اليمن_تاريخ_وثقافة
15.3K subscribers
153K photos
361 videos
2.29K files
25.6K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
3⃣
مكانة #العلماء بالدولة #القاسمية في اليمن
أ.د #عيضة_الجهني

وكانت الأنظمة الإدارية التي يشرف عليها الإمام بدائية في بداية عهد الدولة القاسميَّة، لكنها بعد ذلك شهدت تطورًا صاحب التحولات السياسية والاقتصادية التي عرفتها البلاد، وقد حرصت الدولة القاسميَّة على مواكبة تلك التحولات عن طريق الاستفادة من الأنظمة العثمانية العسكرية والإدارية؛ خاصةً فيما يتعلق بالشؤون المالية مثل: جباية الزكاة والضرائب([22])، ولم يكن تحصيل الضرائب مركزيًا طوال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين(السابع عشر والثامن عشر الميلاديين)؛ إذ إن تقدير القيمة الضريبية على المحاصيل الزراعية لم يكن من مهام السلطة المركزية، بل كان من مهام ولاة وعمال المناطق([23]).
وكان الإمام يتولى رئاسة الديوان القاسمي الذي يتكون من كبير الوزراء، ووزراء مسؤولين عن شؤون القبائل، والأوقاف، وجباية الزكاة، وكان الإمام يعيِّن وزيرًا لكل منطقة؛ لضبط جباية الزكاة وتدقيقها([24])، ويعيِّن كذلك في الديوان القاسمي بعض القضاة؛ ومن المحتمل أن الإمام كان يسند إليهم النظر في القضايا التي تقع بين أفراد الأسرة القاسميَّة، أو القضايا التي كانت تقع بين أعيان الدولة من السادة العلويين وشيوخ القبائل، وربما أسند إليهم النظر في القضايا الكبرى. وكان الإمام يعين على كل ولاية عاملًا يسمى والي الدولة وأحيانًا أميرًا، يشرف على قيادة القوات في ولايته أو إقليمه الذي يحكمه، ويكون مسؤولًا عن جمع الضرائب وحفظ الأمن، ويجري عزل هؤلاء الولاة أو نقلهم إلى ولايات أخرى كل سنتين أو ثلاث؛ لمنع تراكم الثروة في أيديهم بعد تقديمهم ما يشبه كشف حساب لممتلكاتهم، التي قد يتنازلون عنها في حال وجود أخطاء أو تجاوزات ارتكبوها([25]).
ثانيًا / الأمراء القاسميون:
يحتل أمراء الأسرة القاسميَّة المرتبة الثانية في التركيبة البنيوية السياسية في دولتهم، خاصةً أبناء الإمام الحاكم الذين يطلق على الواحد منهم لقب (سيف الإسلام)([26])،وقد تولوا أمر الولايات ذات الأهمية في البلاد، مثل: صنعاء وتعز وإب وصعدة وغيرها، وجرت العادة أن يتولى أكبر أبناء الإمام منصب ولاية صنعاء التي أصبحت عاصمة للدولة القاسمية منذ عام 1130هـ/1718م، فضلًا عن أنه كان يكلف بقيادة الجيوش القاسميَّة في بعض الأحيان. وكان بعض أمراء الأسرة القاسميَّة-ممن لهم حظوة لدى الإمام- يكلفون ببعض المهام الإدارية والعسكرية، وبعضهم أصبح من المستشارين المقربين للأئمة، وقد عملت السلطة على الاستفادة من آرائهم وخبراتهم السياسية والإدارية.
ولقد أصبحت السلطة المركزية للدولة القاسميَّة-المتمثلة في شخص الإمام- في أواخر القرن الحادي عشر الهجري لا تملك نفوذًا قويًا على الأمراء القاسميين الذين عينتهم ولاة على بعض ولايات الدولة، إذ شكَّلوا مراكز قوى داخل الدولة، فحكموا ولاياتهم حكمًا ذاتيًا، وسيطروا على الموارد المالية فيها، وأصبح الإمام الذي يتولى سدة الحكم في الدولة القاسميَّة يعترف بالسلطة السياسية والاقتصادية لأولئك الأمراء، ليضمن البقاء في السلطة دون منازعتهم، وكثيرًا ما تنافس بعض الأمراء القاسميين على الإمامة عند حدوث فراغ سياسي في هذا المنصب، وقد أسهم دعم العلماء لأحد المتنافسين في ترجيح كفته على البقية. وبعد أن أصبح تقلد الإمامة ينتقل عموديًا من الأب إلى الابن تراجع نفوذ الأمراء القاسميين لصالح السلطة المركزية، التي عادت لامتلاك زمام الأمور من جديد([27])، وإن كان الأمر لم يخلُ من بعض دعوات استحقاق الإمامة التي يطلقها إخوة الإمام الحاكم أو أبناء عمومته، لكنها سرعان ما تخبو تلك الأصوات.
