اليمن_تاريخ_وثقافة
15.3K subscribers
153K photos
361 videos
2.29K files
25.6K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
الفريد من موروث #يافع التليد

#النّدَّاف

رحلة في ذاكرة " #النِّدّافة" كاحد المهن اليافعية القديمة التي سادت ثم بادت)

عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابو نصر اليافعي

​رحلة في مهنة قد يكون الأغلب لم يسمع عنها من قبل ، ولكن نجزم ان من عاش في بيئة يافع ولهج لسانه بلهجتها لابد انه سمع كلمة الندف والندافة كمفردة تعبر عن الضرب بالعصاء ، او حين يهدد الوالدان طفلهم الشقي بندفه، او حين يقال ان فلان ندف فلان اي ضربه بعصاء ، بل وان لم تشاهد النساء كيف كانين يضربن فرشان البِجاد والفريقة والفروة بالصميل لتنضيفها ، فمن المؤكد انك شاهدتهن يضربن سوى جوادر العُطب القطنية القديمة او الاسفنجية الحديثة وسجاد الموكيت بالعصيان لتنضيفها من الغبار العالق بها ، وهذه هي اصل مهنة الندافة .
فحين كانت البساطة تزيّن تفاصيل الحياة، كان لـ "النّدّاف" حكايةٌ تنبضُ بالدفء وتتضوع بعرق الكدح الحلال. برزت مهنةٌ شريفةٌ طالما كانت ركناً أساسياً في البيوت اليافعية العتيقة، ابتكرت لها وسائل تطورت مع الزمن ، فكان يسري منها صوت قوسها لتنضيف الفراش بفرد شعر صوفه، او اعادة ترتيب كتله القطنية ، ليستقبل الناس في مجالسهم وتحفهم بأسباب الراحة والهناء وتحيطهم بالنضافة.
​وكما أمتهن بعض الحرفين مهن مختلفة كدباغة الجلود وخرازتها وصناعة الوقيان (فرشان واوقية الجلوس والنوم )؛ ظهر النداف كممتهن لحرفة تشبه حرفة التنجيد في يومنا هذا.
​لوم يكن الندّاف مجرد حرفيٍّ يزاول فرد الفراء وصوفه ، و قَصَّ القطن ورَفْأَه، بل كان فناناً يُصغي لنداء الألياف المتلبدة.
يمتشق أدواته البسيطة الذي ابتكرها بابداعه ، والعجيبة في أثرها ومنها :
#​القَوس: ذلك العود الخشبيّ المرن المربوط بوترٍ مشدودٍ بدقة متناهية.
#مِضْرَب_المندفة (المقشعة): #المندفة_الخشبية التي إذا ما لامست الوتر، أطلقت نغمات رنّانة ترنّ في أرجاء المكان (طَن.. طَن)، كأنها معزوفة شعبية تشقّ سكون الصباح.
#عصا_التنفيش . #المسلة(المخيط) . #خيوط_الخياطة: لتسوية الصوف في #الفروة و #الفريقة و #البجاد و #الخُطَّة (سبق وتناولناهن في حلقة سابقة)، أو القطن وتوزيعه بالتساوي داخل #الجودري (مرتبة فراش النوم) والأغطية ("اللُّحُف") والوسائد والمطارح، لتستعيد لينها وطراوتها بعد أن طالها التصلب والقسوة.
​كانت اهتزازات قوسه تغوص في أحشاء القطن، فتعيدُ إليه روحَهُ الأولى، وتتطايرُ ذرات الغبار في شعاع الشمس الدافيء داخل الدور اليافعية كأنها نجومٌ صغيرة تسبح في الفضاء.
​ أصداء الندافة باللهجة اليافعية
​حين دارت عجلة الزمان، وغطّت التكنولوجيا الحديثة وأقمشة الألياف والفيبر على صهيل القوس ورنين الوتر، ورحلت تلك الحرفة الجميلة واندثرت من تفاصيل اليوم، لكنها لم ترحل كلياً من الذاكرة...
​فقد أبت اللهجة اليافعية الأَصِيلة إلا أن تحفظ لـ "النّداف" رقماً في سفْر كلماتها وشواهدها؛ فحين غاب قوس الندّاف واندثرت أدواره، بقيت اللفظةُ مجازاً حياً يتردد على الألسن. أصبحت "النّدافة" في لسان أهل يافع تشبيهاً بيليغاً ومستعاراً للضرب المتوالي بعصا غليظة على الظهر - كتشبيه ضرب النداف لقطنه كي يستقيم ويعتدل!
​فحين ينشب خلافٌ أو يقسى الحديث، تجد التهديد اليافعي الرنان يتردد بأصداء الماضي: "شَفْنِي أَنْدَفُك!"، أو يقال في الأثر والتسامر: "فلان نَدَفَ فُلان"، ومن الطريف ماكان يوصف به الشخص ذو البنية الكبيرة في وصف ظهره وعرض منكبيه فيقال هذا ظهره سيع ظهر النداف، باعتبار ان ممتهني هذه المهنة ذي بنيات كبيرة ، فارتبط وصف كل عملاق بالنداف لتبقى المفردةُ شاهدةً على تاريخ مهنةٍ رحل أربابُها، وظلّ أثرها محفوراً في ذاكرة الجبال وعلى شفاه الأجيال.
،،،،،،،،،،،
الصورة المرفقة التقت في الخمسينات لاحد الندافيين اليُفَّع في كريتر عدن .
الفريد من موروث #يافع التليد

#الكلبة_المجرية #والكلب_الغرور ( العقور) والكلب #عامر_المقصِّب
وَفَاءُ الجِبَالِ: حِكايَةُ الكَلْبِ فِي ذاكِرَةِ #يَافِعَ الأُولَى

عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

اتَّخَذَ الإِنْسانُ اليافِعِيُّ مِنْ #الكَلْبِ حَليقاً وفَيّاً وحارساً اميناً منذ قديم الزمان ؛ هَذا الكائِنُ الَّذِي صَنَّفَتْهُ الأَبْحاثُ التّاريخِيَّةُ كَأَوَّلِ حَيَوانٍ اسْتَأْنَسَهُ الإِنْسانُ، وتَوَّجَتْ المَأْثُوراتُ السَّماوِيَّةُ قِصَّتَهُ فِي صُحْبَةِ "أَهْلِ الكَهْفِ" بِأَسْمَى صُوَرِ الوَفاءِ والوِقايَةِ.
​لَقَدْ اسْتَغَلَّ أَهْلُ يافِعَ الذَّكاءَ الفِطْرِيَّ لِهَذا الحَيَوانِ وسُرْعَةَ تَلَقِّيهِ لِلتَّدْريبِ، فَكانَ عَيْناً لا تَنامُ عَلى بُيوتِهِمْ مِنْ جَشَعِ اللُّصُوصِ وصَوْلَةِ الوُحُوشِ، وعَضُداً لِلرُّعاةِ فِي الفِجاجِ والعِقابِ.
وبِحُكْمِ الطَّبَقَاتِ العَالِيَةِ لِلْدِّيارِ اليافِعِيَّةِ الـمُشَمَّرَةِ فِي السَّماءِ، صَارَ نُباحُ الكَلْبِ خَارِجَ الدّارِ بمَثابَةِ "المُنَبِّهِ الفِطْرِيِّ"؛ يُشِيعُ فِي الأَرْجاءِ سَبْقَ الخَبَرِ بمَجيءِ ضَيْفٍ أَوْ عابِرِ سَبيلٍ، فَيَسْتَعِدَّ أَهْلُ المَنْزِلِ لِلْقِراءِ وتهيئة المنزل والتَّرْحيبِ قَبْلَ وُصولِ القادِمِ إِلى العَتَبَةِ.

اولاً: من طرائف تربية الكلاب :
١. تسميات اصناف الكلاب :
كان لكل كلب اسم ينادى به ويستجيب لهم به وكانه انسان فهذا #شرس وذاك #حارس ، وبعضها باسماء بشر مثل #عامر و #عنتر و غيرها.
٢. كان ينصح الاولاد بجدع أذني الجرو الصغير اي قص طرفي اذنيه واطعامه تلك القطعتين الصغيرة داخل لقمة عصيد ، ظنا منهم انه سيكون محارب شديد البأس مستقبلاّ.
٣. الصفات العامة التي تطلق على الكلاب نسبة الى ما تنتابها من سلوك ، ويحذّر للانتباه من خطورتها :
مثل #الكلبة_المجرية :
وهي الكلبة النفساء التي تكون اكثر شراسة بعد ولادتها فتجدها تمنع اي انسان من الاقتراب من حمى جرائها بشراسة ولا تكف عن النباح طوال اليوم.
#الكلب_الأرور (الغَرور) : هو ذلك الكلب الذي يباغتك بالهجوم دون ان ينبح اما لطبع فيه او لضعف في حاسة سمعه وهذه الصفة تعتبر من اخطر الصفات في الكلاب ويسمى هذا النوع #كلب_أرور (غَرور)

ثانياً:
ال​أَعْرافٌ والسُنَنٌ الخاصة بالكلاب :
​لَمْ تَكُنْ تَرْبِيَةُ الكِلابِ فِي يافِعَ فَوْضَى، بَلْ ضَبَطَتْها أَعْرافٌ قَبَلِيَّةٌ وقَوانينُ صَارِمَةٌ حَمَتْ المَجْتَمَعَ وصَانَتْ هَذا الحَيَوانَ:
١. تربيته على الآداب والسلوك الحسنة مثل :
لا يسمح له ان يعتاد على الدخول داخل حجرات البيت الداخليه ولا الولق في آنية المطبخ بل يبقى خارج الدار ينتظر ياتيه طعامه الى خارج الدار.
- يربى على ان لا يفترس اي حيوانات اليفة او دجاج وحمام البيت او يهجم على بيوضها.
- ان يهاجم اي غريب يريد دخول البيت ولكنه لا يمس اي شخص خارج من الدار بعد ان دخل باذن احد أهله .

٣. ​المَسْؤُولِيَّةُ الكَامِلَةُ: أَقَرَّتْ الأَعْرافُ المتوارثة في يافع منذ القدم أَنَّهُ
- لا وُجُودَ لِكَلْبٍ ضَالٍّ يُفْسِدُ الزَّرْعَ ويُؤْذِي المَارَّةَ، بَلْ لِكُلِّ كَلْبٍ مَالِكٌ يَتَحَمَّلُ عِقَالَ رِعايَتِهِ وإِطْعامِهِ كَما يَنْبَغِي لِكَيْ لا يَسْتَبُدَّ بِهِ الجُوعُ فَيُؤْذِيَ الجِيرانَ. ومِنْ شِغَافِ هَذِهِ الحِكْمَةِ، صِيغَ الـمَثَلُ اليافِعِيُّ التَّالِدُ:
​«لا تَعْبُدْ عَبْد .. ولا تُكْلِبْ كَلْب إلاّ وأنْتَ قَادِرْ عَلَيْهِ»
(أَيْ القُدْرَةُ عَلى التَّكَلُّفِ بمَأْكَلِهِ ومَشْرَبِهِ ورِعَايَتِهِ).
- ​كَبْحُ الأَذَى وتَأْديبُ العُدْوانِ: إِذا اكْتَسَبَ الكَلْبُ سُلوكاً مُؤْذِياً—كالتَّبَرُّزِ فِي أَعْبارِ المَنَاهِلِ، أَوْ إِتْلافِ الـمَحَاصِيلِ، أَوْ إِفْتِراسِ دَواجِنِ الجِيرانِ وبَيْضِها—أَوْ كانَ شَرِساً يُهَدِّدُ الناسَ، وَجَبَ عَلى مالِكِهِ رَبْطُهُ وتَغْذِيَتُهُ فِي حِمَاهُ.
- فِرّاط الدخيل والعابر السبيل :​واِجِبُ "الفِراطِ": يُلْزَمُ مُرَبِّي الكَلْبِ الشَّديدِ العُدْوانِيَّةِ بالـمُسَارَعَةِ لِـ "الفِراطِ" (وهِيَ مُفْرَدَةٌ يافِعِيَّةٌ تَعْنِي كَفَّ الكَلْبِ وحِمَايَةَ النَّاسِ مِنْ صَوْلَتِهِ) بمُجَرَّدِ سَماعِ نُباحِهِ حِينَ يَقْتَرِبُ أَحَدٌ مِنْ حِمَى البَيْتِ.
- ​قَانُونُ "الْكَلْبُ لَهُ يَوْمُهُ": إِذا خَشَر (عَضَّ) الكَلْبُ أَحَداً، صَارَ مِنْ حَقِّ المَتَأَذِّي قَتْلُهُ لِدَفْعِ خَطَرِهِ، بَشَرْطِ أَنْ يُنَفَّذَ القَتْلُ فِي ذَاتِ اليَوْمِ الَّذِي وقَعَتْ فيهِ العَضَّةُ لِإِسْقاطِ الثَّأْرِ ولِجَمْعِ الحَزْمِ مَعَ العَدْلِ.
الفريد من موروث #يافع التليد

#خصال_بنات_الشرف_والناموس في #يافع
لمحة موجزة عن ابرز ملامح منظومة قيم #المرأة اليافعية الصالحة وخصالها المحمودة

عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابو نصر #اليافعي

​إنَّ التراث الشفهي والأمثال الشعبية في جبال "يافع" المنيفة لم تكن مجرد كلمات تُقال، بل كانت سِجِلًّا أخلاقيًّا واجتماعيًّا يُجسّد فلسفة الحياة والعيش. وقد حظيت المرأة اليافعية بالحظ الأوفر من هذا الموروث، إذ رُسِمَت لها صورة جلية تجمع بين العنفوان والأنوثة، والصلابة والحنان، والعفة والتدبير. وفيما يلي استعراضٌ شامل لسمات المرأة اليافعية بين التقدير والتحفظ والذم:
​أولًا: السِمات والمواصفات للمرأة اليافعية الصالحة التي كان الرجل يبحث عنها لبناء اسرة سعيدة :
١. #أصيلة بنت حسب ونسب : فاول ما يهتم الرجل باي امرآة للزواج منها ان تكون منتسبة الى عائلة ذات سمعة وصيت وذات نسب يشرف من يطلب القرب منهن .أَصِيلَة وبِنْتُ أُصُول: معدنٌ نفيث يُحتذى به؛ فإذا ما أُثْنِيَ عليها قيل: "بنتُ ناسٍ.. رحمة الله على أصلها".
٢. #شَرِيفَة عَفِيفَة: العفة عندها ليست خيارًا بل جوهر المروءة؛ تصون شرفها وشرف أهلها وزوجها، غاضّةً بصرها عما لا يحل، كافّةً يدها عما لا يجوز، ومُنَزَّهةً لسانها عن سقط القول وسيّئه.
٣. #صَمْصُومَة: قمة في النبل والاحترام؛ ترعى الأعراف والواجبات، تُكرِم الضيف، وتحنو على اليتيم، وتُجِلُّ الكبير، وتترفق بالصغير.
٤. #حَمْلَة_وصُرَّة وشَبَابَة صُعْد: اختزالٌ بلاغيٌّ عتيق لأركان الشريكة المثالية في العُرف اليافعي القديم؛ فمن أراد الخطبة والأنس، بحث عن بنتٍ تجمع بين الصلابة والتدبير. الحَمْلَة: قدرةٌ جثمانيةٌ وشموخُ كاهلٍ يحمل الحطب والعلف والماء عبر الشعاب والعِقاب. والصُرَّة: مَجْدُ الزراعة ورعاية الأنعام؛ إذ تُستغل الصُرَّة الجلدية لجمع الخَضار، وحمل السنابل في الحصاد، ونقل الحب بعد الدِّراس إلى "المِذْلاح" أو "المَدْفَن". أما شَبَابَة الصُعْد: فهي كناية على خبراتها وفنياتها في اجادة طبخ كل الوجبات اليافعية لاسيما صعبة الاعداد كطبخ العصيد بجودة عالية تحريك المذر مع ذر الطجين في في حركات احترافية سرسعة متقنة دون ان تتكون خثرات البراقط المعيبة لعصيد تعلوه الارة بعد ان تم انضاجة بالاستمرار بتلك الحركات الصعبة المزدوجة من حرك وذر اي نثر الطحين بداخل قشوة ترابية تترتكز على قاعدة ملساء متكورة بين مصعدتين بينهن ستعر ألسنة اللهب لساعات ، بل واشعال المافي والمجازفة بأدخال الايدي الناعمة في فوهته المتوهجة بلفحات حرارت الجمر التي تذيب ابفولاذ ، وذلك لشمّاط (طرق) الاقراص بداخلة ، ومثل تلك الاعمال لا تجيدها بل لايجرؤ على اقتحام تجربة التدرب عليها الا نساء استثنائيات وهن نساء الريف في يافع ومثالها من بلاد الريف العربية .
٥. #شَلْشُولَة وسَارِحَة آوِيَة: هي امرأةُ العزم والإنجاز، تَطوِي مهام بيتها وخارجه بروحٍ وثّادة وحركةٍ دائبة، تجمع بين المهارة، السرعة، والإتقان، فلا يدركها الوهن ولا يقعد بها الكسل.
٦. #صَبَّارَة ومُتَحَمِّدَة مُتَشَكِّرَة: مجسمٌ حيٌّ للقناعة ورضا النفس؛ إن جار الزمان عليها صبرت وحمدت، وإن فاضت نِعَمُه شكرت ورَجَت، طاهرة القول لا تـتأفف من شظف العيش، ولا تتبَرَّم بتقلبات الأحوال.
٧. #حَافِظَة صَايِنَة: سياجٌ متين من المبادئ والخيَم؛ تحفظ القيم النبيلة وتلوذ بفضائل الأخلاق، تترجم أصالتها حركاتٍ وسكناتٍ وقولًا سديدًا.
٨. #نَامُوسِيَّة ونَشْؤَايَة: الناموس هنا هو الكبرياء الجمالي والنظام الحياتي؛ تُعنى ببهائها الخارجي عبر "الهَرْد" و"الْوَرْس" والطِّيب والنظافة، وتَعمُر بيتها بالحفاوة، فتستقبل الضيف بالفراش المرفوع، والبخور الفوّاح، وجدائل الكرم. ومن قَصُرَت عن ذلك، وُسِمَت بـ "مكسورة الناموس".
٩. #بَرِيكَانَة و #صَايِمَة قَايِمَة: رقيقة القلب، خافضة الجناح، حانيةٌ متصدقة، تخشى الباري وتلتزم فرائضه، تطوف حول أوامره ونواهيه بقلبٍ وجلٍ ومؤمن.
١٠. بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ: أليفةُ المعاشَر، قائمةٌ بحق زوجها وأهله من العم والعمة والأحماء، تُلقي السمع بودٍّ وتسعى للرضا بصفاء.
١١. #لاتَشِلّ و #لاتَحُطّ: أَمِينَةُ السِّرّ، مغلقة الشفاه عن العورات، لا تنقل حديثًا ولا تذر في أرجاء القوم فتنة، بل هي ملجأ للسلام.
١٢. #مُتَنَحْوِيَة: عزيزة النفس، تترفع عن الدنايا، ذات كبرياءٍ يمنعها من السؤال أو شحذة العواطف.
١٣. #متحشمة : ذات حشمة تستطيع مسك رغباتها وشهواتها حتى وان كانت محتاجة للشيء تمنعها حشمتها من طلبه.
١٤. #مُكَهَّنَة وحَلْوَانِيَّة: المُكَهَّنَة: اللبيبة الذكية التي تعلو وجهها الابتسامة والدعابة. والحَلْوَانِيَّة: ساحرة الإشراق بطيبة سريرتها، عذبة اللسان، يطيبُ القرب منها ويُحَبَّ معشرها.
( #الفريد من موروث #يافع التليد)

#قبر_عاد
"قبر عاد" وسره المكنون في أحشاء جبال يافع: كأسطورة الزمان وفلاشة الحضارة المفقودة.

عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

​مقدمة:
في أعالي جبال يافع الشامخة، حيث يتنفس الصخر أنفاس التاريخ الغابر، تقف الشواهد الصامتة حائرة أمام محاولة البشر لسبر أغوارها. هناك، في فروش والأذرعة ،وفجاج الرهي ، وعلى قارعات الطرق القديمة، يربض ما يعرف محليا بـ " #قبر_عاد"؛ سر يافعي أزلي، ينساب بين تجويفه الحجرية غموض أزمنة موغلة في القدم، ليحكي قصة حضارة عريقة طواها الليل والنهار، وتركت من خلفها شفرات بيانية تنتظر من يفك طلاسمها.

​أولا: ما هو "قبر عاد"؟
​ "قبر عاد" ليس مجرد حفرة في الصخر يملأها التراب وتضم رفاتا متحللة ، بل هو لغز استثنائي يتشابه في ظاهره السطحي مع سائر القبور الحجرية في مقابر يافع الجبلية، لكنه يتفرد عنها بفرادة الوجود ووحشة المكان.
​التعريف والمفهوم: هو قبر محفور في قلب الجبال والصخور، أطلقت عليه الذاكرة الشعبية اسم "قبر عاد"؛ نسبة وإحالة إلى قوم "عاد" العمالقة الذين سكنوا الأحقاف، اعتقادا من الأهالي بدمه المفرط وزمنه الذي يسبق التاريخ المكتوب.
​القدم المطلق: لا أحد في يافع، شيخا كان أو عالما بالآثار، يملك خبرا أو تاريخا يسند بداية ظهور هذه القبور؛ فهي حاضرة في الذاكرة كحضور الجبال ذاتها، كأنها نحتت منذ بزوغ الفجر الأول للإنسانية.
​ثانيا: ما شكل تصميمه، وأين تكمن أماكن وجوده؟
​تتجلى البلاغة المعمارية لهذا القبر في بساطته الظاهرة التي تخفي خلفها هندسة دقيقة ومحكمة.
​الشكل الهندسي والبناء:
​الصخور: لا يبنى داخل صخور عملاقة كما يخيل للبعض، بل هو محفور في قلب الصخر الجبلي بأبعاد تقارب القبور العادية.
​البناء الداخلي (الصلاء): يغلف القبر من الداخل بشرائح حجرية خفيفة وسخيفة (غير سميكة) تسمى "الصلاء"، تصف وترتكز بعناية فائقة على الأجناب (حجر يمينا وحجر يسارا) لتشكل غلافا أو تابوتا حجريا يحمي حوض القبر.
​الداخل والعمق:
ابعاده من طول وعرض وعمق لاتختلف عن أبعاد اي قبر تقليدي ، وغالبا يمتلئ القبر بمخلفات اتربة وحصى يخالطها تراب أبيض ناعم جدا، تتخلله في بعض الأحيان آثار دقيقة تشبه الرماد أو الفحم.
​أماكن الوجود والانتشار:
​العزلة والموقع: دائما ما يوجد القبر معزولا، فلا تجد قربه مقابر جماعية أو آثارا لمساكن بشرية.
​المواقع المميزة: يقع غالبا على قارعات الطرق العامة البعيدة، أو في "فرش" جبلي، أو "ذراع"، أو "حد"، أو على "رهوة" مرتفعة؛ حيث يكون في مسار قدم الماشي ومعرضا لدهس العابرين، وكأنه أريد له أن يكون شاخصا أمام الجميع.
​ثالثا: ما أهم مميزاته واختلافه عن سائر القبور في يافع؟
​يتعرى "قبر عاد" من النمطية المعمارية المألوفة في مقابر المنطقة، ويتجلى هذا الاختلاف في ثلاثة جوانب رئيسية:
١. وجه المقارنةالقبور العادية في يافع"قبر عاد" المجهول ،الموقع ضمن مقابر مجمعة (جبانات) قرب القرى معزول تماما على الطرقات والرِّهي (جمع رهوة) والفرش الجبلي.
٢. الاتجاه_والتوجيه: بعض هذه القبور تجدها تتجه نحو قبلة المسلمين (شمالا) يمتد بالتوجيه (من الشرق للغرب. وبعضها تجده ينحرف قليلا وكانه يتجه نحو بيت المقدس.واما اغربهن فهو المخالف لهذا العرف فتجده ممتد طوليا (من الشمال للجنوب) وكانه جاء من ازمنة ماقبل الديانات السماوية المعروفة في المنطقة .
٣. المحتوى_والرفات: تحوي رفاتا وعظاما بشرية وضوحاخال تماما من العظام؛ لا يحوي إلا التراب الأبيض الناعم التربة الداخلية تراب المنطقة العادي مادة كيميائية خاصة (تراب أبيض أشبه بالجير والرماد).

​رابعا: أسر الغموض، والماهية،
#سر_التوجيه: بعض قبور عاد تمتد طوليا من الشرق إلى الغرب متجهة شمالا نحو الكعبة كقبلة المسلمين، وبعضها ينحرف قليلا نحو بيت المقدس، بينما يذهب جزء آخر للتمرد على هذا التقليد بالامتداد من الشمال إلى الجنوب؛ مما يؤكد تعاقب أدوار وثقافات أو عقائد زمنية مختلفة مرت بها المنطقة.

#لغز_الرفات_المفقود: كل من حاولوا استكشاف ما بداخل هذه القبور عبر العصور لم يجدوا أي بقايا لرفات جثث بشرية أو حيوانية، وهو ما يفسر إما بالقدم الموغل الذي حلل العظام حتى تلاشت، أو بوجود أسرار أخرى.
​يكمن السر الأكبر لـ "قبر عاد" في تلك المادة السحرية التي تملأ بها الحفرة: "التراب الأبيض الناعم".

#سر_التراب_الأبيض: يعتقد كيميائيا أن هذا التراب ليس تربة طبيعية، بل هو مزيج مركب من (الجير المطفي + الملح + الرماد).
​الوظيفة والهدف: تشكل هذه الخلطة مادة حافظة فائقة الجودة، ممتصة للرطوبة، ومضادة للتعفن والبكتيريا. إنها تعبير صريح عن "تقنية تحنيط يمنية أصلية"؛ حيث كان الهدف منها بقاء العظام والرفات سليمة لآلاف السنين.
الفريد من موروث #يافع التليد

#العِسْني
أُنْسُ المساكن والسكان : وطارد الفئران والحنشان في الـحَيَاةِ اليافِعِيَّةِ القَدِيمَةِ

​ عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

​ العسني هو ذلك الكائن الأليف الوديع الذي احبه الانسان منذ القدم وتعددت اسماؤه في لغة العرب مابين :
#قِطَ و #قطو وقطوة
و #هر وهرير وهريرة وفي اللهجات مَا يُسَمَّى مَحَلِّيّاً بـ " #الدَّمّ" أَوْ " #البِسّ والبِسة" والبَسَم والبَسَمَة"
وعرف في يافع باسم " العِسْني"
و" #العُرّي" وهو مُجَرَّدَ حَيَوانٍ أَلِيفٍ يَمُرُّ عابِراً فِي المفارش والمَطابِخِ، بَلْ كانَ جُزْءاً لا يَتَجَزَّأُ مِنْ الهَيْكَلِ الـمَنْزِلِيِّ، ورَفِيقاً حَمِيماً يُضْفِي عَلى أَرْكاءِ الدّارِ الدِّفْءَ والأُنْسَ.
​لَقَدْ أَدْرَكَ الإِنْسانُ اليافِعِيُّ كغيره بِفِطْرَتِهِ النَّقِيَّةِ وعَمَلِيَّتِهِ الـمَجُودَةِ أَنَّ لِهَذا الكائِنِ الصَّغِيرِ دَوْراً حَيَوِيّاً يُوازِنُ بَيْنَ الرَّفَاهِيَةِ والعاطِفَةِ مِنْ جِهَةٍ، والحِمايَةِ الصِّحِيَّةِ والاِقْتِصادِيَّةِ لِلْمُنْتَجاتِ المَنْزِلِيَّةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.
​أوّلاً: مَنافِعُ القِطَطِ.. حارِسَةُ الـمُؤَنِ ولِسانُ الفِطْرَةِ
​لَمْ يَكُنْ وُجودُ القِطِّ فِي المَنْزِلِ اليافِعِيِّ المتعدد الطوابق وكثير الحجرات نَفَلاً، بَلْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ مَنافِعُ جَلِيَّةٌ فِي الحَياةِ اليَوْمِيَّةِ منها :
١. ​حِمايَةُ مَخازِنِ الـمُؤَنِ (الخلال والدواجل والاسفال): فكانَتْ القِطَطُ هِيَ خطَّ الدِّفاعِ الأَوَّلِ عَنْ مَخازِنِ الـحُبوبِ (كَالذُّرَةِ والـدخن والدجر ) كما كانت القطط كفيلة لمْنَعُ انْتِشارَ الآفاتِ الَّتي قَدْ تُتْلِفُ جَهْدَ مَوْسِمٍ زِرَاعِيٍّ كامِلٍ..
٢ حماية المطابخ وآنيات الاكل من جعاب الخبز ودبي اللبن وقشي السمن واجحفة العسل ،ولَحْمِ "القَديدِة " من الزواحف والفئران .
٣. وكذا حماية الأدوات الجلدية كالغُفر والامساب والجلاعيب وخدن وغروب الماء ، حَيْثُ كانت هذه القطط تَقْضِي عَلى القَوارِضِ (الفِئْرانِ) التي تهرب بمجرد سماع مواء القط .
بل ومن اسمى ما يمثله القط في البيت او بجوار البيت هو​التَّطْهيرُ مِنَ الهَوامِّ (الثعابين) والجَوارِحِ الصَّغيرَةِ: بِبَصَرِها الحَادِّ وحواسها الخارقة ،وحَرَكَتِها السريعة والرَّشيقَةِ، فكانَتْ القِطَطُ تُلاحِقُ الزَّواحِفَ الصَّغيرَةَ والهَوامَّ الَّتي قَدْ تَتَسَلَّلُ مِنْ بَيْنِ مَشاقِقِ الحِجارَةِ فِي الدِّيارِ العَتيقَةِ، مِمّا يُوَفِّرُ أَماناً إِضافِيّاً لِلأَطْفالِ وأَهْلِ البَيْتِ.
بالاضافة الى ما توفره من ​الأُنْسُ وإِشَاعَةُ البَهْجَةِ: فِي اللَّيالي الجَبَلِيَّةِ البارِدَةِ، كانَتْ القِطَطُ تَلْتَفُّ حَوْلَ "المَواقِدِ" و"الـمَجامِرِ"، فَتَمْنَحُ المَجالِسَ الدِّفْءَ وتُبَدِّدُ وَحْشَةَ الـمَكانِ بِخَرْخَرَتِها الحَنونَةِ، حَتَّى صَارَتْ رَمْزاً لِلْسَكينَةِ البَيْتِيَّةِ.

