اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
من عادات واعراف #يافع زمان

#السجول_الازلية #البصائر #الأسجال في #يافع

#الشتيت ابونصر #اليافعي

قبل الدخول في موضوع #السجول لابد لنا ان نعرج بلمحة سريعة على هؤلاء الكتاب ومعايير أهليتهم التي أهلتهم لهذه المهمة والشروط التي يجب ان تتوفر فيهم لتبوئ هذه المهمة

ان المتمعن بما تضمنته السجول القديمة ،وهي ما تسمى :اسجال (جمع سجل) ،وفي مناطق اخرى يطلق عليها اسم بصائر (جمع بصيرة) :اي وثائق بيع وشراء الأراضي الزراعية القديمة، سيجد العجب العجاب. وسيدرك ان هؤلاء المشرعين كانوا فقهاء وعلما من طراز رفيع المستوى ، وذلك من خلال تفننهم وابداعهم في كتابتها، مما يعكس مهاراتهم وبراعتهم التي اكتسبوها كخبرات متراكمة منذ آلاف السنين .
بحيث كان لايحق لاي شخص يجيد القراءة والكتابة ان يكتب وثيقة شرعية ، بل كانت عوائل واسر معروفة في يافع بمثابة رؤساء قلم توثيق هم من لهم هذا الحق الحصري دون سواهم، وهذا ما جعل لهذه الوثائق قيمة شرعية وعرفية لا ينقضها مناقض ولا ينقدها ماقد.
ومن اهم فؤائد تخصيص هذه المهمة لأشخاص معروفين بعلمهم ودهائهم وامانتهم هي إزالة اي شبهة عن التزييف والتحريف .
وكذاسهولة كشف اي تزوير . فعند الطعن في اي وثيقة كان يطلب إحضار سجلين لهذا الكاتب بتواريخ مقاربة لتاريخ الوثيقة المطعون فيها من تورتين مختلفتين (التورة هي أداة خزفية لحفظ السجول) اي طلب وثيقتين للمقارنة باسلوب صياغتها ،وطريقة كتابتها ،ونوع خط كاتبها ، وشكل ورقها و حبرها .وبهذا يتم من خلال المقارنة التحقق من صحة الوثيقة المطعون بها او تزويرها بكل سهولة .

اهم مميزات الوثائق الشرعية في يافع؛
١. استيفاء كل شروط العقود الشرعية من ذكر - اسماء الاطراف مشتري وبائع وشهود وكاتب
- عنوان العين المباعة بتحديد دقيق من خلال ذكر العين المباعة في المكان الفلاني محارث الفلاني والمسمأة بقعة الفلاني
- تحديد مقاساتها ان كانت جربة بالحبل وان كانت مدرجات بعدد الأطوار
- الحدود مع ذكر دقيق للملكيات المجاورة شرقي وغربي وقبلي(شمال) وبحري (جنوب)
- تحديد ما يتبع الأرض من شوافع ومنافع اخرى كحق الري والطريق للوصول إليها من مداخل ومخارج
- تفنيد أحقية المشترية بكلما في الأرض من حجر ومدر وتراب وما هو ظاهر فيها من نابت وماسينبت بها مستقبلا كذا مايظهر في باطنها من كنوز معادن او ماء وعيون وغيرها وما يستنفع من هوائها وجوها اي مافيها ومالها وما عليها من حقوق وواجبات من الثرى الى الثريا.
و ذكر انتقال المسؤوليات المترتبة على الارض من البائع الى المشتري

- تحديد التاريخ باليوم والشهر والسنة وغالبا ماكان يعتمد التاريخ الهجري
- المبلغ : التأكيد على ان البائع استلم المبلغ بحسبته وعدته وبصرف الزمان والمكان كاملا غير منقوص بحضرة الشهود
- تاكيدات صحة البيع واكتمال الشروط ابتدائا بالتاكيد على اهلية البائع بانه باع برضاه وخيرته وذلك يحق له التصرف به وما يقدر على بيعه وتفريطه حسنا و شرعا
- والتأكيد على ان العين المباعة اصبحت حق للمشتري من سائر حقوقه لا ينازعه منازع ولا يمنعه مانع ويحقق له التصرف بها كيفما اراد.
- الشهود التي تذيل بأسمائهم الوثيقة بحيث لاتجد وثيقة الا يتم في نهايتها ذكر مالا يقل عن خمسة اسماء شهود عدول وغالبا مايكونوا من ملاك الارض المجاورة للارض المباعة حتى لايظهر من يدعي بحق الشفاعة باعتبار العرف السائد في يافع من حقوق الشفاعة ان الارض تشفع الارض نظرا للاشتراك في المساقي والشوافع والمنافع كالطرقات والخلاء والفلاء وغيرها .
- اسم الكاتب وهو من اهم عناصر العقد كما اوضحنا سابقا

٢. حسن الصياغة ؛
ان المتمعن في صياغة تلك السجول سيندهش من
- وضوح اللغة بورود مصطلحات واضحة وجلية لاتقبل التحريف والتزييف ولا التأويل والتبديل
- دقة المعاني : وذلك باشباعها بمصطلحات تصف بدقة متناهية كل التفاصيل ولا تدع شاردة او واردة
- وضوح الخط وسلامة الكتابة : ومن ما وجدناه ان خطوط كتابة السجول مرة بمراحل كان الكتاب مواكبين لكل تطورات الكتابة في رسم احرف اللغة العربية حيث تجد وثائق قديمة كتبت احرفها بدون نقاط وكلما اقترب تقدمت وتطورت فنون خط الكتابة باستخدام خطوط الرقعة والنسخ والديواني حسب مهارة الكاتب واطلعه وتاثره بمعلميه.
- جمال البيان البلاغي من سجع وطباق وجناس وكل مفردة تؤكد ماقبلها وتدعم معناها.
ومن الأمثلة على ذلك ذكر:
بكلما تحويه تلك الارض بدقة متناهية
او كما يقال (شامل كامل قصا وفصا) بسومها ودورها وجدارها ،وجوارها وشواجبها ،ومجالبها ومدفرها ومطحرها، يسرتها ويمانها ومكارع مائها ومايحصها من :
شوافع ونوافع
من عادات #يافع زمان
#الذراعة و #شاهد_السداد
ل #الحروأة ( التعريس = الزواج )

#الشتيت ابونصر #اليافعي
اولا:

#الذراعة:
وتعني التقدم لطلب الخطبة من امرأة معينة من أهلها بواسطة رجل وسبط يسمى #ذريع ، ولان الذراعة في اول مراحلها تتسم بطابع السرية التامة فكان هذا الوسيط غالبا مايذهب الى ولي او اب البنت متذرع باي حجة اخرى كي لايعلم احد بطليعة المهمة التي ذهب من اجلها وبهذا سمي ب الذريع من التذرع بحجج اخرى ، . وتبدأ الذراعة زمان بإرسال
( شفرة الذراعة)، مع الذريع الى ولي البنت .

و #شفرة_الذراعة
شفرة الذراعة عبارة عن (بروتوكول الموافقة الأولية):*
حيث ، يبدأ "الذريع" مهمته بحمل شفرة من #الحريو او ابوه وذلك بعد ان يتشاورا على اختيار البنت نتيجة معرفة مسبقة بالبنت وأهلها ويجمعوا على أنها مناسبة من حيث الجمال والحسب والنسب والسمعة الطيبة، بعدها يقرروا اختيار #الذريع المناسب لأهلها وتسليمه شفرة الذراعة .
وهي سكينة صغيرة قديمة ذات مقبض من القرون. يسلمها الذريع لولي #الحريوة كرمز لطلب القبول المبدئي؛ فإذا استلمها الولي، أُعتبِر ذلك موافقة أولية لفتح باب المشاورة مع إبنته وأسرته. فإذا انقضت مهلة المشاورة وأعاد الولي الشفرة للذريع، فذلك اعتذار لبق بـ"عدم حصول النصيب"، أما إذا احتفظ بها، فهي إشارة "القبول والترحيب" التي تمهد لإقامة ليلة السداد

ثانيا :
#الربطان
بعد رجوع الذريع ببشرى الموافقة الاولية يعود مصطحب معه الحريو الى بيت اهل الحريوة ليقابل ابوها ويحصل على النظرة الشرعية وخصوصا اذا كانت من منطقة بعيدة ، اما اذا كانت من نفس الساكن ويعرفها من قبل ولإن طبيعة النساء زمان يتم مشاهدتهن من قبل بحكم انهن يخرجين للسقي والمرعى والحطب واعمال الزراعة بدون غطاء وجه فغالبا مايكون قد شاهدها من قبل .
فيذهب الحريو او يكتفي بارسال الربطان مع الذريع ،
و #الربطان : عبارة عن مبلغ مالي رمزي (قرش فضة ) أو هدية عينية كانت أما خاتم او سوار من الفضة ومع مرور الزمن أصبح عبارة عن خاتم ذهب أو ساعة يد للعروسة يقدمها الحريو (العريس) للحريوة (العروس ) في أول زيارة بعد القبول والموافقة المبدأية .

ثالثا :
#شاهد_السداد
وهو مايتم في ليلة تسمى
#ليلةاالسداد او (السدية )
ليلة السداد او السدّيّة هي ما يتم فيها إبرام الاتفاق بين طرفي الزواج ،أهل العروس والعريس او من ينوب عنه يسمى (المتقدم) بحضور الذريع ( الوسيط)
وفيها يكتب #الشاهد وهو الاتفاقية بين الطرفين على الزواج.
​تُعدّ ليلة السَّداد، أو ما تُعرف بـ "الاتفاقية للحرواة"، من أهم مراحل الزواج في عادات يافع قديماً؛ فهي الليلة التي تُحسم فيها جميع تفاصيل الزواج بين أسرتي "الحريو" (العريس) و"الحريوة" (العروس).
​ولم تكن هذه الليلة مجرد لقاء عائلي عابر، بل كانت مجلساً رسمياً ذا طابع اجتماعي وقبلي مهيب، تُحفظ فيه الحقوق وتُوثَّق فيه العهود وفق أعراف متوارثة جيلاً بعد جيل. ويُعد هذا الاتفاق جزءاً مكملاً لما أقره شرع الإسلام، فهو " *السداد المصقول" بحضارة حِمير عامة ويافع خاصة، الذي يوازن بين الحقوق والواجبات بمرونة وحكمة؛ حيث يتحول فيها الوعد إلى التزام، والكلام إلى عهد مكتوب لا يجوز التراجع عنه إلا لعذر قاهرمعروف.

مكان إقامة ليلة #السداد وتوقيتها
كانت ليلة السداد تُقام عادةً في بيت الحريوة (أهل العروس)، وذلك في مساء ليلة يتم الاتفاق عليها مسبقاً بين الطرفين. وغالباً ما تكون هذه الليلة قبل موعد الزواج بنحو شهر أو شهرين، وقد تزيد المدة أو تنقص بحسب ظروف الأسرتين واستعداداتهما.
وكان اختيار المكان والتوقيت يتم بعناية، حتى يحضر كبار الأسرة وأهل الرأي، ويكون المجلس شاهداً على الاتفاق وما يتضمنه من شروط.

الأطراف الحاضرون في ليلة السداد؛
يحضر هذه الليلة عدد من كبار الأسرة الى جانب الحريو، ويُعد حضورهم أساسياً لإتمام الاتفاق، ومن أبرزهم:
المتقدِّم
هو عبارة عن وكيل الحريو
المتقدِّم هو الشخص الذي يتولى التقدّم الرسمي لطلب الحريوة، ويُعدّ وكيل الحريو وممثله الرسمي في جميع مراحل الاتفاق. وغالباً ما يكون والد الحريو، وإن لم يكن الأب موجوداً تولّى هذا الدور الأخ الأكبر، أو العم، أو أحد أقرب الرجال إليه ممن له مكانة واحترام في الأسرة.
ولا يُعدّ المتقدِّم مجرد ناقل للكلام، بل هو الضامن أمام أهل الحريوة عن الحريو، وعن التزامه بكل ما يتم الاتفاق عليه. وكان كلام المتقدِّم يُعدّ كلام الحريو نفسه، وما يلتزم به يُعدّ التزاماً واجب التنفيذ.
*أبو الحريوة – ولي الأمر*
يُعتبر أبو الحريوة (والد العروس) او من يقوم مقامه صاحب القرار النهائي في شأن زواج ابنته، فهو الذي يُقرّ الزواج ويوافق على شروطه بعد رضا الحريوة نفسها بالحريو. وغالباً ما يحضر معه إخوان الحريوة وأعمامها وأخوالها، ليكونوا شهوداً على الاتفاق، وليؤكدوا الطابع العائلي والاجتماعي لهذه المناسبة.
من تراث #يافع زمان

#المعازب_الحميرية

رسالة أصيلة في جبال يافع.. وإرث معماري يوثق القيم الأنسانية ومعاني الكرم والتكافل الاجتماعي.
______
فريق الإعداد:
- الأستاذ الشيخ سيف محمد ثابت #العمودي*
- د. عمار راشد دجران #العمري
- عبدالفتاح نصر #السنيدي
( #الشتيت ابونصر #اليافعي )
______

في سفوح جبال يافع الشاهقة، حيث تتعانق الحجارة مع التاريخ، تنتصب "المعازب الحميرية" شاهدًا حيًا على عبقرية الإنسان اليمني القديم في تسخير البيئة لخدمة قيمه الاجتماعية. ليست مجرد غرف حجرية مهجورة، بل منظومة متكاملة للضيافة والإيواء، صاغها العرف الحميري قبل الإسلام ثم هذبها التشريع الإسلامي، فصارت رسالة أصيلة تتوارثها الأجيال.
*ما هي #المعازب؟.. الدور والوظيفة*
المعازب مبانٍ حجرية صغيرة منتشرة في طرقات يافع الجبلية ومسالكها الوعرة. دورها محوري في توفير احتياجات المزارع والمسافر وعابر السبيل من سكن وماء وحطب وكل ما يلزم من مقومات الإقامة، حتى يتمكن من إنجاز عمله أو مواصلة طريقه. وقد تطور هذا الدور في المخيال الشعبي حتى أصبح رمزًا للكرم الواسع.
لكن جغرافية المنطقة وتضاريسها القاسية تدل على أن وظيفتها أعمق من إيواء المسافر فقط، بل كانت ملاذًا لكل العابرين في #السرو_الحميري، داخله وخارجه. واستنادًا إلى ذلك نستدل ببيت الشاعر أحمد العبد:
_قال أحمد العبد:_
_لانا عيد ماشي بها_
_ما ليله إلا وانا لاصي مكاريبها_

*اسم ورسالة ضاربة في القدم*
لاسم "المعزبة" جذر حميري أصيل. رسالتها كانت -ولا زالت- إرشاد المسافر إلى المحطات التي توفر له الراحة والتزود، حتى يتمكن من قضاء ليلته وإكمال طريقه بأمان.
وقد فرضت هذه الوظيفة منذ العصور القديمة، وربما تعود إلى ما قبل الإسلام، حيث صقل العرف الحميري الأصيل أنظمة بديلة لما سبقها، فكانت المعازب تعبيرًا عن منظومة تكافل اجتماعي متقدمة.

*محطة للمسافر.. ومأوى للزارع والعابرين*
#المعزبة ليست مكانًا للضيافة فقط، بل هي محطة مناسبة للمسافر لدرء الخيام، فيستريح فيها ويتزود بالطعام، ويأخذ المعلومات عن الطريق التي أمامه. ولذلك كان الكرم اليافعي مشهورًا في إيواء الضيف، خصوصًا في الظروف المناخية الصعبة، حيث تلبي المعازب حاجات المسافر بقدر المستطاع.
كما يستدل برأي المثقفين والمهتمين بأن معنى "المعزبة" في أصلها يشمل أمرين:
1. الزارع : المزارع الذي يعمل في أرض بعيدة عن قريته او الراعي في الشعاب البعيدة عن المناطق الآهلة بالسكان.
2. *إيواء العابرين والمسافرين*.
ووفقًا لقاعدة القدرة على إيواء الراعي والزارع، فهي بالضرورة قادرة على إيواء غيره، لما تمتلكه من مقومات الإقامة القصيرة والطويلة.

