الفريد من موروث #يافع التليد
#أحكام_الخُلّة
صرامة العدالة ومهابة الحِشْمَة
في الأحكام العُرفية اليافعية القديمة الخاصة ب #النساء
عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابو نصر #اليافعي
في غياهب التاريخ والأزمنة التليدة، حيث لم تكن النُّصوص القانونية الحديثة قد خُطّت بعد على الورق، صاغ أبناء يافع لأرواحهم مجلداً غير مكتوب من الأعراف والأسلاف العتيدة؛ قوانين نابعة من أصالة الجبل وشهامة أهله، تزن الكلمة بالذهب، وتزن كرامة الإنسان بمعايير لا تقبل المساومة. ولم تكن المرأة في هذا العُرف القبلي الراسخ مجرد هامش في كتاب القبيلة، بل كانت ركناً حصيناً، يُحيطها سياجٌ من الهيبة والرعاية، وتُعامل حُرْمَتُها بصرامة تَرْدَع كل من حدّثته نفسه بالمساس بوقارها أو النيل من كرامتها؛ حتى سمَّوا أي أحكام تتعلق بأفعال المرأة القولية بـ "الخُلّة"، وكأنهم يرمزون إلى الاختلال القيمي الذي قد يطرأ باختلال المرأة، باعتبارها رمزاً للشرف والعفة.
تقرأ في تلك الوثائق والأحكام العتيقة فترى عجباً؛ ترى كيف اعتنى السَّلَف بـ "أحكام الأفعال الخاصة بالنساء"، فجعلوا للحُرْمَةِ حِمايةً تبدأ من زينة كلماتها ولا تنتهي عند حدود خطراتها في الشعاب والوديان.
أولاً: كرامة الكلمة ولين اللسان
لم يغفل العُرف اليافعي القديم عن أثر اللفظ؛ فالكلمة الجارحة لها ميزانٌ وتأديب، ويمكن تفصيلها بالآتي:
فِدو الأجنبي والوجهاء: إذا بدرت من المرأة زلةُ لسان بكلامٍ جارحٍ للرجل الأجنبي، كقولها "جعلك فدى على جرعولي" وغيرها من العبارات التي تندرج ضمن ما يُسمى بـ "الفِدو"، فإن العُرف لم يترك الأمر لسُوء الضغائن، بل أوجب حُكْماً تعويضياً بثلاثة رؤوس بقر أي (21) قرشاً تعويضية وإعادةً للاعتبار لتُطفئ ثائرة الغضب. أمّا إذا قامت المرأة بالفِدو على رجل أجنبي وكان أميناً أو وسيطاً، أو وقع الفِدو في بيت أهل المرأة، فيبادر أهلها أو زوجها فوراً بذبح رأس غنم أمام المُعتدَى عليه بالفداء لتطيب خاطره، ثم يتم تحكيمه من لسانه. وكذلك جعل العُرف زجراً لمن شتم أو سبّ شخصاً في حُرْمَتِهِ أو أمه أو عاره، وفرض عليه عقاباً مالياً غليظاً يتبدَّى في ثلاثة رؤوس من البقر (21 قرشاً)؛ فالمرأة خطٌّ أحمر، والتعرض لحُرَمِ الرجال شتيمةٌ تُقوَّم بأعلى الأثمان.
فِدو الزوج أو أهله: حينما تتعرض المرأة لزوجها أو أحدٍ من أهله بالفِدو داخل البيت، يقوم بإرسالها إلى أهلها أو يستدعي وليها، وفي هذه الحالة يكون على وليها واجب إصلاحها من "العطال" تحت بند العُرف القائل: (لك امرأة سابرة مقام ومنام)، فإن وجد وليها أنها عاطلة ومخطئة قد يحكم له من ظهرها فيقوم بعقابها العقاب الجسدي بالجلد.
ثانياً: سياج الحماية في البيت والوادي
ولأن البيوت أسرار، والوديان مسابحُ للكرامة، جَزَم العُرف بعقوباتٍ متدرجة لمن اعتدى على زوجته بالضرب ("اللَّبْج")، فليس الضرب في عُرف يافع حقاً مطلقاً بلا حساب، وتُفصَّل أحكامه بحسب موقع الفعل وجسامته:
الضرب داخل البيت (من غير ضرر): يُحكم على الزوج برأس غنم واعتذار يقدّمه لأهلها، وقد يرتقي الحكم بحسب شدّة الفعل حتى يصل إلى 7 رؤوس بقر.