​ثانياً: أساليبُ العِنايَةِ والتَّرْبِيَةِ فِي المُنَخِ اليافِعِيِّ
​حَظِيَتْ القِطَطُ فِي المَعْشَرِ اليافِعِيِّ بِرِعايَةٍ تَنبُعُ مِنْ العُرْفِ والدِّينِ، حَيْثُ اسْتَقَرَّ فِي الوَجْدانِ الشَّعْبِيِّ الحَديثُ النَّبَوِيُّ الشَّريفُ عَنْ القِطَطِ بِأَنَّها «مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ»:
​الإِطْعامُ والـمَشْرَبُ: كانَ يُخَصَّصُ لِلْقِطِّ نَصِيبٌ مِنْ قُوتِ أَهْلِ البَيْتِ، مِنْ بَقايا اللَّبَنِ، أَوْ الـحَساءِ (الـمَرَقِ)، أَوْ طِحينِ الـحُبوبِ الـمَطْبوخِ، ويُسْقَى المَاءَ فِي أَوْعِيَةٍ خَزَفِيَّةٍ أَوْ حَجَرِيَّةٍ صَغيرَةٍ تُسَمَّى الشُقف او "المَعْلَفَ". وكانَ يُعابُ عَلى مَنْ يُهْمِلُ إِطْعامَ قِطِّهِ أَوْ يَطْرُدُهُ حَتَّى يَسْتَجْدِيَ عِنْدَ الجِيرانِ.
​النَّظافَةُ الفِطْرِيَّةُ: اعْتَمَدَ الأهالي عَلى نَظافَةِ القِطِّ الذّاتِيَّةِ، كَما حَرَصُوا عَلى تَهْيِئَةِ أَمَاكِنَ صالِحَةٍ فِي المَرافِقِ السُّفْلِيَّةِ لِلْدّارِ (كالسَفٍل أَوْ الزَّرائِبِ) او وضع تراب في الجُباء (السطح) لِيَقْضِيَ فيهَا حاجَتَهُ فِي التُّرابِ الـجافِّ، نظراً لميوله الفطري الى النظافة المتمثلة بدفن برازه في التراب ، مِمّا يُحافِظُ عَلى نَقاءِ المَجالِسِ وغرف النوم.
تهيئة ​المَأْوَى والدِّفْءُ: فِي مَوْسِمِ الشِّتاءِ وقَسْوَةِ البَرْدِ القارِسِ فِي الجِبالِ، كانَ يُسْمَحُ لِلْقِطَطِ بِالنَّوْمِ فِي الزَّوايا الدافِئَةِ قُرْبَ (الاصعاد) الـمَطابِخِ حتى سُمّي ب(عسني المَنّسَم) والمنسم هو المكان المخصص للرماد بجانب الصُعد او المافي (موقد النار) ،
الفريد من موروث #يافع التليد

#الجَلَّابة
أسطورة الرزق بين الشماريخ:
مسارات التجارة والتاريخ في بلاد يافع قديماً

عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

​ الانشطة التجارية القديمة في يافع ، بمراحل تطورها التاريخي واساليبها واسواقها القديمة واهم السلع الاقتصادية والتجارية الصادرة والواردة من والى بلاد يافع
​ لم تكن وعورة المناطق الجبلية في يافع يوماً حواجز قاسية تصدّ قاصديها، بل كانت شوامخ شواهدة بما احتضنت على مر العصور من حركة تجارية دؤوبة، ونبضاً اقتصادياً لم يهدأ. إن التاريخ التجاري لبلاد يافع ليس مجرد حكايات عن البضائع وصرف العملات، بل هو سفرُ إنسانٍ واجه صلابة الجغرافيا بلين حيلته، وصاغ من الوعر مسالك لطلب الرزق. بين صرير القوافل الهابطة نحو الساحل، وصداء النداءات في رهوات الجبال، دارت عجلة الحياة الاقتصادية والمجتمعية، متدرجةً من رحلة "البائع المتجول" إلى "المحطة"، فـ "السوق الأثري"، حتى بدت لنا اليوم أسواقاً حديثة تطاول بجمالها وعمرانها السحاب.

​أولاً: الرحّالة والتّجار البساطاط.. خطى الباعة المتجولين
​في زمن البدايات، حين كانت القرى حبات سُبحةٍ تناثرت في أحضان السراة، لم تكن هناك حوانيت تُقصد،ولا اسواق متخصصة كما نراها اليوم ، بل كان "البائع المتجول" هو شريان الحياة الاقتصادية والثقافية الذي يصل أطراف الجبال بعضها ببعض. كان أولئك الرجال يجوبون التجمعات السكنية حاملين أرزاقهم إما على ظهورهم العارية المعروقة وباقدامهم الحافية ، أو على أظهور الحمير والمواشي، ينهبون الفجاج والأودية ليعرضوا بضائع شتى تلبي رمق العيش ومباهج الحياة البسيطة من :
١. ​منسوجات وأقمشة: ثياب متواضعة . وأغطية الدفاء؛ صوفية وجلدية وقطنية تقي قسوة لفح الشموس وقرة الشتاء.العطور والبخور ومستلزمات النساء: زجاجات البخور الطيبة، والأطياب التي تنعش البيوت الحجرية، مع بعض الزينة الخفيفة التي تحلم بها العرائس.
٢. ​الجواهر والحلي وصاغات الفضة والذهب المتجولين وكان اليهود هم اصحاب هذه الحرفة .
٣. أدوات الإنتاج البدائي: حِرَفٌ يدوية صيغت بأيدٍ كدودة من الجلد ومدر التراب والحجر كالقشي والمقاطر وغيرها.. والحديد؛ كالمحاريث، والفؤس والسكاكين، ومقتنيات العمل الزراعي.
٤. والأسلحة التقليدية كالجنابي والخناجر والبنادق العربية القديمة والذخيرة ،
٥. الخيرات الزراعية بين الأودية: حركة تبادل حية بين المناطق ذات الخصوبة العالية وتلك المحرومة؛ حيث يطوف البائع بـ البصل، الثوم، الترنج، الفرسك، القرنوط، والعنب وغيرها من جني الأسرّة الزراعية،
٦. و​نباتات الزينة والتداوي: منتجات ذات الاستخدامات المتعددة كالطب الشعبي والتزين؛ مثل الفُوّة (المستخدمة في الصباغ والطب)، والشَّقْر والهدس (الآس) التي تعبق بعبيرها رؤوس الرجال ومفارق النساء في المناسبات.

#جلاب_المواشي
جَلب المواشي و"الجَلاّب": استجلاب الأنعام من غنم، وأبقار، وحمير، وجمال، ودواجن. وكان يطلق على من ينشط في سوق الأغنام ويتنقل بها لغرض البيع اسم "الجَلاّب"، وهو الشخص الذي يسوق جلائبه ليغذي بها احتياجات القرى. والمناسبات ، وعادة ما كانوا ياتون هؤلاء من مناطق البداوة في اطراف يافع مثل #حطاط و #كلسام و #ثنهة و #حمة و #سلب في #كلد ، ومناطق #سباح الناخبي ومناطق اطراف الحد واطراف وادي حطيب ووادي #بنا، ومن مناطق مجاورة ليافع مثل #ردفان و #حالمين و #ابين والظاهر و #البيضاء .

اساليب البيع والشراء القديمة :
١. شراء السلع المحلية : لم ينحصر النشاط التجاري القديم على توريد السلع وبيعها بل هناك نشاط تجاري معاكس لبعض الذين اتخذوا وسيلة رزقهم بالطواف على القرى في يافع لشراء المنتجات المحلية وهي منتجات (سلع اقتصادية محلية ) مثل الحبوب و البن والفوة والهدس والشذاب وغيرها والذي سنفرد لها الحديث بالتفصيل في حلقات قادمة باذن الله .
٢. البيع والشراء بالمقايضة : لم يكن البيع والشراء بالعملات النقدية هو الاسلوب الوحيد بل فرضت الظروف طرق عدة ومنها تبادل السلع بما يعرف بنظام المقايضة فكان البياع يبادل بضائعه احيانا ببضائع وسلع محلية مثل البن والحبوب كالذرة والدخن والدجر ومنتجات زراعية متنوعة اخرى . او قد يبادل باسلحة تقليدية كالجنابي والخناجر والسيوف والبنادق ، او حلي زينة النساء الفضية او الذهبية ، وكذا جلاب المواشي قد يبادل غنم بغنم او بحيوانات اخرى كالبقر والحمير وحتى الدواجن والارانب وغيرها، فيتسوق بها في قرى اخرى تحتاجها .

من انظمة وقوانين البيع .
١. التراضي : غالبا ما مان يتم البيع والشراء بالتراضي بين الاطراف اما ان يقوم صاحب السلعة بتسعير سلعته وخاصة السلع المعروفة اسعارها كالمؤن والادوات المنزلية او القمشة وادوات الزينة وغيرها ، وللمشتري حرية القبول او الرفض .
الفريد من موروث #يافع التليد

#المحطات_واسواق_التجارة_القديمة
مسارات التجارة القديمة في يافع
وظلال محطات الاستراحة وأسواق اللحظة القديمة

عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

اولا : #محطات_القوافل :
​مع تزايد حركة العبور بين الساحل والجبل، بدأت تتشكل الملامح الأولى للتجمعات التجارية عند "محطات القوافل". كانت هذه المحطات تقام على أطراف الطرقات العامة ومفترقات الأودية الكبرى؛ حيث تهبط القوافل لترتاح من لَغَب الطريق.
​لم تكن تلك المحطات تحوي مبانٍ أو حوانيت ثابتة، بل كانت عبارة عن "أسواق بدائية مؤقتة". يفترش التجار الأرض، يُخرجون ما بداخل الغرائر والخرج، وتبدأ عملية "المقايضة" أو البيع والشراء لفترة زمنية محدودة. وما إن تأخذ الإبل قسطاً من الراحة وتستعد القافلة للمغادرة، حتى ينفضّ السوق وتعود القفر إلى صمتها الأول، وكأن لم يغنَ بالأمس!
ومن اهم هذه #المحطات هي
محطات #الحد يافع و #شبر_الحضارم التي كانت اول مستقبلات القوافل الاتية من #بيحان #شبوة بالملح الصخري وملبوسات البراكيل والسباعيات البيحانية المشهورة ، ومثلها #العرقة ذي ناخب .
ومحطات #صبيبة والروى و امسدارة وعمدات #رصد المارة بها القوافل من والى موانئ #أبين و #عدن .
ومحطات #المفلحي ومشألة و #يهر المستقبلة للقوافل الاتية من اتجاة #الضالع و #حالمين و #ردفان .

​ثانياً: #الأسواق_القديمة..
شواهد التاريخ والوثائق المحفوظة
​مع استقرار المجتمعات، تحولت بعض المحطات السالفة إلى "أسواق قديمة" ذات أسماء ممتدة عبر القرون، لا تزال أطيافها وأسماؤها العالقة تتحدى غبار الزمن، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر :
١. ​سوق بن طاهر في رخمة #كلد.
٢. ​سوق الجمعة في #رهوة السوق بلباقير كلد.
٣. ​سوق ضبئة في #كلد.
٤. ​سوق أسفل مقبل في كلد.
٥. ​سوق #حرير في وادي الصفاءة كلد.
٦. ​ذراع السوق الواقع بين شريان وقلعة #القارة (عاصمة سلطنة يافع بني قاصد).
٧. ​سوق الليل تحت قرية الفارس في جبل #موفجة كلد.
٨. ​سوق المنصورة في رباط #السنيدي.
٩. ​سوق #معربان القريب من ضريح الولي #أسعد بن علي.
١٠. ​سوق الخربة في #السعدي.
١١. ​سوق الثلوث في الصيرة #لبعوس.
١٢. ​سوق مدينة الشمس والقمر الأثري في #جعار (يافع الساحل).
١٣. ا​سواق #الروّى وحصن عطية وصبيبة .
​
​طبيعة الانشطة التجارية فيها:
تنوعت طبيعة ونشاط هذه الأسواق التاريخية وفقاً لموقعها وجغرافيتها:
1. أسواق مزدهرة وشاملة (يافع الساحل والسهول) ​كانت القريبة منها من الموانئ البحرية شرياناً متدفقا بالخيرات ومحطاً للتجارة الدولية والمحلية؛ كـ سوق #العصلة وسوق مدينة الشمس والقمر الأثريتين، إضافة إلى سوق #صبيبة ( #باتيس حالياً) وسوق الصيرة والجُربة عاصمة المفلحي وسوق العرقة مكتب #الناخب ، وسوق شبر الحضارم . وتؤكد الوثائق التاريخية مدى التنوع والازدهار الاقتصادي لهذه الأسواق، حيث شمل النشاط التجاري فيها مختلف البضائع الثمينة والسلع والأنعام، بل وحتى بيع #العبيد قديماً كما تدل وثائق سوق العصلة بأبين القريب من حدود يافع.

2. محطات وتجمعات دورية ذات ضوابط ووثائق ​أسواقٌ لم تكن تضم مبانٍ حجرية قائمة، بل كانت ساحات مفتوحة تُعقد في أيامٍ محددة من الأسبوع، مثل سوق #الجمعة في رهوة السوق كلد ، وسوق مقبل، وسوق #الثلوث في الصيرة بلبعوس. ورغم غياب العمران بها وإنفضاضها بانتهاء يومها، إلا أن الوثائق العرفية والتاريخية لبلاد يافع حفظت لنا قوانين صارمة وضعت لهذه الأسواق؛ تضمن حماية الوافدين، وتؤمن الحقوق، وتجرم "الاعتداء أو العيب" في أوقات انعقاد السوق وهذه الوثائق يتراوح عمرها بين القرون العاشر والحادي عشر الهجري وكما اخبرني الدكتور الباحث نادر سعد #العمري من خلال تواصلي معه بانه استطاع ان يحصل على معلومات وشواهد ومخطوطات وثائق تمكنه من اصدار كتاب خاص بمسارات التجارة القديمة في بلاد #يافع وسيكون رافد مهم للمكتبة التاريخية اليافعة نسأل الله له التوفيق .

3. اسماء اسواق لايوجد مايشير الى وجود اي انشطة تجارية فيها وربما لمفردة "سوق" التي ارتبطت ببعض الاماكن منذ القدم معان ومدلولات اخرى مثل سوق #الليل الذي يطلق على مكان في وسط جبل مؤفجة لايوحي بان المكان مهيأ لقيام نشاط سوقي تجاري فيه لوقوعة وسط جبل في مكان وعر لاتمر فيه قوافل او حتى يصعب على الحمير المرور فيه ، ومما سمعنا من كبار السن ان الاسم كان يشير الى وجود #الجن الذين كان المارة هناك في الليل يشعرون بحركات غريبة في هذا المكان واطلق عليه سوق الليل اي مكان للجن حركة ليلية فيه اشبه بالسوق . ومثله سوق ذراع #القارة الا ان منطقة #شريان القريبة منه كانت من اكثر المناطق المزدهرة بالدكاكين زمان ويعتبر اهلها #المقافع من اشهر تجار يافع #بني_قاصد قديما.

.......
الفريد من موروث #يافع التليد

#الفوة
#الفُوَّةُ_اليافِعِيَّة..
حِكايَةُ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ بَيْنَ أَحْضانِ المَدَرَّجَاتِ الجَبَلِيَّة
كواحدة من أهم السلع النقدية في يافع قديماً.

عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي

​تَتَسَامَى الجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ فِي سَرَاةِ "يَافِعَ" الأَشَمِّ، حَامِلَةً فِي طَيَّاتِ مَدَرَّجَاتِهَا الحَجَرِيَّةِ التَّلِيدَةِ سِفْراً خَالِداً مِنْ كِفَاحِ الإِنْسَانِ والأَرْضِ. وَمِنْ بَيْنِ ثَنَايَا تِلْكَ المَدَرَّجَاتِ العَتِيقَةِ، كَانَتْ تَنْبَثِقُ نَبْتَةٌ أَقْرَبُ إِلَى المُعْجِزَةِ، تَلَفَّعَتْ بِالخُضْرَةِ النَّضِرَةِ مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَبَّأَتْ فِي أَعْمَاقِ عُرُوقِهَا نَبْضاً قَانِياً أَرْوَى حَضَارَةً اقْتِصَادِيَّةً وَثَقَافِيَّةً كَامِلَةً؛ إنَّهَا نَبْتَةُ "الفُوَّة"، الذَّهَبُ الأَحْمَرُ الذِي أَعَادَ كِتَابَةَ تَارِيخِ التِّجَارَةِ وَالحِرَفِ فِي الجَنُوبِ العَرَبِيِّ.
​البطاقة العلمية والشائعة للنبتة

البيانات
الاسم المحلي الشائع: الفُوَّةُ (أَوْ فُوَّةُ الصَّبَّاغِينَ / Fowah)
الاسم العلميRubia tinctorum (تَنْتَمِي إِلَى الفَصِيلَةِ الفُوِّيَةِ Rubiaceae)
الاسم الإنجليزيMadder

​صفاتها: نبتة ناضرة الخضرة، ذات ساق رفيعة شبه مربعة، تنبت من كل عقلة فيها أوراق رمحية ذات تعريق متوازٍ (كما تبينه الصورة المرفقة ). وتتميز هذه الأوراق بخشونة أشبه بما يُسمى محلياً "الرشّين"؛ إذ تحوي شعيرات دقيقة لها خاصية الالتصاق والتماسك بالأجسام كالأسطح والأقمشة. وللنبتة عروق متشابكة تخرج منها عصارة حمراء اللون شديدة الثبات إذا ما صُبغت بها الجدران أو الأقمشة.

​عبقرية زراعتها:
​لَمْ تَكُنْ زِرَاعَةُ "الفُوَّةِ" فِي يَافِعَ جُزْءاً مِنَ المَحَاصِيلِ التَّقْلِيدِيَّةِ الَّتِي تُزَاحِمُ الحُبُوبَ فِي قَلْبِ التُّرْبَةِ، بَلْ جَسَّدَتْ عَبْقَرِيَّةً زِرَاعِيَّةً فَذَّةً لِلْفَلَّاحِ اليَافِعِيِّ. كَانَ الأَوَّلُونَ يَغْرِسُونَهَا بَيْنَ المَفَاصِلِ وَأَحْجَارِ الجُدْرَانِ المَائِلَةِ (السُّنُودِ) لِلْمَدَرَّجَاتِ الجَبَلِيَّةِ.
​فِي هَذَا المَشْهَدِ، تَمْتَدُّ الأَغْصَانُ الخَضْرَاءُ الشَّائِكَةُ لِتَكْسُوَ حَوَافَّ الحِجَارَةِ، بَيْنَمَا تُمَوَّهُ العُرُوقُ والسِّهَامُ الجَذْرِيَّةُ فِي أَعْمَاقِ الجِدَارِ وَتَتَغَذَّى عَلَى الكُمُونِ. وَخلَالَ طُولِ العَامِ، يُقَصُّ جُزْؤُهَا الخَضَرِيُّ المُمْتَازُ لِيُقَدَّمَ كَأَجْوَدِ أَنْوَاعِ الأَعْلَافِ لِلْبَهَائِمِ؛ إذْ كَانَتْ صَبْغَتُهَا المَغْذَوِيَّةُ تُسَمِّنُ المَوَاشِيَ وَتُدِرُّ الأَلْبَانَ بِغَزَارَةٍ.
​فَإِذَا أَقْبَلَ الشِّتَاءُ، وَحَانَ حَصَادُ "الكَنْزِ المَخْفِيِّ"، يَقُومُ المَزارِعُونَ بِفَكِّ أحْجَارِ الجُدْرَانِ الحَجَرِيَّةِ بِحِرْفِيَّةٍ؛ لِيَسْتَخْرِجُوا تِلْكَ العُرُوقَ الحَمْرَاءِ المُمْتَدَّةِ كَالشَّرَايِينِ فِي جَسَدِ المَدَرَّجِ. وَبَعْدَ إِفْرَاغِ المَحْصُولِ، يُعَادُ بِنَاءُ الجِدَارِ الحَجَرِيِّ؛ إذْ إنَّ مَا يَتَبَقَّى مِنْ زَوَايَا العُرُوقِ أَوْ الشَّتَلَاتِ الصَّغِيرَةِ بَيْن الصَّخْرِ كَفِيلٌ بِأَنْ يَبْعَثَ فِي النَّبْتَةِ الحَيَاةَ مِنْ جَدِيدٍ، لِتَعُودَ خَضْرَاءَ يَانِعَةً خِلَالَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ دُونَ الحَاجَةِ لإِعَادَةِ غَرْسِهَا.

​العصب الاقتصادي: سلعة تربعت على رأس قوائم التصدير
​لَمْ تَكُنْ الفُوَّةُ مُجَرَّدَ نَبْتَةٍ زِرَاعِيَّةٍ، بَلْ كَانَتْ عَصَبَ التِّجَارَةِ فِي يَاِفعَ وَواحِدَةً مِنْ أَهَمِّ السِّلَعِ النَّقْدِيَةِ الَّتِي تُصَدَّرُ عَبْرَ القَوَافِلِ. جَابَتْ صَبْغَةُ الفُوَّةِ المَحَامِلَ وَالأَسْوَاقَ إِلَى:
​حَضْرَمَوْتَ وعُمَانَ
​عَدَنَ وشَبْوَةَ وأَبْيَنَ
​حَيْثُ كَانَتْ تُبَاعُ كَمَادَّةٍ أَوْلِيَةٍ ثَمِينَةٍ لِلصُّنَّاعِ والتُّجَّارِ، وَتُشَكِّلُ مَصْدَراً رَئِيسِياً لِدَخْلِ الأُسَرِ فِي جِبَالِ يَافِعَ.
​أسلوب بيعها وتصديرها وشاهد من الذاكرة
​بعد استخراج عروقها كان يتم تجفيفها تحت الشمس، ثم تُعبَّأ في أكياس وتُوزَن بالرطل.
​وأتذكر -أنا كاتب هذه السطور- أن آخر مرة قمتُ فيها باستخراج عروقها كانت عندما تم شق طريق السيارات في جبلنا (جبل السنيدي-كَلَد باعتباره من أشهر مواطن زراعة الفوّة في يافع)؛ إذ مرت الطريق في مدرجات زراعية تُزرع فيها الفوّة ضمن أملاكنا في نهاية عام 1989م، فقمتُ باستخراج أكثر من 80 "جونية" (خيشة)، فبعتها للحاج حسين ثابت مقور السنيدي، وكان أحد تجارها الموردين لها إلى أسواق أبين، بسعر 35 شلناً للرطل، وحصلتُ حينها على مبلغ تجاوز 18,000 شلن (أي ما يعادل 700 دينار).
الفريد من موروث #يافع التليد

#المعاجز_اللفظية
في يافع زمان هندسة الكلام ورياضة الألسُن في ليالي السمر

عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصراليافعي

​في سُكونِ الليالي اليافعية الدامسة، وحين كانت الـمَواقدُ تُشعِلُ الدفءَ في الـمَجالس، لم تكن "المعاجز اللفظية" (أو ما يُعرف بالتّنافس اللغوي) مجرد تزجيةٍ للوقت أو لغواً عابراً، بل كانت طقساً اجتماعياً وثقافياً بديعاً، يتآزرُ فيه الذكاءُ مع الطرفة، وتتحول فيه الحروف إلى ميادين لسباق الألسن ومحكّاتٍ لفصاحة البيان.

​تمهيد: رياضات اللسان ومدارس البهجة الأولى
​كانت هذه المعاجز اللفظية تُمثّلُ الرئةَ التي تتنفس منها المجموعات في ليالي السمر؛ فتخلقُ أجواءً من البهجة والقهقهات الصافية كلما تعثر لسانٌ أو زلّت قريحة. بيد أن دورها الأعمق كان يكمن في البُعد التربوي والعصبي الذي فطنت له الموروثات الشعبية بذكاءٍ فطري؛ إذ اتخذها الآباء والأمهات والجدات تمريناً لغوياً شاقاً وممتعاً للأطفال.
​لقد كانت هذه التحديات اللغوية بمثابة "علاج نطقٍ" قديم ومسبارٍ للطلاقة؛ فهي لا تُكسب الطفل جودة المخارج وحسب، بل تُدرّب دماغه على سرعة البديهة، والقدرة على التفكير والتجريد والتحليل السريع للتركيب الصوتي للكلمات أثناء نطقها المتواتر السريع. إنها مدرسةٌ شعبية لتطويع اللسان وإكسابه سيولةً لفظية تفرز قدراً عالياً من الذكاء اللغوي لدى الناشئة.
​أولاً: النماذج الشعبية... التحديات الصوتية المحبوكة
​تنبتُ المعاجز اللفظية أساساً من تتابع حروفٍ متقاربة المخارج أو متصارعة الصوتيات؛ فتراكب (الثاء) مع (الخاء)، أو تصارع (السين) مع (الشين)، و(الطاء) مع (الظاء)، وتشابك (الزاي) و(الراء) بـ (اللام)، يشكل مأزقاً حركياً للفم يستدعي تركيزاً ذهنياً عالياً.
​ومن أشهر تلك الألغاز الشعبية المتداولة التي سار بها الركبان في يافع:
​اختبار الحابس والمحبوس: «خَشَبَةُ الحَبْسِ حَبَسَتْ سَبْعَ خَشَبَاتٍ» أو «حَبَسَتْنِي خَشَبَةُ الحَبْسِ».
​صراع السين والشين: «بَسْبَسْ سَبَّ حُبّ»، و«فَاءُ شَطْزَهْ»، و«شَحْمُ حِبْرَهْ وَلَحْمُ حِبْرَهْ»، و«ذي بش بختش وذي بختش بش».
​المفارقات التكرارية: «تَلُمَّ ثُومَهْ وَتَلُمَّ خَوْخَهْ»، و«تَلُمَّ ثُومَهْ وَتَلُمَّ تِينَهْ»، إضافة إلى قولهم: «سَيَسْبَانَتُنَا خَيْرٌ مِنْ سَيَسْبَانَتِكُمْ».
​التشابك الصوتي المعقد: «لَمَسْتُ الخَلَّ مِنْ قَاعِ الخَلّ، آهْ يَا الخَلَّ الـمُصَفَّى!»، و«رَوْبِي رُورُوتْ مِنْ حَيْدِ مَرَّ... فَوْقَ رِمَالٍ»، و«شُتْخِذْ بِي، وَشُتْخِذْ بِي، وَشُتْخِذْ بِي».
​والأمثلة هنا لا حصر لها، وإنما دعونا نضيف لكم بعضاً منها:
​ذيلة الكبش لسود بالشُقف باللقُف ياقلقلة.
​يا ذا الغراب القوقي يا طالع الحيد الشقي .
​خُشم خبز وخشم لحم.
​ابرتي وابرة امي تكسكسة واتوركسة جا خدرة ابرة امي.
​من رخل حرفف حرّة وحرّة خلف رخل.
​ولخ وراء خيرة وخيرة وراء ولخ.
​حَطَّابنا خبط حطَّابَ بيت الخطيب خبطة؛ وحَطَّاب بيت الخطيب خبط حطَّابنا خبطتين.
​وبري تورور من حيد منور حط فوق مروة من مرو منور.
​حبة الحشنطز بالحيد لشطز بالصفاء شطزت.

​وهناك بعضها يتكون من كلمة واحدة، مثل:
​خعاخع.
​ماتستبسطها.

​ثانياً: المعاجز اللفظية في القريض والزوامل الشعرية
​لم تكن المعاجز اللفظية حبيسة الموروث الشفاهي للأطفال والسمّار فقط، بل تسربت إلى قريحة كبار شعراء يافع؛ فصاغوا منها زوامل وقصائد محبوكة بعناية فائقة، تداخلت فيها الألفاظ وتزاحمت الحروف لتُبهر المتلقي وتختبر قدرة الشاعر المتردّد للشعر على الإلقاء دون تعثر.
​فنجد الشاعر محمد عبدالله عبد الرب يخوض في هذا الفن ببراعةٍ في قوله:
​واكرمكم الله ماشخط كاتب بخط ...
عد النقط ذي بالكتاب اتنقطه
​بينما يذهب الشاعر صالح سند إلى تشكيلٍ حروفي يسلب الألباب بتداخله وموسيقاه الجافة السريعة:
​من بحر رجرج خرج ينهم من الطلسم ... من الحياطات بالتاريخ والعنوان
خُدلّج ابلج مدلّج غاني المبسم ...
من الغنج لا تعنوج ماتري لسنان
شلخوم شخطا مشلخم شوحطي شلخم ... خط القلم بالمرقّم واحكم القيفان

​وفي مظاهر التحدي بين الشعراء، تبرز المساجلات والزوامل كقول الشاعر قاسم عوض المحبوش:
​وا دوائي ودائي وا دواء من تونش ... وا مرد القوى للجسم بعد التوناش
​وكذا ما ورد في قصائد الشاعر الكبير يحيى عمر أبو معجب بقصيدته الجيمية الشهيرة عندما قال:
​الا بات ابو معجب ملجلج ملج لج ... وسط بحر قد لمت عليه املجالجي ... الخ
​وقول كاتب هذه السطور (أبو نصر):
​قلبي رجز واهتز في صدري وفز ... للباز ذي حاز المعزة بامتياز
من فيه انا معتز له مني برز ... سلام يجتاز الحواجز بالجهاز
​والتي تُبدي كيف تحوّل هذا اللعب اللفظي إلى نسيجٍ متين يُبرز قدرة الشاعر على الامتلاك الكامل لأزمّة اللغة وموسيقاها الداخلية.
​الفريد من موروث #يافع التليد

#صناعة_القطران
​رائحة الصخر وشذى محاليل كيمياء جذوع الشجر: في حكايةصناعة وتحضير "القطران" في يافع وغيرها من بلاد العرب زمان.

​عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

​لم يكن الإنسان اليافعي مطوعًا للطبيعة بصناعاته للذخيرة والنورة والقشي ووشار الخشب وحسب، كما سبق وتناولنا عددًا من مهاراته وصناعاته في حلقات سابقة، بل كان خبيرًا بأسرار الطبيعة، يعتصر من صلابة أرضه حكمة، ومن بطن شجره دواء ودفئًا. ومن بين أمشاج التراث العتيق، تبرز لنا اليوم صناعة "القطران" (أو القطران العرعري) شاهدة كأغنية كيميائية شعبية، صاغها الآباء والأجداد بأيدٍ لفحها الهجير، وعقول نسجت من المواد الخام ملحمة خالدة، رغم اختفائها من واقعنا اليوم ولم يبقَ منها إلا آثار وتذكار.

​أولًا: المواد الخام وكيفية تحضيرها:
​المادة الخام (لهف الأغصان الصمغية): لم تكن صناعة القطران في يافع عملية عابرة، بل طقسًا من طقوس الوفاء للأرض؛ إذ كان ينطلق الأهالي نحو المرتفعات والشعاب، ينتقون حطب "السقم واللبخ والبعار" و "العرعر" العطر، وأغصان العلوب "السدر" و" الطلح" و"السمر" و"الشّبَه" و"القرض" الصلدة، ولا سيما جذورها العتيقة المشبعة بالأبخرة الصمغية، تلك التي اختزنت الدفء في عروقها لقرون. يقطعونها بحرفية، ويهيئونها صرامًا نحيفة كي تفصح عن مكنونها حين يمسها لهب النار.
​طقس "التقطير الجاف" (عناق النار والفخار): في القفر الأبي، يقام الموقد كمذبح شريف للأخشاب. تدفن في الأرض جهرة أوانٍ فخارية (المستقبل) لتكون صندوق الأسرار، وتقلب فوقها قدور الفخار المليئة بخشب السُقَمْ والبَعَّار والعرعر المخصوص. ولكي لا يتسرب الهواء فيحيل الشجر إلى رماد، يغلف الجسدان بطين الأرض الممزوج بالتبن، في حصن حصين يمنع خروج النفس أو دخول الأكسجين.
​عملية التقطير: تشعل النيران حول المقطرة، فتسري الحرارة في أعماق الخشب الحبيس. كانت عملية "التحليل الحراري" هذه شبيهة بسحر طبيعي؛ إذ يتأوه الخشب تحت وهج الجمر، ويفيض زيته الدفين قطرة قطرة، ليهبط عاطرًا نقيًا إلى الإناء المدفون في رحم التراب. وما إن تهدأ النار ويبرد المكان، حتى يكشف الستر عن جنى السهر: سائل داكن يبتسم بالذهب الأسود، يفرز إلى "مهل" خفيف عبق، و"رب" ثقيل يمتلئ قوة وبهاء.