*من العرف الحميري إلى التشريع الإسلامي*
لم يتعارض الإسلام مع هذه المنظومة، بل جاء ليحث عليها. فمن مقاصد الشريعة الإسلامية الحث على الإحسان إلى ابن السبيل، وهو المسافر المنقطع في الطريق. وحيث أمر الله تعالى بتزويده بأرزاد والإحسان إليه، كما جعل الإسلام للمسافر حقًا من الإعانة، ومن ذلك الاقتراض والاستدانة، بما يضمن وصوله إلى مقصده بأمان.
وبهذا تشير "المعازب" إلى أنها تمثل نظامًا اجتماعيًا قبليًا قديمًا، وفي المساحين محطات للزاد والغيث. وربما كانت تُدار وفق نظام إداري حميري قديم، أدار ساحة واسعة من الأرض العربية بحكمة وتنظيم.

*حضارة وتنظيم سبق عصره*
عُرفت الحضارة الحميرية بتدبيرها على إدارة أرض شاسعة الأطراف بتنوعها، وبأسلوب حكم بسيط لكنها فاعل. مكنت من تنظيم الحياة والتجارة والتنقل بأمن واستقرار، في زمن لم تكن تكن فيه حكومات حديثة. ومع ذلك كانت أكثر انضباطًا من بعض نظم العصر الحديث.

*تغير الزمن.. وبقاء القيمة*
مع تطور الزمن، وتوفر وسائل النقل والاتصال الحديثة، تضررت هذه الأطلال، لكن تاريخها لا يزال شاهدًا على مرحلة تاريخية مهمة من التنظيم الاجتماعي والحضاري في المنطقة.
ومن المعازب التي تحولت وظيفتها مع التطور المعماري والتحديثات السكنية للقرى و اصبحت الآن قرى كبيرة آهلة بالسكان ولكنها مازالت تحمل اسم معزبة او معزوب على امتداد رقعة يافع نورد لكم على سبيل المثال لا الحصر لبعض المعازب في مكاتب يافع المختلفة :
- معزبة اهل مخير وأهل عبدالباقي جبل مؤفجة مكتب كلد
- معزبة اهل بن جوير جبل مؤفجة مكتب كلد
- المعزوب جبل السنيدي مكتب كلد
- المعزوب جبل أهل علي مكتب كلد
- معزبة آل سلام لباقير مكتب كلد
- معزبة السويدا حوج سرار مكتب كلد
- معزبة الكاسي ولخ (معزبة عيال الشيخ) مكتب كلد
- معزبة بن حلموس جبل محرم مكتب يهر
- معزبة حيد الشعراء جبل محرم مكتب يهر
من تراث #يافع التليد

#علم_مطالع_نجوم_المواسم في بلاد يافع

#الشتيت ابونصر #اليافعي
والاستاذ ربيع بن هادي #المحرمي

قال تعالى (وبالنجم هم يهتدون،)صدق الله العظيم.
في #يافع، حيث لا تُعلّق المواسم على حائط، بل تُنقش في ذاكرة الفلاح، وُلد "التقويم الموسمي الزراعي الفلكي" كعلم للزراعة ودستور الحراثة البذر. هو ليس جدولاً، بل وصية جدّ لحفيده، وبصيرة شيخ لقبيلته.

واستنادا الى خطّه الباحث الأستاذ الفلكي ربيع علي بن هادي المحرمي، والذي جمع فيه "مواقيت نجوم المواسم في يافع وعلاماتها. والتي كانت مرآةً يرى فيها اليافعي محصول زرعه قبل أن يُزرع، ومطره قبل أن يهطل.
كان اجدادنا في يافع لايعرفون شي عن التقويم الشمسي ولا اسماء الأشهر من يناير إلى ديسمبر: بل كان عندهم علم حركة النجوم المعقد جعلوا منها سنةٌ تُقرأ في السماء عن ظهر قلب. فكانت لهم مطالع النجوم مراصد يتتبعوا حركاتها في صفحة السماء كل ليلة حتى فهموها و اهتدوا الى معرفة مواسم الزراعة البالغة الدقة على النحو التالي :

1. نجم #حادية
احد نجوم الشتاء وتصادف شهر يناير ، والذي مدته 30 يومًا من
27 ديسمبر – 25 يناير
فيها يشتد البرد ويصفو الجو، حتى قيل: "حيث ما حلّت، حادِية حلّت".
ولانه بها يحدث قران الـ11 التي اتخذوا الاجداد اسمها منه ، وهو قران القمر مع نجوم الثريا في السماء مقابلات في مستوى واحد في ليلة الحادي عشر من الشهر القمري المصادف للشهر الشمسي فتُسمى ليلة القمر بـ"قران حادي" بعضٌ من بعض.
فكانت نجوم الثريا بالذات وهي مجموعة نجوم تظهر من الجنوب أهم العلامات حيث كان يقال اذا اختلف الحساب بالنجوم فروعهم الثريا.
و تعتبر حادية افضل موسم للدمان اي لتسميد الأرض .
وحادية هي أفضل موسم لقطع أفرع العلوب _السدر وتلقيح الاشجار الخضراء.
وبداية تجهيز الارض من قرش المخلفات التي تركته جذور الموسم السابق، وتهيئة اسوام المدرجات لحفظ الماء.

2- نجم #تاسعة : وهي ثاني نجوم الشتاء التي تصادف شهر فبراير ومدة تاسعة: 31 يومًا من
26 يناير – 25 فبراير
يقول المثل: "لا تسعة خسعة، ولا شمسة سبعه". ويقال "تاسعة خاسعة" وهذا يعني انه ان هطلت فيها امطار ستكون مؤثرة في الارض وغالبا ماتكون امطارها ماتسمى بالدجنة والدثيث المصحوبة بالغمام المنخفضة مؤثرة في الارض وتستمر لأيام ،
ومما قيل قديما انه لو نزلت امطار الصيف في تاسعة لتفجرت الغيول من رؤس الجبال .
وسبب تسميتها:
سُميّت بهذا الاسم "تاسعة" لانه يحصل ثاني اقتران للقمر مع الثريا في ليلة 9 من الشهر القمري المصادف فيها للشهر الشمسي فبراير .

3 - نجم #سابعة ؛
هي ثالث نجوم الشتاء حسب وصف أهل يافع مع انه في وصف التقاويم الاخرى سيكون فصل ربيع ولكنه ليس له اي صفة في بلاد يافع .
ومدة نجم سابعة: 30 يومًا ،من
26 فبراير – 27 مارس.
شمسها شديدة، ويقول المثل: "وا سابعة وإذي كلابش شايعة" ويقال ، وفي سابعة تهيج فيها الجمال ،
كما يقال "وا سابعة ، واذي كلابش شابعة"
بمعنى انه بموسم سابعة ، تقل المراعي والاعلاف ،فتجوع الاغنام والابقار ، وتقل عندهن المناعه ، فتكثر فيهن الأمراض ، مما يؤدي الى نفوق البعض منها ، فتشبع الكلاب من لحومها .
واما تسمية سابعة ،بالمثل سميت سابعة نسبة الى الاقتران الثالث الذي يحصل بين القمر والثريا في سابع ليلة من الشهر القمري المصادف لشهر مارس الشمسي .
وتُسمى الـ10 الأخر منها باسم :
" #قارعة"، ومن علاماتها رياح شديدة تستمر من 6 الى 7 أيام. وقد تسقط في قارعة أمطار غزيرة. ولكن كانوا أهل يافع لا يفرحوا بغيث قارعة لانهم وحسب اعتقادهم يقولوا انها ستقرع الصيف . وكانهم يعلموا ان منسوب الماء الذي نزل في قارعة سيخصم مقابلة من امطار الصيف التي تحتاج لها الارض في مواسم الزراعة.
ومما كان ينصح به في قارعة عدم البتالة اي حراثة الأرض لانها تتصلب التربة ويقولوا "البتالة في قارعة تقرع الارض" .
وبعض التقاويم تسمي قارعة باسم بحيري سابعة
4 . نجم #الدِّلي :
قبل دخول ابريل بثلاث ايام يبدأ دخول نجم يسمى الدّلي من خلال ظهور نجم الدلو الاول : مدته 9 أيام من
28 مارس – 5 أبريل.
وفيها ظهور علامات الربيع
حيث تُزهِر الأشجار، ويقول المثل: "وا سعيد الغنم والنوب لا قالوا دلي".
ولكن الفلاح اليافعي كان يعتبر نجم الدِّلي هو اول مواسم الصيف الصالحة للزراعة مع انه حسب تقاويم فصول السنة في المناطق المدارية الشمالية للارض يعتبر ربيع .
سميت دلي نسبة للدلو الذي يمتلئ بالماء ويقال "الدلو ساعة يملى وساعة يخلى".
ملحوظة (وبالنسبه لظهور نجوم البحيري والدلي في السماء فتظهر متداخلة ، مثلا يظهر أولاً نجم الدلو الاول وبعدها يأتي نجم البحيري ومعه الدلو الثاني وهذا لايستطيع تمييزه الا اصحاب الخبرة).
من موروث #يافع التليد

​معاصر " #السليط الحالي" #الجلجل #السمسم

#الشتيت ابونصر #اليافعي

​بينما تتجول في أزقة " #عدن" العتيقة، أو تجوب مدن " #لحج" القمندان ، أو تذهب لتستنشق عبق مدن "ساحل #أبين" الساحر، لا بد أن يرتطم بصرك بلوحات تتزين واجهات محال #معاصر تبرق بأسماء تهز الوجدان مثل :
' - "معصرة جبال يافع"،
- "معصرة رصد للسليط الحالي "، - "معصرة لبعوس"
- "معاصر وادي يهر".

والعجيب في الأمر، أن تلك المعاصر التي تئن تحت وطأة دورانها حبات السمسم لتنزف ذهباً سائلاً، غالباً ما يملكها رجال لم تطأ أقدامهم شعاب "يافع" يوماً ولا ينتموا لجبالها !
وهنا نقول ربنا يرزقهم من واسع ابوابه .
​ولكن، لماذا "يافع" تحديداً؟
وهل هذا الاستغلال التجاري للاسم محض صدفة؟،
طبعا لا بل ربما اعتراف ضمني بأن "اليافعي" هو الخبير الأول، والمتذوق الأكبر، والزبون الأوفى لهذا "السليط الحالي".
وقد نتهم بالمبالغة ان قلنا ان يافع سبقت الكثير من هؤلاء الى صنع واستخدام المعاصر.
فالباحث في تضاريس القرى اليافعية سيجد في حواضر يافع ديارا تختزن بقايا حجرية وخشبية لمعاصر غابرة، كانت حتى عقود قريبة تملأ الأجواء بصرير خشبها وأنفاس جمالها، قبل أن تطويها عجلة الحداثة وتجعلها مجرد أثرٍ بعد عين.
بل ان ارض يافغ الساحل مازالت شاهدة عن زراعة الجلجل التي مازال تطاير عرق حبيباته يملا صفحات التاريخ بحقائق يصعب نكرانها.
وهنا دعونا نستطلع احد المعاصر اليافعية التاريخية العتيدة التي وجدناها في احد جبال يافع مازالت تتحدى الزمن، لنستكشف اسرارها:
اولأً:
ماهي معصرة الجلجل ؟
ومما تتكون؟
فهي :
​هندسة الفطرة: التي جعلت الخشب يستحلب سائلاً من ذهب.
نعم ؛ ​معصرة الجلجل ليست مجرد آلة، بل هي كائن خشبي صامت ينطق بالحكمة والهندسة. تتكون من:
1. حفرة الجذع الرئيسية التي تعددت اسمائها "#الموحسة #الزبية او #القدح او #الحوض " وهو الجذع الخشبي الضخم المجوف (الموجب) الذي حفره الوشار بعناية ليحتضن بذور السمسم كأمٍ ترعى وليدها ليستحلب منها السليط الحالي ، ويتصل به جزء حجري اسود ، وتغلف ببند حديدية للحفاظ على الخشب من التآكل .
2. #القطب يبرز في قلب حفة الموجب "المدق" ، وهو ذلك العمود الثقيل الذي يميل بزاوية مدروسة ليضغط على الحبوب في حركة لولبية لا تكل بداخل حفرة الموحسة .
3. الساعد: ​ويرتبط بهذا القطب "الساعد" الخشبي الطويل الذي يمتد ليعانق "الجمل"، ذلك الفنان الصبور الذي يطوف في حلقة مفرغة، معصوب العينين، وكأنه يبحث عن سؤال بلا اجابة😄، لا لشيء إلا لكي لا يصاب بالدوار، أو ربما لكي لا يرى كيف يتحول صمود حبات السمسم إلى استسلامٍ زيتيٍ قطرةً تلو قطرة.
4. الحمولة وهي الثقل الذي يوضع تهاية العمود المرتبط بالقطب والساعد ويعمل كسب قوة مقاومة لرافعة تعطي القطب قوة كافية للضغط الى اسفل مع الدوران.

