اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
قرية #شريان بيافع .. تاريخ مُشَرِّف وأصالة في العمران

علي صالح الخلاقي
 
شريان..قرية جميلة من قرى يافع – مديرية رُصد، تقع في بطن الجبل المقابل لقمة القارة الحصينة من جهة الغرب، وتطل بمهابة وشموخ حصونها وبيوتها على وادي رُصد الذي يمتد أسفلها ويتسع أكثر كلما اتجهنا إلى رُصد.

يسكن شريان المقافع ( #آل_المقفعي) الذين ينتمون قبليا إلى مكتب السعدي، واشتهروا بالتجارة إلى جانب الزراعة، حيث ظلت #شريان محطة تجارية هامة لقربها من عاصمة السلطنة العفيفية (القارة) وعُرفت بكثرة حوانيتها التي كانت تمون مناطق كثيرة من مكاتب كلد والسعدي واليهري، ثم فقدت أهميتها التجارية بعد الاستقلال الوطني عام 1967م لصالح (رُصد) الناشئة حينها في الواد الذي يحمل نفس الاسم، ويمتلك معظم أراضيه الزراعية سكان شريان من المقافع، وأصبحت رُصد منذ ذلك الحين عاصمة إدارية وتجارية لسلطة ما بعد الاستقلال في المنطقة، ومع ذلك فلم يفرط #المقافع بالتجارة التي خبروها وعرفوا أسرارها، بل تمسكوا بها وأصبح لهم وجود يشار إليه بالبنان حتى اليوم، كما تبين واجهات المحلات التجارية  في سوق رُصد .

سنة القنابل

وفي صفحات التاريخ الوطني المجيد سجلت شريان وآل المقافع موقفا مشرفا ضد الاستعمار البريطاني، ووقفوا بقوة مع السلطان الثائر محمد بن عيدروس العفيفي، إلى جانب غيرهم من أحرار يافع، وجراء هذا الموقف تعرضت شريان وقرى أخرى كثيرة  للقصف الجوي من قبل الطائرات الحربية البريطانية أكثر من مرة، كان أشدها القصف الذي تعرضت له شريان وغيرها في 29 ذي القعدة 1377هـ الموافق 17 يونيو 1958م واستمر لمدة ثلاثة أيام متتالية ودُمرت فيها أربعة حصون وأماكن أخرى متفرقة، وجراء هذا العدوان والقصف الجوي اضطر سكان شريان وغيرهم من سكان المناطق الأخرى التي تعرضت للقصف مثل فلسان والمخدرة وغيرها للعيش في كهوف الجبال، ويسمون ذلك العام  (سنة القنابل).

ولقد أعاد المواطنون ما دمرته طائرات الاستعمار البريطاني بتعاونهم وتكاتفهم، وخلال العقود الماضية التي تلت الاستقلال الوطني توسعت القرية كثيرا،  حيث شُيّدت العديد من الحصون والبيوت الجديدة، وامتد التوسع العمراني إلى جوانب الوادي في الأسفل.

ومما يبهج النفس ويلفت الأنظار أن قرية شريان حافظت على نمطها المعماري اليافعي الفريد، ولم تصاب بعدوى العمارات الاسمنتية الدخيلة والغريبة، الخرساء والبكماء، التي داهمت عاصمة المديرية رُصُد وبعض القرى المحيطة بشكل ملفت، إلا في حالة وحيدة في أطراف القرية القديمة، وينبغي على الغيورين في يافع عامة التنبه لهذا الخطر الداهم الذي يهدد خصوصية وأصالة العمارة اليافعية الفريدة، التي لا مثيل لها في العالم أجمع.

ولهذا فقد لفتت قريان شريان انتباهي بروعتها وشموخها، وبخصوصية نمطها المعماري الأصيل وارتفاع بيوتها إلى أربعة وخمسة أدوار حجرية، متوجة بالتشاريف التي تزينها من الأعلى، فكانت محطتي الأولى في زيارتي إلى رُصد، برفقة المشاركين في المخيم الطبي المجاني الذي اقيم خلال الفترة من 23-28 أغسطس الماضي، بإشراف الجمعية الخيرية اليافعية وبدعم سخي من مؤسسة الفقيد أحمد بن عبدالحكيم السعدي ومجموعة الشيخ علي عبدالله العيسائي وآخرين.

تحفة معمارية

اتجهنا صباح السبت وتوقفت بنا السيارة في أسفل الوادي، وفضلت ارتقاء الطريق الجبلية المؤدية إلى أعلى القرية مشياً على الأقدام، برفقة أول من صادفناه من ابناء القرية اسمه (مطيع)، وأثناء الصعود توقفت منبهراً أمام جمال الحصون البديعة، وشدني أكثر أقدم حصون القرية، الذي ما زال يقف بمهابته وجمال بنائه وزخارفه متربعا في أعلى موقع من القرية، وعلمت أنه بيت المرحوم الشيخ محمد مسعود المقفعي وأخيه يسلم، وهو يتكون من بيت مُرَبَّع مع تطليعة ملحقة به، أضيفت لمواجهة توسع الأسرة وازدياد أعدادها، وقد بُنيت بنفس الحجر الرمادية اللون، فبدت متناسقة معه وكأنهما شُيِّدا في وقت واحد، وقد ازدانت واجهاته بنقوش مستطيلة من حجارة المرو البيضاء، تفصل بين طوابقه الأربعة، إضافة إلى تشكيلات أخرى مثلثة وبيضاوية على جوانب الواجهات مطرزة بإتقان بحجارة المرو المتميزة بسطوعها، كما تمتاز نوافذه الخشبية، ذات الفتحتين، بجمال النقوش والزخارف المحفورة فيها، وفي الأعلى ترتفع التشاريف الهرمية التي توحي باكتمال بناء البيت اليافعي، وقد تهدم بعضها جزئيا أو كليا.
من منظره الجميل ظننت أن هذا الحصن الضخم ، كما يوحي شكله، مأهول بالسكان ويعج بالحياة والنشاط، وحين دخلناه، عرفت أنه مهجور، لا يسكنه أحد، إذ تفرقت العائلات التي كانت تسكنه، بعد تكاثرها، وانتقلت إلى مساكن جديدة، فبقي مهملا، وخالٍ من السكان رغم صلاحيته للسكن.