4⃣
مكانة #العلماء بالدولة #القاسمية في #اليمن
أ.د #عيضة_الجهني

خامسًا/ الزعامات القبلية:
شكلت الزعامات القبلية جزءًا مهمًا في التركيبة البنيوية السياسية للدولة القاسميَّة، وكانت القبائل تمثّل رافدًا وداعمًا مهمًا للقوة العسكرية للدولة، حيث عمل أبناء القبائل -خاصةً القبائل الشمالية- جنودًا غير نظاميين في الجيش القاسمي؛ لذا كان لزعمائها دور مؤثر في الأحداث التي شهدتها اليمن في عهد الدولة القاسميَّة. ومن أشهر الزعامات القبلية: آل الأحمر شيوخ حاشد([33])، وآل أبو لحوم شيوخ بكيل، وآل الشايف شيوخ ذوي حسين من قبائل بكيل، وابن جزيلان شيخ ذوي محمد من قبائل بكيل([34])، وآل أبو حليقة شيوخ قبائل خولان([35])، فضلًا عن القضاة آل العنسي المذحجيين زعماء قبائل جبل بَرَط([36]).
وساعد اعتماد السلطة الحاكمة في الدولة القاسمية على نظام الرعاية الأبوية في السنوات الأولى لتأسيسها على ربط القبائل في مناطق اليمن الأعلى بها، فمنحت زعماءها الامتيازات الضريبية والإقطاعات الزراعية في اليمن الأسفل، الذي يعدُّ من أغنى مناطق اليمن الزراعية، فضلًا عن أنها ثبتت أسماءهم في سجلات الرواتب الشهرية التي تصرف من خزانة الدولة مباشرة، ولم تقتصر على هذا بل كانت تمنحهم العطايا السخية في بعض المناسبات([37])، وكان الأمراء القاسميون الذين شكَّلوا مراكز قوى داخل الدولة القاسمية في فترات سابقة من عمر الدولة قد لجئوا إلى كسب تأييد القبائل وزعمائها في صراعهم على النفوذ؛ وتسابقهم على الوصول إلى سدة الحكم، إدراكًا منهم لثقل حجم تلك الزعامات.
ولقد أسهمت الزعامات القبلية في ترجيح كفة قوىً على أخرى أو ترجيح أمير على آخر، وهو ما أكسب الزعامات القبلية ثقلًا سياسيًا وعسكريًا يصعب تجاوزه، فقد نجح الإمام المهدي محمد (صاحب المواهب) في استمالة مشايخ قبائل الحجرية وعلى رأسهم الشيخ ابن المغلس للوقوف في صفه في أثناء الحرب على الإمامة والتي نشبت بين أبناء الأسرة القاسمية في عام 1097هـ/1686م([38])، وأيدت قبائل بني الحارث وهمدان وزعماؤها الإمام المهدي محمد وهو ما أسهم في دعم موقفه في هذه الحرب([39])،كما أسهم تخلي القبائل عن مناصرة الحسين بن القاسم الشهاري في حسم الصراع على الإمامة لصالح الإمام المتوكل القاسم بن الحسين([40]).
وكذلك شارك بعض زعماء قبائل حاشد وبكيل ويام مثل: ابن الأحمر وابن جزيلان والمكرمي، في الحرب التي نشبت في عام 1139هـ/1727م بين المنصور الحسين بن المتوكل ومنافسه على الإمامة الناصر محمد بن إسحاق، وتقلبت فيها الولاءات من جانب إلى آخر([41])، حتى حسم الصراع لصالح الإمام المنصور الحسين، وقد خسر فيها ابن الأحمر حياته عندما قُتل غيلة على يد مماليك حليفه السابق الإمام المنصور الحسين وبأمر منه في عام1140هـ/1728م([42]).