​ثانيًا: استخدامات القطران
​لم يكن القطران في يافع زيتًا مجردًا، بل كان نبضًا يدخل في المعيشة واليوميات اليافعية:
​حارس الماء والأواني: كانت القرب والمزاود الجلدية المشدودة تدهن بالقطران، فتكتسب مناعة ضد التسرب والعفن، وتحفظ الماء زلالًا باردًا يرد الروح في الظهيرة. كما حمى "الصحاف" والأواني الخشبية من التشقق، فمنحها الصلابة والرائحة التراثية الزكية.
​طبيب المواشي: في الرعاية البيطرية، كان القطران الصديق الوفي للإبل والشاة؛ يطلى به جلدها ليقيها شر البرد الكاسر في شتاء يافع، ويشفيها من المعاطف والجرب القراد، ويرمم حوافرها المجهدة بين الصخر.
​عازل البناء وحامي السقوف: ولأن الدار اليافعية الحجرية المهيبة تحتاج إلى ما يصون أوردتها، كانت جذوع السقف والأبواب الخشبية تدهن بالقطران الثقيل، فتقف كالسد المنيع في وجه النمل الأبيض (الأرضة) وسوس الخشب، وتصمد أمام الرطوبة والأمطار لعقود.
​الترياق والطارد: حملت رائحته النفاذة سر الوقاية؛ فكانت الأسر تطلي به أعتاب البيوت لطرد الزواحف والعقارب. كما استخدمته الحرائر بقطرات مخلوطة لعلاج القشرة وتقوية مفارق الشعر.
​ثالثًا: القطران والمعتقدات اليافعية الموروثة
​من أهم المعتقدات اليافعية المتوارثة أن محلول القطران يعتبر الوسيلة الناجعة لطرد الأرواح الشريرة الآتية من عوالم الجن؛ فكان يستخدم كوقاية من السحر والأمراض المنسوبة للمس والعين والحسد، باعتقاد جازم منهم أنه كفيل بابعاد الشياطين عنهم، إلى درجة أنهم أطلقوا المثل الشعبية: (#جن_وقطران) الذي ما زال دارجًا على الألسنة إلى يومنا هذا. ويطلق هذا المثل على من وصل التباعد والتباغض بينه وبين الآخرين إلى درجة القطيعة؛ فيقال: "فلان وأهله أو أهل فلان وأهل فلان مثل الجن والقطران"، أي أن الجن والقطران أعداء متنافرون لا يمكن أن يتقاربا.

​خاتمة:
​لقد كانت صناعة القطران في يافع التليدة عنوانًا للإنسان الذي استلهم من جباله التحدي، فترجم أبخرة الأشجار إلى إكسير يقي حياته، ويحفظ متاعه، ويدادي دوابه. إنها ليست مجرد خبرات الماضية، بل شاهد حضارة كتبت بقطرات الزيت الأسود على صفحات الصخر والتاريخ.
الفريد من موروث #يافع التليد

#الحبال_اليافعية
كيف غزل الأجداد في "يافع" شريان حياتهم اليومية من لحاء الشجر وجلود الأنعام ؟

عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

​في زمن لم تكن فيه المصانع الحديثة ولا المنتجات البلاستيكية قد عرفت طريقها بعد إلى جبال يافع الشامخة، كان الإنسان اليافعي كغيره من العرب يتكئ على بيئته المحيطة واستخراج معجزاته الصغرى من أبسط مواردها.
فلم تكن "صناعة الحبال" مجرد حرفة تقليدية، بل كانت شريانًا حيويًا يُدير عجلة الحياة اليومية والزراعية، ورباطًا وثیقًا يشدّ الإنسان بأرضه وعطائها.
​بين أيدي الأجداد، تحوّلت جلود الأنعام ولحاء الأشجار الجبلية إلى أدوات متينة تُطوع الطبيعة القاسية. وفي هذا الاستطلاع، نسلط الضوء على تضاريس هذه الصناعة الأصيلة وأسرار دقتها.

​أولًا: الأحبال #الجلدية.. ومتانة تطوّع المهام الشاقة:
​كانت جلود الأبقار المورد الأول للصلابة والتحمل، حيث برع اليافعي في معالجتها وبرمها وتليينها بالدهون لتبقى مرنة ولا تتشقق مع شدة الاستخدام، ومن أبرز هذه المبادرات الحرفية:
1. ​النَّسْعَة: حبلٌ مبرومٌ بدقة من شرائط رفيعة لجلد البقر بعد دهنها وفليها. كانت "النسعة" الرفيق اليومي لأهالي الجبال لحمل الأغراض الثقيلة كحِمال الحطب والأعلاف على الظهور.
2. ​المَحَاتِئ: نسخةٌ أقصر من النسعة وتصنع بالكيفية ذاتها، خصصت لرفع وحمل "غروب" الماء (القرب الجلدية) والأحجار ومستلزمات البناء.
3. سيور (​الحِلي والوَتَر): سيور جلدية فائقة المتانة، تشكل العصب الأساسي لربط أجزاء المحراث (زلام الضمد) كأجزاء السحب و"الهيج" الذي يوضع على رقاب الأبقار أثناء حراثة المدرجات الزراعية.
4. الحواقة #الحقاوة : هي ما كانت تربط على #الحقو (الخصر) وتعلق عليها المسترة للاطفال بدلا عن السراويل الحالية وتشد كحزام للمآزر كما تعلق عليها تمائم الحروز وتبقى مرافقة للشخص من صغره حتى مماته.
5. سيور المحاجز التي يشد بها الرجال المقاطب (المآزر) وتثبت بها الجنابي وكذا تلبسها النساء على خصورهن .
6. ​مرابط الماشية: حبال جلدية مخصصة لتثبيت وتقييد الأبقار والأغنام في المرابض.
7. ​سيور الخرازة: خيوط وثيقة تُستعمل لتخييط الوسائل الجلدية كالصرة والجلعاب، ورتق ثقوب الدلي وغروب الماء.

​ثانيًا: حبال من لحاء الأشجار والقطن وألياف الطبيعة:
​لم تكن الأشجار الجبلية مجرد غطاء نباتي، بل كانت خزانًا للخامات؛ إذ استغل الأهالي لحاء أشجار مثل "الزحيج"، "السني"، "العراب"، "الأثب"، و"النبخ" لصناعة حبال تتفاوت في سماكتها ودورها:
ونتستعرض لكم هنا اسم الحبل / الخامةالمادة المصنوع منهاالاستخدام والوظيفة الرئيسية
1. السّرِة : التي تصنع من لحاء الزحيج (أو السني/العراب/الأثب/النبخ) هي حبل غليظ جدًا يُستخدم للمهام الخطرة كالتدلي من "الضياح" والشواهق لجني عسل النحل.
2. الموثب ويصنع من لحاء شجرة الزحيج وهو حبل متوسط السماكة، يتميز بانتظام قطره وخلوه من العقد؛ مما يجعله مثاليًا لسناء الآبار وجر الثقال بالبكرة.
3. الرُّمَّة (جمع : رِِمام) تصنع من لحاء الزحيج وهي حبال دقيقة تُستخدم لتخييط "الجواني" (الأكياس)، ومقاود الأغنام، وحبال "السياع" لتعليق اللحم المقدد أو تجفيف الثياب.
4. السوتلي ويسمى شوتلي يصنع صوف وشعر الأغنام وهو حبل أرفع من الرمة وأسمك من خيط الغزل، يُصنع من نفس الخامة التي تصنع بها والقيان ك "الخُطّة والفريقة " وتستخدم لربط وتثبيت الأمتعة.
5. الذبيلة (الفتيل) تصنع من ألياف القطن (العطب)فتائل صغيرة تتشرب الزيوت والسمن لإشعال مصابيح الإنارة الليلية في البيوت والمساجد.
6. خيوط الأزل (الغزل) القطن (العطب)خيوط دقيقة تُستخدم لنسج الأقمشة كالشباك وتخيط الملابس التقليدية.

ثالثًا: أدوات حماية المحاصيل.. طاقة الفيزياء الشعبية
​لم تقتصر صناعة الحبال على التثبيت والحمل، بل تعدتها إلى ابتكار أدوات حماية زراعية تعتمد على ميكانيكية الرمي والصوت لطرد الطيور والمخاطر عن مدرجات الحبوب ونستعرض منها نوعين :
1. ​الوظِف (المقلاع): يتكون من "رُمّتين" بطول ذراعين إلى ثلاثة أذرع مصنوعتين من لحاء شجرة "النبخ"، تتوسطهما قطعة جلدية بحجم كف الطفل. يضع الرامي الحجر في الجلدة ويدور بها فوق رأسه بسرعة كبيرة ليكسبها قوة طاردة مركزية، ثم يطلق أحد الطرفين بحركة خاطفة؛ فتندفع الحجرة بمدى وسرعة تضاعف الرمي اليدوي العادي مرات كثيرة لطرد الطيور الغازية لسبول الحبوب.
2. ​المِصْقَاع: شبيّه بالوظف لكنه يُصنع من لحاء شجرة "الأثب". لا يُستخدم للرمي، بل لإحداث صوت فرقعة حادّ وشديد يشبه إطلاق الرصاص عند ليه ولفه بقوة ثم جعل جزئيه يصطدمان ببعضهما، فيفزع الصوت الطيور ويجبرها على الفرار بعيدًا عن المحاصيل.
الفريد من موروث #يافع التليد

عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

#تحايا_السلام_والمباخرة
في #يافع زمان
#المباخرة : أريج الوئام بلطائف الكلام وإفشاء السلام ، الدالة على
رقة المعشر وسطوة الأصول التي صاغها الآباء والأجداد ميثاقًا من طُهر ومودة.
التحية في الثقافة اليافعية وتنوعها كأحد مترجمات النفوس ، هي ليست مجرد كلمات عابرة تُلقى في أثير العادة، بل هي طقسٌ إنساني بدائعُه تشهد على صفاء الأرواح ونقاء القلوب، ورفعة القيم، ونبل المروءة، ومكارم الأخلاق التي توارثتها الأجيال كابراً عن كابر.
وكما سبق وبينا مظاهر ​المصافحة وإفشاء السلام في أرض يافع كأنهما العنوان الأبرز المستمد من تاريخنا الحميري العظيم وديننا الاسلامي القويم

كما جاء بالقرآن الكريم
​قال الله تعالى:
​﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: 86]
​
​من السنة النبوية الشريفة
​عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:
​أنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبيَّ ﷺ: أيُّ الإسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» [رواه البخاري ومسلم]
​يدل الحديث على فضيلة إفشاء السلام وتعميمه على جميع المسلمين دون تخصيص.

وهكذا اصبحت التحايا مبدأ عند ابائنا واجدادنا لوداد لا يحول ولا يزول؛ يتقاطر بهما القريب والبعيد، والمألوف والغريب، في تسليمٍ ينفض عن القلوب غبار الإحن. وما يحيد عن هذا النبع الأصيل إلا من اضطربت سويّتُه، أو أعمى بغضُه بصيرته، فصار يُعرف بين قومه بـ "المشاتم" الذي لايطيق الكلام كما قال الشاعر الراحل سالم علي المحبوش رحمه الله عندما دخلت مظاهر الثقافة الجديدة تحت صبغة الدين ومنع النساء من السلام وربما الكلام . فقال الشاعر الطاعن بالسن كردة فعل تعبر عن صدمته .
(سالم علي قال واذي بالطريق اجزع
لا بي سلامك ولا باقول لك حيا ).
وكأنه هنا يبعث رسالة مبطنة الى من أطفأ في داخله قبس التسامح واختار العزلة في جُحر العداوة ، وكأن الشاعر وقف عاجزا عن التأقلم مع ما طرأ على تقافة المجتمع التي توارثتها الاجيال وتعاقبت عليها كل قرون الاسلام ولم ترى فيها خروج عن الدين القويم .

ومن مظاهر هذه التحايا : ما تسمى في اعراف يافع ب
#المباخرة:
​المباخرة اليافعية مظهر من مظاهر التحايا اللفظية ،وهي أريج الوئام بلطائف الكلام
،و استجابةٌ شجية للنداء الخالد في إفشاء السلام، حيث استشعر اليافعيون عظمة التحيّة الإلهية (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، فكسوها بلطائف العبارات ومحاسن النطق التي تُشيع الألفة وتُطبّب الأفئدة.
ويمكن تفصيلها بالاتي :
1). تحية الضيف والوافد
حين يدنو الضيف من أقبية الديار، يقرع الباب أو يقف عند "السُّدة" لينادي بصوتٍ ملؤه الثقة: "وا أهل البيوت!"، فيأتيه الصدى حفيّاً: "يا حيا". فإذا التقت الأبصار، أُطلقت تحية الإسلام لتتبعها بوابل من الترحاب: "أهلاً وسهلاً، يا حيا بمن جاء".
​وتكتمل "المباخرة" عند تدفق السكون بالمصافحة والأخذ بالخاطر:
​"كيف انتوا؟ ويش انتوا عليه؟"
​فيجيب الضيف: "الحمد لله بخير وعافية، وانت كيفك؟"
​ليُستأنف الشوق: "كيف منعوم؟ وكيف أهل البيت؟ وكيف خباطكم (الأطفال)؟"
​فيردّ الضيف بثبات الشاكرين: "له الحمد، كلهم بزجمة".
​وإذا ما استبدّ الشوق بصاحب الدار وكان الضيف ذا منزلةٍ أثيرة، يُنفض الغبار عن المقطرة ويشعل البخور ليتضوع الأريج، مترافقاً مع العبارة اليافعية الخالدة: "يا حيا وسهلاً فوق الراس، ملء أبوها لما تفيض!"، فيرد الضيف ببديهة الوفاء: "حياك وأبقاك وعزّ مقامك.. نسلم، شرف الله قدرك".

2) تحايا التشكي من العجائز والمجهدين :
مع ان عبارة الحمد والشكر دائما ماتسمعها بين المتصافحين كلما نشد احدهم في تحيته ومباخرته عن احوال الاخر، إلأ انها لا تكون دائمة معبرة عن أحوال مطمئنة ، فالعجائز ممن ازرى بهن العمر وبلغن ارذله تسمعهن احيانا يردين في تحاياهن على من يبادرهن ب "كيف انتي وا أُمي احلالي؟ ، او كيف انتي وأُميمة؟)" فترد ( الأ مشهبرين شهبار )
او (كُذياه ) أُو ( صيبا) بمعنا نمشي بالحياة غصبا

3) تحيا السلام على الغائب :
لا تقتصر التحايا بين المتقابلين على السؤال عن احوال بعضهم البعض بل قد تتعداها الى ارسال التحايا الى من جاء من عندهم او ذاهب اليهم احد المتقابلين
فتسمع تحايا من هذا القبيل تقوا (فلان يبلغك السلام الكثير ) ويرد الاخر الله يسلمك ويسلمه) وانت بلغه اي السلام الكثير ذي ماهو قليل... فيرد عليه يصل كتعهد انه سيوصل امانة توصيل السلام.
الفريد من موروث #يافع التليد

#علم و #إستعلام المواكب
ما صاغ اللسانَ اليافعي من البلاغة والبيان في مواكبهم زمان

عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

لم تكن مواكبُ #يافع زمان مجردَ جمعٍ من الرجال يقطعون الشعاف والشّعاب، بل كانت ملاحمَ #طقسية، ومهرجانات أدبية حية، تتجسد فيها أصالةُ العُرف وفصاحةُ المنطق، وتتمازجُ فيها صرامةُ القبيلة برقةِ الكلمة الشاعرة.

​أولًا: تحايا #الشواعة بالشعر والنثر..
أصداء الهواجل وزخرف المقال
​كانت "الشواعة ،وهي الموكب الراجل الذي يرافق " #الحريو" ( العريس) ليزف أمانته من بيت أصهاره—تتحول إلى منبرٍ سيّار للبلاغة. تنطلق ألسنة الشعراء بالزوامل والهواجل، ترتجُّ لها السفوح وتتجاوب معها أداءات الرجال باصوات جهورية تُباشر المسامع قبل الأبدان.
​ما إن يستوي الموكب عند "مطارح الأصهار" حتى يترجل شاعر الشواعة بمطلعٍ يفيض سلامًا يبدأ زامله فيه قائلا :

​سلام مني للمطارح واهلها....
أو مني سلام الفين كلا يسمعه... يملا سفوح الواد لاراس الحيود

​فلا يلبث شاعر المستقبلين أن يتلقف التحية بالقافية نفسها وكلمات تتضوع طيبًا وكرمًا كإن يقول :

​حيا بكم ياذي سندتوا عندنا... بالعود والما ورد والكاذي ينود....

