلى شفاه الأجيال.
،،،،،،،،،،،
الصورة المرفقة التقت في الخمسينات لاحد الندافيين اليُفَّع في كريتر عدن .