ثانياً:
​آلية عمل المعصرة:
1. ​تبدأ الطقوس بتنضيف وتنقية حبوب الجلجل الآتي من الجربة من الشوائب او اي اتربة عالقة فيه من خلال ذلاحته اي ذرية (نثره في الهواء المتحرك لتذهب الشوائب .
2. بصب "الجلجلان" (السمسم) في حفرة المعصرة،
3. ثم يُحث الجمل على المسير. بدوران غالبا ما يكون عكس عقارب الساعة حسب تركيب المعصرة و في مسار دائري، فينتقل العزم عبر الساعد إلى القطب، الذي يبدأ بهرس الحبوب ببطء شديد وتؤدة، دون حرارة كهربائية تفسد خصائص الزيت.
4. يقوم رجل المعصرة بمراقبة الحفرة فيضيف للعصير كميات قليلة مقيوسة من الماء ةالذي يتبخر بمرور الوقت نتيجة الحرارة التي تتولد من احتكاك راس مدق القطب بقاع وجوانب الحفرة الداخليه ، ومعه يبدأ الزيت بالترسب في قاع الحفرة اي "الموجب" ليخرج صافياً كدموع الفرح، ليُعبأ في قناني تحفظ سر هذه الصنعة.
قد تستغرق عمل المعصرة لاربع الى خمس ساعات لانتاج حوالي خمسة لترات من السليط الحالي .
ثالثا
أهم منتجات المعصرة ومنافعها ؛
1. ​السليط الحالي : إكسير الحياة والعافية الخالي من الكلسترول والدهون الضارة والغني بالفيتامينات وابرزها A وE التي يحتاجها الجسم.
​ففي يافع، "السليط" (زيت السمسم) ليس مجرد مادة للطبخ، بل هو عصب المائدة وروح العافية. وله منافع لا تحصى ولكننا هنا نحصر الاتي :
1). منافع غذائية :
ظهر السليط الحالي في يافع قديما كمنافس شرس لسمن البقر البلدي ​فاحتل مكانة سامية في السفرة اليافعية ، فلا تكتمل هيبة "#اللحوح" اليافعي الذي سبق وافردنا له حلقة خاصة من قبل ، إلا بمسحة كريمة من هذا السليط، فلا قيمة للحوح بدونه. وأما "العصيد اليافعي" الشهير، فللسليط مكانة خاصة في فجوته سوى لمفرده او مخلوط بالسمن والعسل، وقد تجد السليط يفوح من بين عطفات الخبز المعطف اليافعي ، او طافيا من طبق فتة التمر ، او على كبنون الدخن، وحاضرا في اطباق يافعية اخرى كثيرة، لترسم لوحة من المذاق تقوي العزائم وتشد الظهر
قصة بعنوان:
(يا فرحة ما تمت )
#الشتيت #اليافعي

قطع العلب والفوطة😂😂😂
​حصلت أحداثها في نهاية ثمانينيات القرن المنصرم، أثناء دراستي في ثانوية #رصد_يافع.
​حيث كانت طريقنا للعودة إلى البيوت نهاية كل أسبوع إما بالركوب على ظهر إحدى سيارات "رخمة" متمسكين بشبك "الحبة والربع"، والفائز فينا من يسبق للجلوس على "الاستيبني" (أي الإطار الاحتياطي المثبت بخلفية السيارة التويوتا حبة وربع). وكان علينا أن نركب إلى وادي رخمة بعشرة شلن، أو توفير خمسة شلن والنزول بوادي "الزغرور" ومن ثم نقتفي مسالك طريق جبلنا "جبل مؤفجة" العالي الارتفاع راجلين على الأقدام، بحيث نستغرق بالطلوع من ساعتين ونصف إلى 3 ساعات. ولا فرق بين طلوع الجبل من أي الطرقات لأن المسافة تكاد تكون نفسها من أي الوديان المحيطة به، سوى توفير الخمسة الشلن حق السيارة!
​أما الانتصار الكبير فكان عندما نصادف سيارة حكومية يسمح لنا سائقها بالركوب مجانًا، مثل ذلك الخميس الذي صادفت فيه سيارة تتبع إدارة الأشغال ذاهبة إلى مركز "سرار" الواقع في الجهة الجنوبية من جبلنا، وكان سائقها بحاجة إلى دليل ليرشده للوصول إلى طريق سرار، الذي بدأ العمل بشق طريق منه إلى جبلنا آنذاك ولم ينجز منها في تلك الفترة سوى مسافة قليلة أسفل الجبل.
​ومع أننا نادرًا ما نختارها كطريق لنا من رصد نظرًا لطولها وبعد سرار عن رصد مقارنة بالصفاة ورخمة، وكذا ارتفاع أجرة السيارة (الكرى) 20 شلن، وهذا المبلغ ليس بمقدور طالب يتيم مثلي على دفعه أسبوعيًا تلك الأيام.
وصلنا سرار حوالي الساعة 2 بعد الظهر، طبعًا بدون غداء، لكن الله كان يمنحنا قوة وعزيمة وصبرًا تجعلنا نقاوم جوعنا وعطشنا حتى نصل بيوتنا.
​ولحسن حظي صادفت 3 أشخاص من القرى المتناثرة في أعالي الجبل مروحين، لنمشي رفقاء وسط حرارة الشمس. وأثناء طلوعنا منتصف الطريق في أحد الشعاب الخالية من البيوت المأهولة، وإذا بصوت إحدى الرواعي تنادي من قريب:
(وا #فتاح نصر.. ارجموا لنا الغنم.. ردهن كذا) 😊 😊
​لا أدري ماذا فعل بي هذا الصوت الذي أحسسته شق صدري وانتزع كبدي من بين أضلعي! ومع تراكم الأسئلة: من هذه التي تعرفني؟ مع أن قريتنا تبعد عنهم كثيرًا؟! ولا يوجد من يقرب لي هناك أو أي علاقة أو تقارب اجتماعي بيننا، ولا حتى مدرسة تجمع بيننا فلنا مدرستنا ولهم مدارسهم؟ ولماذا اختارتني أنا بالذات من بينهم؟ لتجعلني أرى في نفسي روميو المكان وقيس الزمان بلا منازع، مع أن رفقائي أقرب سكنًا من المكان!
​تخيلت حينها لو أنها طلبت مني أن أحمل غنماتها النعاج واحدة واحدة بحضني وأوصلهن لحضنها لفعلت! يبدو أن الجوع العاطفي ونقص الحنان المزمن لدي قد أشعل بداخلي حممًا غرامية وهمية طيرتني بالسماء لكي أصل لأرى هذه الساحرة التي سحرتني بندائها وذكر اسمي على شفاهها دون سابق موعد أو معرفة.
​اقتربنا منهن وكلي حيرة مخلوطة بنشوة الطيش الممزوج بالخجل والخوف علّني أعرف من هي؟ ولم أستطع فك سر معرفتها باسمي عندما وجدتهن اثنتين بنات كالزهرات بعمر الـ 15 سنة تقريبًا، هذا ما قرأته من استراقي للنظر إلى صدر إحداهن الذي ما زال في بداية بروز ليمونتيه الشهية ونعومة بشرتها التي صغلتها طبقة الدهون البيضاء تحت الجلد كأنها بالونة بيضاء نفخت في عرس بنت السلطان!
​مضينا طلوعًا بالجبل وقلبي عالق هناك، وبالي يهيج في متاهات الأسئلة وخيالي يرسم أحلى قصص الغرام. ترددت عدة مرات كيف أستطيع أسأل أحد مرافقيني الذي علمت أنه من إحدى القرى القريبة من المكان لأكتشف من هي؟ وبعد تفكير بعدة حيل لصياغة أسئلة غير مباشرة لاستدراجه لعلني أظفر بإجابة لسؤالي العريض: من هي؟ ولعل وعسى أن أكتشف من أين تعرفني؟
​ويبدو أنه وبحكم كبر سنه وتجاربه في الحياة قد قرأ أفكاري بفراسة، فبادرنا بذكر أسماء آباء البنتين، فتنقست الصعداء لوصولي لطرف خيط ربما بالتحري أجد إجابة السؤال الأصعب: من أين تعرف اسمي؟
​وقد استمر هذا اللغز كالمتاهات بدون طرف طوال الأسبوع، بعد سؤال الوالدة عندما وصلت البيت هل تفيدني بشيء؟ دون فائدة.
​أكملت إجازة الجمعة ورجعنا السبت إلى قسمنا الداخلي في ثانوية رصد كالعادة عن طريق الزغرور، وقد عقدت العزم أن عودتي يوم الخميس المقبل ستكون طريق الخميس الأول، مضحياً بخسارة 15 شلن كفارق كرى عن نزولي في وادي الزغرور أو 10 ككرى إلى رخمة.
​استطعت وبتوفيق من الله وبضربة حظ تأمين هذا المبلغ الباهظ بالنسبة لظروفي يومها، وذلك بحصولي على 100 شلن أقنعت الوالدة بأني سأشتري "فوطة" ما زالت تغازلني منذ بداية دراستي في ثانوية رُصِد وهي معلقة بسقف دكان (أحمد حسين)، لعلي أفك بها عقدتي القديمة من "ثلث الفوطة" التي زردتها لي أمي -أطال الله بعمرها- زمان لتقسمها بيني وبين عبد الحكيم أخي الأكبر، وكنت لا أكاد أستطيع لفها على خصري النحيل حتى تعرضني بقصرها للإحراج أمام أقراني لصغر حجمها وأنا ما زلت بالصف الرابع الابتدائي.
​جاءني الرد من كبيرتهن: (الله يعين)، ثم بادرتني بسؤال غير متوقع ولا كان في الحسبان ضمن الفرضيات المتوقعة: (شي بتسكي #تقطع لنا علب؟) 🤔😧😧
​آها.. أحاول أستحضر عقلي التائه وأستجمع جزءاً من ذكائي لمعالجة برمجة الإجابات التي تم تجهيزها خلال الأسبوع واختيار رد مناسب حتى لا أخسر معركتي المصيرية، ولكني لم أتمكن، فقررت بالمجازفة والموافقة مع أني ما عمري طلعت علوب (أشجار السدر)!
​قلت لها: تمام، بس باقطع لكن من أسفل العلب قليل لأني مستعجل.
قالت: تمام فدوبي عليك.
​ناولتني الفأس وعيني تتجه نحو أم العيون الجريئة أحاول أيتأكد هل هي نفسها أم غيرها؟
قطعت الصبح (الغصن) الأول من أقرب شجنة ثم الثاني.. والثالث.. كان أطول وأكبر من الأولات وعيني تسترق النظر نحو هدفي المصيري، وهن كذلك يرشقنني بنظراتهن النافذة في أعماق أعماقي.
​فإذا بـ "الذولي" (#الغصن الكبير )يهوي ويخطف بأشواكه المعكوفة كأنياب الكلاب والحادة كالإبر، فيخطف معه الفوطة المربوطة على خصري بدون "محجز" بلمح البصر! ويذهب بها معه لتتخطفها براثن نصال أشواكه اللعينة، فيتركني مجرداً ك #المشعب Y 😧😭😭😭😭😭😭😭😭😭 ولم يبقَ يسترني غير هاف داخلي سطل مزرجج ما يتغسل سوى بالأسبوع أو بنصف الشهر مرة 😃😀
​أظلمت بي الدنيا وقد رميت الفأس لأسارع بحركة لا إرادية بوضع يدي على عورتي، ويد أتتبع بها "الذولي"( #الغصن ) لأفتك منه فوطتي! أما هن فقد أدنين رؤوسهن مكبات على ركبهن خلال دقائق استعادتي للفوطة ومحاولة لملمة ما تبقى من كرامتي التي أودى بها ذلك "الصبح" اللعين، والتي مرت كأنها قرن من العذاب بمحاولة إعادة فوطتي التي نشبت كالفريسة بين الأشواك، وكأن كل شوكة لم ترضَ الافتكاك منها إلا بعد أخذ نصيبها من خيوط فريستهن وكأنهن كلاب جائعة، ولسان حالي يقول:
يا فضيحتاااااااااه.. يا مصيبتاااااااه.. يا قارحتاااااااه!
​حتى ذهبت وتواريت عنهن مسرعاً وأنا أحلف بأني حرمت المرور بهذه الطريق طالما حييت، بل وأحلف أنني لم أعد أريد معرفة من هي التي نادت باسمي قبل أسبوع حتى لو تكون جوليت أو ليلى العامرية أو حتى سندريلا! وحلاتي وتوبتي من التفكير بالعشق مرة أخرى، وأتمنى من الله أن لا تكون هي نفسها معهن. ​وحلقة و #توبة.
وسلامتكم.

#الشتيت أبو نصر #اليافعي
(التليد من موروث #يافع الفريد)

مَهَر ( #مهمات واعمال ) #البتول اليافعي خلال الموسم الزراعي للحبوب

إعداد؛
عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي

رحلة سنوية، تلاحمية، تفيض ببيان العرق وتترنم ببلاغة الصبر، تبدأ من سكون الشتاء وجذاره، وتمرّ بمخاض الذريئ والعلان، لتنتهي بزغاريد اللبيج وأهازيج الصراب.
...
بين يديْ جبال يافع الشمّاء، حيث تلتفّ المدرجات الزراعية كأساور من عقيق حول معاصم الجبال، لا تبدو الأرض مجرد تربة وصخر، بل هي نبضُ حياة، وسِفرُ خلود، يكتب فصولَه خنزرة البتول اليافعيٌّ التي مرّستها يداه على لثم الطين والحجر ومغازلة الشمس والمطر.
​دعونا نبحر في هذه الملحمة الإنسانية البديعة، ونرصد تلك الطقوس التي تُشبه صلاةً يومية يقيمها المزارع اليافعي في محراب أرضه المعلقة بين الأرض والسماء

​١. #الجذّار_والقراش.. منفضة الشتاء وتهيئة المحراب
​ما إن يلملم الموسم السابق أذياله، ويستريح الصيف في مخدعه، حتى يستقبل المزارع اليافعي أول الشتاء بـ "الجذّار والقراش". في هذه المرحلة، تنفض الأرض عنها غبار التعب الباقي؛ فيقوم المزارع بقلع الجذور الميتة (المخالف)، ويكنس السفوح والمدرجات من بقايا القشاش لتنفس التربة الصعداء. لا تقف السواعد عند هذا الحد، بل تمتد لـ "رفع الأسوام" و"سنّاف المدرجات"، حيث يعاد رصّ الأحجار التي تهاوت وتدحرجت من على اسوامها ، في لوحة بصرية مذهلة تُعيد للمدرجات هيبتها الهندسية الشامخة لتكون حِصنًا حصينًا في وجه السيول القادمة.
​٢. عِسّاب الدمان والبتالة الشتوية .. بث الروح في جسد التربة
​وفي "حادية" شهر يناير، حين يشتد البرد الصادق، تخرج الأنفاس دافئة لتواجه الصقيع في "البتالة الشتوية". هنا يبدأ "عِسّاب الدمان"، وهي طقوس حفر "المعاسب" العميقة في جوف الأرض لوضع السماد الطبيعي (الدمان)، مترافقًا مع حرث الأرض وشقّ بطنها لتهنأ بـ"مخاض" الدفء، وتهيئتها لاستقبال جينات الموسم الجديد بقلبٍ بكرٍ مفتوح.
وقد يتم تاخير البتالة الى بداية هطول الامطار قبل الذريئ بداية الصيف ، ولكن عساب الدمان يستحسن ان يكون في الشتاء بموسم حادية .
​٣. الذريئ..
قبل الذريئ يستحسن ان يبدأ المزارع بحراثة ارضة وخاصة الجرب ،​الى ان تحين اللحظة الحاسمة، تتهادى حبات النور (البذور) من كف المزارع الطاهرة إلى أحضان التربة المستعدة. "الذريئ" ليس مجرد إلقاء حبٍ في طين، بل هو إيداع للأماني، واستسقاءٌ للغمام، وتوقيعٌ على عقد الوفاء السنوي بين الإنسان والسماء، لتنام الحبة في مهدها بانتظار قبلة المطر الأولى.
​٤. #القيضية و #الفقّاح
​حين يشرئب الزرع باحثًا عن الشمس ويرتفع سنتيمترات قليلة فوق وجه الأرض، تبدأ "القيضية"، وهي البتالة على "الرزوة".
ففي الارض التي تم حرثها قبل الذريئ وهي ممطورة تسمى بتالة #طفلية ، اما لو لم تحرث قبل الذريئ في الشتاء نتيجة لاي ظرف منع البتول عن بتالتها وذرأها بما يسمى #الشزوز اي وضع حفر الذريئ بين حشائش طفيليات العشب الصغير تسمى حالة الارض في هذه الحالة (عادها شتا)،يرافق بتلة القيضية طقس "#الفقّاح"، وهو عملية تشذيب واختيار دقيقة، حيث تُزال النباتات الزائدة المزدحمة، ويُكتفى بترك خمس إلى ست نبتات في كل "معمد" لتمنحها المساحة والحرية في النمو. وفي هذا الطقس تتجلى حكمة الأجداد بعبارتهم المأثورة: "في القيضية #اسحب_زربة"؛ أي لا تنشغل بإقصاء كل عشبة برية صغيرة بحرفية متناهية، بل ركّز جهدك على تفكيك مسامات التربة وخلخلتها ليتنفس الجذر النتروجين والنسيم، فالزرع القوي كفيلٌ غدًا بأن يفرض سطوته وينزع تلك الحشائش بجبروته ونموه.
​٥. #الرِدِّاد.. عماد العُود وحماية الوجود
​ما إن يشتد عود الزرع ويبلغ طوله نحو نصف متر، حتى تأتي مرحلة "الرِداد". وكأن المزارع أمٌّ تحوط طفلها بالرعاية؛ فيقوم برفع التراب وكبسه حول الجذور الغضة، ليثبّت أقدام السنابل في وجه الرياح العاتية التي تشهدها جبال يافع الشاهقة، فلا تتقلب العيدان ولا تنحني لغير بارئها.
​٦. #جمشة_وربشة
​ومع بزوغ "السبول" (السنابل) كتيجان ذهبية في قمم العيدان، يبدأ جفاف الأوراق السفلية للأفرع، وهنا يأتي طقس "الجمشة والربشة" ويسمى كذلك (البرياش). يقوم المزارع بـ "جمش" تلك الأوراق الذابلة وإزالتها؛ ليقطع الطريق على هدر الغذاء والماء، ويوجه شريان الحياة الصاعد مباشرة نحو السنابل الوليدة لتكتنز حبًا ونماءً. ويصاحب ذلك بتالة خفيفة لخلخلة التربة السطحية تسمى "ربشة"، تنعش الأرض وتجدد حويصلاتها ، والجموش يخص زراعة الذرة بانواعها ولا يتم تجميش الدخن ، وهناك انواع من الذرة الرفيعة مثل العوبلي والجعيدي والمنزلة ،يتم جمش اغلب اوراق الساق ماعدى تترك وريقات قليلة غضة قريب عنق السبولة .
(التليد من موروث #يافع الفريد)

#تلشنذفة_اليافعية

آداب كرم #الضيافات في يافعُ السيفِ والضيفِ في سفرِ الزمانِ العتيق

اعداد / عبدالفتاح نصر #السنيدي
( #الشتيت ابونصر #اليافعي )

دعونا اليوم نطوف بكم ​بين أسرار مكارم الاخلاق وقيم رجال صاغوا من صوانها ملاحم الإباء، والتي تبرز فيها "يافع" في سجل التاريخ التليد كأيقونةٍ فريدةٍ، لا تذكر إلا واقترن اسمُها بصفتين متلازمتين في الوجدان التاريخي، حتى كُنّيت يافع بـ "يافع السيف والضيف".
​هو سيفٌ ما فتيء يذود عن حياض الكرامة والحرية، وضَيفٌ يُفرش له السويداء قبل البساط، ويُحاط بالمهج والأرواح. وفي غابر الأيام، صاغ الأجداد في يافع لآداب الضيافة دستوراً غير مكتوب، مزجوا فيه النبل الن نبلَ القبيلةِ بفيضِ الأريحيةِ العربيةِ، محولين القِرى من مجرد إطعام طعام إلى طقسٍ بلاغي وجمالي يفيض بالشهامة والمهابة.

​أولاً: المناسبات الكبيرة العامة في محافل الحشود.. "البيت واحد والوجه وجه الجميع"
​حين كانت تلوح في أفق الوديان مناسبة عامة، كعرسٍ مبهج، أو ختانٍ ميمون، أو مصاهرةٍ ونسب، أو حتى محفلِ عزاءٍ مشهود؛ كانت اعداد السواكن تتحول إلى قلبٍ واحد. وبحكم الأعداد الغفيرة التي تفد مدعوة من مناطق ومكاتب وقبائل شتى ، والتي تعجز عن استيعابها دُور المضيف، كان الجيران يهبّون كبنيانٍ مرصوص.
​يُشرع الجار جدار بيته لجاره، وتُلغى الخلافات والخصومات مهما بلغت ضراوتها، وتُعلن "هدنة مأثورة" تكريماً للوافدين؛ إذ كانت الحكمة اليافعية السائدة حينها تتردد كنشيد مقدس: "البيت واحد والوجه وجه الجميع".
​طقوس الترحيب والاستقبال
​تبدأ مراسم الاحتفاء بـ "التلقية"، حيث يصطف المستقبلون تتقدمهم قرعات الطبل الشجي ونغمات "القصبة" (الناي) اليافعي النابض بالأصالة، بينما تحثو امرأةٌ مباركة البخور في الآفاق، ليمتزج شذاه بنسيم الجبال.
​تلي ذلك مظاهر الرجولة في "المنصاع"، حيث تنطلق الرصاصات من البنادق لتقصد بدقة أهداف "المرو" (الحصى الأبيض اللامع)، في استعراضٍ يجمع بين الترحيب وإبراز الهيبة والفروسية.
​ثم يُساق الضيوف بإعزازٍ إلى "المجالس" و"المفارج" الفسيحة، ليبدأ الطواف بـ "المقطرة" (مجمرة البخور) على الحاضرين نفساً نفساً، يرافقها الترحيب الحار، فيرد الضيف بالدعاء المأثور: "شرف الله قدرك".

ومن ​شيم الموائد
ما ​كان من وسم المعازيم والضيوف التحلي بأعلى درجات الشيم والترفع؛ فلا يُبدى لومٌ ولا عتبٌ إن حصل نقصٌ في زادٍ أو فراش. ولأن المضيف يرى نفسه مقصراً مهما بذل، كان يعتلي المجلس بعد الفراغ من الطعام، لينادي بأعلى صوته في الحشد: "ألا حياً وسهلاً بالجميع، ونبي الحملات لا شي قاصر!".
​وهنا تجلت بلاغة الرد ورُقيّ الطبع، إذ يجيبه الحاضرون بصوت واحد: "أكرمكم الله ماشي قاصر، أكرمتونا من فوق العَلَم"، لستر أي هفوة وحفظ ماء وجه أهل العزيمة.
لتبدأ بعد ذلك العادة اليافعية الرقيقة المعروفة بـ " #القشّاح"، حيث يمر أصحاب الدار لدهن أيدي الضيوف ووجوههم بـ "السمن البلدي" أو "السليط" (السمسم)، كرمز للنعمة والرفاه والود المتبادل.
ولعل ما يثري هذا الطيف الإنساني البديع، هو التلاحم بين المكان والإنسان في يافع. فالضيافة لم تكن تكتمل إلا بتقديم الأكلات اليافعية التقليدية، وعلى رأسها لحوم الذبائح وهناك لحمات معينة لاينبغي ان تقدم للضيف مثل الراس والكتف والزقلي والمخصة وتختلف تحديدها حسب العادات من منطقة الى اخرى ،
و"#المعصيد " الذي كان يقدم في سلق كبيرة سبق وتطرقنا له في حلقة سابقة بطريقة متوارثة، وتُقدم في وسطها بحيرة من السمن البري والعسل، كأعلى درجات التكريم والاحتفاء.
واما اللحم فكانوا يقسموه على كل ضيف إلى يده
وكانوا اثناء التقسيم #يسموا.
هذا رفاد وهذا وفاد وهذا عابر سبيل، وهذه سمعها وجي اي متسول .
لكون صاحب الزواج.
يعمل على قدر الإمكانيات المتاحة لة.
فكانت الشنذفة تتجلى في اروع صورها اذا لايأتي الى الزواج الا من كان معزوم بما يسمى معلم ، وغالبا ما يأتي برفيدة اي رفد الذي سبق وتطرقنا له في حلقة خاصة
وكانت تخلوا مناسبات الاعرس من الحضور الهمجي.
حتى انهم كانوا يحددوا عدد الذي بستقبلهم اهل الحريوة من الشواعة مسبقا .
او الذي يلحقون من أصحاب الحريوة وهذا لكي يضع المضيف حسابه ولا يلتام بالتقصير .

​ثانياً:
الضيافات #الفردية.. آداب الصهارة والمودة ودستور "ملء العين"
​الضيافات الخاصة، التي تنشأ بين الأصحاب، أو توثيقاً لصلات المصاهرة والنسب، أو رداً لمعروف سلف؛ فقد كان للقرى دستور صارم محكوم بالقيم والمبادئ الرفيعة.
​كان شعار اليافعي في حق ضيفه: "للضيف ملء عينه"، أي أن يرى العين ما يسرها من إكرام وسخاء قبل أن يطعم الفؤاد. ومن شروط هذا الإكرام أن تُذبح الذبيحة كاملة أمام الضيف، ويُعتبر تقديمها ناقصة منقصة في حق المضيف.
(الفريد من موروث #يافع التليد)
#التحجير_و_التمطير
معتقدات #الغيث في الوجدان اليافعي القديم

اعداد /عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي

​أولًا: المطر عصب الحياة وسر الوجود
​لم تكن غيوث المطر في "يافع" مجرد ظاهرة طبيعية تجود بها السماء، بل كانت نبض الحياة، وشريان الوجود، والفيصل بين الرخاء والعدم. في تلك الجبال الشاهقة والمدرجات التي صاغتها سواعد الأجداد كلوحات فنية معجزة، عاش الإنسان اليافعي ملتحمًا بالأرض، معتمدًا اعتمادًا كليًا على زراعة موسمية تحاكي كرم السحاب. فكان الفلاح يرقب الأفق بعين الشوق، ويستنطق البرق بنبضات قلبه؛ فإذا جادت السماء اخضرت المدرجات واحتفلت الوديان بسنابل الدخن والذرة وبقية المحاصيل الزراعية ، وإذا شحّ الغيث خيم الصمت والثكل على البيوت والمراعي. المطر هناك هو الرزق، والوجاهة، والاستقرار، والبقاء.
​ثانيًا: العمق التاريخي
من نقوش الحميرية السبأية إلى رحاب الوحدانية التوحيد

​تضرب جذور الوجدان اليافعي في عمق التاريخ، حيث تكشف النقوش المسندية المكتشفة في بعض المواقع عن ميثاق قديم بين الإنسان والسماء في عصور ما قبل الإسلام. كان الأجداد الأوائل يقفون إجلالاً أمام قوى الكون، فيقدمون القرابين والذبائح للآلهة القديمة (كعم، والمقه، وشمس) استمطاراً للسحب، واستمناحاً للبركة، وطلباً للإغاثة من سنوات الجدب العجاف، في طقوس تعكس مدى استشعارهم بالضعف البشري أمام جبروت الخالق الرزاق.

و​مع إشراقة نور الإسلام، تهذبت تلك المشاعر وتحولت من الشرك إلى التوحيد الخالص، وارتبط المطر في الوعي اليافعي برحمة الله وعنايته، وأدرك الإنسان أن الغيث بيد الخالق وحده، وأن الطاعة تجلب الرزق والمعصية تحبسه. وتجلى هذا اليقين في التمسك بالآيات والأحاديث التي تبين مفاتيح الغيث وموانعه:
​الاستغفار كأعظم جالب للغيث: امتثالاً لقوله تعالى:
​﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾.
و​جادوا بالزكوات والصدقات عندما ادركوا ان منعها اسباب للقحط: استشهاداً بالحديث النبوي الشريف:
​"...وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا".
وانتهو عن ​ الفساد والظلم والحسد: ترسخ في المأثور اليافعي القديم حكمة بليغة تقول: (على ارض الفسد ولا ارض الحسد ) اي ان "المطر قد يأتي على بلاد الفسد، ولكنه مستحيل ان يسقي أرض ينتشر فيها الحسد" ، وهذا لايعني انها دعوة للفساد الممقوت بل تحذير ان الحسد اشد منه . فكانوا يعتقدون أن التباغض، وتفشي المنكرات، وظلم العباد، أسباب رئيسية تحبس الغيث في السماء كعقوبة ربانية، مما يدفع المجتمع قاطبة للتوبة ورفع المظالم لعل الله يرحمهم ويقيهم القحط.

​ثالثًا: طقوس وموروثات عقائدية مشبوهة ،
(#التحجير ومتاهات الاعتقاد)
​بفعل تداخل العصور، وتأثر المنطقة بمذاهب وأفكار دينية صوفية وفلكلورية غابت عنها الأسانيد الشرعية الثابتة، نشأت في يافع معتقدات عجيبة حول حبس المطر، عُرفت بمسألة "التحجير" (أي حجز المطر ومنعه من النزول بفعل فاعل). ومن أبرز هذه الممارسات والمعتقدات:
​1. التحجير بـ "الشويف" (السحر الأسود)
​"#الشافة" (وجملتها الشويف) هي طلاسم سحرية يُعتقد أن بعض العارفين بكتب السحر والشعوذة يكتبونها بخفية، ثم يضعونها في قمم الجبال الشاهقة أو الكهوف لـ"تحجير" المطر وعزل السحاب. وكان السائد أن المطر لن يهطل إلا بإبطال هذا السحر وإحراقه، ويتم ذلك عبر طرق ثلاث:
​إما باعتراف الساحر الواضع لها (وهو أمر نادر الحدوث).
​أو برؤيا صادقة تأتي لرجل صالح يرى فيها موضع الطلسم بدقة فيذهب لانتزاعه.
​أو عن طريق "#التمطير"، وهو ذبح الذبائح عند مقامات الأولياء أو في أماكن معينة، ظناً منهم أن ذلك سيستنزل صواعق سماوية من الله تضرب قمم الجبال فتحرق "الشويف" الخفية. وكان هذا الحل هو الأكثر رواجاً نظراً لصعوبة الطريقتين الأوليين.
​2. التحجير بحركات وطقوس "المشيخين"
​كان يُعتقد أن بعض الأشخاص "المشيخين" الذين يُنسبون إلى أجداد مباركين يمتلكون كرامات خاصة وقدرات خارقة. فإذا تعرض أحدهم لظلم، أو غُبِن في حق، ساد الاعتقاد بأنه قام بحركات أو طقوس معينة (تحجير) غضباً، مما يتسبب في احتباس المطر عن المنطقة كنوع من العقاب المعنوي، ولا ينزل المطر إلا برضاه وإرضائه.
​3. التحجير بانقلاب #جثة_الميت داخل قبره
​نظراً للطبيعة الجغرافية الصخرية لبلاد يافع، تُحفر القبور في الصخور الصلبة، ويُسد لَحدها بصفائح صخرية تُسمى (الصَّلَاء). ويُوضع الميت على جنبه الأيمن حصراً ويده اليمنى تحت خده.
(سلسلة الفريد من موروث #يافع التليد)

" #الحقيف" اليافعية
شموخ الجبل : ملحمة "الحقيف" وهندسة العبقرية الزراعية وسحر اللفظ
​بقلم:
عبد الفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي

لم يقف الإنسان اليافعي مكتوف الأيدي أمام قسوة الطبيعة ​بين صخور يافع الصمّاء الشامخة، وفي أحضان جبالها التي تطاول السماء ، بل خاض مع الجبل ملحمةً وجودية؛ طوّع فيها الصخر ليكون مهدًا للحياة، وحوّل القمم الوعرة إلى لوحة هندسية بديعة تعزف لحن البقاء.
فلم تكن تلك المدرجات مجرد كتل من تراب وحجر، بل كانت نظامًا عبقريًا متكاملًا يتحدّى الجاذبية، ونُقشت على كل شبر منه أسماء توارثها الأبناء عن الأجداد، كأنها وثائق عشق أبدي وصكوك انتماء معمدة بالدم والعرق بين الأرض والإنسان.

​أولاً: تعريف " #الحِقْفِة " لغةً واصطلاحاً
​لغةً: إذا أرتحلنا في سبر أغوار المعاجم العربية كـ لسان العرب والقاموس المحيط، نجد أن الجذر الثلاثي (حَقَفَ) يدور حول معاني الانحناء، والالتواء، والاحتواء. فـ "الأَحْقَف" هو الكثيب من الرمل الذي انحنى واعوجّ (ومنها سورة الأحقاف في القرآن الكريم). ويقال "احْقَوْقَفَ الشيء" أي التوى وتثنى خصره، واستُعمل اللفظ قديماً لوصف القطع المستطيلة الملتوية من الأرض أو انحناءات الجبال.
​اصطلاحاً (في اللهجة #اليافعية الدارجة): هي عملية تكييف مذهلة للّفظ الفصيح ونقله من سيولة الصحراء إلى صلابة الجبل؛ حيث تُطلق "الحِقْفِة" (والجمع: حَقَيْف) محلّياً على المدرج الزراعي الصغير جداً، أو تلك الزاوية الضيقة المنحنية والمحصورة بين صخرتين عاتيتين في معطف الجبل. فهي تطابق الفصحى تماماً في معنى "الانحناء والاحتواء"، لكنها هنا تحجز خلفها الطين والماء بدلاً من الرمال.
​ثانياً: "قشابة الحقيف"..
هندسة استصلاح المدرجات الجبلية
​إن بناء هذه المدرجات ليس مجرد رصٍّ عشوائي للحجارة، بل هو تكتيك هندسي فطري يُسمى محلّياً بـ "قشابة الحقيف"، ويمر بمراحل دقيقة تعكس صراع الإنسان مع الصخر:
​بناء الساس (بناء ذنوب): تبدأ الملحمة بتأسيس قاعدة الجدار على أرضية صخرية صلبة باستخدام أحجار عادية، ولكن بطريقة هندسية صارمة تُدعى "بناء ذنوب". وفي هذه الطريقة، يتم وضع الأحجار بوضعية طولية تمتد من الأمام إلى عمق الداخل، مع تجنب الوضعيات العرضية تماماً، مما يضمن تداخل الحجر مع الجبل وتثبيته كأنه جزء لا يتجزأ من تكوينه.
​محاكاة تضاريس الجبل (الضرك): أثناء ارتفاع الجدار الساند—والذي يُسمى "الضَّرْك"—فإنه لا يُبنى باستقامة هندسية جامدة من اليمين إلى اليسار، بل يتبع بتعرجاته وتقوساته واعوجاجه التكوين التضاريسي الطبيعي للجبل، وكأنه ثعبان من حجر يلتف حول خصر القمة.
​غربلة التربة وحشوة "الهرز": تزامناً مع رفع الجدار، يقوم المزارع بغربلة التربة وتنقيتها؛ فيأخذ الأحجار الكبيرة للبناء، بينما تُعزل الحصوات الصغيرة جداً وتُسمى "الهرز". تُوضع هذه الحصوات كحشوات دقيقة ومكثفة على الرؤوس الداخلية للأحجار لتسد أي منافذ أو شقوق قد يتسرب منها الماء مستقبلاً، مما يُكسب الجدار قوة وتماسكاً أسطورياً ضد عوامل التعرية.
ثم ​تتابع الطبقات: بعد أن يرتفع الجدار، وتُغربل التربة وتُسوّى وتُمهّد، يبدأ وضع الأساس للمدرج الذي يعلوه، وهكذا تتوالى الطبقات صعوداً نحو السماء كدرجات سلمٍ ممتد إلى المجهول.
وفي حالة وجود هرز زائدة عن احتياج بناء الجدار يتم اخراجها واما الى مكان خارج الطور او تكويمها في زاوية من الحقفة وبناء ساند لها وتسمى ِعْمِة .

​ثالثاً: مكونات المدرج الجبلي
​يتكون المدرج الجبلي اليافعي من أجزاء متكاملة، لكل منها وظيفة حيوية صممت بكفاءة عالية:
​١. الجدار (الضَّرْك): هو السد الحجري المنيع والدرع الواقي للمدرج، ومهمته الأساسية هي إسناد التربة وحمايتها من الانجراف والانهيار أمام سيول الأمطار العارمة.
​٢. #السُّوم (والسَّنُوفَة): هو الإطار البارز والحافة التي تعلو مستوى تربة سطح المدرج. يُبنى من أحجار مسطحة خاصة تُسمى "مَسَانِف"، ويتم تبطينها بـ "الهرز" ثم تُغطى بطبقة من التراب. وتكمن الأهمية القصوى لـ "السُّوم" في حبس مياه الأمطار داخل الحِقْفِة أو الطّور، ليتحول المدرج إلى ما يشبه الحوض المستقل الذي يستوعب الماء ويرغمّه على التغلغل في عمق الأرض.
​٣. الدَّوْر: هو بطن الحِقْفِة أو الطّور، ويمثل مساحة التربة الخصبة المحاذية لأساس (ساس) الجدار الذي يعلوه، وهي المنطقة التي تحتضن البذور وتستقبل خيرات السماء.
​رابعاً: أنواع المدرجات الجبلية وأسمائها المحلية
​تتدرج المساحات في المخيلة اليافعية من مسافة الشبر إلى امتداد الأفق، ولها مسميات محلية دقيقة سنتناولها تصاعدية من الاصغر مساحة الى الاكبر :
(سلسلة الفريد من موروث يافع التليد)

#الحصون_اليافعية القديمة:
بقلم :
عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابو نصر #اليافعي

​حين تتجلى الجبال تيجاناً مرصعة بالتاريخ، وتغدو الصخور لغةً يتحدث بها الزمان، تبرز يافع كأنشودة أزلية صاغتها سواعد الرجال صواناً ورخاماً. هناك، حيث تعانق السحب قمم الشمّاء، تقف "الحصون اليافعية القديمة" شواهد صدقٍ على حضارةٍ تجذرت في أعماق العصور، وحكاياتِ مجدٍ سُطرت بأحرف من كبرياء. إنها ليست مجرد حجارة رُصت فوق بعضها، بل هي سيرة إنسان تحدى التضاريس، وصنع من قمم الجبال قلاعاً للحرية والأمان.
​أولاً:
#الحصن.. بيان اللغة ودلالة الاصطلاح
​الحصن لغةً: هو كل موضعٍ منيع ممتنع لا يُوصَل إلى جوفه، واشتقاقه من الحصانة والتحصين، ويقال: أحْصَنَ المكانَ أي جعله حريزاً لا مأخذ فيه، والحاصن هي المرأة العفيفة الشريفة، فكأن الحصن في اللغة هو مجمع العزة والمنعة والترفع عن الدنايا.
​الحصن اصطلاحاً: هو ذلك البناء المعماري المتكامل، المشيد في الغالب من الأحجار الصلبة على مواقع استراتيجية مرتفعة، بغرض تأمين الحماية، وصد الهجمات، وإدارة الشؤون العسكرية والمدنية في أوقات السلم والحرب، فهو يجمع بين عبقرية الهندسة العسكرية ومتطلبات الحياة الاجتماعية.
​ثانياً: لمحة تاريخية.. نبض حميري في عروق الصخر
​ليست هذه الحصون وليدة قرون قريبة، بل إن جذورها الضاربة في أعماق التاريخ تمتد إلى عهد ممالك حمير القديمة. فقد ورث اليافعيون عن أجدادهم التبابعة مهارة نحت الجبال وتطويع الصخور، فكانت حصونهم امتداداً لتلك القلاع الحميرية السامقة التي كانت تحرس ثغور اليمن السعيد. تشهد التكوينات الأساسية والخطوط المعمارية الأولى لكثير من هذه الحصون على هويات أثرية قديمة، حيث تنفس الحجر بروح الحضارة اليمنية القديمة، وظل صامداً يتحدى عاديات الزمن وعواصف القرون.
​ثالثاً: الهياكل والأشكال.. تنوع هندسي يحاكي التضاريس
​لقد تنوعت أشكال الحصون اليافعية تيجاناً فوق رؤوس الجبال، تبعاً للتكوين التضاريسي والهدف من بنائها:
​القلاع الحصينة: وهي منشآت حربية ضخمة ذات أسوار منيعة وأبراج للمراقبة.
​المباني المربعة فوق القمم: مبانٍ هندسية دقيقة تتربع على قمم محصنة طبيعياً بفعل المنحدرات الساحقة المحيطة بها، فلا تحتاج إلا لجهد بشري يسير لتصبح قلاعاً لا تُقتحم.
​النُوَب والكوت الرباعي: ومفردها (نُوبَة)، وهي أبراج دائرية أو مربعة الشكل، تُبنى للمراقبة السريعة والدفاع المباشر.
​الديور والقصور اليافعية التقليدية: وهي تحف معمارية متعددة الطوابق، تجمع بين الفن الجمالي اليافعي الفريد (النوافذ المزخرفة والخطوط البيضاء) وبين التحصين الدفاعي الذاتي.
​رابعاً: طبيعة الحصون ووظائفها القديمة
​لم تُبنَ هذه الحصون عبثاً، بل كانت لكل حجرٍ فيها غاية، ولكل زاويةٍ مهمة، ويمكن تصنيف أغراضها إلى:
​حصون القمم الحربية: بنيت كقلاع عسكرية خالصة في مواقع حاكمة لصد الغزاة وإدارة المعارك وتأمين القبيلة.
​حصون الطرق والقوافل: بنيت مشرفةً ومطلةً على طرق القوافل التجارية القديمة (كالطرق القادمة من شبوة والبيضاء عبر يافع إلى موانئ أبين وعدن)، لتؤدي مهام أمنية ولوجستية، وتحمي العابرين والتجار.
​الحصون المساكن (الملجأ): وهي ديور وقصور كبيرة الحجم، شديدة التحصين بسبب موقعها وكبرها، كانت في زمن السلم مساكن عامرة، وفي زمن الحروب تتحول إلى ملاذات آمنة لجميع سكان المنطقة يلوذون بها للاحتماء.

​خامساً: محاور الحصر والتوثيق للحصون اليافعية
​المحور الأول:
#حصون تحولت إلى مدن عامرة (وألقاب حاضرة)
​وهي الحصون التي اتسعت وتكاثرت حولها الحارة والديار حتى غدت مدناً يشار إليها بالبنان، وارتشفت عائلاتها اسم الحصن لقباً لها فصاروا يُعرفون بـ (الحصني):
1. ​#حصن_عطية (يافع الساحل - كلد): تحول هذا الحصن التاريخي إلى عاصمة رديفة لسلطنة يافع بني قاصد، وهو اليوم مدينة صاخبة بالحياة وعامرة بالسكان. وما زالت حصون سلاطين آل عفيف تشهد على هذا المجد شامخة على جبل المنقاش المطل على المدينة التي أصبحت تدعى اليوم "الحصن" أو "حصن عطية"، نسبة إلى أول حصن شيده هناك آل عطية الهويدي الجلادي الكلدي (مشائخ مكتب كلد، أكبر مكاتب يافع العشرة).
2. ​#حصن_الحد (حصن زُعْلِي): من أقدم الحصون وأكبرها مساحة، حمل اسم الحصن منذ فجر التاريخ، ولا تزال حصونه السكنية المتكاثرة واقفة على ربوة مرتفعة تطل بكبرياء على المناطق المنبسطة من حولها.
3. ​#حصن_بني_علسي (لبعوس):
كان يرتفع فوق قلعة جبلية حصينة بقيت من مبانيها الشاهقة آثار تعلو القمة. اليوم، تحولت المنطقة السكنية المكتظة بالديور الشامخة حوله إلى منطقة تحمل اسم "الحصن"، وتذيل عائلاتها أسماءها بلقب "الحصني".
(سلسلة الفريد من موروث #يافع التليد)

#مروح_الحريوة #اليافعية

من اصوات التوديع وأهازيج السيّار الى التلقية والترحيب : في مراسيم "يوم المروح" للحريوة اليافعية زمان

بقلم /
عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي

​تنطوي عادات وتقاليد يافع الاصالة والتاريخ على إرثٍ تليد، تتلفع به عاداتها القديمة بأثوابٍ من البهاء البديع والبيان الرفيع.
وإذا ما أدركتَ السبعة الأيام التي تدور عليها مراسيم الزواج الغابر، من يوم الحا ويوم الشواعة ويوم المروح ويوم الأون (الغون ) ويوم البراك وثاني البراك ، يكفيك إن ألفيتَ قلادة تلك المناسبات تتوهج بـ "نهار #المَرْوَح"؛ ذلك اليوم المشهود الذي تهتز له الشغاف، وتتربع فيه المرأة اليافعية أميرةً على عرش القلوب والمهج، في دلالةٍ شعورية يمتزج فيها فرح الوصال بمرارة الفراق.
​زئير البرَع وعناد الدّلال
​مع تباشير الصباح الباكر،

اولاً: حفّات الشواعة وحلقات البرع :
حين تغص دار العروس والديار المجاورة لها بجمع "الشَّوَاعة" الذين وفدوا من ليلة "الشواعة" الفائتة، وقد عقدوا العزم على المغادرة مستصحبين "الجوهرة" الحريوة التي من أجلها شدّوا الرحال. وفي خضم ذلك، يملأ الوجل قلوبهم؛ إذ يتطيرون من أي إرهاصٍ قد يعكر صفو يومهم، فيحسبون له ألف حساب. ولما كان عقد النكاح قد أُبرم في الليلة السالفة تحت ظلال الضيافة الكريمة، لم يجد الشواعة بُدّاً من قطع الوقت بـ حلقات البرع اللاهبة والمساجلات الشعرية الصادحة أمام الدار؛ يبتغون بذلك تزجية الساعات التي تتمنع فيها العروس دلالاً، ويرسلون في الوقت عينه نداءً مبطناً لأهل الدار يُستحثونهم فيه على التعجيل والتجهيز.

ثانياً:
​مناكفة النسوة وبخور العود:
كان حفل النساء الأكبر يدور في الخدور بفلك توديعٍ مبالغٍ فيه، قد يمتد كظلال الغروب. هناك، تنسج النسوة من ألسنتهنّ شبكةً من الأهازيج؛ فتارةً يمدحن العروس بجمالٍ يضاهي "نجم السماء"، وتارةً يهجون "الشواعة" الأغيار الذين جاؤوا في ظنهنّ لاختطاف درّتهن الغالية،
​ولأنّ الاستفزاز فنٌّ من فنون ذلك اليوم، تعلو الأصوات بطلب "كبير الشواعة" بأهازيج تهكمية متسائلة: (ألا واهداني من هو كبير الشواعة... هدااان). عندها يسارع الشواعة متوجسين من الهجاء، فيدفعون بممثلهم حاملاً أغلى ما يملكون من البخور كـ العود الأخضر، ليضعه في مبخرةٍ كبرى عند بوابة النسوة. ورغم جودته، لا يقررن بصلاحه مناكفةً وعناداً، بل يرمينه بأنه بخورٌ جُلب من نبت "العَضْرَب"!
ولا يسلم من هذا التهكم والتقريع "الذَّريع" (الوسيط) الذي جرّع الكأس مُرّاً لأنه تسبب في إبعاد صديقتهن، فيقيدنه بألسنتهن قياداً: (وا هداني من هو ذريع الحمامه... وا هداني بانربطه للقرينه).
وإذا تمنع أحدهم أو تأخر، انهمر عليه سيل التقريع الساخر بأنه "حِنِب وسط مَزْرَب" أو "حِنِب وسط جَلّه".
ومن ​الشروط التعجيزية وانفراج الأسارير
​لا ينفك هذا الصراع الوجداني يحرق أعصاب الشواعة، حتى تلين عريكة النسوة فيطلبن "الحريو" (العريس)؛
قائلات في صوت جماعي رخيم وشجي (حريو اقرب تقارب طربوا لك بالامان .
طول الناس من يوم
وانت لك طول الزمان) .
فحينها تنفرج أسارير الوجوه، ويستبشر الرجال بـ "الأمان". يتقدم العريس ليجلس بجوار أميرته وسط الشروط التعجيزية والمطالب المالية الخيالية التي تفرضها النسوة لإثنائه وحرق أعصابه، فلا يملك إلا الصبر الجميل حتى ترضى العروس ببعض اليسير بما يسمى ( #حتامة_الهدّة).
وياتي الفرج عندها يغيرين اللحن الى لحن اعذب منه فيأمرينها بالنهوض قائلات:
(الا وانخلة اشتلي شلل وايعجبون الناس )
​ومع خطوتها الأولى، تعود العراقيل مرة اخرى ، وتسد الطرقات بـ "توديع" كل ركنٍ وطابق من طوابق الدار اليافعية الشاهقة، في غناءٍ مكرر مديد، يوحي بأن المسير قد يتأخر حتى مغيب الشمس ومرْوح الرعيان.
متمثلاتٍ بقولهن:
​ترحَّل وا جمل وارتح ** ويا مَن هو عِجِل يسرح
ألا سيري ألا سيري ** ولش لا مرْوَح الرّعيان
ألا سيري ألا سيري ** ألا وا خيّة الشجعان

ثالثاً:
ال​موكب المُهاب وزوامل الإياب
​حين ينتهي المخاض المبهج، ويستلم الشواعة عروستهم، يبرز من فخيذة العروس رجلان مدججان بالسلاح، يتخذ كل منهما مكاناً موازياً للموكب دون اختلاط، يرقبان العروس بوعيٍ يقظ حذر، كحارسين غامضين من حراس الحكايات القديمة، حتى إذا دنوا من ديار العريس، انسلّ الفارسَان فجأة وعادا أدراجهما في صمتٍ مهيب.
​وعلى طول الدرب الطويل المشيَّد مشياً على الأقدام، يصدح الشواعة بـ الزوامل اليافعية التي يرتجلها الشعراء الفطاحل. فإذا أراد أحدهم أن يطلق زاملاً جديداً، رفع يده صائحاً بأعلى صوته في شموخٍ يماني:
[الفريد من موروث #يافع التليد]
.......... ....................
شروع وأعراف #الأراضي الزراعية في يافع:
ميثاق الأرض وهندسة العرف الأصيل

عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي

​ لم تكن الأرض الزراعية في بلاد يافع مجرد حجر ومدر ، و نابت ومنبوت ومساقي وملاقي ، بل كانت عِرضاً يُصان، وتاريخاً يُكتب بعرق الجبين. ومن رِحم هذه العلاقة الأزلية بين الإنسان اليافعي ومدرجاته الخضراء، وُلدت "الشروع والأعراف"؛ لتكون بمثابة الدستور المكتوب وغير المكتوب الذي ينظم شؤون الزراعة، ويهندس العلاقات الإنسانية والمعاملات المادية بروح من العدالة، والحكمة، والبلاغة الفطرية التي توارثتها الأجيال.

​أولاً: عقود #الشَّرِكة و #الشُّرك (بين ذمّة المالك وعرق المستنفع)
​لقد صاغ العرف اليافعي عقود "الشراكة" بين مالك الأرض ومن يقوم بفلاحتها صياغةً بليغة تضمن ديمومة الأرض وحفظ الحقوق، وتتنوع هذه الاتفاقيات لتلبي كافة الظروف الاقتصادية والاجتماعية على النحو الآتي:
١. ​شُرْكة #الأَبَد (عهد الوفاء الممتد): وهي قمة التكافل والاستقرار؛ إذ يُسلّم مالك الأرض أرضاً بيضاء بـِكراً (غير مستصلحة) لشخص آخر، فيقوم الأخير بـ "قشابتها" وتذليل صخورها وبناء مدرجاتها حتى تغدو جنة خضراء. وتكليلاً لهذا الجهد الجبار، تبقى الأرض تحت يده يقتسم ثمرها مع المالك مناصفةً ان كانت تسقى من المطر ، وثلث بثلثين ان كانت تزرع بالبن المسني من الابار الذي يحتاج الى رعاية فائقة من البتلة والاهتمام ، وتتورث لأبنائه من بعده. وقد صاغ العرف اليافعي شرط استردادها في عبارة بليغة الدلالة: "لا يخرجه منها إلا خُلّ والا جدس " ويقال ايضا نقصٌ أو جدس".​
والخُل او النقص: هو الإخلال بالأمانة، اما بالتفريط في الأرض أو التحايل في إيتاء المالك نصيبه من الثمر.
و​الجدس: هو إهمال الطين وترك حراثته وتزريعه حتى يعود بوراً خراباً .
وفي حالة اراد المالك استرداد حقه عليه ان يتنازل للمستنفع عن ثلث من الارض تسجل بوثيقة ملك شرعي له مقابل القشابة .
٢. شركة #المناح :وبنودها ويتم بالتراضي والقناعة بين المالك والشريك أي المستنفع ، وهذا الشرط أن يسلم المالك أرض بكر للمستنفع ويقوم الثاني بقشابتها وتجهيزها على أن يستمنح هذه الأرض حسب الاتفاق بين الطرفين مثلاً المستنفع يستمنح الأرض بعد قشابتها لفترة خمس سنوات أو سبع أو أكثر أو أقل حسب الاتفاق بينهم يعني الفترة الذي يتفقون عليها يزرعها ويحصدها المستنفع دون قسم للمالك وبعدها يتم قسم الربع للمالك بفترة زمنية محددة خمس سنوات أو تزيد او تنقص ، المهم قسم الربع للمالك فقط ، وبعدها يتم قسم النصف للمالك وتبقى الطين بعد ذلك طلق بطلق للمالك الحق أخذ ارضه أي وقت ولكن بعد تنفيذ هذا الشرط بكامل بنودة كانوا الاباء والاجداد طيبين وتستمر العهود طوال الزمن .

٣. شُرك #الطَلَق بَطَلَق ​: وهو إشراك الطين المستصلحة ب(عقد الموسم والجهد): وفيها يسلم المالك أرضاً جاهزة ومستصلحة للمستنفع، ليقوم بحراثتها وسقيها وزراعتها، وفي نهاية كل موسم يقتسمان الثمرة نصفين ، او ثلث للمالك وثلثين للمستنفع اذا كانت الارض تحتاج لرعايات وسفي مسنى وغيرها . وللمالك الحق في استعادة أرضه متى شاء؛ إما عند نهاية الموسم، أو قبل حصد الثمرة شريطة أن يُحاسب المستنفع ويوَفّيه أتعابه وجهده. وفي كلا الحالتين السابقتين على المستنفع استدعاء المالك وقت نضوج الثمرة وللمالك حسب التراضي اخذ نصيبه من الثمار يوم الصراب او الجني او تكليف المستنفع بالصراب واللبيج او جني البن وضحايه اي تجفيفه ويأخذ مقابل اتعابه بهذا العمل ويقسم الباقي من الحب او البن للمالك حسب امانته والثقة المتبادلة.
٤. #السحب : هناك قوانين خاصة سنت وسرت على اطيان بلاد يافع الساحل في دلتا ابين في زمن احتاجت به بريطانيا لزراعة القطن هناك وتحديدا في الخمسينات من القرن المنصرم وذاك لتمويل مصانعها بخام القطن ،حيث عملت شبكة الري وسمي سحب عندما تم سحب الارض البور من اصحاب الملكيات القديمة واعطتها المستنفعين (لبرتها) اي استصلاحها ومع انها انكرت كثير من الملاك وسمت ارضهم بيت مال للسلطنة ، فاعطت حينها للمالك حق استلام خمس الثمرة واربعة أخماس لمستنفع ، وبحين احرمت المالك من استرداد ارضه وسحبها من المستنفع اعطت للأخير الحق ان يورث هذا السحب او يبيعه او يتنازل عنه لاي مستنفع آخر وقتما اراد ولا للمالك سوى ان يساق له نسبته من الثمرة وهي الخمس ، ولكن مؤخرا أُعطي للمالك حق البيع في حالة تحويل هذه الارض الى مخططات سكنية بالتراضي مع صاحب السحب .
٥. حق #الشرحة : وهي نصيب من الثمرة يعطى لمن يشرح الارض كإن تكون الارض قريب من بيته ويقوم بشراحتها من الحيوانات ومراعات السيل اثناء المطر ففي اطيان البُن يحصل المشارح على التسع مع كمية يقدرها المالك بحق القهوة والدبئان . وان كان الشارح يبتل الارض قد يحصل على السدس من الثمرة .
#المحازي
(سلسلة الفريد من موروث يافع التليد)
خزائن الفكر وعبق السمر: "المحازي" في #يافع زمان

بقلم
#عبدالفتاح_نصر_السنيدي
#الشتيت ابو نصر

لم تكن الليالي في بلاد يافع زمان مجرد ساعاتٍ تُمحى بالرقاد، ولا المجالس تعمر بالذكر والمجابرة فقط ، بل كانت مواسمَ حافلة بالبلاغة، وميادينَ تتبارى فيها العقول. وهناك، حول جمر "المداخين" وفي علالي المبان الحجرية الشامخة، وُلد ونما فنٌّ أدبيٌّ شفاهي فريدٌ يُدعى "المحازي".
​أولاً: كُنْه #المحزاة..
من المعجم إلى المعنى
​تتنزّل "المحزاة" (وجَمْعُها المحازي) في أصلها اللغوي من الفراسة والخرصِ وتخمين الغائب؛ أما في الاصطلاح اليافعي العريق، فهي #أحجيةٌ شفاهية تُسبك بأقلّ الكلمات وأحكمها، تأتي إما نثرًا مسجوعًا رنّانًا، أو شعرًا موزونًا ومُقفّى. تغلف في جوفها شيئًا مجهولًا يُسأل عنه الحاضرون، وتُرسم أهدافه بأوصافٍ بديعة تحتجب خلف التورية والجناس.
​ثانياً: جذورٌ تاريخية في رحاب الفصاحة
​ليس هذا الفنّ ببدعٍ حديث؛ بل هو امتدادٌ سليلٌ لأدب "الأحاجي والألغاز" الذي عرفته العرب في صحاريها وحواضرها منذ القدم. وقد غرس هذا الفن جذوره العميقة في الشفاهية اليافعية، ليكون ديوانًا مصغرًا يحفظ تراث الجبال، ووثيقةً تعكس ذكاء الأجداد وفطنتهم الأصيلة.
​ثالثاً: هندسة الصياغة.. بين السجع والشعر
​أبدع الأجداد في صياغة المحازي بأساليب بيانية ساحرة؛ فكان منها العبارات القليلة السلسة المترعة بالطّباق والمقابلة والتورية—تلك التي تُموّه بالمعنى القريب لتستر المعنى البعيد المقصود—وكان منها الأبيات الشعرية المنيفة، ذات الوزن المنضبط والقافية الموحدة التي يصوغها الشعراء الفحول.
​رابعاً: طقوس وخصائص المحزاة اليافعية
​تتسم المحزاة اليافعية بخصائص رمزية وطقوسية فريدة:
#​الرمزية: غالباً ما يُكْنَى عن المجهول المذكر بـ " #البازل" (الجمل القوي)، وعن المؤنث بـ " #البكرة" (الفتية من الإبل).
​عادات العجز والمرح: إذا استغلق الحلُّ على الحاضرين، اعتصرهم صاحب المحزاة لطيفًا حتى يُعلنون عجزهم بقولهم: "طَلُعك شعب" (أي صعدنا شِعبًا عاليًا)، فيجيبهم بتندر: "سو لك مية كعب"! أو يقولون "طلعنا القارة"، فيردُّ ضاحكًا: "جعل لكم تخرخارة"، لتبدأ قهقهات السُمّار قبل أن يكشف لهم الستر عن الحل.
​وقد انقسمت المحازي إلى مستويين:
​المحازي السهلة #المتوارثة: تعيدها الأمهات والجدات للصغار لتغذية مخيلتهم.
​المحازي العويصة (حلبة الكبار): تصاغ بدقة واحترافية، وتضم معارف دينية، وعلمية، ورياضية تتطلب ثقافةً واسعة، ويضمنها الشعراء في قصائدهم الموجهة لنظرائهم أو للعامة.
​خامساً: منافع المحازي وأغراضها
​لم تكن المحازي لمجرد قتل الوقت، بل كانت مدرسةً فكريةً وتربوية تحقق أغراضًا سامية، منها:
​تسلية السُّمار وإضفاء روح المرح في ليالي الشتاء الطويلة.
​تنمية السليقة اللغوية والفصاحة لدى الناشئة.
​تمرين الأذهان على التفكير التحليلي والتجريد.
​توسيع الخيال والتمعن في عجائب الخلق والدين والحساب.

​سادساً: نفحات من المحازي القديمة
​تنوعت أمثلة المحازي وتنقلت بين أجسادنا، وبيئتنا، والخدع اللفظية الذكية:
​1. محازي الجسد والطفولة (تنمي تفكير النشء)
​العين: "بحزيك من حدجة بدجة سرمد وهيه بالولجة".
​الأنف والعينان : "جمل بارك بين قلتتين يمين ويسارك".
​الأذنان: "من مسرفتين معلقات بضوحتين".
وعن لثة ​الفم والأسنان: "من مسجد بلا امام ومليان عظام".

​2. محازي الأبيات الشعرية (مستوى أعلى من الفكر والمعرفة)
مثلا ​عن الأصبع والظفر :
​بحزيك من بكرة تلد من راسها ... تمشي مع بنها وبنها منها
اذا ارتفع راس ابنها عن راسها ... الشرع حلل يقطعوا راس ابنها؟

​عن "اللثة والاسنان :
​بحزيك من بكرة بتحبل مرتين ... من حملها الثاني تموت ابكارها
واعيالها يتقابلوا في فرقتين ... من فارق اخوّته خرج من دارها
فرقة بفرقة دايما متقابلين ... يتعاركوا عالضيف لاقد زارها.

​3. محازي الطبيعة والأشياء الشائعة
​البرغوث والقمل : "باحازيك واحزحزك، من حمار الليل بيّت ينحزك، لما قطب محجزك".
​ا: عن القصب او الدج، اثنا طباختة "من شي مشأشأ بيضحك وبيؤشأ يارحمتي له".
​وعن البيضة "من مسجد بلا باب جدارة مدور ولونه منور، لافتحته تكسر".
وعن الدلة والكاسات :
"من بكرة سوداء لبون ، حولها اعيالها يتلاعبون"
او عن ضرع ​الناقة/البقرة : "من بكرة بها اربعة سُكّاب واربعة رُكّاب واربعة داحقين التراب".
​عن السلقة : "من سطحة بطحة ، لا ماشي منها افتضخة؟".

​4. التورية والخدع اللفظية
​السؤال السهل: "من انسان ثوبه خشبه؟" (اي غسل ثوبة فباللهجة الياعة يقال للغسيل خشّاب وخشب ).
​التورية المعقدة: "بحزيك يا قاضيتها، من امرآة تزوجتها، هي امي وانا ولدتها" ( القاضي تزوج امرأة اسمها "تهى "، وهي امي ولدتُ أنا منها ولدا).

5. ​الأسئلة المباشرة: "لو جيئ بن جدك صهير اخوالك، وبش تعشيه؟" (هو أباك!).
(الفريد من موروث يافع التليد )

#المَعْفِي #والمُشَبِّه #والمِتْمِئِّد
المَعْفي والمَشِبِّه والمُتْمَئِّد: حينَ تتماهى البلاغةُ ب #العين في مَوْروثِ يافِع التليد

​عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي

​في غَياهِبِ المَوروثِ الشَّعبيِّ المُمْتَدِّ في حِكاياتٌ يافع التي تَتَجاوَزُ حُدودَ المَألوفِ، وتَسْبُرُ غَوْرَ النَّفْسِ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاء. ، وحَيْثُ تَتَداخلُ المَعْتَقَداتُ بِنَسَجِ الخَيالِ، تَبْرُزُ أَوْصافٌ ثَلاثَةٌ لأَشْخاصٍ يُعْتَقَدُ أَنَّهُم يَحْمِلونَ في طَياتِ أَرْواحِهِم "طاقاتٍ خَفِيَّةً" تَتَطايَرُ شَراراً لِتُصيبَ الآخَرينَ بِالأَذى، في صورةٍ شَبيهَةٍ بـ " #العَيْنِ" التي حَذَّرَتْ مِنْها الأَحاديثُ النَّبَويَّةُ الشَّريفَةُ. بَيْدَ أَنَّ المِعْيارَ اليافِعِيَّ اللّطيفَ يَجْعَلُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْ هَؤلاءِ طابَعاً خاصّاً وسِماتٍ بَيانِيَّةً تُفَرِّقُهُ عَنْ صَاحِبِه.

​الفُروقُ الدَّقيقَة: بَيْنَ نَظْرَةِ العَيْنِ وشَهْقَةِ اللِّسان
١. #المَعْفي: هُوَ الأَقْرَبُ صورَةً إلى صَاحِبِ العَيْنِ الحَاسِدَةِ المَعْروفَةِ؛ نَظْرَةٌ حادَّةٌ كالسَّهْمِ تَنْفُذُ إلى صَميمِ النِّعْمَةِ فَتُحيلُها عَدَماً، وهي الاصاباتُ التي تَحَدَّثَ عَنْها نَبِيُّنا الكَريمُ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.

٢. #المَشِبِّه: كائِنٌ لا يَكْتَفي بِالنَّظَرِ، بَلْ يَشْتَرِكُ مَعَ "المَعْفي" في سَطْوَةِ العَيْنِ ويَزيدُ عَلَيْهِ بِـ "الرَّمْيِ البَلاغِيّ"! فالمَشِبِّهُ، حَسَبَ المعتقدات القديمة، يَسْتَلُّ تشبيهاً بَيانِيّاً (صَريحاً أَوْ ضِمْنِيّاً) يَكونُ كَإِطْلاقِ الرَّصاصَةِ العَمْياءِ!
​مِنْ شَوارِدِ الأُسْطورَة:
يُرْوى أَنَّ أَحَدَ "المَشِبِّهينَ" رَأى صَقْراً (سافِعاً) يَنْقَضُّ مِنَ العَلياءِ على دَجاجَةٍ تَحْرُسُ صيصانَها، فَأَخَذَ الأُمَّ وتَرَكَ الصِّغارَ في ذُعَرٍ. لَمْ يَتَمالَكِ المَشِبِّهُ نَفْسَهُ، فَأَطْلَقَ ضَحْكَةً ساخِرَةً وتَفَوَّهَ بِبَلاغَةٍ قاتِلَة: (أَخَذْتَ الدَّلَّةَ وتَرَكْتَ الكاساتِ.. أَرى بِماذا تَشْرَبُ؟)!
وما هي إلاَّ لَحَظاتٌ حَتّى هَوى الصَّقْرُ صَريعاً مَعَ الدَّجاجَةِ إلى الأَرْضِ، وماتَتِ الصّيصانُ خَوْفاً! قَدْ تَكونُ المَقُولَةُ أُسْطورَةً خَيالِيَّةً، لكِنَّ العَقْلَ الجَمْعِيَّ تَناقَلَها كَحَقيقَةٍ تُجَسِّدُ شُؤْمَ "التَّشْبيهِ".

٣. #المُتْمَئِّد: قَريبٌ جِدّاً مِنَ المَشِبِّهِ، إلاَّ أَنَّ سُلْطانَهُ يَشْتَدُّ ويَظْهَرُ جَلِيّاً على المَوائِدِ (وَمِنْها اشْتُقَّ اسْمُهُ: مُتْمَئِد). إنَّها حالَةٌ لا إِرادِيَّةٌ تَعْتَريهِ كَالهاجِسِ المُفاجِئِ عِنْدَ الأَكْلِ والشُّرْبِ.
​فاجِعَةُ المائِدَة:
حُكِيَ أَنَّ رَجُلاً اشْتَهَرَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ المُهْلِكَةِ، وقَضى على عَائِلَتِهِ جَميعاً بالتمئاد! ولَمْ يَبْقَ لَهُ إلاَّ وَلَدٌ واحِدٌ يَرِثُ ذاتَ الجينِ المَشْؤومِ. وفي يَوْمٍ، جَلَسا على المائِدَةِ، وكانَ الابْنُ يَتَهَيَّبُ مَدَّ يَدِهِ خَوْفاً مِنْ قُدْرَةِ أَبيهِ، فَلَمَحَهُ الأَبُ وقالَ عَفْوِيّاً: (كِنّ القُعَيَّد هَمَل؟) أي: لِماذا صَغيرُ الجَمَلِ مُهْمِلٌ للأَكْلِ؟
فَرَدَّ الابْنُ مَذْعوراً: (مِنْ فَجيعَةِ الجَمَل!).. وهنا، سَقَطَ الاثْنانِ مَغْشيّاً عَلَيْهِمَا، كَأَنَّهُما تَبادَلا طَعَناتٍ بِسِلاحٍ بَلاغِيٍّ قاتِل! ومع ذلك تبقى مجرد قصة ليس لها اي سند من الواقع .

ثانيا ​: سُبُلُ الوِقايَةِ والعِلاج
بَيْنَ الهَدْيِ النَّبَوِيِّ والوَهْمِ الشَّعْبِيّ
​لِمُواَجَهَةِ هَذِهِ الطّاقاتِ المَرْهوبَةِ، نَسَجَ الأَهالي شَبَكَةً مِنَ الحِصانَةِ تَتَرَاوَحُ بَيْنَ الشَّرْعِ الشَّريفِ والمَوْروثِ الخُرافِيّ:
​1. النَّهْجُ الدّينِيُّ والـمَأْثور:
​الذِّكْرُ والبَرَكَة: التَّعَوُّذُ بِـ "ما شاءَ الله" والتَّصْليَةُ على النَّبِيِّ عندَ رؤيةِ ما يُعْجِب.
​السَّتْرُ والـحِجاب: إِخْفاءُ النِّعَمِ عَنْ أَعْيُنِ الفُضولِيّينَ؛ كَعَدَمِ إِخْراجِ الأَطْفالِ الصِّغارِ إلى المَلأِ، وحَجْبِ زِينَةِ المَرْأَةِ ومَفَاتِنِها، وسَتْرِ رَضيعِ البَقَرِ والمَواشي المُمَيَّزَة.
​الأَخْذُ مِنْ أَثَرِ الـمُعين: طَلَبُ غُسالَةِ ماءٍ أَوْ وُضوءٍ أَوْ خَصْلَةِ شَعْرٍ وثَوْبٍ مِمَّنْ يُشَكُّ فيهِ لِيَتَبَخَّرَ أَوْ يَغْتَسِلَ بِهِ المَصابُ (وَهُوَ بَابٌ مَبْنِيٌّ على الظَّنِّ لِغِيابِ الدَّليلِ القاطِع).
​2. الخُرافاتُ والأَساطيرُ القَديمَة:
​كَسْرُ العُود: كَسْرُ عودٍ خَشَبِيٍّ في وَجْهِ المَشِبِّهِ لإِبْطالِ سِحْرِ كَلامِه! او مسك الخشب ،
الفريد من موروث #يافع التليد

#العُمّيم
: "العُمّيم" حارس الأساطير اليافعية القديمة

​عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابو نصر

​مثلما اختزلت الذاكرة العربية أساطيرها في سياقٍ رمزِيٍّ غابر، فجسّدت وجلها في "الغول" و"العنقاء" و"الخل الوفي"، تلك الكائنات التي اتخذت من صفحات الخيال مستقراً لها دون أن تطأ لها قدمٌ أرض الواقع؛ فإنّ الثقافة اليافعية القديمة قد زخرت بموروثٍ خرافيٍّ عريض، وجَسّدت أوهاماً استوطنت المخيلة الجمعية لقرون.
​وفي صدارة هذه الرموز والأطياف الخفية، يبرز "العُمّيم"؛ ذلك الكائن الأسطوري الأثير الذي اتخذت منه الأمهات والآباء تعويذةً لتخويف الأطفال، وسلاحاً بيضاوياً لإطفاء فرط حركتهم إذا ما أظلم الليل واشتبكت العتمة. كان "العُمّيم" حاضراً دائماً، يُدعى بأسماءٍ شتى، ويُستحضر في لحظات عجز الأمهات عن كبح جماح الصغار خارج المنزل، أو عند رغبتهن في إسكاط بكائهم، ليغدو هذا الكائن الخفي حارساً للسكينة وشاخصاً مرعباً يفرض الهيبة والهدوء.
​أولاً: أطياف الظلام وسادنو الفزع
​لم يكن استحضار "العُمّيم" مجرد عبثٍ فلكلوري، بل كان وليد جغرافيةٍ صلبة، وطبيعةٍ تحفّها المخاطر؛ حيث بُنيت الدور والقرى على قممٍ شاهقة تطوّقها المنحدرات والضياح (الهوات السحيقة). ولكي يضمن الأهل سلامة صغارهم من الردى والتعثر في ظلمات الليل، كان لا بد من نسج عالمٍ موازٍ من الرعب اللذيذ، تتجسد فيه أشكال العُمّيم لتلائم التخويف من الظلام، ومن أبرز أولئك السدنة الخياليين:

​تبيع الليل: ذلك المخلوق الخفي الخفيّ الوطء، الذي ينسلّ من الظلمة متمثلاً في صورة ثورٍ هائج يتربص بالخطوات التائهة.

​ساحرة سليمان: الجنية المرعبة التي خطّت المخيلة أبعاد هيئتها البشعة؛ بضروعٍ طوالٍ متدليةٍ على ظهرها من كبرها وثقلها.

​صاحب السبع المطاحن: الجنيّ الساحر العملاق، الذي ينوء رأسه بأحجار رحى سبع، تهتز الخطوات لشرّه المخبوء.
​وحش الجمعة: الخرافيّ المجيء، الذي يأتي مقيداً بالسلاسل، يتقارح ذيله نارا، وتتفاشع منه الشرر الملتهبة في صمت العتمة.

​النبّاش: ذاك الذي ينسلّ في ساعات السحر، ليعبث بجمال المقابر، ويخرج جثث الموتى لا سيما من غادروا الدنيا تحت طالع "نجم الحمل".

وفحاس الايدين ذلك الكائن الخفي الذي يتربص في الليل ولاتسمع منه سوى اثر فحر كفوف يديه الناشفات ،

و​قصصٌ خيالية تُنسَج ببراعةٍ وشغف، لتصيب الصغار بالذعر الفطري، فيلجأون إلى أحضان أمهاتهم، مستجيبين لسلطان النوم ومجبرين على أخذ السكينة ملجأً وملاذاً.
​إن "العُمّيم" وأترابه من الكائنات الخرافية لم يكونوا مجرد حكاياتٍ تُروى لملء الفراغ، بل كانوا درعاً لحماية طفولة الأمس في زمنٍ لم تكن فيه أسوارٌ تقي القمم ولا أنوارٌ تضيء الضياح. وظلت هذه الأساطير سجلاً حياً لأدب الشفاهية اليافعية، وشاهداً على كيف استطاع الإنسان القديم صياغة الخوف ليصنع منه وسيلةً للنجاة.
وهناك
صورٌ اخرى لاساطير تتعدد بتعدد المخاطر"للعُمّيم" في الوجدان اليافعي الذي لم يقتصر على رهبة الظلام وحده، بل امتدت أطيافه وتشعبت أشكاله لتشمل كافة مفاصل الحياة القديمة ودروبها الموحشة، حيث تُفرَد لكل خطرٍ أسطورته الخاصة مثل :

- ​تخويفُ المناهل والماء:
حمايةً للأطفال من الاقتراب من موارد المياه الخطرة، تشكّل العُمّيم في صور "عبد الماء"، أو "الخطاف"، أو "الحنش المجوهر" الذي يخرج مشعاً بريقه الساحر عقب هطول الأمطار.

- ​وحوشُ الخلاء والشعاب:
ومنعاً للاقتحام الخاطئ للأماكن الموحشة والشعاب الخالية المترعة بالحيوانات المفترسة، وُلدت أسطورة "دجيرة"—تلك الجنية التائهة في هيئة شاة، وظهر "وحش الجآبة" الذي يتخفى وسط الضباب الكثيف، إضافة إلى "عامر المزمّر" أو "عامر المقصّب"، ذلك الجنيّ الذي يتجسد في هيئة كلبٍ أسود شديد السواد.

- ​حراسُ النار والأصعاد:
ولم تسلم المطابخ والمواقد من هيبة "العُمّيم"، فبرزت "المنوّرة" التي سبق وتناولناها في حلقة سابقة كجنية تجوب مواقد النار في الأصعاد (المطابخ)، و"جنيّ المرمادة"، و"عسني المَنْسم" (قط الرماد الأسود المتلبس بالجن)، ليحذّر الصغار من العبث بقبس النار أو الدنو من جمرها.

- وكذا اسماء العَفَر حسب المخيال اليافعي القديم من اهل بسم الله والسكني والساهن والجني الطيار والساحرة المحلفة واتفوها والمسومة التي تصيب بالسومة والجني المبدل وغيرها من الصفات لهذا العالم الخفي التي كانت تستخدمهم الامهات والجدات للدعوة على الابناء اثنا وصولهن الى قمة الغضب
الفريد في موروث #يافع التليد

عبدالفتاح نصر #السنيدي.
#الشتيت ابو نصر

#عبد_الماء ( #الخطاف)
حين تحرس الأسطورة براءة الصغار:
«عبد الماء» و«الخطاف » في الذاكرة اليافعية
بعد ان تناولنا في حلقات سابقة مجموعة من الاساطير التي تزخر بها الثقافة اليافعية ابمتوارثة منذ القدم ومنها :
العُمينم
وحش الجمعة
النباش
جارية البيت
وحش الجمعة
الحنش المجوهر .