ولما كانت الزعامات القبلية تمتلك ثقلًا مجتمعيًا وتأثيرًا فقد حرصت السلطة الحاكمة في الدولة القاسمية على إقامة علاقات وديَّة معها؛ خشية تأييدها لأي ثائر علوي يخرج للمطالبة بالإمامة، سواء من داخل الأسرة القاسمية أو من خارجها([43])، فضلًا عن رغبة السلطة في المحافظة على الأمن، وتحقيق الاستقرار، وتأمين الطرق التجارية من هجمات أبناء القبائل وتجاوزاتهم؛ وقد حققت الدولة بهذه السياسة جملة من المكاسب، لكن تلك العلاقات الودية كانت أحيانًا تنقلب إلى عداء وصدام مسلح، ومن الأمثلة على ذلك قبائل أرحب([44]) التي كانت علاقتها ودية بالدولة القاسمية في عهد الإمام المتوكل القاسم بن الحسين، ولكنها قامت بحركة عصيان وعاثت في صنعاء فسادًا ؛ فجرى قتال شديد بينها وبين قوات الإمام المتوكل القاسم بن الحسين التي تمكنت من هزيمتها وإجلائها من العاصمة في عام 1138هـ/1726م([45])، لكن تلك القبيلة استنصرت بقبائل حاشد وبكيل، التي حاصرت صنعاء في عام 1139هـ/1727م، ولم يفك الحصار عن صنعاء إلا بعد أن دُفعت لتلك القبائل الأموال([46]).
5⃣
مكانة #العلماء بالدولة #القاسمية في اليمن
أ.د #عيضة_الجهني

وهذه السياسات والأساليب التي انتهجها الأئمة لبسط سيطرتهم على القبائل وضمان عدم الخروج عليهم لم تكن حلًا ناجعًا لمنع التمرد، فقد وُجدت أسباب دفعت هذه القبائل إلى التمرد على طاعة الأئمة والخروج عليهم باستمرار، بعض هذه الأسباب ترجع أساسًا إلى طبيعة النظام السياسي والاجتماعي لهذه القبائل التي كانت تتميز بقوة روابط الدم والقرابة، فضلًا عن استقلالها الذاتي، ورفض الخضوع لسلطة الدولة المركزية ونظمها الإدارية، والقانونية؛ الأمر الذي جعل هذه القبائل مجتمعات سياسية مستقلة نوعًا ما، ولها حدودها ومراعيها المعروفة، وتنظيمها السياسي والاجتماعي، وهو ما وفر لها شرعية شعبية([57]).
إن محاولات الأئمة الدائمة إخضاع القبائل وإدخالها تحت سلطتهم بالقوة، فضلًا عن حصول فترات الجفاف والقحط، كانت سببًا لنشوب الحروب والمعارك بين السلطة المركزية والقبائل، وكثيرًا ما كانت المدن الكبيرة في المناطق الوسطى والجنوبية عرضة لهجمات القبائل وحصارها([58])، وكذلك كانت الخلافات القبلية والتنافس سببًا لعدم الاستقرار في البلاد حتى بات ظاهرة مهمة لكل الصراعات اللاحقة بين تلك القبائل([59])، مما أثر على الأوضاع الاقتصادية والأمنية في الدولة القاسمية.
ومن الأمور الملاحظة في تاريخ الدولة القاسمية أن سلطتها السياسية استندت إلى العلماء والزعامات القبلية بوصفهما عنصرين أساسين في تركيبتها البنيوية السياسية؛ وعقدت معهما تحالفًا قائمًا على تبادل المصالح؛ يضمن لكل الأطراف تحقيق المصالح السياسية والدينية والاقتصادية الخاصة. ومن غير المستبعد وجود صراع قوي داخل ذلك التحالف خاصةً بين الزعامات القبلية التي تعدُّ القوة العسكرية للسلطة السياسية، وبين العلماء الذين يعدون القوة الإيديولوجية لذات السلطة؛ لكن الذي يظهر أن العلماء لم يكونوا ليسمحوا للزعامات القبلية مشاركتهم في نفوذهم وسيطرتهم على الدولة والمجتمع؛ لأنهم يستمدون قوتهم من المكانة المرموقة والشعبية الكبيرة داخل المجتمع وبين العامة، خاصة في المناطق الحضرية، كصنعاء؛ لأن سكان تلك المناطق ينظرون إلى تلك القبائل نظرة عدائية بسبب اعتداءاتها المتكررة على مناطقهم؛ ومن المحتمل أن يكون هذا الأمر هو ما دفع بعض الأئمة إلى تشكيل فرق عسكرية نظامية من المماليك الأحباش، بهدف التقليل من الاعتماد على القبائل في بعض العمليات والتحركات العسكرية التي يلجؤون إليها من حين لآخر ضد خصومهم، لكن ذلك لم يلغِ دور زعماء القبائل الذين هم عنصر مهم في مكونات التركيبة البنيوية السياسية للدولة القاسمية.
