2⃣
إنثروبولوجيا #عدن
وثائق المخابرات #البريطانية
#لطف_الصراري
مما يلفت النظر في هذه الدراسة اعتقاد الأهالي آنذاك بوجود " #جنّي " على قمة جبل #شمسان قادر على اصطياد السمك عبر شبكة ضخمة يرميها إلى البحر ثم يسحبها إليه. عندما سأل مايرز أحد الضباط البريطانيين عن ذلك أخبره أن هناك مذبح قديم في قمة الجبل. غير أن اللافت أكثر كان اعتقاد الأهالي بوجود فصيل من الجنّ يتَّسمون بالبشاعة والأذرع الطويلة في منطقة " #رأس_عمران"، وهي شبه جزيرة بركانية غرب عدن صارت ميناءً بعد الاستقلال. تفيد القصة الميثولوجية بأن أفراد هذا الفصيل يأخذون أي إنسان يذهب إلى هناك بمفرده ما لم يكن من آكلي لحم الخنزير، في إشارة إلى البريطانيين! إلى الآن، لا أحد يعرف تحديداً إلى أي مدى استغل موظفو وجنود الإمبراطورية هذا الاعتقاد لتعزيز وجودهم الطويل، خاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار أن مايرز أنجز دراسته بعد مضيّ مئة وخمس سنوات من احتلال عدن.
نظرية أمومية و
شيطنة الآلهة القديمة
مثلما توجد نساء يمارسن عمل "المنصِب"، كانت توجد أيضاً جنّيات، مثل تلك المسماة "المَعجِز"، ويصفها مايرز حسب إفادات "الجوحلة" الخاصة بها، بأنها "من مجموعة شياطين ينتمون إلى الله". في تعليقه على الدراسة، قال #عطبوش1)
إن "مايرز حاول أن يلفت النظر إلى أهمية تقريره بتكرار ربطه بنظرية المجتمع الأمومي"، لكن الباحث الشاب ليس متأكداً بعد إذا ما كانت هذه النظرية موضع خلاف بين المدارس أم أنها كانت إحدى "تقليعات القرن الماضي" وتخلّت عنها المناهج الأكاديمية. أما الأكيد بالنسبة لعطبوش، فهو ما احتوته الدراسة من "تفاصيل يمكن ربطها بممارسات وثنية عالمية اشتركت فيها شعوب الشرق القديمة ومنها اليمن القديم، مثل تقديم قرابين البخور"، وهي ممارسات قال إن المؤرخ الروماني الشهير، بليني الأكبر (...-79 ميلادية)، ذكرها في دراسته عن "شَبْوَة"، عاصمة مملكة #حضرموت في اليمن القديم.
في الواقع لم يعد الغموض يكتنف المعتقدات الدينية لليمن القديم كما كان الحال إلى ثمانينيات القرن العشرين. ومع أن التاريخ المادي واللامادي لليمن القديم لم يحظ بالدراسة الكافية حتى اليوم، أتاحت الابحاث والدراسات الاثارية المنجزة خلال الخمسين سنة الماضية الكثير من التفاصيل حول التنوع الديني في الممالك الخمس القديمة. في ذلك الزمن تعاقبت على حكم عدن أكثر من مملكة، لكن أقدمها وأكثرها تأثيراً كانت مملكة #أوسان" التي قضى عليها تحالف سبأ حضرموت وقتبان في القرن الثامن قبل الميلاد. لا يبدو أن أوليفر مايرز كان يعرف شيئاً عن حضارة اليمن القديم، وكغيره من المثقفين الأوروبيين كان يُرجع أصل بعض الألفاظ التي لا يفهمها من إفادات السكان إلى اللغة "الحِمْيَرية"، علماً أن "حِمْيَر" كانت آخر الممالك اليمنية القديمة التي سعت إلى توحيد الممالك الخمس (115 ق.م-525م).
يحرص مسؤولو بريطانيا الجدد على الظهور بفخر أمام الكاميرا على رصيف الميناء، متمسّكين باللقب الذي أورثتهم إياه الإمبراطورية الاستعمارية: "صاحبة القلم" في الملف اليمني. ربما لا يزال هناك ما يمنعهم من احتلال المدينة مرة أخرى، لكنهم بلا شكّ، مستعدون لذلك بوسائل معاصرة
بعد ستّ وخمسين سنة من الاستقلال، تقوم عدن اليوم بدور العاصمة المؤقتة للحكومة المعترف بها دولياً، بينما يعاني مجتمعها الكبير من الآثار المدمِّرة للحرب وانقطاع الخدمات الأساسية، ومن تدهور مريع للاقتصاد الوطني والأسري.
وفي حين يؤكد عطبوش ملاحظته لضعف اللغة العربية وقلة الاطلاع على تاريخ اليمن لدى مايرز، يقول إن بعض القصص التي أوردها الأخير، مثل قصة "المعجز"، يمكن تسميتها "أساطير تأسيس"، بمعنى أنها "تؤسس لأسطورة أصل المجتمع الصغير الذي يتداولها". ويضيف أن بعض هذه القصص ألهمت أستاذه الألماني "فيرنر داوم" لكتابة "مقالات أخرى" عن أساطير مشابهة، وكان هذا الأستاذ هو من لفت انتباه الباحث الشاب إلى تقرير مايرز. خلاصة قصة الجنّية "المعجز" أن رجلاً ذهب للصيد في عدن الصغرى - الجزء الغربي من مدينة عدن - وعند عودته لبيع أسماكه شاهد جنّيتين بأثداء تتدلى على كتفيهما، فتمكّن من الإمساك بإحداهما وعاد بها منزله. أطعمها السكر والتمر واللحم ثم ربطها على شجرة "سُمُر" فصارت مزاراً، وبعد زمن قام أربعة رجال بقطع الشجرة، لكن الجنية قتلتهم، وكان ذلك كافياً لدفع الأهالي لإعادة بناء ضريح لها من الخشب ووضع حجر مستطيل بداخله.
في معظم المواضع التي كان المجتمع في عدن يقدّسها حتى منتصف القرن العشرين، تحضر الحجارة وأعواد الخشب بوصفها مكونات أساسية للمزارات. لعل في ذلك بقايا ديانة غاربة كانت القرابين فيها تتضمن اللوحات والتماثيل الحجرية. وينطبق الأمر نفسه على القرابين من الهدايا العينية الأخرى، كالبخور والطعام والشراب والملابس، وهي قرابين لا تزال موجودة إلى اليوم في طقوس التقرّب إلى الأولياء في اليمن ضمن الطريقه الصوفية.
إنثروبولوجيا #عدن
وثائق المخابرات #البريطانية
#لطف_الصراري
مما يلفت النظر في هذه الدراسة اعتقاد الأهالي آنذاك بوجود " #جنّي " على قمة جبل #شمسان قادر على اصطياد السمك عبر شبكة ضخمة يرميها إلى البحر ثم يسحبها إليه. عندما سأل مايرز أحد الضباط البريطانيين عن ذلك أخبره أن هناك مذبح قديم في قمة الجبل. غير أن اللافت أكثر كان اعتقاد الأهالي بوجود فصيل من الجنّ يتَّسمون بالبشاعة والأذرع الطويلة في منطقة " #رأس_عمران"، وهي شبه جزيرة بركانية غرب عدن صارت ميناءً بعد الاستقلال. تفيد القصة الميثولوجية بأن أفراد هذا الفصيل يأخذون أي إنسان يذهب إلى هناك بمفرده ما لم يكن من آكلي لحم الخنزير، في إشارة إلى البريطانيين! إلى الآن، لا أحد يعرف تحديداً إلى أي مدى استغل موظفو وجنود الإمبراطورية هذا الاعتقاد لتعزيز وجودهم الطويل، خاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار أن مايرز أنجز دراسته بعد مضيّ مئة وخمس سنوات من احتلال عدن.
نظرية أمومية و
شيطنة الآلهة القديمة
مثلما توجد نساء يمارسن عمل "المنصِب"، كانت توجد أيضاً جنّيات، مثل تلك المسماة "المَعجِز"، ويصفها مايرز حسب إفادات "الجوحلة" الخاصة بها، بأنها "من مجموعة شياطين ينتمون إلى الله". في تعليقه على الدراسة، قال #عطبوش1)
إن "مايرز حاول أن يلفت النظر إلى أهمية تقريره بتكرار ربطه بنظرية المجتمع الأمومي"، لكن الباحث الشاب ليس متأكداً بعد إذا ما كانت هذه النظرية موضع خلاف بين المدارس أم أنها كانت إحدى "تقليعات القرن الماضي" وتخلّت عنها المناهج الأكاديمية. أما الأكيد بالنسبة لعطبوش، فهو ما احتوته الدراسة من "تفاصيل يمكن ربطها بممارسات وثنية عالمية اشتركت فيها شعوب الشرق القديمة ومنها اليمن القديم، مثل تقديم قرابين البخور"، وهي ممارسات قال إن المؤرخ الروماني الشهير، بليني الأكبر (...-79 ميلادية)، ذكرها في دراسته عن "شَبْوَة"، عاصمة مملكة #حضرموت في اليمن القديم.
