الفريد من موروث #يافع التليد
#صناعة_القطران
رائحة الصخر وشذى محاليل كيمياء جذوع الشجر: في حكايةصناعة وتحضير "القطران" في يافع وغيرها من بلاد العرب زمان.
عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي
لم يكن الإنسان اليافعي مطوعًا للطبيعة بصناعاته للذخيرة والنورة والقشي ووشار الخشب وحسب، كما سبق وتناولنا عددًا من مهاراته وصناعاته في حلقات سابقة، بل كان خبيرًا بأسرار الطبيعة، يعتصر من صلابة أرضه حكمة، ومن بطن شجره دواء ودفئًا. ومن بين أمشاج التراث العتيق، تبرز لنا اليوم صناعة "القطران" (أو القطران العرعري) شاهدة كأغنية كيميائية شعبية، صاغها الآباء والأجداد بأيدٍ لفحها الهجير، وعقول نسجت من المواد الخام ملحمة خالدة، رغم اختفائها من واقعنا اليوم ولم يبقَ منها إلا آثار وتذكار.
أولًا: المواد الخام وكيفية تحضيرها:
المادة الخام (لهف الأغصان الصمغية): لم تكن صناعة القطران في يافع عملية عابرة، بل طقسًا من طقوس الوفاء للأرض؛ إذ كان ينطلق الأهالي نحو المرتفعات والشعاب، ينتقون حطب "السقم واللبخ والبعار" و "العرعر" العطر، وأغصان العلوب "السدر" و" الطلح" و"السمر" و"الشّبَه" و"القرض" الصلدة، ولا سيما جذورها العتيقة المشبعة بالأبخرة الصمغية، تلك التي اختزنت الدفء في عروقها لقرون. يقطعونها بحرفية، ويهيئونها صرامًا نحيفة كي تفصح عن مكنونها حين يمسها لهب النار.
طقس "التقطير الجاف" (عناق النار والفخار): في القفر الأبي، يقام الموقد كمذبح شريف للأخشاب. تدفن في الأرض جهرة أوانٍ فخارية (المستقبل) لتكون صندوق الأسرار، وتقلب فوقها قدور الفخار المليئة بخشب السُقَمْ والبَعَّار والعرعر المخصوص. ولكي لا يتسرب الهواء فيحيل الشجر إلى رماد، يغلف الجسدان بطين الأرض الممزوج بالتبن، في حصن حصين يمنع خروج النفس أو دخول الأكسجين.
عملية التقطير: تشعل النيران حول المقطرة، فتسري الحرارة في أعماق الخشب الحبيس. كانت عملية "التحليل الحراري" هذه شبيهة بسحر طبيعي؛ إذ يتأوه الخشب تحت وهج الجمر، ويفيض زيته الدفين قطرة قطرة، ليهبط عاطرًا نقيًا إلى الإناء المدفون في رحم التراب. وما إن تهدأ النار ويبرد المكان، حتى يكشف الستر عن جنى السهر: سائل داكن يبتسم بالذهب الأسود، يفرز إلى "مهل" خفيف عبق، و"رب" ثقيل يمتلئ قوة وبهاء.
ثانيًا: استخدامات القطران
لم يكن القطران في يافع زيتًا مجردًا، بل كان نبضًا يدخل في المعيشة واليوميات اليافعية:
حارس الماء والأواني: كانت القرب والمزاود الجلدية المشدودة تدهن بالقطران، فتكتسب مناعة ضد التسرب والعفن، وتحفظ الماء زلالًا باردًا يرد الروح في الظهيرة. كما حمى "الصحاف" والأواني الخشبية من التشقق، فمنحها الصلابة والرائحة التراثية الزكية.
طبيب المواشي: في الرعاية البيطرية، كان القطران الصديق الوفي للإبل والشاة؛ يطلى به جلدها ليقيها شر البرد الكاسر في شتاء يافع، ويشفيها من المعاطف والجرب القراد، ويرمم حوافرها المجهدة بين الصخر.
عازل البناء وحامي السقوف: ولأن الدار اليافعية الحجرية المهيبة تحتاج إلى ما يصون أوردتها، كانت جذوع السقف والأبواب الخشبية تدهن بالقطران الثقيل، فتقف كالسد المنيع في وجه النمل الأبيض (الأرضة) وسوس الخشب، وتصمد أمام الرطوبة والأمطار لعقود.
الترياق والطارد: حملت رائحته النفاذة سر الوقاية؛ فكانت الأسر تطلي به أعتاب البيوت لطرد الزواحف والعقارب. كما استخدمته الحرائر بقطرات مخلوطة لعلاج القشرة وتقوية مفارق الشعر.
ثالثًا: القطران والمعتقدات اليافعية الموروثة
من أهم المعتقدات اليافعية المتوارثة أن محلول القطران يعتبر الوسيلة الناجعة لطرد الأرواح الشريرة الآتية من عوالم الجن؛ فكان يستخدم كوقاية من السحر والأمراض المنسوبة للمس والعين والحسد، باعتقاد جازم منهم أنه كفيل بابعاد الشياطين عنهم، إلى درجة أنهم أطلقوا المثل الشعبية: (#جن_وقطران) الذي ما زال دارجًا على الألسنة إلى يومنا هذا. ويطلق هذا المثل على من وصل التباعد والتباغض بينه وبين الآخرين إلى درجة القطيعة؛ فيقال: "فلان وأهله أو أهل فلان وأهل فلان مثل الجن والقطران"، أي أن الجن والقطران أعداء متنافرون لا يمكن أن يتقاربا.
خاتمة:
لقد كانت صناعة القطران في يافع التليدة عنوانًا للإنسان الذي استلهم من جباله التحدي، فترجم أبخرة الأشجار إلى إكسير يقي حياته، ويحفظ متاعه، ويدادي دوابه. إنها ليست مجرد خبرات الماضية، بل شاهد حضارة كتبت بقطرات الزيت الأسود على صفحات الصخر والتاريخ.
#صناعة_القطران
رائحة الصخر وشذى محاليل كيمياء جذوع الشجر: في حكايةصناعة وتحضير "القطران" في يافع وغيرها من بلاد العرب زمان.
عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابونصر #اليافعي
لم يكن الإنسان اليافعي مطوعًا للطبيعة بصناعاته للذخيرة والنورة والقشي ووشار الخشب وحسب، كما سبق وتناولنا عددًا من مهاراته وصناعاته في حلقات سابقة، بل كان خبيرًا بأسرار الطبيعة، يعتصر من صلابة أرضه حكمة، ومن بطن شجره دواء ودفئًا. ومن بين أمشاج التراث العتيق، تبرز لنا اليوم صناعة "القطران" (أو القطران العرعري) شاهدة كأغنية كيميائية شعبية، صاغها الآباء والأجداد بأيدٍ لفحها الهجير، وعقول نسجت من المواد الخام ملحمة خالدة، رغم اختفائها من واقعنا اليوم ولم يبقَ منها إلا آثار وتذكار.
أولًا: المواد الخام وكيفية تحضيرها:
المادة الخام (لهف الأغصان الصمغية): لم تكن صناعة القطران في يافع عملية عابرة، بل طقسًا من طقوس الوفاء للأرض؛ إذ كان ينطلق الأهالي نحو المرتفعات والشعاب، ينتقون حطب "السقم واللبخ والبعار" و "العرعر" العطر، وأغصان العلوب "السدر" و" الطلح" و"السمر" و"الشّبَه" و"القرض" الصلدة، ولا سيما جذورها العتيقة المشبعة بالأبخرة الصمغية، تلك التي اختزنت الدفء في عروقها لقرون. يقطعونها بحرفية، ويهيئونها صرامًا نحيفة كي تفصح عن مكنونها حين يمسها لهب النار.