6⃣
مكانة #العلماء بالدولة #القاسمية في #اليمن
أ.د #عيضة_الجهني

لقد أسهم بعض المماليك الأحباش في تأجيج صراع القوى الذي كان يظهر داخل تركيبة السلطة السياسية في الدولة القاسمية بين الفينة والأخرى، فكانوا يدعمون قوىً على حساب قوىً أخرى وفقًا لمصالحهم، يضاف إلى ذلك أن العامل المذهبي قد أثّر على مواقفهم؛ ولذا نجد أن بعضهم كان يتعصب للمذهب الزيدي الهادوي تعصبًا شديدًا، فتراهم يميلون إلى ذاك الأمير أو الوزير على قدر تمسكه بأصول المذهب الزيدي الهادوي، ومن أبرز هؤلاء المماليك سندروس الحبشي، وضرغام الحبشي، فقد عُرِف عن الاثنين المغالاة في التشيع([72])، كما انتسب بعضهم إلى أهل العلم، مثل: الفقيه رزق بن سعدالله الصنعاني([73])، الذي كان يميل إلى التيار الزيدي المتشدد([74]) متأثرًا بآراء شيوخه الذين درس عليهم([75]). وفي المقابل نجد بعض المماليك قد مالوا نحو التيار الزيدي المعتدل([76])، ومن أمثلة هؤلاء: النقيب سلطان الحبشي المسؤول عن دار الأدب في صنعاء، وقد أدى هذا القرب من السلطة السياسية إلى انخراط هؤلاء المماليك في الصراع الذي ظهر بين التيارات الفكرية داخل الدولة القاسمية، وبرز التنافس بينهم، وبين السادة العلويين والزعامات القبيلة، على قيادة العمليات العسكرية والقتالية التي كانت تقوم بها الدولة القاسمية ضد أعدائها.
لقد ساعدت التركيبة البنيوية السياسية للدولة القاسمية على رسم ملامح شرائح المجتمع فيها، وفرزها على النحو الآتي: أسرة حاكمة، تتمثل في الإمام وأبنائه وإخوته وأبناء عمومته؛ وهم في الطبقة الأولى، ثم الأعيان من السادة العلويين والعلماء وزعماء القبائل، فضلًا عن قادة الجيش من أبناء الريف والأمراء المماليك؛ وهؤلاء كانوا في الطبقة الثانية، وهؤلاء يمكن تسميتهم بالخاصة أو أهل الحل والعقد. أما الطبقة الثالثة فهم الرعية أو العامة، والتي تكونت من أبناء القبائل –وهم الغالبية- وأبناء المدن والأرياف، وقليل من اليهود الذين تعود جذورهم في اليمن إلى ما قبل الإسلام، وتجار من طائفة البانيان([77]) وجماعات من الأحباش، الذين شكلوا مجموعات تعمل في مجال الإنتاج والتجارة وبعض المهن، وهي فئة مرتبطة بالجماعات السياسية المحلية([78])، وقد أشار أحد المفكرين اليمنيين المتأخرين إلى أن الدولة القاسمية كانت تستند استنادًا واضحًا إلى نهج سياسي قام على التعددية المذهبية والجهوية والعشائرية حتى تضمن بقاءها واستمرارها في الوجود([79])، ويظهر أن هذا النهج السياسي في الحقيقة قائم على مبدأ فرق تسد من أجل المحافظة على سلطتها ومصالحها.