الضرب في بيت الأهل: إذا وقع اعتداء الزوج على زوجته بالضرب داخل بيت أهلها، يُغلَّظ الحكم عليه ليصل إلى 14 رأس بقر أي (42 قرشاً).
#التشهير و #التبهير (الضرب في الوادي والأماكن العامة): إن وقع ضربها وإهانتها خارج بيتها في الوادي وأمام الأعيان، يُعتبر إهانة كبيرة تسمى (تشهير وتبهير)، ويُحكم فيه بـ 14 رأس بقر (42 قرشاً)، يُخصم نصفها بالاعتذار، وتُسمى وفاءً لأهلها "دحقة وتعشيرة وجلبتة بعده".
التطاول على حُرْمَة الغير: أما إن تطاول أحدهم على حُرْمَةِ غيره بإصابات أو بلا إصابات، فيعتبر ذلك (عار معوّر)؛ فتحلُّ عليه جَرِيرةٌ كبرى تُحسب بالأثوار تصل إلى 14 رأس بقر (42 قرشاً)، ووفاءً لأهلها أو لزوجها بدحقة وتعشيرة وغنمة، وقد ترتفع إلى رأس بقر بحسب دوافع الفعل ومخاسير العلاج في حالة التعرض لإصابات جسدية. وفي الغالب يتم التسامح بالمبالغ والشرائع في حال تقديم الجاني "الوجاهة"، فيكتفون برد الاعتبار بالدحقة والتعشيرة.
اعتداء المرأة على امرأة مثلها: حكمها سبعة قروش، وإذا كان الخطأ كبيراً فـ 14 قرشاً، ويُحذف من ذلك رد الاعتبار ويُكتفى بالاعتذار عن الغلط مع احتساب حجم الضرر الجسدي.
ثالثاً: قداسة "الحاطبة" و"المستقية"
لعله من أبهى صور الأسلوب الأدبي والإنساني في الأعراف اليافعية قديماً، تلك الحماية الممتدة لنشاط المرأة اليومي في كبد الحياة القاسية. فالمرأة وهي تخرج للاحتطاب أو جلب الماء، كانت تشملها "حصانةٌ عرفية" شديدة الصرامة:
#أحكام_الخُلّة
صرامة العدالة ومهابة الحِشْمَة
في الأحكام العُرفية اليافعية القديمة الخاصة ب #النساء
عبدالفتاح نصر #السنيدي
الشتيت ابو نصر #اليافعي
في غياهب التاريخ والأزمنة التليدة، حيث لم تكن النُّصوص القانونية الحديثة قد خُطّت بعد على الورق، صاغ أبناء يافع لأرواحهم مجلداً غير مكتوب من الأعراف والأسلاف العتيدة؛ قوانين نابعة من أصالة الجبل وشهامة أهله، تزن الكلمة بالذهب، وتزن كرامة الإنسان بمعايير لا تقبل المساومة. ولم تكن المرأة في هذا العُرف القبلي الراسخ مجرد هامش في كتاب القبيلة، بل كانت ركناً حصيناً، يُحيطها سياجٌ من الهيبة والرعاية، وتُعامل حُرْمَتُها بصرامة تَرْدَع كل من حدّثته نفسه بالمساس بوقارها أو النيل من كرامتها؛ حتى سمَّوا أي أحكام تتعلق بأفعال المرأة القولية بـ "الخُلّة"، وكأنهم يرمزون إلى الاختلال القيمي الذي قد يطرأ باختلال المرأة، باعتبارها رمزاً للشرف والعفة.
تقرأ في تلك الوثائق والأحكام العتيقة فترى عجباً؛ ترى كيف اعتنى السَّلَف بـ "أحكام الأفعال الخاصة بالنساء"، فجعلوا للحُرْمَةِ حِمايةً تبدأ من زينة كلماتها ولا تنتهي عند حدود خطراتها في الشعاب والوديان.