وما زالت لدينا الكثير والكثير منها حيث
​تظل الأسطورة اليافعية ، في جوهرها الإنساني العميق، إحدى أدقّ حيل العقل الجمعي حين يستدعي الخيال ليشيّد به حصوناً للحقيقة. وفي أعالي جبال «يافع» ، حيث ، تُحفر الآبار بأعماق بالغة الخطورة وتبنى المواجل و البرك والسدود في أحشاء الصخر، على مقربة من البيوت ، لتشكل خطر يهدد حيات الاطفال من مغبة السقوط فيها ، حينها لم تكن الخرافة مجرد حكايات تُستجلب لقطع هدوء الليل، بل كانت فلسفة تربوية مبكرة، و«جدار حماية» نسجته مخيلة الأجداد ليحمي صبيانهم من طيش السنون وجسارة الفضول، فحضرت الاسطورة مثل .
​«عبد الماء»..
#الشبح المتأهب عند حافة المجهول
​مع هطول الأمطار وانقشاع الضباب، كانت السدود والمواجل تطفح بالماء الثجاج، لتبدو تلك البرك والمناهل العميقة كحدقات زرقاء مفتوحة في قلب الأرض. وهناك، حيث تدعو برودة الماء شغف الأطفال لاستكشاف الأعماق، كانت تجلس أسطورة «عبد الماء»—أو ما كان يُعرف بـ «الخطاف».
​كان «عبد الماء» كائناً هلامياً خافتاً، هكذا صوّره الرواة، يربض في القاع المظلم للمناهل، عينان متأهبتان ويدان طويلتان تسعيان لخطف كل من يتجرأ على ملامسة الحافة.
​فإذا ما دنا طفلٌ غريرٌ من جدار بئرٍ سحيق، وتطلع نحو الأعماق، لم يكن يرى سوى انعكاس وجهه على صفحة الماء الرقراق؛ لكن المخيلة المحشوة بالتحذير كانت تحيل ذلك الظل المتراقص إلى وجه «الخطاف» وهو يتهيأ لانتشاله إلى غياهب المجهول!
​في تلك اللحظة بالذات، ينخلع قلب الصبي، ويتراجع ققزاً نحو الأمان، هارباً من حتفه المحتوم. لقد نجحت الخرافة في أن تجعل من انعكاس الصورة تحذيراً باصماً، ومن ركود الماء درعاً للسلامة.
​«الحنش المجوهر».. بريق القمر وحيلة الزجر
​وكما تطرقنا في حلقة سابقة انها لم تقتصر عبقرية الترهيب التربوي في يافع على سكون النهار، بل امتدت لتسبر أغوار الليالي الماطرة. ففي مواسم السيول، حين تصبح الطين والانزلاقات الصخرية فخاخاً متربصة بكل عابر، كان بريق القمر يتسلل ليرتدّ عن صفحات المياه المتجمعة فوق الصخور، محدثاً لمعاناً يأخذ بالألباب، ويحسبه الصغار جواهراً وكنوزاً نادرة ألقى بها الغمام.
​وهنا، تولد أسطورة «الحنش المجوهر».
​كانت الحكاية تُروى بنبرة تهمس بالرهبة:
​ثعبان أسطوري عظيم، يحمل على رأسه جوهرة يتيمة تتلألأ في الظلام فتضيء الآفاق.
​ليس وحده، بل يكتنفه حراسٌ شداد: قبله سبعة ثعابين هائلة، وبعده سبعة أخرى حارسة!
​كانت هذه الصورة البديعة كفيلة بزجر أي خطوة طائشة تسعى لخوض طين الليل استكشافاً لذلك الضوء المتلألئ. لم تكن الغاية من «الحنش المجوهر» سوى حماية هؤلاء الأغمار من مغبة الانزلاق فوق الصخور الملساء أو التردي في الشعاب الهابطة التي خلفها السيل.
​عبقرية الوعي الشفهي
​إن التعرّج في شعباب التراث اليافعي يبرز كيف استطاع الإنسان اليمني القديم تسخير الحكاية كأداة للسلامة العامة. لم تكن لديهم لافتات تحذيرية، ولا حراس يطوفون حول البرك العميقة، فأنشأوا في مخيلة الطفل «حارساً وهمياً» يرافقه حيثما حلّ.
​رحل الأجداد، وغارت بعض تلك المناهل، لكن «عبد الماء» و«الحنش المجوهر» يبقيان شاهدَين على أدبٍ شفهيٍّ بديع؛ وظّف الخوف ليصنع الأمان، وجعل من الخرافة حكمةً تقي الصغار السقوط في مهالك الطبيعة الحاضنة والقاسية في آن واحد.
...
الفريد من موروث #يافع التليد

َهْلُ "ِسْمِ_اللهِ"

​عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابو نصر

َهْلُ "ِسْمِ_اللهِ"
عالم الجن في سَفَرٌ مِخْيَالِ «يَافِعَ» القَدِيمِ بَيْنَ أُسْطُورَةِ المَغِيبِ وَوَهَجِ العَقِيدَةِ.
​في حَشْرَجَةِ الظَّلامِ العَتِيقِ، حِينَمَا كَانَتْ صَخُورُ جِبَالِ «يَافِعَ» تَتَنَفَّسُ صَمْتَ القُرُونِ، وَتُعِيدُ صَدَى الرِّيَاحِ كَأَنَّهَا أَهْداءٌ مِنْ عَوَالِمَ غَائِرَةٍ فِي القِدَمِ، لَمْ يَكُنِ اللَّيْلُ مُجَرَّدَ انْحِِسَارٍ لِلضَّوْءِ، بَلْ كَانَ سِتَاراً يُرْفَعُ لِتَبْدَأَ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى حَيَاتَهَا. كَانَ الأَجْدَادُ، وَهُمْ يَلْتَفُّونَ حَوْلَ مَوَاقِدِ «النار» وَيَرْتَشِفُونَ القَهْوَةَ المَشُوبَةَ بِبَقَايَا النَّهَارِ، لا يَسْتَحْضِرُونَ الخَوْفَ جِهَاراً؛ بَلْ يَتَهَامَسُونَ بِاسْمٍ يَمْلَؤُهُ الوجَلُ وَالتَّبْجِيلُ:
«أَهْلُ بِسْمِ اللهِ».
​هَذَا التَّعْبِيرُ البَلاغِيُّ الشَّجِيُّ -الَّذِي يُمَثِّلُ الجِنَاسَ المَعْنَوِيَّ بَيْنَ الخَوْفِ مِنَ المَجْهُولِ وَالتَّعَوُّذِ بِالخَالِقِ- لَمْ يَكُنْ سِوَى كِنَايَةٍ صُوفِيَّةٍ إِثْنِيَّةٍ عَنْ عَالَمِ الجِنِّ؛ العَالَمِ الَّذِي اسْتَوْطَنَ الوجْدَانَ اليَافِعِيَّ، حَيْثُ نَسَجَتِ الثَّقَافَةُ المَحَلِّيَّةُ خُيُوطَهَا لِتَكُونَ مِرْآةً لِلثَّقَافَةِ العَرَبِيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ فِي شَغَفِهَا بِالعَوَالِمِ الخَفِيَّةِ.

​أَوَّلاً: جُذُورُ المِخْيَالِ.. خُرَافَاتُ التَّارِيخِ وَتَصَادُي الثَّقَافَاتِ
​لَمْ تَكُنْ خَرَافَةُ "أَهْلِ بِسْمِ اللهِ" فِي يَافِعَ بوِلادَةَ لَحْظَةٍ سَاحِرَةٍ، بَلْ كَانَتْ نَتِيجَةَ مَزِيجٍ ثَقَافِيٍّ غَزِيرٍ تَنَاوَبَتْ عَلَيْهِ الرَّوَافِدُ:
​المَوْرُوثُ الحِمْيَرِيُّ وَالاوساني والسَّبَأيُّ: جُذُورٌ مَغْرُوسَةٌ فِي تُُرَبِ المَمَالِكِ القَدِيمَةِ، حَيْثُ اسْتُنْبِطَتِ الأَسَاطِيرُ مِنْ كُُهُوفِ الصَّخْرِ وَمَسَارِبِ المِيَاهِ، فَبَقِيَتْ شَيَاطِينُ الحَجَرِ تُطَالِعُ الأَحْفَادَ مِنْ بَيْنِ النُّقُوشِ.
​الوافِدَاتُ الأَجْنَبِيَّةُ وَكُتُبُ السِّحْرِ: تَسَرَّبَتْ تِلاوَاتٌ ثَقَافِيَّةٌ عَبْرَ التِّجَارَةِ وَالأَسْفَارِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ، وَالهِنْدِيَّةِ، وَالأَفْرِيقِيَّةِ، وَازْدَهَرَتْ فِكْرَةُ "الإِحْضَارِ" عَبْرَ مَخْطُوطَاتٍ أُسْطُورِيَّةٍ مِثْلِ «شَمْسِ المَعَارِفِ الكُبْرَى»، الَّذِي جَعَلَ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى المَجْهُولِ سِلْعَةً تُدَاوَلُ.

​الرَّوَافِدُ الصُّوفِيَّةُ (الحَقِيقَةُ وَالطَّرِيقَةُ): الَّتِي أَسَْبَغَتْ نَوْعاً مِنَ "الرُّوحَانِيَّةِ" عَلَى هَذِهِ الكَائِنَاتِ، فَأَصْبَحَتْ فِكْرَةُ "الجِنِّيِ الوليّ" وَالرَّابِطِ الـمَقََامِيِّ جُزْءاً مِنْ عِشْرَةِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ.

​الحَقِيقَةُ الإِسْلامِيَّةُ وَالمِخْيَالُ الشَّعْبِيُّ:
لَيْسَ المَقْصُودُ هُنَا إِنْكَارَ ما جاء في كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ؛ فَالجِنُّ حَقِيقَةٌ قُرْآنِيَّةٌ ثَابِتَةٌ كَالمَلائِكَةِ وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ، نُؤْمِنُ بِهَا عَقِيدَةً كَغَيْبٍ مَحْضٍ دونَ أَنْ نُنَزِّلَهَا مَنْزِلَةَ المُتَصَرِّفِ فِي واقِعِنَا. لَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُهُمْ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"}، وَظَهَرُوا فِي مُعْجِزَاتِ الأَنْبِيَاءِ كَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ. بَيْدَ أَنَّ المِخْيَالَ الشعْبِيَّ اليَافِعِيَّ –كغيرِهِ مِنَ المَوَارِيثِ– خَلَطَ هَذَا النَّصَّ الدِّينِيَّ الصَّافِيَ بِمُعْتَقَدَاتٍ وَأَسَاطِيرَ وَثَنِيَّةٍ وَمُسْتَوْرَدَةٍ، فَسَكَبَهَا فِي قَالَبٍ حَيَاتِيٍّ مَحَلِّيٍّ تَمَثَّلَهَا فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ المَنْزِلِ وَالشِّعْبِ.

​ثَانِياً: طَبَقَاتُ "أَهْلِ بِسْمِ اللهِ"..
عَالَمٌ يُشَارِكُ الإِنْسَ العَيْشَ
​فِي يَافِعَ، لَمْ يَكُنِ الجِنُّ مُجَرَّدَ أَرْوَاحٍ شَرِيرَةٍ، بَلْ كَانُوا جِيرَاناً فِي عَالَمٍ مَوَازٍ يُشَارِكُونَ الإِنْسَ طَعَامَهُمْ وَمَنَازِلَهُمْ. وَمِنْ أَبْرَزِ هَذِهِ الأَصْنَافِ:

1. ​#السَّاهِن (حَامِي الدَّارِ):
جِنِّيٌّ يَسْكُنُ البُيُوتَ وَيَحْمِيهَا مِنْ الصَّوَاعِقِ الَّتِي تَنَزَّلُ عَلَى المَرَدَةِ. كَانَ الأَوَّلُونَ يَنْذَرُونَ الذَّبَائِحَ لِلَّهِ، لَكِنَّ لِلـ "سَاهِنِ" نَصِيباً؛ يُقْطَعُ لَهُ مِنْ كُلِّ لَحْمَةٍ قِطْعَةٌ بِحَجْمِ رَأْسِ الإِبْهَامِ وَتُرْمَى بِاليَدِ اليُسْرَى خَلْفَ الظَّهْرِ، كَمَا كَانَتِ الأُمَّهَاتُ يُسْفِخْنَ لَهُ أَوَّلَ كَأْسٍ مِنَ القَهْوَةِ صَبَاحاً، أَوْ يَرْمِينَ لَهُ مَاءَ غَسُولِ «العَصِيدِ».
الفريد من موروث #يافع التليد

#النّدَّاف

رحلة في ذاكرة " #النِّدّافة" كاحد المهن اليافعية القديمة التي سادت ثم بادت)

عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابو نصر اليافعي

​رحلة في مهنة قد يكون الأغلب لم يسمع عنها من قبل ، ولكن نجزم ان من عاش في بيئة يافع ولهج لسانه بلهجتها لابد انه سمع كلمة الندف والندافة كمفردة تعبر عن الضرب بالعصاء ، او حين يهدد الوالدان طفلهم الشقي بندفه، او حين يقال ان فلان ندف فلان اي ضربه بعصاء ، بل وان لم تشاهد النساء كيف كانين يضربن فرشان البِجاد والفريقة والفروة بالصميل لتنضيفها ، فمن المؤكد انك شاهدتهن يضربن سوى جوادر العُطب القطنية القديمة او الاسفنجية الحديثة وسجاد الموكيت بالعصيان لتنضيفها من الغبار العالق بها ، وهذه هي اصل مهنة الندافة .
فحين كانت البساطة تزيّن تفاصيل الحياة، كان لـ "النّدّاف" حكايةٌ تنبضُ بالدفء وتتضوع بعرق الكدح الحلال. برزت مهنةٌ شريفةٌ طالما كانت ركناً أساسياً في البيوت اليافعية العتيقة، ابتكرت لها وسائل تطورت مع الزمن ، فكان يسري منها صوت قوسها لتنضيف الفراش بفرد شعر صوفه، او اعادة ترتيب كتله القطنية ، ليستقبل الناس في مجالسهم وتحفهم بأسباب الراحة والهناء وتحيطهم بالنضافة.
​وكما أمتهن بعض الحرفين مهن مختلفة كدباغة الجلود وخرازتها وصناعة الوقيان (فرشان واوقية الجلوس والنوم )؛ ظهر النداف كممتهن لحرفة تشبه حرفة التنجيد في يومنا هذا.
​لوم يكن الندّاف مجرد حرفيٍّ يزاول فرد الفراء وصوفه ، و قَصَّ القطن ورَفْأَه، بل كان فناناً يُصغي لنداء الألياف المتلبدة.
يمتشق أدواته البسيطة الذي ابتكرها بابداعه ، والعجيبة في أثرها ومنها :
#​القَوس: ذلك العود الخشبيّ المرن المربوط بوترٍ مشدودٍ بدقة متناهية.
ِضْرَب_المندفة (المقشعة): #المندفة_الخشبية التي إذا ما لامست الوتر، أطلقت نغمات رنّانة ترنّ في أرجاء المكان (طَن.. طَن)، كأنها معزوفة شعبية تشقّ سكون الصباح.
#عصا_التنفيش . #المسلة(المخيط) . #خيوط_الخياطة: لتسوية الصوف في #الفروة و #الفريقة و #البجاد و #الخُطَّة (سبق وتناولناهن في حلقة سابقة)، أو القطن وتوزيعه بالتساوي داخل #الجودري (مرتبة فراش النوم) والأغطية ("اللُّحُف") والوسائد والمطارح، لتستعيد لينها وطراوتها بعد أن طالها التصلب والقسوة.
​كانت اهتزازات قوسه تغوص في أحشاء القطن، فتعيدُ إليه روحَهُ الأولى، وتتطايرُ ذرات الغبار في شعاع الشمس الدافيء داخل الدور اليافعية كأنها نجومٌ صغيرة تسبح في الفضاء.
​ أصداء الندافة باللهجة اليافعية
​حين دارت عجلة الزمان، وغطّت التكنولوجيا الحديثة وأقمشة الألياف والفيبر على صهيل القوس ورنين الوتر، ورحلت تلك الحرفة الجميلة واندثرت من تفاصيل اليوم، لكنها لم ترحل كلياً من الذاكرة...
​فقد أبت اللهجة اليافعية الأَصِيلة إلا أن تحفظ لـ "النّداف" رقماً في سفْر كلماتها وشواهدها؛ فحين غاب قوس الندّاف واندثرت أدواره، بقيت اللفظةُ مجازاً حياً يتردد على الألسن. أصبحت "النّدافة" في لسان أهل يافع تشبيهاً بيليغاً ومستعاراً للضرب المتوالي بعصا غليظة على الظهر - كتشبيه ضرب النداف لقطنه كي يستقيم ويعتدل!
​فحين ينشب خلافٌ أو يقسى الحديث، تجد التهديد اليافعي الرنان يتردد بأصداء الماضي: "شَفْنِي أَنْدَفُك!"، أو يقال في الأثر والتسامر: "فلان نَدَفَ فُلان"، ومن الطريف ماكان يوصف به الشخص ذو البنية الكبيرة في وصف ظهره وعرض منكبيه فيقال هذا ظهره سيع ظهر النداف، باعتبار ان ممتهني هذه المهنة ذي بنيات كبيرة ، فارتبط وصف كل عملاق بالنداف لتبقى المفردةُ شاهدةً على تاريخ مهنةٍ رحل أربابُها، وظلّ أثرها محفوراً في ذاكرة الجبال وعلى شفاه الأجيال.
،،،،،،،،،،،
الصورة المرفقة التقت في الخمسينات لاحد الندافيين اليُفَّع في كريتر عدن .