ثانيا/العوامل التي ساعدت على بروز مكانة العلماء في البنية السياسية بالدولة القاسمية:
ظهرت عدة عوامل ساعدت على بروز مكانة العلماء في البنية السياسية بالدولة القاسمية، ومكنتهم من المشاركة في إدارة البلاد والإسهام في صنع بعض القرارات، وأبرز تلك العوامل:
7⃣
مكانة #العلماء بالدولة #القاسمية في #اليمن
أ.د #عيضة_الجهني

- المكانة الدينية والعلمية والاجتماعية للعلماء في الدولة والمجتمع:
تمتع بعض العلماء -ممن نالوا قدرًا كبيرًا من العلم- خاصةً الذين وصلوا إلى مرحلة الاجتهاد-بمكانة دينية وعلمية داخل طبقة العلماء، وأصبحت لآرائهم وأفكارهم التي يطرحونها صدىً لدى الخاصة والعامة، فضلًا عن غزارة نتاجهم العلمي والفكري، وبالتحديد علماء الزيدية الذين كان لهم القدح المعلّى؛ لكون المذهب الزيدي هو المذهب الرسمي للدولة القاسمية، وبسبب ذلك كان تأثيرهم الروحي والعقدي كبيرًا؛ فضلًا عن أن الدين الإسلامي رفع من قدر العلم وأهله وهو ما منح طبقة العلماء مكانة مرموقة داخل بنية الدولة القاسمية.
وتركزت مهمة العلماء على تحقيق سلامة عقيدة الناس، والحرص على تصحيح الخلل في تلك العقيدة إن وجد، وتوجيه الناس لكل ما يمسُّ الأعمال التعبدية كالصلاة والزكاة والصيام، تحقيقًا لأهداف سامية كإقامة الشعائر الإسلامية والمحافظة على الدين القيم والعقيدة. وكان العلماء يرون أنفسهم من أصحاب الحل والعقد؛ وهذا أمر ترسخ لديهم بسبب رسوخ تلك المقولة في عقول الناس اعتمادًا على ما كان سائدًا في الموروث الفقهي الإسلامي، وتقريب السلطة لهم، فهم يعدون أنفسهم أيضًا وسطاء بين الحاكم والرعية؛ لأن الإجراءات الرسمية (البروتوكولات) كانت سببًا في عزل الحاكم عن الرعية([90]).
إن تركيز العلماء على مركزية علوم الشريعة قد مكَّنهم من تحقيق النجاح والسيطرة على جميع مجالات المعرفة لاسيما العلوم المرتبطة بها، مثل علوم اللغة العربية والشعر والأدب والتاريخ والجغرافيا والفلك وغيرها من العلوم، كما نجحوا في السيطرة على المدارس وحلقات العلم في المساجد على حساب السلطة السياسية التي كانت معظم المدارس وحلقات العلم في المساجد خارج نفوذها وتأثيرها.
وأدرك أئمة الدولة القاسمية مكانة العلماء الدينية والعلمية ودورهم، فعملوا على إجلالهم وتقديرهم وتقريبهم، ومن أولئك الأئمة الإمام المهدي العباس (1161-1189هـ/1748-1775م) الذي كان يميل إلى أهل العلم، ويحب مجالسة العلماء، ويتقرب منهم، وكان يرى الفضل لأهل العلم على الإطلاق([91])، وكان مشتغلًا بالعلم بعد توليه الإمامة اشتغالًا كبيرًا من خلال الاطلاع على الكتب والقراءة على عدد من العلماء لاسيما في علم الحديث، ومن أبرز هؤلاء العلماء الذين حرص على تقريبهم ومجالستهم العلامة السيد عبدالله بن لطف الباري الكبسي([92])، الذي كان مقبول الكلمة عنده، ولا ترد لهُ شفاعة، وهو ممن اشتهر عند الناس بالإرشاد إلى الخير([93]). وكان للعالم علي بن أحمد الذماري([94])، جاه عظيم عند الإمام المهدي العباس وأرباب دولته، كذلك كان العالم السيد الحسن بن زيد الشامي([95])، مقبول الكلمة عند الإمام المهدي العباس، وعند وزيره أحمد بن علي النهمي، في القضايا التي تخص الفقراء والمحتاجين من عامة الناس، ومن نصحه لهما أنه كان يدعوهما إلى الرفق بالرعية ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر([96])، كما كان العلامة السيد إبراهيم بن محمد بن الأمير، يزور الإمام المهدي العباس ويعظه، فيقبل منه، وبلغ الأمر أن الإمام المهدي العباس بات لا يحتجب عنه، ويرغب في مجالسته والاستماع إليه([97]).
8⃣
مكانة #العلماء بالدولة #القاسمية في #اليمن
أ.د #عيضة_الجهني

ومن المهام التي عني بها العلماء الإصلاح بين الناس عند تنازعهم وتخاصمهم، وهذا الأمر ترك أثرًا إيجابيًا على علاقتهم بالمجتمع، ولم يكن الإصلاح مقتصرًا على العامة بل كان لهم دور في الإصلاح بين أفراد الأسرة الحاكمة وبين السادة العلويين والأعيان، ومنها مصالحة الإمام المتوكل القاسم بن الحسين بعد خروج بعض أمراء الأسرة القاسمية على سلطته من أبرزهم العلامة محمد بن إسحاق، لكنه تمكن من تسوية أموره معه بدون قتال، بعد وساطة بعض أفراد الأسرة القاسمية والعلماء([107]).
كذلك تدخل العلماء في حل الخلافات التي كانت تنشب بين الفينة والأخرى بين الإمام المنصور حسين وأخيه أحمد بن المتوكل القاسم حاكم تعز، وهو ما ساعده على الاستمرار في الحكم حتى وفاته في عام 1161هـ/1748م([108])،كما تدخل العلماء للمصالحة بين الإمام المهدي عبدالله وبين قبائل بكيل والقبائل المتحالفة معها في عام 1233هـ/1818م بعد حصارها لمدينة صنعاء([109]).
وكان للعلماء دور في إصلاح العادات والأخلاق الاجتماعية وتهذيبها عن طريق المخالطة والوعظ والتأديب والتربية، فضلًا عن وقوفهم إلى جانب الضعفاء والمساكين عند أصحاب النفوذ؛ لأنهم كانوا يشعرون بالمسؤولية نحو فئات المجتمع كلها، وهذه المهام التي كان العلماء يؤدُّنها جعلت لهم أثرًا كبيرًا عند العامة والخاصة؛ لأن ما يفعلون أسهم في التصحيح والنقد لحركة المجتمع وإصلاح أحواله. وهناك عدد من العلماء الذين اشتهروا بمواساة الفقراء من عامة الناس ومخالطتهم والجلوس إليهم والإصلاح بينهم، منهم العلامة السيد محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، والعالم الحسن بن علي حنش([110])، والعلامة السيد محمد بن هاشم الشامي([111])، والعلامة هادي بن حسين الصنعاني([112])، والعلامة السيد إبراهيم بن محمد بن إسحاق([113]).
 كذلك اشتهر العلامة السيد إبراهيم بن محمد الأمير([114])، بمجالسة العامة والاختلاط بهم، وتعليمهم أمور دينهم، ومثله العالم الفقيه أحمد بن محمد الحرازي([115])، الذي اعتمد الناس عليه في الفتوى، وقصدوه لحلِّ المشكلات من كل مكان، وانتفعوا به في قضاء حوائجهم([116]).
3- التحاق العلماء بالعمل في وظائف الدولة الرسمية:
أتاحت المكانة الدينية والعلمية والاجتماعية التي حظي بها العلماء في عهد الدولة القاسمية لهم تقلد مناصب رسمية والعمل داخل مؤسسة الحكم، والالتحاق بعدد من الوظائف الإدارية المهمة، مثل: الوزارة، والقضاء، والولاية، والشؤون الخاصة (الحجابة)، والشؤون المالية (الخزانة)، فضلًا عن أن السلطة السياسية كلفتهم ببعض المهام، فعملوا وسطاء ومفاوضين ومبعوثين. وأشارت المصادر التاريخية إلى أن أئمة الدولة القاسمية كانوا أيضًا يُعينون بعض العلماء قضاة يأخذون أجورهم من المتخاصمين([117]).