أولاً: كرامة الكلمة ولين اللسان
لم يغفل العُرف اليافعي القديم عن أثر اللفظ؛ فالكلمة الجارحة لها ميزانٌ وتأديب، ويمكن تفصيلها بالآتي:
فِدو الأجنبي والوجهاء: إذا بدرت من المرأة زلةُ لسان بكلامٍ جارحٍ للرجل الأجنبي، كقولها "جعلك فدى على جرعولي" وغيرها من العبارات التي تندرج ضمن ما يُسمى بـ "الفِدو"، فإن العُرف لم يترك الأمر لسُوء الضغائن، بل أوجب حُكْماً تعويضياً بثلاثة رؤوس بقر أي (21) قرشاً تعويضية وإعادةً للاعتبار لتُطفئ ثائرة الغضب. أمّا إذا قامت المرأة بالفِدو على رجل أجنبي وكان أميناً أو وسيطاً، أو وقع الفِدو في بيت أهل المرأة، فيبادر أهلها أو زوجها فوراً بذبح رأس غنم أمام المُعتدَى عليه بالفداء لتطيب خاطره، ثم يتم تحكيمه من لسانه. وكذلك جعل العُرف زجراً لمن شتم أو سبّ شخصاً في حُرْمَتِهِ أو أمه أو عاره، وفرض عليه عقاباً مالياً غليظاً يتبدَّى في ثلاثة رؤوس من البقر (21 قرشاً)؛ فالمرأة خطٌّ أحمر، والتعرض لحُرَمِ الرجال شتيمةٌ تُقوَّم بأعلى الأثمان.
فِدو الزوج أو أهله: حينما تتعرض المرأة لزوجها أو أحدٍ من أهله بالفِدو داخل البيت، يقوم بإرسالها إلى أهلها أو يستدعي وليها، وفي هذه الحالة يكون على وليها واجب إصلاحها من "العطال" تحت بند العُرف القائل: (لك امرأة سابرة مقام ومنام)، فإن وجد وليها أنها عاطلة ومخطئة قد يحكم له من ظهرها فيقوم بعقابها العقاب الجسدي بالجلد.
ثانياً: سياج الحماية في البيت والوادي
ولأن البيوت أسرار، والوديان مسابحُ للكرامة، جَزَم العُرف بعقوباتٍ متدرجة لمن اعتدى على زوجته بالضرب ("اللَّبْج")، فليس الضرب في عُرف يافع حقاً مطلقاً بلا حساب، وتُفصَّل أحكامه بحسب موقع الفعل وجسامته:
الضرب داخل البيت (من غير ضرر): يُحكم على الزوج برأس غنم واعتذار يقدّمه لأهلها، وقد يرتقي الحكم بحسب شدّة الفعل حتى يصل إلى 7 رؤوس بقر.
الضرب في بيت الأهل: إذا وقع اعتداء الزوج على زوجته بالضرب داخل بيت أهلها، يُغلَّظ الحكم عليه ليصل إلى 14 رأس بقر أي (42 قرشاً).
#التشهير و #التبهير (الضرب في الوادي والأماكن العامة): إن وقع ضربها وإهانتها خارج بيتها في الوادي وأمام الأعيان، يُعتبر إهانة كبيرة تسمى (تشهير وتبهير)، ويُحكم فيه بـ 14 رأس بقر (42 قرشاً)، يُخصم نصفها بالاعتذار، وتُسمى وفاءً لأهلها "دحقة وتعشيرة وجلبتة بعده".
التطاول على حُرْمَة الغير: أما إن تطاول أحدهم على حُرْمَةِ غيره بإصابات أو بلا إصابات، فيعتبر ذلك (عار معوّر)؛ فتحلُّ عليه جَرِيرةٌ كبرى تُحسب بالأثوار تصل إلى 14 رأس بقر (42 قرشاً)، ووفاءً لأهلها أو لزوجها بدحقة وتعشيرة وغنمة، وقد ترتفع إلى رأس بقر بحسب دوافع الفعل ومخاسير العلاج في حالة التعرض لإصابات جسدية. وفي الغالب يتم التسامح بالمبالغ والشرائع في حال تقديم الجاني "الوجاهة"، فيكتفون برد الاعتبار بالدحقة والتعشيرة.
اعتداء المرأة على امرأة مثلها: حكمها سبعة قروش، وإذا كان الخطأ كبيراً فـ 14 قرشاً، ويُحذف من ذلك رد الاعتبار ويُكتفى بالاعتذار عن الغلط مع احتساب حجم الضرر الجسدي.
ثالثاً: قداسة "الحاطبة" و"المستقية"
لعله من أبهى صور الأسلوب الأدبي والإنساني في الأعراف اليافعية قديماً، تلك الحماية الممتدة لنشاط المرأة اليومي في كبد الحياة القاسية. فالمرأة وهي تخرج للاحتطاب أو جلب الماء، كانت تشملها "حصانةٌ عرفية" شديدة الصرامة: