1⃣
أنثروبولوجيا #عدن
في وثائق المخابرات #البريطانية
أتاح القانون البريطاني رفع السرية عن معظم وثائق الحقبة الاستعمارية للإمبراطورية، وما زالت السرية تحجب آلاف الوثائق التي لن يرفع عنها الحظر إلا بعد خمسين سنة. ذلك أن تلك الوثائق مصنّفة ضمن الأسرار السياسية والاستخباراتية التي ما زالت صالحة لخدمة سياسة وأهداف بريطانيا في اليمن والمنطقة العربية.
#لطف_الصراري
قاص وصحافي من اليمن
منذ مدّت بريطانيا اهتمامها بالسيطرة على البحار إلى البحر الأحمر وبحر العرب مطلع القرن السابع عشر الميلادي، تركزت دراسات موظفي التاج الملكي فقط على تفحص الجدوى التجارية للمنطقة. لم يكن لمدراء شركة الهند الشرقية، الذين اقترحوا على الحكومة البريطانية احتلال عدن في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أن يفكروا خارج نطاق التجارة، ثم إن حكّام عدن وسكانها آنذاك لم يكونوا بالقوة التي كانوا عليها أمام محاولة البرتغاليين احتلالها في 1513. لذلك لم تلجأ الإمبراطورية الإنجليزية إلى الأنثروبولوجيا تمهيداً لاحتلال المدينة كما فعلت مع مستعمرات أخرى، بل اكتفت بإرسال ضابط البحرية ستافورد هينس المعروف في اليمن بـ"الكابتن هينس"، ليستطلع المدينة سنة 1834. هينس هو الآخر اكتفى برفع تقرير عن تضاريس المدينة وتقدير عدد سكانها وحركة التجارة فيها. وبعد أربع سنوات احتلت حكومة التاج "ثغر اليمن" و"دُرّة الجزيرة العربية".
أكثر من 128 ألف وثيقة في 128 سنة
في كانون الثاني/ يناير 2022، نظّم "اتحاد أدباء وكتاب الجنوب" فعالية ثقافية في عدن كُرست لتحريك الاهتمام البحثي بتاريخ مدينة عدن المدوّن في الوثائق البريطانية. تحدث في تلك الفعالية الباحث بلال غلام حسين الذي قال إنه قضى عدة سنوات في البحث عن الوثائق الخاصة باليمن في المكتبة البريطانية الكبرى، ووجد أن عدد الوثائق الخاصة بعدن تزيد عن 128 ألف وثيقة، وغالبيتها تختص بالإدارة المدنية للمدينة. وإضافة إلى ذلك، كشف عن وجود آلاف الوثائق في الأرشيف الوطني البريطاني وفي أرشيف البرلمان.
وجود هذه الوفرة من الوثائق الخاصة بالجزء الجنوبي من اليمن في الأرشيف البريطاني، تفسّر تمسّك المملكة المتحدة بلقب "صاحبة القلم" في الملف اليمني الذي تتداوله الآن مع أكثر من عشر دول دون تحقيق أي تقدّم باتجاه إحلال السلام في اليمن الحالي. وبينما أتاح القانون البريطاني رفع السرية عن معظم وثائق الحقبة الاستعمارية للإمبراطورية، ما زالت السرية تحجب آلاف الوثائق التي قال الباحث حسين إنها لن ترفع عنها إلا بعد خمسين سنة. مما لا شكّ فيه أن الوثائق التي لم يُرفع عنها الحجب بعد، مصنّفة ضمن الأسرار السياسية والاستخباراتية التي ما زالت صالحة لخدمة سياسة وأهداف بريطانيا في اليمن والمنطقة العربية، لكن هل توجد بينها وثائق أنثروبولوجية؟
هذا السؤال مبني على سؤال آخر عمّا تمثله الأنثروبولوجيا لقادة البلدان الاستعمارية في القرن الواحد والعشرين، حيث أصبحت وسائل السيطرة متعددة في هذا العصر الرقمي. كما يأخذ السؤال وجاهته من العودة الارتدادية التي لم تعد موارِبة لدول الغرب نحو مستعمراتها القديمة، ومن كون الغالبية العظمى من الوثائق المتاحة ما زالت بلغتها الأم، وهو ما يثير تساؤلات أخرى من قبيل: ماذا لو كانت حركة الترجمة العربية واكبت رفع السرية عن تلك الوثائق وأُتيحت للقارئ العربي أولاً بأول؟
الأنثروبولوجيا في سياسة بريطانيا الاستعمارية
تخبرنا قصص حياة جيرترود بيل (1868-1926)، توماس إدوارد لورانس (1888-1935) وجون فيلبي (1885-1960)، على سبيل المثال، أن بريطانيا لم تستغن عن البحث الانثروبولوجي لرسم وتنفيذ سياستها الاستعمارية في المنطقة العربية. لقد جندت أمثال هؤلاء في جهازها الاستخباراتي، وحوّلتهم من علماء وباحثين لأجل العلم والمشتركات الإنسانية، إلى علماء في خدمة السياسة الاستعمارية للإمبراطورية. لكنها بالنسبة لعدن، لم تكن بحاجة لعلماء آثار وإناسة لكي تضع يدها على الميناء الأهم في طريق التجارة مع الشرق. وبعد نجاحها في ذلك ركّزت اهتمامها على دراسة توزّع السلطة في المشيخات والسلطنات ذات النفوذ في عدن. أما مجتمع عدن نفسها، سكانها البسطاء في محيط البندر والميناء، فلم يكونوا بالنسبة للكابتن هينس وغيره من الحكّام البريطانيين الذين تعاقبوا على المدينة، أكثر من مجرد كائنات غير مفهومة من البدائيين بمعتقدات غريبة يأتي في مقدمتها إيمانهم بالجن والسحر والشياطين.
عاش هذا المجتمع حياة عزلة شبه تامة عن الإدارة البريطانية بالرغم من إلحاقه إدارياً بالمستعمرة، وقد احتفظ بالعادات والتقاليد والمعتقدات، سواءً ذات الأصول الموغِلة في القدم أو تلك التي تكونت بفعل تمازج ثقافات المهاجرين من أفريقيا والهند وغيرهما. ومع استمرار استعمار الإمبراطورية للمدينة، توافد عليها عشرات الكتاب والعلماء البريطانيين الذين كتبوا عنها وعن جنوب اليمن عموماً، سواءً من موقعهم كموظفين رسميين أو زائرين بهدف البحث متعدد الأغراض.
أنثروبولوجيا #عدن
في وثائق المخابرات #البريطانية
أتاح القانون البريطاني رفع السرية عن معظم وثائق الحقبة الاستعمارية للإمبراطورية، وما زالت السرية تحجب آلاف الوثائق التي لن يرفع عنها الحظر إلا بعد خمسين سنة. ذلك أن تلك الوثائق مصنّفة ضمن الأسرار السياسية والاستخباراتية التي ما زالت صالحة لخدمة سياسة وأهداف بريطانيا في اليمن والمنطقة العربية.
#لطف_الصراري
قاص وصحافي من اليمن
منذ مدّت بريطانيا اهتمامها بالسيطرة على البحار إلى البحر الأحمر وبحر العرب مطلع القرن السابع عشر الميلادي، تركزت دراسات موظفي التاج الملكي فقط على تفحص الجدوى التجارية للمنطقة. لم يكن لمدراء شركة الهند الشرقية، الذين اقترحوا على الحكومة البريطانية احتلال عدن في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أن يفكروا خارج نطاق التجارة، ثم إن حكّام عدن وسكانها آنذاك لم يكونوا بالقوة التي كانوا عليها أمام محاولة البرتغاليين احتلالها في 1513. لذلك لم تلجأ الإمبراطورية الإنجليزية إلى الأنثروبولوجيا تمهيداً لاحتلال المدينة كما فعلت مع مستعمرات أخرى، بل اكتفت بإرسال ضابط البحرية ستافورد هينس المعروف في اليمن بـ"الكابتن هينس"، ليستطلع المدينة سنة 1834. هينس هو الآخر اكتفى برفع تقرير عن تضاريس المدينة وتقدير عدد سكانها وحركة التجارة فيها. وبعد أربع سنوات احتلت حكومة التاج "ثغر اليمن" و"دُرّة الجزيرة العربية".
أكثر من 128 ألف وثيقة في 128 سنة
في كانون الثاني/ يناير 2022، نظّم "اتحاد أدباء وكتاب الجنوب" فعالية ثقافية في عدن كُرست لتحريك الاهتمام البحثي بتاريخ مدينة عدن المدوّن في الوثائق البريطانية. تحدث في تلك الفعالية الباحث بلال غلام حسين الذي قال إنه قضى عدة سنوات في البحث عن الوثائق الخاصة باليمن في المكتبة البريطانية الكبرى، ووجد أن عدد الوثائق الخاصة بعدن تزيد عن 128 ألف وثيقة، وغالبيتها تختص بالإدارة المدنية للمدينة. وإضافة إلى ذلك، كشف عن وجود آلاف الوثائق في الأرشيف الوطني البريطاني وفي أرشيف البرلمان.
وجود هذه الوفرة من الوثائق الخاصة بالجزء الجنوبي من اليمن في الأرشيف البريطاني، تفسّر تمسّك المملكة المتحدة بلقب "صاحبة القلم" في الملف اليمني الذي تتداوله الآن مع أكثر من عشر دول دون تحقيق أي تقدّم باتجاه إحلال السلام في اليمن الحالي. وبينما أتاح القانون البريطاني رفع السرية عن معظم وثائق الحقبة الاستعمارية للإمبراطورية، ما زالت السرية تحجب آلاف الوثائق التي قال الباحث حسين إنها لن ترفع عنها إلا بعد خمسين سنة. مما لا شكّ فيه أن الوثائق التي لم يُرفع عنها الحجب بعد، مصنّفة ضمن الأسرار السياسية والاستخباراتية التي ما زالت صالحة لخدمة سياسة وأهداف بريطانيا في اليمن والمنطقة العربية، لكن هل توجد بينها وثائق أنثروبولوجية؟
هذا السؤال مبني على سؤال آخر عمّا تمثله الأنثروبولوجيا لقادة البلدان الاستعمارية في القرن الواحد والعشرين، حيث أصبحت وسائل السيطرة متعددة في هذا العصر الرقمي. كما يأخذ السؤال وجاهته من العودة الارتدادية التي لم تعد موارِبة لدول الغرب نحو مستعمراتها القديمة، ومن كون الغالبية العظمى من الوثائق المتاحة ما زالت بلغتها الأم، وهو ما يثير تساؤلات أخرى من قبيل: ماذا لو كانت حركة الترجمة العربية واكبت رفع السرية عن تلك الوثائق وأُتيحت للقارئ العربي أولاً بأول؟
الأنثروبولوجيا في سياسة بريطانيا الاستعمارية
تخبرنا قصص حياة جيرترود بيل (1868-1926)، توماس إدوارد لورانس (1888-1935) وجون فيلبي (1885-1960)، على سبيل المثال، أن بريطانيا لم تستغن عن البحث الانثروبولوجي لرسم وتنفيذ سياستها الاستعمارية في المنطقة العربية. لقد جندت أمثال هؤلاء في جهازها الاستخباراتي، وحوّلتهم من علماء وباحثين لأجل العلم والمشتركات الإنسانية، إلى علماء في خدمة السياسة الاستعمارية للإمبراطورية. لكنها بالنسبة لعدن، لم تكن بحاجة لعلماء آثار وإناسة لكي تضع يدها على الميناء الأهم في طريق التجارة مع الشرق. وبعد نجاحها في ذلك ركّزت اهتمامها على دراسة توزّع السلطة في المشيخات والسلطنات ذات النفوذ في عدن. أما مجتمع عدن نفسها، سكانها البسطاء في محيط البندر والميناء، فلم يكونوا بالنسبة للكابتن هينس وغيره من الحكّام البريطانيين الذين تعاقبوا على المدينة، أكثر من مجرد كائنات غير مفهومة من البدائيين بمعتقدات غريبة يأتي في مقدمتها إيمانهم بالجن والسحر والشياطين.
عاش هذا المجتمع حياة عزلة شبه تامة عن الإدارة البريطانية بالرغم من إلحاقه إدارياً بالمستعمرة، وقد احتفظ بالعادات والتقاليد والمعتقدات، سواءً ذات الأصول الموغِلة في القدم أو تلك التي تكونت بفعل تمازج ثقافات المهاجرين من أفريقيا والهند وغيرهما. ومع استمرار استعمار الإمبراطورية للمدينة، توافد عليها عشرات الكتاب والعلماء البريطانيين الذين كتبوا عنها وعن جنوب اليمن عموماً، سواءً من موقعهم كموظفين رسميين أو زائرين بهدف البحث متعدد الأغراض.
2⃣
إنثروبولوجيا #عدن
وثائق المخابرات #البريطانية
#لطف_الصراري
مما يلفت النظر في هذه الدراسة اعتقاد الأهالي آنذاك بوجود " #جنّي " على قمة جبل #شمسان قادر على اصطياد السمك عبر شبكة ضخمة يرميها إلى البحر ثم يسحبها إليه. عندما سأل مايرز أحد الضباط البريطانيين عن ذلك أخبره أن هناك مذبح قديم في قمة الجبل. غير أن اللافت أكثر كان اعتقاد الأهالي بوجود فصيل من الجنّ يتَّسمون بالبشاعة والأذرع الطويلة في منطقة " #رأس_عمران"، وهي شبه جزيرة بركانية غرب عدن صارت ميناءً بعد الاستقلال. تفيد القصة الميثولوجية بأن أفراد هذا الفصيل يأخذون أي إنسان يذهب إلى هناك بمفرده ما لم يكن من آكلي لحم الخنزير، في إشارة إلى البريطانيين! إلى الآن، لا أحد يعرف تحديداً إلى أي مدى استغل موظفو وجنود الإمبراطورية هذا الاعتقاد لتعزيز وجودهم الطويل، خاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار أن مايرز أنجز دراسته بعد مضيّ مئة وخمس سنوات من احتلال عدن.
نظرية أمومية و
شيطنة الآلهة القديمة
مثلما توجد نساء يمارسن عمل "المنصِب"، كانت توجد أيضاً جنّيات، مثل تلك المسماة "المَعجِز"، ويصفها مايرز حسب إفادات "الجوحلة" الخاصة بها، بأنها "من مجموعة شياطين ينتمون إلى الله". في تعليقه على الدراسة، قال #عطبوش1)
إن "مايرز حاول أن يلفت النظر إلى أهمية تقريره بتكرار ربطه بنظرية المجتمع الأمومي"، لكن الباحث الشاب ليس متأكداً بعد إذا ما كانت هذه النظرية موضع خلاف بين المدارس أم أنها كانت إحدى "تقليعات القرن الماضي" وتخلّت عنها المناهج الأكاديمية. أما الأكيد بالنسبة لعطبوش، فهو ما احتوته الدراسة من "تفاصيل يمكن ربطها بممارسات وثنية عالمية اشتركت فيها شعوب الشرق القديمة ومنها اليمن القديم، مثل تقديم قرابين البخور"، وهي ممارسات قال إن المؤرخ الروماني الشهير، بليني الأكبر (...-79 ميلادية)، ذكرها في دراسته عن "شَبْوَة"، عاصمة مملكة #حضرموت في اليمن القديم.
في الواقع لم يعد الغموض يكتنف المعتقدات الدينية لليمن القديم كما كان الحال إلى ثمانينيات القرن العشرين. ومع أن التاريخ المادي واللامادي لليمن القديم لم يحظ بالدراسة الكافية حتى اليوم، أتاحت الابحاث والدراسات الاثارية المنجزة خلال الخمسين سنة الماضية الكثير من التفاصيل حول التنوع الديني في الممالك الخمس القديمة. في ذلك الزمن تعاقبت على حكم عدن أكثر من مملكة، لكن أقدمها وأكثرها تأثيراً كانت مملكة #أوسان" التي قضى عليها تحالف سبأ حضرموت وقتبان في القرن الثامن قبل الميلاد. لا يبدو أن أوليفر مايرز كان يعرف شيئاً عن حضارة اليمن القديم، وكغيره من المثقفين الأوروبيين كان يُرجع أصل بعض الألفاظ التي لا يفهمها من إفادات السكان إلى اللغة "الحِمْيَرية"، علماً أن "حِمْيَر" كانت آخر الممالك اليمنية القديمة التي سعت إلى توحيد الممالك الخمس (115 ق.م-525م).
يحرص مسؤولو بريطانيا الجدد على الظهور بفخر أمام الكاميرا على رصيف الميناء، متمسّكين باللقب الذي أورثتهم إياه الإمبراطورية الاستعمارية: "صاحبة القلم" في الملف اليمني. ربما لا يزال هناك ما يمنعهم من احتلال المدينة مرة أخرى، لكنهم بلا شكّ، مستعدون لذلك بوسائل معاصرة
بعد ستّ وخمسين سنة من الاستقلال، تقوم عدن اليوم بدور العاصمة المؤقتة للحكومة المعترف بها دولياً، بينما يعاني مجتمعها الكبير من الآثار المدمِّرة للحرب وانقطاع الخدمات الأساسية، ومن تدهور مريع للاقتصاد الوطني والأسري.
وفي حين يؤكد عطبوش ملاحظته لضعف اللغة العربية وقلة الاطلاع على تاريخ اليمن لدى مايرز، يقول إن بعض القصص التي أوردها الأخير، مثل قصة "المعجز"، يمكن تسميتها "أساطير تأسيس"، بمعنى أنها "تؤسس لأسطورة أصل المجتمع الصغير الذي يتداولها". ويضيف أن بعض هذه القصص ألهمت أستاذه الألماني "فيرنر داوم" لكتابة "مقالات أخرى" عن أساطير مشابهة، وكان هذا الأستاذ هو من لفت انتباه الباحث الشاب إلى تقرير مايرز. خلاصة قصة الجنّية "المعجز" أن رجلاً ذهب للصيد في عدن الصغرى - الجزء الغربي من مدينة عدن - وعند عودته لبيع أسماكه شاهد جنّيتين بأثداء تتدلى على كتفيهما، فتمكّن من الإمساك بإحداهما وعاد بها منزله. أطعمها السكر والتمر واللحم ثم ربطها على شجرة "سُمُر" فصارت مزاراً، وبعد زمن قام أربعة رجال بقطع الشجرة، لكن الجنية قتلتهم، وكان ذلك كافياً لدفع الأهالي لإعادة بناء ضريح لها من الخشب ووضع حجر مستطيل بداخله.
في معظم المواضع التي كان المجتمع في عدن يقدّسها حتى منتصف القرن العشرين، تحضر الحجارة وأعواد الخشب بوصفها مكونات أساسية للمزارات. لعل في ذلك بقايا ديانة غاربة كانت القرابين فيها تتضمن اللوحات والتماثيل الحجرية. وينطبق الأمر نفسه على القرابين من الهدايا العينية الأخرى، كالبخور والطعام والشراب والملابس، وهي قرابين لا تزال موجودة إلى اليوم في طقوس التقرّب إلى الأولياء في اليمن ضمن الطريقه الصوفية.
إنثروبولوجيا #عدن
وثائق المخابرات #البريطانية
#لطف_الصراري
مما يلفت النظر في هذه الدراسة اعتقاد الأهالي آنذاك بوجود " #جنّي " على قمة جبل #شمسان قادر على اصطياد السمك عبر شبكة ضخمة يرميها إلى البحر ثم يسحبها إليه. عندما سأل مايرز أحد الضباط البريطانيين عن ذلك أخبره أن هناك مذبح قديم في قمة الجبل. غير أن اللافت أكثر كان اعتقاد الأهالي بوجود فصيل من الجنّ يتَّسمون بالبشاعة والأذرع الطويلة في منطقة " #رأس_عمران"، وهي شبه جزيرة بركانية غرب عدن صارت ميناءً بعد الاستقلال. تفيد القصة الميثولوجية بأن أفراد هذا الفصيل يأخذون أي إنسان يذهب إلى هناك بمفرده ما لم يكن من آكلي لحم الخنزير، في إشارة إلى البريطانيين! إلى الآن، لا أحد يعرف تحديداً إلى أي مدى استغل موظفو وجنود الإمبراطورية هذا الاعتقاد لتعزيز وجودهم الطويل، خاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار أن مايرز أنجز دراسته بعد مضيّ مئة وخمس سنوات من احتلال عدن.
نظرية أمومية و
شيطنة الآلهة القديمة
مثلما توجد نساء يمارسن عمل "المنصِب"، كانت توجد أيضاً جنّيات، مثل تلك المسماة "المَعجِز"، ويصفها مايرز حسب إفادات "الجوحلة" الخاصة بها، بأنها "من مجموعة شياطين ينتمون إلى الله". في تعليقه على الدراسة، قال #عطبوش1)
إن "مايرز حاول أن يلفت النظر إلى أهمية تقريره بتكرار ربطه بنظرية المجتمع الأمومي"، لكن الباحث الشاب ليس متأكداً بعد إذا ما كانت هذه النظرية موضع خلاف بين المدارس أم أنها كانت إحدى "تقليعات القرن الماضي" وتخلّت عنها المناهج الأكاديمية. أما الأكيد بالنسبة لعطبوش، فهو ما احتوته الدراسة من "تفاصيل يمكن ربطها بممارسات وثنية عالمية اشتركت فيها شعوب الشرق القديمة ومنها اليمن القديم، مثل تقديم قرابين البخور"، وهي ممارسات قال إن المؤرخ الروماني الشهير، بليني الأكبر (...-79 ميلادية)، ذكرها في دراسته عن "شَبْوَة"، عاصمة مملكة #حضرموت في اليمن القديم.
في الواقع لم يعد الغموض يكتنف المعتقدات الدينية لليمن القديم كما كان الحال إلى ثمانينيات القرن العشرين. ومع أن التاريخ المادي واللامادي لليمن القديم لم يحظ بالدراسة الكافية حتى اليوم، أتاحت الابحاث والدراسات الاثارية المنجزة خلال الخمسين سنة الماضية الكثير من التفاصيل حول التنوع الديني في الممالك الخمس القديمة. في ذلك الزمن تعاقبت على حكم عدن أكثر من مملكة، لكن أقدمها وأكثرها تأثيراً كانت مملكة #أوسان" التي قضى عليها تحالف سبأ حضرموت وقتبان في القرن الثامن قبل الميلاد. لا يبدو أن أوليفر مايرز كان يعرف شيئاً عن حضارة اليمن القديم، وكغيره من المثقفين الأوروبيين كان يُرجع أصل بعض الألفاظ التي لا يفهمها من إفادات السكان إلى اللغة "الحِمْيَرية"، علماً أن "حِمْيَر" كانت آخر الممالك اليمنية القديمة التي سعت إلى توحيد الممالك الخمس (115 ق.م-525م).
يحرص مسؤولو بريطانيا الجدد على الظهور بفخر أمام الكاميرا على رصيف الميناء، متمسّكين باللقب الذي أورثتهم إياه الإمبراطورية الاستعمارية: "صاحبة القلم" في الملف اليمني. ربما لا يزال هناك ما يمنعهم من احتلال المدينة مرة أخرى، لكنهم بلا شكّ، مستعدون لذلك بوسائل معاصرة
بعد ستّ وخمسين سنة من الاستقلال، تقوم عدن اليوم بدور العاصمة المؤقتة للحكومة المعترف بها دولياً، بينما يعاني مجتمعها الكبير من الآثار المدمِّرة للحرب وانقطاع الخدمات الأساسية، ومن تدهور مريع للاقتصاد الوطني والأسري.
وفي حين يؤكد عطبوش ملاحظته لضعف اللغة العربية وقلة الاطلاع على تاريخ اليمن لدى مايرز، يقول إن بعض القصص التي أوردها الأخير، مثل قصة "المعجز"، يمكن تسميتها "أساطير تأسيس"، بمعنى أنها "تؤسس لأسطورة أصل المجتمع الصغير الذي يتداولها". ويضيف أن بعض هذه القصص ألهمت أستاذه الألماني "فيرنر داوم" لكتابة "مقالات أخرى" عن أساطير مشابهة، وكان هذا الأستاذ هو من لفت انتباه الباحث الشاب إلى تقرير مايرز. خلاصة قصة الجنّية "المعجز" أن رجلاً ذهب للصيد في عدن الصغرى - الجزء الغربي من مدينة عدن - وعند عودته لبيع أسماكه شاهد جنّيتين بأثداء تتدلى على كتفيهما، فتمكّن من الإمساك بإحداهما وعاد بها منزله. أطعمها السكر والتمر واللحم ثم ربطها على شجرة "سُمُر" فصارت مزاراً، وبعد زمن قام أربعة رجال بقطع الشجرة، لكن الجنية قتلتهم، وكان ذلك كافياً لدفع الأهالي لإعادة بناء ضريح لها من الخشب ووضع حجر مستطيل بداخله.
في معظم المواضع التي كان المجتمع في عدن يقدّسها حتى منتصف القرن العشرين، تحضر الحجارة وأعواد الخشب بوصفها مكونات أساسية للمزارات. لعل في ذلك بقايا ديانة غاربة كانت القرابين فيها تتضمن اللوحات والتماثيل الحجرية. وينطبق الأمر نفسه على القرابين من الهدايا العينية الأخرى، كالبخور والطعام والشراب والملابس، وهي قرابين لا تزال موجودة إلى اليوم في طقوس التقرّب إلى الأولياء في اليمن ضمن الطريقه الصوفية.