9⃣
مكانة #العلماء بالدولة #القاسمية في #اليمن
أ.د #عيضة_الجهني

إن نظرة السلطة إلى العلماء كانت متفاوتة؛ وسبب ذلك راجع إلى مكانة العالم الاجتماعية، فإن كان ينتسب إلى طبقة السادة العلويين، فإن السلطة السياسية في صنعاء تنظر إليه منافسًا؛ لاسيما إذا ظهر منه ما يدل على سخطه على الدولة أو نادى بإسقاطها، أما إن كان لا ينتمي إلى هذه الطبقة فإنها تنظر إليه حليفًا يساعدها في المحافظة على سلطتها ونفوذها، واللافت هنا أن بعض العلماء كانوا يتوارثون المناصب الرسمية وخاصةً في القضاء خلفًا لآبائهم؛ وهذا دليل على ولاء هؤلاء العلماء وأسرهم للدولة القاسمية، وهو مؤشر أيضًا على رضا الدولة عنهم، ومن هذه الأسر، أسرة السحولي، والصديق، والجلال، ومشحم.
ويلاحظ أن هناك قسمًا من العلماء الذين كانوا خارج التركيبة البنيوية السياسية للدولة القاسمية، قد شكلوا عنصرًا مهمًا من عناصر المعارضة، فصاروا جماعة ضغط على السلطة السياسية، فمثلًا كان العلامة السيد الحسن بن زيد الشامي يحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان كثير الاتصال بالسلطة السياسية لمناصحتها، والسعي لديها من أجل معاونة الفقراء من عامة الناس([128])، وسار على نهجه العالم أحمد بن عامر الحدائي([129])؛ إذ كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، إلا أنه اعتزل الاتصال بالسلطة السياسية، وقد أثر عنه أنه كان يغضب من السلطة إذا بلغه ما يخالف الشرع من ممارساتها ضد الرعية([130])؛ وكان العلامة الفقيه سعيد بن إسماعيل الرشيدي([131])، كثير السعاية عند الأمراء والوزراء في إغاثة المحتاجين والفقراء، ويوجه النقد إلى عمال الدولة على مرأى ومسمع من الناس([132])، وكان العالم لطف الباري بن أحمد الثلائي([133])، يزور الإمام المهدي العباس مرة كل شهر للمناصحة، واستمر على هذه الطريقة مع ابنه الإمام المنصور علي([134]).
وتشير المصادر التاريخية إلى أن العلامة السيد إبراهيم بن محمد الأمير ناصح الإمام المنصور علي، عندما زار الإمام في داره ببئر العزب، وأنكر عليه التوسع في البنيان وعمارة القصور وأشياء أخرى، إلا أن الإمام على ما يبدو لم يستجب لتلك المناصحة. ولما كان العلامة إبراهيم الأمير غير راضٍ عن ممارسات السلطة السياسية، غادر صنعاء عام 1194هـ/1780م، متوجهًا إلى مكة المكرمة، وفي رحلته مرَّ بالحديدة، فصادف يوم وصوله يوم الجمعة، فصعد منبر جامع الحديدة وخطب، وذكر للناس انتكاس الزمان وتغير أمر السلطان([135])، وهذا يدل على أهمية مكانة العلماء السياسية في الدولة القاسمية.
لقد أسهمت النهضة العلمية في اليمن خلال القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، والمكانة الدينية والعلمية والاجتماعية للعلماء في الدولة والمجتمع، فضلًا عن التحاقهم بالعمل في وظائف الدولة الرسمية، وكذلك تحول الإمامة إلى سلطة وراثية وحكم أسري منذ نهاية القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، في بروز مكانةً سياسيةً مهمةً لهم في البنية السياسية بالدولة القاسمية، وهو ما مكنهم من المشاركة في الأحداث السياسية التي شهدها اليمن خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين (السابع عشر والثامن عشر الميلاديين) خاصةً مع تشكل تيارات فكرية سياسية بين العلماء وقفت من قضايا الإمامة واستحقاقها مواقف مختلفة، ومن هذه التيارات التيار الزيدي المتشدد، والتيار الزيدي المعتدل، فما كان من أئمة الدولة القاسمية إلا أن اختاروا التحالف مع علماء التيار الزيدي المعتدل، لأنهم وجدوا أطروحاتهم السياسية تحافظ على سلطتهم ومصالحهم، فقربوهم ومنحوهم المناصب الدينية، كالقضاء والإفتاء والإشراف على الأوقاف والمناصب الإدارية كالوزارات وولايات الأقاليم والحجابة، والمناصب المالية كالخزانة والجبايات، واكتفى الأئمة بإدارة السياسة العليا للدولة وتعيين أولئك العلماء وغيرهم في مناصبهم.