طقس "التقطير الجاف" (عناق النار والفخار): في القفر الأبي، يقام الموقد كمذبح شريف للأخشاب. تدفن في الأرض جهرة أوانٍ فخارية (المستقبل) لتكون صندوق الأسرار، وتقلب فوقها قدور الفخار المليئة بخشب السُقَمْ والبَعَّار والعرعر المخصوص. ولكي لا يتسرب الهواء فيحيل الشجر إلى رماد، يغلف الجسدان بطين الأرض الممزوج بالتبن، في حصن حصين يمنع خروج النفس أو دخول الأكسجين.
عملية التقطير: تشعل النيران حول المقطرة، فتسري الحرارة في أعماق الخشب الحبيس. كانت عملية "التحليل الحراري" هذه شبيهة بسحر طبيعي؛ إذ يتأوه الخشب تحت وهج الجمر، ويفيض زيته الدفين قطرة قطرة، ليهبط عاطرًا نقيًا إلى الإناء المدفون في رحم التراب. وما إن تهدأ النار ويبرد المكان، حتى يكشف الستر عن جنى السهر: سائل داكن يبتسم بالذهب الأسود، يفرز إلى "مهل" خفيف عبق، و"رب" ثقيل يمتلئ قوة وبهاء.
ثانيًا: استخدامات القطران
لم يكن القطران في يافع زيتًا مجردًا، بل كان نبضًا يدخل في المعيشة واليوميات اليافعية:
حارس الماء والأواني: كانت القرب والمزاود الجلدية المشدودة تدهن بالقطران، فتكتسب مناعة ضد التسرب والعفن، وتحفظ الماء زلالًا باردًا يرد الروح في الظهيرة. كما حمى "الصحاف" والأواني الخشبية من التشقق، فمنحها الصلابة والرائحة التراثية الزكية.
طبيب المواشي: في الرعاية البيطرية، كان القطران الصديق الوفي للإبل والشاة؛ يطلى به جلدها ليقيها شر البرد الكاسر في شتاء يافع، ويشفيها من المعاطف والجرب القراد، ويرمم حوافرها المجهدة بين الصخر.
عازل البناء وحامي السقوف: ولأن الدار اليافعية الحجرية المهيبة تحتاج إلى ما يصون أوردتها، كانت جذوع السقف والأبواب الخشبية تدهن بالقطران الثقيل، فتقف كالسد المنيع في وجه النمل الأبيض (الأرضة) وسوس الخشب، وتصمد أمام الرطوبة والأمطار لعقود.
الترياق والطارد: حملت رائحته النفاذة سر الوقاية؛ فكانت الأسر تطلي به أعتاب البيوت لطرد الزواحف والعقارب. كما استخدمته الحرائر بقطرات مخلوطة لعلاج القشرة وتقوية مفارق الشعر.
ثالثًا: القطران والمعتقدات اليافعية الموروثة
من أهم المعتقدات اليافعية المتوارثة أن محلول القطران يعتبر الوسيلة الناجعة لطرد الأرواح الشريرة الآتية من عوالم الجن؛ فكان يستخدم كوقاية من السحر والأمراض المنسوبة للمس والعين والحسد، باعتقاد جازم منهم أنه كفيل بابعاد الشياطين عنهم، إلى درجة أنهم أطلقوا المثل الشعبية: (#جن_وقطران) الذي ما زال دارجًا على الألسنة إلى يومنا هذا. ويطلق هذا المثل على من وصل التباعد والتباغض بينه وبين الآخرين إلى درجة القطيعة؛ فيقال: "فلان وأهله أو أهل فلان وأهل فلان مثل الجن والقطران"، أي أن الجن والقطران أعداء متنافرون لا يمكن أن يتقاربا.
خاتمة:
لقد كانت صناعة القطران في يافع التليدة عنوانًا للإنسان الذي استلهم من جباله التحدي، فترجم أبخرة الأشجار إلى إكسير يقي حياته، ويحفظ متاعه، ويدادي دوابه. إنها ليست مجرد خبرات الماضية، بل شاهد حضارة كتبت بقطرات الزيت الأسود على صفحات الصخر والتاريخ.