في الواقع لم يعد الغموض يكتنف المعتقدات الدينية لليمن القديم كما كان الحال إلى ثمانينيات القرن العشرين. ومع أن التاريخ المادي واللامادي لليمن القديم لم يحظ بالدراسة الكافية حتى اليوم، أتاحت الابحاث والدراسات الاثارية المنجزة خلال الخمسين سنة الماضية الكثير من التفاصيل حول التنوع الديني في الممالك الخمس القديمة. في ذلك الزمن تعاقبت على حكم عدن أكثر من مملكة، لكن أقدمها وأكثرها تأثيراً كانت مملكة #أوسان" التي قضى عليها تحالف سبأ حضرموت وقتبان في القرن الثامن قبل الميلاد. لا يبدو أن أوليفر مايرز كان يعرف شيئاً عن حضارة اليمن القديم، وكغيره من المثقفين الأوروبيين كان يُرجع أصل بعض الألفاظ التي لا يفهمها من إفادات السكان إلى اللغة "الحِمْيَرية"، علماً أن "حِمْيَر" كانت آخر الممالك اليمنية القديمة التي سعت إلى توحيد الممالك الخمس (115 ق.م-525م).
يحرص مسؤولو بريطانيا الجدد على الظهور بفخر أمام الكاميرا على رصيف الميناء، متمسّكين باللقب الذي أورثتهم إياه الإمبراطورية الاستعمارية: "صاحبة القلم" في الملف اليمني. ربما لا يزال هناك ما يمنعهم من احتلال المدينة مرة أخرى، لكنهم بلا شكّ، مستعدون لذلك بوسائل معاصرة
بعد ستّ وخمسين سنة من الاستقلال، تقوم عدن اليوم بدور العاصمة المؤقتة للحكومة المعترف بها دولياً، بينما يعاني مجتمعها الكبير من الآثار المدمِّرة للحرب وانقطاع الخدمات الأساسية، ومن تدهور مريع للاقتصاد الوطني والأسري.
وفي حين يؤكد عطبوش ملاحظته لضعف اللغة العربية وقلة الاطلاع على تاريخ اليمن لدى مايرز، يقول إن بعض القصص التي أوردها الأخير، مثل قصة "المعجز"، يمكن تسميتها "أساطير تأسيس"، بمعنى أنها "تؤسس لأسطورة أصل المجتمع الصغير الذي يتداولها". ويضيف أن بعض هذه القصص ألهمت أستاذه الألماني "فيرنر داوم" لكتابة "مقالات أخرى" عن أساطير مشابهة، وكان هذا الأستاذ هو من لفت انتباه الباحث الشاب إلى تقرير مايرز. خلاصة قصة الجنّية "المعجز" أن رجلاً ذهب للصيد في عدن الصغرى - الجزء الغربي من مدينة عدن - وعند عودته لبيع أسماكه شاهد جنّيتين بأثداء تتدلى على كتفيهما، فتمكّن من الإمساك بإحداهما وعاد بها منزله. أطعمها السكر والتمر واللحم ثم ربطها على شجرة "سُمُر" فصارت مزاراً، وبعد زمن قام أربعة رجال بقطع الشجرة، لكن الجنية قتلتهم، وكان ذلك كافياً لدفع الأهالي لإعادة بناء ضريح لها من الخشب ووضع حجر مستطيل بداخله.
في معظم المواضع التي كان المجتمع في عدن يقدّسها حتى منتصف القرن العشرين، تحضر الحجارة وأعواد الخشب بوصفها مكونات أساسية للمزارات. لعل في ذلك بقايا ديانة غاربة كانت القرابين فيها تتضمن اللوحات والتماثيل الحجرية. وينطبق الأمر نفسه على القرابين من الهدايا العينية الأخرى، كالبخور والطعام والشراب والملابس، وهي قرابين لا تزال موجودة إلى اليوم في طقوس التقرّب إلى الأولياء في اليمن ضمن الطريقه الصوفية.