​ليجيبه الأول في ردّ يستدعي المجد ويؤكد أواصر الوفاء:

​الله يحيي كل من حيا بنا... واهل الشرف بالجود والجودة تجود
جينا لكم حسب الصهارة والوفاء... بالعز والناموس من زام الجدود.

وهكذا تستمر هواجل وزوامل الواصل والمرحب ..
​وما إن تهدأ رجفة الزوامل وتنتهي طقوس التنصاع، حتى يفرغ الميدان لسلطان #النثر المسجوع. يصمت الجميع، ويتقدم "المتكلم" ؛ متفوه القوم وأفصحهم لسانًا، بالسلام ليأتهم رد السلام من مندوب المستقبلين بسؤال العُرف الخالد:

"علمكم؟"

​فيتدفق البيان المسجوع من ممثل الشواعة على سبيل المثال قائلًا:

​"جئناكم حسب العرف المسبول ل، وعلى شرع الله وسنة الرسول، نبتغي القبول ونلتمس الوصول بعد الطلوع والنزول . معنا ابن الأصول، من راجحين العقول ،فلان بن فلان المبجل بالسيف المسلول والجنبية المصقول، بالرجاء والمأمول؛ بعد أن تمّ الرضا والقبول، وله امانه عندكم عنها لايحول ،جئنا نطلبها بالناموس المعمول . جوهرةٌ لبسها بالذهب والجواهر واللول، بعقدٍ مبرومٍ امام المعلوم والمجهول ، وبالمهرٍ المدبول، أمام المأذون والشهود العدول. وما بقي إلا تسليمها لينشر السرور والتسهيل، وتُزَفّ على أصوات المحاجر والهواجل والطبول، ولا نبي الكلام يطول... وسلامتكم ."

​فيرد مندوب المستقبلين بنثرٍ مسجوعٍ يضاهيه بلاغة، ينتهي بعبارات القبول والترحيب، مأذونًا للموكب بالدخول، ومُجلَّلًا بالكرامة وحسن الظيافة.
ناهيك عن "مواكب النسب" التي تُساق ببراعة الكلمة وأصالة المقصد.

ثانياً : تحايا وسلام الشعر في مواكب #القَبَل:
​لم تقتصر هذه المواكب الشعرية على الأعراس، بل امتدت لتشمل "مواكب القَِبَل" التي تؤم #السلاطين وعُقّال المكاتب والقبائل؛ حيث تتزاحم الهواجل في الأعياد والدواعي الملمة لتدارس النوازل وحل المشكلات،
وفيها ياتي الشعراء متقدمين المواكب مرتجلين الزوامل التي عادة ما تبدأ بالسلام كقول:

سلام لش يا ذالحصون العالية....
او سلام لك يالامر (والمقصود بالامر هو السلطان )
او سلام للعاقل وجملة من حضر ...

​ثالثا : سلام واستعلام مواكب التحكيم القبلية وفصاحةُ النثر..
​حين تدلهمّ الخصومات، وتطل الفتنة برأسها، يترجل الشعرُ جانبًا ليحل محلَّه الصمتُ المهيب ونثرُ الحكماء،
حيث ​تصل الوفود القبلية اما ابمنفذة لحكم عرفي في مواكب تُعرف بـ "الدحقة"، "التعشيرة"، و"الموصل والوصول"،
او الساعية للصلح ودرء الفتن إلى فناء بيت غريمها أو ولي الدم، بما يسمى ب
" #التدفيرة" او " #التثقيل".
فيلعلع الرصاص في الهواء، ليخرج صاحب الدار مناديًا المستعلم: "علمكم؟"
​هنا يتقدم "المتكلم" خطيب الوفد، لا ليلقي شعرًا، بل ليصبَّ اعتذارًا نثريًا بعبارات بليغة ببيانها ، وبديعة بسجعها ، تعيد للاعتبار وزنه، ويحطَّ من قدر الخلاف، قائلًا: بعد القاء تحية الاسلام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وياتي الرد من صاحب الدار المقصود
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، متبعها بالسؤال العرفي المعتاد؛
وعلمكم؟
فيرد عليهم
​" والله ولا علم ،
جيناكم بدحقتنا وتعشيرتنا، (واذا بالحكم غنم يردف ) وجلبتنا بعدنا... ويتابع
مصفين وموفين ومحكمين ومعتذرين غريم وامين ، عن ما حصل عليكم من خطأ وعَثر من فلان أو أهل فلان في ساعة شيطان لا مبيت لها نية من سابق او لاحق . وانما جيئة مثلما جيئة. والآن وصلناكم حسب الاعراف والشروع
الفريد من موروث #يافع التليد

#أحكام_النطف_والمنطوف
وضوابط الألسنة في شروع واعراف يافع التليدة
ضوابط وأحكام سقطات الألسنة من جرائر لفظية منكورة في محاكم يافع العرفية زمان
عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

في بلاد "يافع" النواميس ، حيث تلتقي قمم العز بصرامة الحكمة، لم تكن الكلمة مجرد أثير يذهب مع الرياح، بل كانت سيفاً يُغمد بحلم، أو يُسلّ بحكم. لقد نسج الأجداد من سنن "شروع كلد" دستوراً عرفياً صارماً، يُقيم الموازين بالقسط، ويجعل للفظ حرمة ولللسان خطاماً، عبر نظام بليغ تُعرف فيه الجناية القولية بـ "النَّطَف"، ويُسمى من وقعت عليه بالمتنطف ومرتكبها "المُتَطَوِّف".
​إن "شروع يافع وخاصة اشهرها شروع #كلد" – كواحدة من أعرق القوانين العرفية المتوارثة منذ القدم في يافع – لم تترك شاردة ولا واردة من سقطات القول إلا وجعلت لها زجراً وثمناً. فالكلمة التي تخرج من الفم تعامل معاملة السهم الذي ينطلق من القوس؛ فإن أدمى الشرف أو جرح الكرامة، وجب فيه الاحتكام والقصاص العرفي، حسماً للفتن ورتقاً لفتوق الضغائن.
​موازين الأحكام ومثامين الجرائر القولية
​حصرت الأعراف اليافعية الجرائر القولية والمناكر اللفظية في عشرة أبواب رئيسية، وضعت لكل باب منها تثميناً مادياً ومعنوياً يُقاس بـ "القروش" أو بما يعادلها صلحاً بـ "رؤوس البقر" (حيث يُقيَّم رأس البقر تاريخياً بثلاثة قروش او ثلاثة قروش ونصف حسب سعر الصرف للزمان والمكان )،
وجاءت أحكامها وفق التالي:
​1. #السَّوَادَة (عظيمة البهتان والطعن في العرض):
هي أشد النَّطَف جُرماً؛ إذ تشمل تهم الزنا والطعن المباشر في الشرف. ولعظم خطرها على النسيج الاجتماعي، افترق حكمها عن سائر القول ليبلُغ نصف الدية، لِما فيها من تلطيخ السمعة بالسواد وتدنيس الخدر المنصون.
​2. #الهُكْمَة (المعايرة والمحيط من القدر):
وهي كل قول يُنقص من قيمة المرء أو يلمز في قدره وتاريخه بما يجرح المشاعر. وتتردد عقوبتها المادية بين 21 إلى 42 قرشاً (وتُقدَّر في بعض الأعراف بـ ثسبة رؤوس بقر واربعتعشر )، مع لزوم الاعتذار العرفي.
​3. #الفَدْو / الفَدَاي (سليط قول النساء):
وهو ما تطلق ألسنة النساء من عبارات نابية وتبدأها بالدعاء بـ "فدوى بك..." مقرونة بكلمات بذيئة. ونظراً لأثرها الفاحش، جاء حكمها غليظاً يتراوح بين 21 و42 قرشاً (أو 7_14 رؤوس بقر)، غير أنه يُخفّف عند تنفيذ الحكم المادي بخصم إسقاطات "الدحقة والتعشيرة" للتسامح العرفي.
​4. #الرَّخُصَة (سب الوالدين والعار):
وهي الجريمة القولية المتمثلة في شتم الأمهات والآباء والمساس بالعرش العائلي. وتُعد من أغلظ الهنات؛ حيث يمتد حكمها من 21 قرشاً وتصل في ذروتها إلى 7 رؤوس من البقر (21 قرشاً خالصاً) إذا استهدفت شتم الأم تحديداً.
​5. #الهَن (الهيانة والإذلال):
وهو تعمد إهانة الخصم وتحقيره مجلساً أو مقاماً. وحكمه غالباً يقع في نطاق 21 قرشاً، أو ما يعادلها من الاعتبار المعنوي.
​6. #المَن (الامتنان بالمكرمات):
وهو تذكير الآخر بالإحسان عليه على وجه التعيير والتثقيل. وحكمه كـ "الهن"، يُثمن بـ 21 قرشاً، لاستئصال داء الكبر والتعالي بين أبناء القبيلة.
​7. #التَّمِنّاع الاستفزازي (جرّ المنع):
وهو استثارة الغريم بأسلوب استعلائي يدعوه للقتال والبطش (نحو: "منعك إن كنت رجلاً فتعال.."). ولأنه بذور شر تؤدي للدم، عُومل معاملة التهديد الصريح؛ فحكمه 42 قرشاً (أو 14 رأس بقر في أغلظ التقديرات). أما التمناع الإيجابي الذي يُقصد به الاستغاثة وطلب النجدة، فلا حكم عليه بل هو مرؤة محمودة.
​8. #التَّوَثّان / #المِيثَان (التهديد بالشر):
وهو الوعيد الصريح بإلحاق الأذى والشر بالغريم. ولأنه يروع الأمان العام، زُجر بحكم مضاعف يبلغ 42 قرشاً (أو 14رؤوس بقر).
​9. #التَّمْقَاع ( التهكم والسخرية):
وهو صنيع من يتهكم على خصمه ويسخر من خلْقته أو فعله. ويُثمن غالبها بـ 21 قرشاً (أو 7 رؤوس بقر)، وتتحول للعقوبة المعنوية حال الاعتذار.
​10. #التَّمْسَاج المذموم (التندر الجارح):
وهو إحالة ألم الخصم إلى فكاهة وإضحاك الناس بنكات تسخر من مشاعره وتنتقص من هيبته. وحكمه يجري مجرى التمقاع بـ 21 قرشاً (أو 7رؤوس بقر).
​أدبيات الفصل والتسامح: بين "الماديات" و"الأوجاه"
​لم تكن القوانين العرفية في يافع أداة لجبي الأموال، بل كانت وسيلة لتهذيب النفوس وصون الحرمات. ولهذا، وضعت الأعراف مخرجاً نبيلاً يُسمى "الدحقة والتعشيرة"؛ فإذا أحضر المحكوم عليه (المتطوف) الوسطاء والوجهاء فيما يُعرف بـ "الدفْرة" (أي الوصول والاعتذار الوجاهي)، فإن قدر أولئك الوجهاء وحرمة حضورهم تشفع للمخطئ، فيتم التسامح عن العقوبة المادية (المسطور المادي) والإكتفاء بالمسار المعنوي والإعتذار العلني.
الفريد من موروث يافع التليد

#إخلاقيات_العَثَر_والمعثور
وإعتباراتها في أحكام الشروع اليافعية
بين حومة العِراك وحرمة الشَّرَف: أحكام " #العَثَر و #المعثور" في أعراف وشُروع #كلد #يافع

عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

اولاً : معايير #التكافؤ:
​لم تكن الأعراف القبلية اليافعية القديمة مجرد أحكام شرعية قانونية عابرة، بل كانت فلسفة أخلاقية وشروعاً سديدة تزن الأفعال بميزان العدل ويدرأ البغي. وفي سائر النوازل، كانت القاعدة القرآنية والدستور النبوي هما المنار؛ فقد شدد الإسلام تشديداً بالغاً على حرمة اعتداء القوي على الضعيف، والعاقل على سفيه العقل، والكبير على الصغير. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾، وقال رسول الله ﷺ: «أَلَا لَا تَظْلِمُوا، أَلَا لَا تَظْلِمُوا»، مؤكداً على حماية الفرد من تغول الجماعة، والأعزل من بطش المسلح، وحرمة النساء اللاتي قال فيهن ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا».
​على هذه المبادئ، صاغ الأجداد في يافع — وشروع "كَلَد" على وجه الخصوص — أحكام "العَثَر والمعثور" (وهو ما نشأ من عراك وشجار)، لضبط الخصومات وضمان ألا يتحول الشجار إلى ظلامة. ولم تكن الأحكام تُكال بمكيال واحد، بل قُسّمت وفق معايير دقيقة نأخذها هنا بالتفصيل

اولاً : اعتبارات التكافؤ: نفصلها بالاتي
١. #الخَلة : ويعني ​التكافؤ بالجنس و( "الخُلّة"): هو مصطلح عرفي اطلق على المرآة في شروع كلد حيث تُعد المرأة في العرف اليافعي خطاً أحمر. أي اعتداء جسدي عليها من رجل بالغ عاقل يُعتبر كسراً للشرف وخرقاً للناموس القبلي. وإذا أُصيبت، يُحكم على المعتدي بأحكام مغلظة تتراوح بين 14_25 راس بقر اب 42_75 قرش ، بالاضافة التعويض المادي عما يحصل لها من اصابات ، ولا يقف الحكم عند هذا بل يتجاوزه إلى حق اعتباري لوليها يُستوفى بـ "الدَّحْقَة والتعشيرة". كما أن أي رد قولي منها بالسب أو (الفدّاي) يُعفى من الحكم استناداً للقاعدة العرفية: (سلاح المرة لسانها)، باعتبارها ضعيفة جسمانياً، ولا يُستثنى من ذلك إلا إذا أقحمت نفسها بارادتها في عراك الرجال.
٢. ​التكافؤ ب #الأهلية الجسمانية والعقلية: شددت الشروع القبلية العقوبات على من يعتدي على العجزة، المعاقين، الأطفال، والمجانين، ودرج في حكمهم اعتداء "المستلب" (الحامل للسلاح) على "الأمسر" (الأعزل)، لما في ذلك من خسة واستغلال لعدم التكافؤ. وتسري على الجاني نفس الأحكام التي تحكم في قضايا الخُلّة سابقا
٣. ​التكافؤ بالكثرة والقلة
(" #الإعسان "): حظرت الأعراف تعصب الجماعة على الفرد وتكاثرهم عليه. ويدخل في هذا الحكم الاعتداء على اليتيم الذي لا عصبة له، أو الغريب وعابر الطريق، واللاجئ المستجير كـ "الربيع" والضيف، حيث تُضاعف أحكام العثر حمايةً لمن لا ناصر له وتسري على الجاني نفس الأحكام التي تحكم في قضايا الخُلّة سابقا .
٤. ​(" #العبج و #التبطال"): وهو التكافؤ بين الفعل ورد الفعل ("العبج والتبطال"): ميزت الأحكام بين من يُدفَع للشجار بأسباب سائغة، وبين من يعتدي طغياناً ودون دوافع كافية؛ فالأفعال الناتجة عن التعدي المباشر دون سبب تُقابل بأحكام زاجرة تُبطل حجة المعتدي وتغلظ عليه الغرم بأحكام لاتقل عن الاحكام التي سرت على الاصناف الاولى بل احيانا اذا كان العثر كبير والاثر بالغ قد تتضاعفةالاحكام لتصل الى الديات الكاملة .
........

لندرك كيف كانت شُروع #كلد ويافع بشكل عام المتوارثة منذ قديم الزمن حصناً منيعاً صان الدماء والأعراض، وغرس في أجيالها أن القوة بلا مروءة مَلامَة، وأن العز في إنصاف الضعيف.
الفريد من موروث #يافع التليد

#اعتبارات_الزمان_والمكان
في أحكام شروع #يافع زمان

​الجزء الثاني من أخلاقيات العثر والمعثور واعتباراتها في أحكام الشروع اليافعية
الاعتبارات المكانية والزمانية والمعايير المسلكية التي تُراعى عند تطبيق الأحكام العرفية اليافعية
.... .......
عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

​تأتي الاعتبارات المكانية والزمانية والمعايير المسلكية في العرف القبلي اليافعي كغيره من أعراف القبائل العربية كحاضنة أخلاقية وضوابط إجرائية صرامتها توازي، بل تفوق في بعض الأحيان، نصوص القوانين الحديثة. فالأعراف لم تكتفِ بتجريم الفعل الذاتي فحسب، بل وسّعت دائرته لتشمل ظروف المكان، وتوقيت الزمان، والسياق المحرّك للجريمة.
​ثانيًا: الاعتبارات المكانية والزمانية
​تُعطي الأحكام العرفية حرمةً مضاعفة للمكان والزمان، وتعتبر التعدي فيهما جنايةً موصوفة تُضاعف فيها العقوبات لتشديد الزجر وصيانة السلم الاجتماعي.
​أ) الاعتبارات المكانية
١. اعتبارات حمى الدار والجار والاعتداء على #حرمة القرى والبيوت: كما للبيوت والقرى حرمة ومرافق؛ فالاعتداء على حرمة بيت أو اقتحام قرية لا يُعامل كاعتداء عادي، بل يُصنّف كجرم يمسّ العرض والشرف الجمعي. فمن اعتدى على شخص بداخل بيته أو محله يستوجب أحكاماً قاسية تُعرف بالمعابيب، وتُلزم الجاني بأحكام اعتبارية إضافية كالدحقة والتعشيرة والموصل والوصول (أي ما يُعرف بتقديم الهَجَر والعقائر لخطيئة انتهاك الحرمة). وكذلك من اعتدى على شخص في بيت أو مجلس شخص آخر اعتداءً قولياً أو فعلياً، فإنه يلزم أولاً على صاحب البيت أن يوفي المجني عليه في حمى بيته مباشرة بحكم يُقدّر بـ 7 رؤوس بقر بما يعادل 21 قرشاً كرد اعتبار أولي لإطفاء غضبه ونزع فتيل الفتنة. وبعدها يصبح الجاني ملزوماً بتحكيم صاحب البيت بحكم يُقدّر ما بين 7 إلى 14 رأس بقر (أي 21 إلى 42 قرشاً)، وهذا لا يعفيه من الاحتكام للمجني عليه بحكم يُقدّر حسب حجم الفعل القولي أو الفعلي. وبالمقابل لا يجوز لصاحب البيت التعدي على من دخل بيته إلا إذا كان دخوله بنية الشر أو السوء.
​٢. اعتبارات الجار وذي القربى: للجوار والقرابة في العرف حقوق استثنائية؛ فالتعدي على الجار أو القريب يُضاعف الحكم لما فيه من قطيعة للرحم وإخلال بنسيج التضامن الاجتماعي الذي تقوم عليه القبلية، وغالباً ما تُضاعف الأحكام على من انتهك ذلك المنكر.
​٣. الحَد القَبَلي: من المعروف في جميع قبائل يافع أن هناك حدوداً جغرافية كانت قديماً تفصل بين القبائل، ولكل قبيلة مساحة جغرافية تحد قرى مساكنهم تُعتبر حمى خاصاً بتلك القبيلة ويكونون مسؤولين عنها مسؤولية دائمة. وأي جرم يحصل فيها من قبل أي شخص يدخل فيه، وجب على القبيلة رد اعتبار من الجاني، وبالمقابل عليها مسؤولية أمام المجني عليه إن كان من خارجها قد تصل أحياناً إلى دفع ديات للمقتولين داخل هذا الحد من القبيلة صاحبة الحد إذا لم يُعرف الجاني. ويجدر بنا هنا أن نشير إلى أن الحد لا يعني بالضرورة الملكية للمكان؛ فغالباً ما توجد أملاك زراعية لقبائل مجاورة أو حتى بعيدة داخل حد قبيلة ما، وللمالك كل الحقوق في زراعتها والذهاب والإياب إليها وقتما يشاء، وعليه احترام الحق الأمني للقبيلة في حدها بحيث إذا تجرأ على أي فعل عدواني من أرضه المملوكة كان عليه رد اعتبار لأصحاب الحد بالحكم العرفي، وبالمقابل إذا حصل له أو لممتلكاته أي أذى فيلزم القبيلة صاحبة الحد التحكيم له.
وهنا دعونا نُدلل لكم بقاعدة #الليلة_والسيلة_والجليلة؛ التي تُمثّل ذروة الذكاء القضائي في العرف عند التباس الفاعل في الجرائم الغامضة مثل القتل أو الاعتداء المقيد ضد مجهول؛ حيث يُقسم الحكم ثلثاً على ثلاثة أطراف لضمان عدم هدر الدماء وتحفيز الجميع على كشف الجاني:
​الثلث الأول: على من نشر قاصد عثر، أي من ابتدأ الخصومة أو أثار الفتنة وكان سبباً في الوصول إلى موقع الحدث.
​الثلث الثاني: على صاحب الحد القبلي أو البيت الذي وقعت في نطاقه الجريمة، لحثّ القبائل على حراسة حدودها وملاحقة المجرمين داخل أراضيها.
​الثلث الثالث: على من ثبت إطلاقه للنار، أي كل من شارك في إطلاق النار في مكان الواقعة وإن لم يثبت يقيناً أنه صاحب الرصاصة القاتلة.
​٤. حمى الطريق والسوق والمسجد والمعلامة:
​حرمة الطريق العام ومنع التلقية: الطريق العام في العرف له حرمة وأحكام صريحة تُجرّم التعرض لمُرتاديه، وتُعد التلقية لجازع الطريق (أي اعتراض سبيل عابر السبيل أو قطعه عليه) جريمة شنعاء تُسقط الحماية العرفية عن الفاعل وتوجب عليه أشد أحكام التعزير؛ لأن الطريق ملك للجميع وأمانه أمان للقبيلة بأسرها.
الفريد من موروث #يافع التليد
#مسراح_اليوم_الأبيض

عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي

الجزء الثاني : من الخرابات والخاص بدعاوى القضايا الكبيرة والنكيرة في اعراف يافع زمان .
« #مسراح اليومٌ الأبيض، كوجه من أوجه مايسمى في بعض البلاد ب #داعي_النكف ، و هي تلك الوقفات القبلية الجماعية السالفة التي تُغسل فيها المظالم وتُشرق منها الشريعة في أعراف وشروع يافع زمان ،
فلم تكن الأعرافُ القديمة في يافع مجردَ قيودٍ صماء تُكبّل الحريات، بل كانت صرحاً بيانياً وتشريعياً تُشادُ على آجرّته قواعدُ العدلِ، وتُحقنُ بها الدماء. وضمن الجزء الثاني من أحكام "خراب الممتلكات"، يتجلى "خراب المسراح الجماعي"—المعروف أدبياً وعُرفياً بـ "اليوم الأبيض"—كطقسٍ جليل تُمارسه القبائلُ في زها "الظَّهْرِ الأحْمَر"، لتطهير الساحات من دنس الغدر ولجام الخطيئة.
وهنا ناخذ أربعة مظاهر من تلك المواقف القبلية الأضطرارية :
​أولاً:
#مسراح_البياح بالدق والحراق. وهو التي تغير فيه جميع قبائل "المكتب" على القاتل المتعبج بالباطل
​حين يُجاوزُ الخطيئةَ مداها ويقعُ "قتلُ العَيْب" ببغيٍ وظلمٍ صُراح، وبعد ان تستنفذ قبيلته كل خيارات العسف والرَّدَد التي سبق واوضحناها في حلقة سابقة فلم يبقى لديها غير الخيار الثالث وهو ان تتبرأُ من جانيها وتعلن البياح (اباحة وماله وممتلكاته ) مُلقيةً به خارجَ أسوارِ حمايتها، فتتداعى قبائلُ "المكتب" الى موكبٍ مسراح اليوم الأبيض .
​ويشرع " الدَّق والحِرَّاق والقتل"؛ حيثُ تُستباحُ ممتلكاتُ القاتلِ المتعبِّج والمتمرد بالدقّ والتدمير لبيته وارضه ، وتُسلب مواشيهِ أو تُؤخذُ أمواله، ويُهدرُ دمه ودمُ كُلِّ من يُظاهره أو يشدُّ على يده؛ إطفاءً لجمر الفتنة، وقطعاً لدابر الظلم، وتطهيراً للترابِ من أن يطأه من استسهلَ إراقةَ الدمِ المعصوم.
​وهناك حكم قد يخفف على مثل هؤلاء في حالة استرحمه ذوي المجني عليه وهو مايختصر ب ( خلف الحدود او تحت اللحود) وخلف الحدود يعني نفيه الى خارج البلاد .

ثانياً:
#مسراح_السوادة.. جلاء العار تحت ضحى النهار
​حين تُمسَّ قبسُ الكرامةِ في أحشائها، وتغدوا الفاحشةُ نكيرةً كعُرقةِ زناءٍ بائنٍ بالحَمْلِ أو نَبَارٍ للمحصنات، لا تتوارى يافعُ خلفَ جنحِ الظلام. ينطلقُ رجالُ القبيلةِ قاطبةً في ضحواتِ النهار فيما يُعرف بـ "مسراح السوادة"؛ زحفاً يُعلن الهيبةَ ولا ينكثُ حرمةً.
​تتحركُ الأقدامُ بثقلِ الحق إذا ما أبطأ الجناةُ عن إرسال "العقيرة"—تلك الترضية المالِيّة التي تقطعُ دابر الفتنة، وتستتبعُ بالوصولِ بأثوار البقر—لإلزامِ الجاني بنكاحِ المحمولِ أو الإقرارِ بالنّسَب، أو تحميله ديةَ قتيلٍ إن كانت ذات زوج.
وهناك حكم قد يطبق على الفاعل في حالة ثبت فعله الا اخلاقي المنكور بتحرشه الدائم بالنساء وهو النفي خارج البلاد بمدة تأديبية تصل الى 15 سنة .
​ثالثاً:
#قارح_البندق.. لردعِ العَيْب
​ليس كلُّ رميٍ بقصدِ الردى، فـ "قارح البندق" لغةٌ ثائرةٌ يتكلمُ بها البارودُ حين تطالُ المرءَ دناءةُ "العَيْب والمعيوب"—كالتلقيةِ بالتقطع، أو السِّلاَبِ بالقوة، أو الإعسانِ بالتعصب، أو نكثِ حرماتِ النساء.
​حين يتقاعسُ الخصمُ عن الموصلِ والوصول، تُحمل الأسلحةُ لتُطلقَ زخاتِ الرصاص على أطرافِ ديار الغريم، زفراتٍ تنطلقُ جهاراً نحو الجدران الخالية لا لتُريقَ دماً أو تُردي بهيمة، بل لِتستنفِرَ "أهل العقول" وتجُرّ الخصومَ إلى سِلْقَةِ الحق.
​وتتوزعُ أحكامُ الديارِ بعدَ الركام على النحو الآتي:
​غُرمُ البداية: تُحكمُ باللوم وهو 14 رؤوسٍ من البقر (42 قرشاً) على من بادر بالإطلاقِ استنكاراً.
​غُرمُ الجواب: تُحكمُ سبعةُ رؤوسٍ (21 قرشاً) إذا قَابَل الخصمُ الرصاصَ بالمثل.
​اللومُ والتجاوز: إذا تاهت الطلقاتُ حُدودَ قبائلَ بريئة، وجبَ الموصلُ والوصولُ وحُكْمُ سبعةِ رؤوسٍ (21 قرشاً) للوفاء.
​ساعةُ الشيطان: إن زلّت قذيفةٌ واستقرت في صدرِ حَيّ، غدَا كُلُّ جَانٍ حَميلاً لجريرةِ بندقه. إن الخرابَ الماديّ الهيّن هنا لا عُرمَةَ له ولا حكمَ عليه؛ إذ هو صَقْلٌ لصفحةِ الشرفِ وغَسْلٌ لأوجاه القوم من هوان السوادة. أَمّا إن انقشعت التهمةُ وتبينت براءةُ المتهَم، فللمظلومِ نصفُ ديةٍ ترُدّ اعتباره وتُمحى بها عواقبُ التسرّع.
رابعاً:
#المَرَزَّة:
والمرزة هي مآثرة وملحمة بطولية أضطرارية يسطرها شخص او جماعة في موقف قتالي شجاع يقف به ناصراً للحق وداحراً للظلم على مظلوم، او رافعاً الجور على مستضعف، او حامٍ لحمى دار او جار .
ومثل هذه الوقفات تلقى تكريما واسعاً وفي حالة الأحكام فان قبيلة ذلك البطل او جميع قبائل مكتب تتحمل كلمايترتب عليه من أحكام الديات او الأصواب التي قد يحدثها بوقفته البطولية في تلك المرزة التي تبقى الاجيال تتناقل ذكرها للتاريخ وكم هي الامثلة في هذا الذين يصعب حصرها هنا ، دعونا نورد بعض مما قاله الشعراء تخليدا لتلك المواقف .
الفريد من موروث #يافع التليد

#أحكام_الخُلّة
​صرامة العدالة ومهابة الحِشْمَة
في الأحكام العُرفية اليافعية القديمة الخاصة ب #النساء

​عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابو نصر #اليافعي

​في غياهب التاريخ والأزمنة التليدة، حيث لم تكن النُّصوص القانونية الحديثة قد خُطّت بعد على الورق، صاغ أبناء يافع لأرواحهم مجلداً غير مكتوب من الأعراف والأسلاف العتيدة؛ قوانين نابعة من أصالة الجبل وشهامة أهله، تزن الكلمة بالذهب، وتزن كرامة الإنسان بمعايير لا تقبل المساومة. ولم تكن المرأة في هذا العُرف القبلي الراسخ مجرد هامش في كتاب القبيلة، بل كانت ركناً حصيناً، يُحيطها سياجٌ من الهيبة والرعاية، وتُعامل حُرْمَتُها بصرامة تَرْدَع كل من حدّثته نفسه بالمساس بوقارها أو النيل من كرامتها؛ حتى سمَّوا أي أحكام تتعلق بأفعال المرأة القولية بـ "الخُلّة"، وكأنهم يرمزون إلى الاختلال القيمي الذي قد يطرأ باختلال المرأة، باعتبارها رمزاً للشرف والعفة.
​تقرأ في تلك الوثائق والأحكام العتيقة فترى عجباً؛ ترى كيف اعتنى السَّلَف بـ "أحكام الأفعال الخاصة بالنساء"، فجعلوا للحُرْمَةِ حِمايةً تبدأ من زينة كلماتها ولا تنتهي عند حدود خطراتها في الشعاب والوديان.

​أولاً: كرامة الكلمة ولين اللسان
لم يغفل العُرف اليافعي القديم عن أثر اللفظ؛ فالكلمة الجارحة لها ميزانٌ وتأديب، ويمكن تفصيلها بالآتي:
​فِدو الأجنبي والوجهاء: إذا بدرت من المرأة زلةُ لسان بكلامٍ جارحٍ للرجل الأجنبي، كقولها "جعلك فدى على جرعولي" وغيرها من العبارات التي تندرج ضمن ما يُسمى بـ "الفِدو"، فإن العُرف لم يترك الأمر لسُوء الضغائن، بل أوجب حُكْماً تعويضياً بثلاثة رؤوس بقر أي (21) قرشاً تعويضية وإعادةً للاعتبار لتُطفئ ثائرة الغضب. أمّا إذا قامت المرأة بالفِدو على رجل أجنبي وكان أميناً أو وسيطاً، أو وقع الفِدو في بيت أهل المرأة، فيبادر أهلها أو زوجها فوراً بذبح رأس غنم أمام المُعتدَى عليه بالفداء لتطيب خاطره، ثم يتم تحكيمه من لسانه. وكذلك جعل العُرف زجراً لمن شتم أو سبّ شخصاً في حُرْمَتِهِ أو أمه أو عاره، وفرض عليه عقاباً مالياً غليظاً يتبدَّى في ثلاثة رؤوس من البقر (21 قرشاً)؛ فالمرأة خطٌّ أحمر، والتعرض لحُرَمِ الرجال شتيمةٌ تُقوَّم بأعلى الأثمان.
​فِدو الزوج أو أهله: حينما تتعرض المرأة لزوجها أو أحدٍ من أهله بالفِدو داخل البيت، يقوم بإرسالها إلى أهلها أو يستدعي وليها، وفي هذه الحالة يكون على وليها واجب إصلاحها من "العطال" تحت بند العُرف القائل: (لك امرأة سابرة مقام ومنام)، فإن وجد وليها أنها عاطلة ومخطئة قد يحكم له من ظهرها فيقوم بعقابها العقاب الجسدي بالجلد.

​ثانياً: سياج الحماية في البيت والوادي
ولأن البيوت أسرار، والوديان مسابحُ للكرامة، جَزَم العُرف بعقوباتٍ متدرجة لمن اعتدى على زوجته بالضرب ("اللَّبْج")، فليس الضرب في عُرف يافع حقاً مطلقاً بلا حساب، وتُفصَّل أحكامه بحسب موقع الفعل وجسامته:
​الضرب داخل البيت (من غير ضرر): يُحكم على الزوج برأس غنم واعتذار يقدّمه لأهلها، وقد يرتقي الحكم بحسب شدّة الفعل حتى يصل إلى 7 رؤوس بقر.
​الضرب في بيت الأهل: إذا وقع اعتداء الزوج على زوجته بالضرب داخل بيت أهلها، يُغلَّظ الحكم عليه ليصل إلى 14 رأس بقر أي (42 قرشاً).
​#التشهير و #التبهير (الضرب في الوادي والأماكن العامة): إن وقع ضربها وإهانتها خارج بيتها في الوادي وأمام الأعيان، يُعتبر إهانة كبيرة تسمى (تشهير وتبهير)، ويُحكم فيه بـ 14 رأس بقر (42 قرشاً)، يُخصم نصفها بالاعتذار، وتُسمى وفاءً لأهلها "دحقة وتعشيرة وجلبتة بعده".
​التطاول على حُرْمَة الغير: أما إن تطاول أحدهم على حُرْمَةِ غيره بإصابات أو بلا إصابات، فيعتبر ذلك (عار معوّر)؛ فتحلُّ عليه جَرِيرةٌ كبرى تُحسب بالأثوار تصل إلى 14 رأس بقر (42 قرشاً)، ووفاءً لأهلها أو لزوجها بدحقة وتعشيرة وغنمة، وقد ترتفع إلى رأس بقر بحسب دوافع الفعل ومخاسير العلاج في حالة التعرض لإصابات جسدية. وفي الغالب يتم التسامح بالمبالغ والشرائع في حال تقديم الجاني "الوجاهة"، فيكتفون برد الاعتبار بالدحقة والتعشيرة.
​اعتداء المرأة على امرأة مثلها: حكمها سبعة قروش، وإذا كان الخطأ كبيراً فـ 14 قرشاً، ويُحذف من ذلك رد الاعتبار ويُكتفى بالاعتذار عن الغلط مع احتساب حجم الضرر الجسدي.
​ثالثاً: قداسة "الحاطبة" و"المستقية"
لعله من أبهى صور الأسلوب الأدبي والإنساني في الأعراف اليافعية قديماً، تلك الحماية الممتدة لنشاط المرأة اليومي في كبد الحياة القاسية. فالمرأة وهي تخرج للاحتطاب أو جلب الماء، كانت تشملها "حصانةٌ عرفية" شديدة الصرامة:
الفريد من موروث #يافع التليد
#طرائف_من_لطائف #النُّطَف_والمَنْطُوف على سِلْقَة الحق العرفية في يافع زمان

​عبد الفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي
______
​ #ثور_بغير_اسمه
​احتكم أطراف من (كَلَد) في قضية سرقة وثائق. فبدأ محاول المدّعي -وكان سكنه في منطقة اسمها "رُكْبة البقر"- دعواه بسجع بديع قائلاً: "جاتنا حَجَر دَرْما، بليلة ظلما، خلت الراس ماء، طوت الفراش وهاشت القراش وسلخت شجن من جذن!".
فما كان من محاول المدّعى عليه -وكان سكنه في منطقة تسمى "المدارة"- إلا أن صاح فوراً قائلاً: "على ما تشهدون! رعوه سرقني (أي اتهم موكلي بالسريقة)!".
فقيل له: "جاوِب على الدعوى"، فقال: "شفنا رُكَب صامح، ورادع، وسيف قاطع، وبرق لامع، يتسابق مسابقة، إن شي معك حجة مثل الحجج ولا ارفع (هيجك) يا فلان".
فصاح الأول محتجاً بدعوى نطف على الغريم قائلاً: "على ما تشهدون.. سمّاني بغير اسمي بقوله ارفع هيجك، يقصد أني ثور!" (إشارة إلى سكن الخصم في ركبة البقر والمدارة). فما كان من الأمناء إلا أن يحكموا لكل طرف بـ 21 قرشاً عند غريمه وتصاقطت الدعويان.
​
القصة الثانية
​ #تمثيلية_الجنابي
و #حكمة_المحاول
​تبين هذه القصة الجانب الإيجابي لما يقوم به المحاوِلون لحسم المشاكل وتجنيب الأطراف الخسائر والنزاعات.
​يُقال إنه نشب نزاع بين بني عمومة على قطعة أرض صغيرة لا تتجاوز متراً مربكاً. فاختاروا أمناء معروفين بتطويل القضايا وفرض التكاليف الكبيرة، لكن محاول أحد الأطراف كان ذكياً فأراد تجنيب أهله المخاسير.
اتفق المحاول مع الطرفين قبل مجيء الأمناء على حلّ معقول: يتمثل بجرف التربة من هذا المأفض وجعلها ساقية ماء يستنفع بها الجميع، مقابل أن يعوضهما بمساحتها من أرضه الخاصة.
ولأن "الزقر" (الجنابي) كانت قد قُدمت للأمناء ولا يمكنهم العودة دون الحكم بمخاسير، اتفق المحاول مع الخصمين على "تمثيلية".
عند حضور الأمناء، تظاهر الطرفان بالشجار والقتال الشديد، ولما أقبل أحد الأمناء الذي بحوزته جنابي الزقر ونشب العراك، نزل ليفك النزاع، فأخذوا يوجهون له لكمات خفيفة تلو الأخرى وكأنهم لا يقصدونه تخويفاً له!
هنا صرخ المحاول الذكي بوجه الأمين: "يا أخي، الأفضل لك ولهما أن تعطيهم جنابيهم وتتركهم، هؤلاء لا يريدون الحق ودعهم يتقاتلون وتضحك عليهم القبائل!".
خاف الأمين ورمى للطرفين جنابيهما وفرّ هارباً، وعاد المتخاصمان إلى بيوتهم يضحكون سالمين من خسائر السلقة بفضل حيلة المحاول الذكي.

القصة الثالثة
#قرابة_بسبعة قروش
​حضر أب وابنه محاوِلَين في قضية واحدة، كلٌّ منهما يترافع عن طرف ضد الآخر. ومن شدة التنافس والمناطفة فوق سلقة الحق، قطعا الكلام بينهما. خرج الأب مستعجلاً من المجلس وأخذ صَعْدة (رمح) الابن ليتوكأ بها، فصاح الابن قائلاً: "على ما تشهدون! شوفوه استلب سلبي (بمعنى أخذ سلاحي)!".
وبعد تدخل الحاضرين لتنبيه الأب بأنه أصابه بالدعوى، وهو يتبرم من ابنه لأنه لم يقصد ويتوعد الابن في نطفه، فقال الابن موهجاً الكلام لأبيه: "قِرّ أَبَه" (أي اصبر وقرّ يا أبتاه).
وهنا انتهز الأب الفرصة وصاح مجدداً: "على ما تشهدون! شوفوه سمّاني قِرّابة! والقرّابة هي وعاء من الدُّبّاء القرعية يُستخدم لشرب القهوة!".
فما كان من الأمناء إلا أن أصدروا الحكم العرفي: بغرامة استلاب الصعدة برأس بقر، وغرامة مثلها لكلمة "قرّابة"، وخرج كل واحد منهما بـ 7 قروش!
​.......
القصة الرابعة
#بعرة_الجمل_الملساء
​4. #بعرة_الجمل_الملساء
​في نزاع بسيط بين ابني عم على مأفض صغير يكاد يتسع "لكيلة تراب"، شعر أحد الطرفين أن أحد الأمناء يحابي غريمه، فلم يستطع كبح غضبه وقال للأمين: "أنت مثل بعرة الجمل، شكلها أملس من الخارج وداخلها شوك وبلاوي!".
قام الأمين فوراً وقال: "أنا فلان.. على ما تشهدون! شبهني بأنني روثة!". فكانت النتيجة أن أُغرم القائل بحكم لوم "رأس بقر"، فحُسمت القضية لصالح القذف بدلاً من التراب!
الفريد من موروث #يافع التليد

​عبد الفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي
#​طرائف_من_لطائف #النُّطَف_والمَنْطُوف على سِلْقَة الحق العرفية في يافع زمان

​5. القصة الخامسة:
#عشاء الظلف والقرش الخفي

​قام رجل بضرب "سُدّة" جاره ومنعه من دخول المنطقة، فخرج العاقل وجماعته للاعتذار للجار بـ"موصل ووصول" برأسين من الغنم وتعشيرة طلقات نارية. استقبلهم الجار وذبح لهم الضيافة.
هنا استخدم العاقل دهاءً خبيثاً؛ تسلل إلى "الشاحذ" (الطباخ) وأعطاه قرشاً سرّاً وقال له: "اطبخ الظلف (حافر الغنم) مع اللحم وقدمه فوق العشاء".
فلما قُرّب العشاء، قام العاقل واعتزى صائحاً: "أنا فلان! قوموا يا أصحابي.. جئنا نُفيّيه برأسين غنم وتعشيرة، ويعشّينا ظِلْفاً?!".
صُدم صاحب البيت وقال: "أنا فلان لا قالها! الغلط من الشاحذ وأنا مُحكِّم لك". وحكم العاقل على الجار برأسين من الغنم و21 قرشاً، متغصّباً القضاء بذكاء ومكر.

من #خشرة_جمل_الى_قتيلين
​6. القصة السادسة:
من #خشرة_جمل_الى_قتيلين
​تكشف هذه القصة الجانب السلبي لبعض أساليب المحاوِلين التي قد تؤدي إلى ما لا تُحمد عقباها.
فحين تسبب جمل في خشر اي عض شخص، وتدخل الأمناء للحل، كان "المحاوِلان" من الطرفين على قدر عالٍ من المكر والخباثة وقلة الخير. ظلا يترصدان النطف والدعاوى والردود حتى تعقدت القضية وخرجت عن السيطرة، إلى أن فُضّت سلقة الحق وأدت إلى نشوب اقتتال قبيلي قُتل فيه رجل من قبيلة صاحب الجمل ورجل آخر من قبيلة المجني عليه الأول!
وانتهت القضية بقتيل مقابل قتيل ودية، لتكون تذكرةً بأن غياب الضمير عند المحاولين والأمناء يقلب القضايا البسيطة إلى بحار من الدم.

​7. القصة السابعة:
#البسملة_وكُعبي_الذرة
​في قضية جلس فيها الطرفان فوق سلقة الحق، بدأ محاول الأول دعواه بالبسملة: "بسم الله الرحمن الرحيم".
قاطعه محاول الغريم فوراً: "على ما تشهدون يا أمناء! بسمل عليّ.. ليش أنا عشاؤه؟!" (أي هل يحسبني وجبة طعام سائغة يلتهمها؟). ولأن العرف جرى ألا تبدأ كتابة الدعاوى والشواهد بالبسملة، ألزم الأمناء المحاول الأول بـ "لوم وحكم" رأس بقر لغريمه!
فصبر هذا المحاول حتى جاء محاول الطرف الآخر بدعواه في بياض جديد، ولأن أيديهم كانت متسخة بالنيل والسليط خاف أن يوسخ الورقة، فأخذ كعب قصبة ذرة يسمى (كُعْبي) وفلق طرفه بالجنبية ووضع فيه ورقة الدعوى وناولها للمحاول الأول الذي كان بجانبه ليمدها ويناولها للأمين.
هنا صرخ المحاول الأول: "على ما تشهدون! لمن يسوي الكعبي؟!" (في إشارة طريفة لعمل السحر أو الإهانة بالسب)، فحُكم على صاحب الكعب بـ " رأس بقر" ومثلها على البسملة!

القصة الثامنة
#قطفها_شنينة
​قصة طريفة تبين دهاء وحنكة أحد الأطراف المتنازعة وتجنبه مخاسير التحكيم، حصلت في (كَلَد) بين عاقل إحدى القبائل الكبيرة -وكان ذكيًا وذو مهابة وسمعة- وشخص من عائلة انتقل آباؤهم قبل أكثر من مائة عام لتسكن بجوار هذه القبيلة بسلام ووئام.
​حصلت القضية على "صُلْبة" (قطعة أرض زراعية)، ادعى بها ذلك الشيخ المهاب وهي تحت أيدي هذه العائلة. فحصل النزاع وقرر الطرفان أن يدعوا وساطة من كبار عقال كَلَد.
وقبل أن تأتي الوساطة، فكر كبير العائلة في أنهم لا يستطيعون المخاسرة والمحاققة أمام هيبة وقيمة بمستوى هذا الشيخ وقبيلته الكبيرة، وبنفس الوقت أدرك أن الوساطة المتمثلة بكبار عقال المكتب سيميلون لغريمهم بحكم سمعته ومكانته.
​فعزم أمره وذهب لغريمه وقال له ما معناه:
"اسمع، أنت ادعيت علينا بالصلبة وأنت تعلم أنها تحت أيدينا من زمان آبائنا، وتعرف أني انسان لا يُخفي ولا يؤذي، وما قدرتي أن أحاقق عاقلاً؟ وكَلَد سيجيئون وهم يعرفون اسمك وقيمتك، أما أنا فمسكين الله لا أحد داري أين أنا! والآن قبل أن تُخسّرني وبالتالي سيحكمونها لك، ما معي إلا أن أقطفها شنينة، وأقول لك: خذ أبوها لك وعليك هنيئاً بلا علق ولا معلوقة، وهذا أنا الفقير". (طبعاً قال كلماته بأسلوب طريف ومؤثر).
​يُقال إن هذا العاقل ضحك متأثراً من أسلوب غريمه، وقال له: "ما دام هذا كلامك، فهي عليّ حرام، ولتبقى تحت يدك ما دام الماء ينسكب (لما يموت الماء)".
وبهذا انتهت المشكلة بحنكة ودهاء.

​9. القصة التاسعة:
#البيضة بـ 75
​نختتم بهذه القصة التي تبين دهاء بعض الأمناء المتمثل بالحفاظ على سمعة الغرماء واللجوء إلى تحوير منطوق الدعاوى بهدف كتم ما يصيب السمعة ويخل بالشرف. وهي واقعة حصلت في قضية جلس فيها طرفان على سلقة حق، إثر اتّهام أحدهم بالصعود ليلاً إلى أعلى طابق في دار مكونة من أربعة طوابق تسكنها عدة عائلات من أقارب، وكان دخوله البيت لغرض مشبوه. وعندما شعر به رجال البيت أمسكوه وأوسعوه ضرباً مهيناً، باعتبار أن دخوله خلسة وفي الليل معيب جداً لا تقره الأعراف ولا تقبله العادات القبلية اليافعية.