فشل رحلة الضابط الانجليزي " #مونتغمري " إلى #يافع سنة 1933م
=
كتب هارولد إنجرامز"لا يكاد يوجد مكان مهم في المحمية مهما بعدت مسافته عن عدن إلاَّ ويمكن الوصول إليه في غضون ساعات قلائل، وقد أحسنت القوات الملكية عملاً بإقامة اتصال وعلاقة صداقة بينها وبين القبائل النائية.وعلينا أن لا ننسى ضابطاً آخر من ضباط سلاح الاستخبارات الجوية هو الملازم طيار مونتجمري Montgomary الذي ترحل في بلاد يافع سيراً على الأقدام"(1). لكن انجرامز بعد فشل تلك الرحلة اكتفى بالقول: "أنه لا يمكن القول أن سكان جبال يافع يبدون حماساً في الترحيب بالأجانب؛ وليس بالإمكان الجزم برأي في هذا الشأن فيما يخص العوالق؛ غير أن العواذل وأهل بيحان – الذين تتم زيارتهم أساساً بواسطة الطيران – ودودون".(مجلة اليمن، ص214). أما ما لم يفصح عنه إنجرامز فهو أن ضابط الاستخبارات الجوية مونتغمري الذي وصل سراً إلى يافع- الضبي، ليستطلع المنطقة ويقوم بمسح ميداني لها ولحدودها على الواقع، قبيل تسوية الحدود مع الإمام يحيى، قد قوبل بطريقة لم يكن يتوقعها، كانت مفاجأة غير سارة له، حيث أَطلق رجال القبائل الأحرار رصاصات بنادقهم من أكثر من موقع إلى مكان إقامته، ولم يكمل رحلته كما خُطط لها وعاد خائباً من حيث أتى.
ونذكر للتاريخ أن مهندس خطة إفشال زيارة مونتغمري هو الشيخ الشاب أحمد أبوبكر النقيب الذي لم يكمل حينها العقد الثالث من عمره، فقد علم مسبقاً بهذه الزيارة عندما طلب المعتمد البريطاني من مشايخ يافع، أو بمعنى أدق أمرهم بأن يتعاونوا مع ضابط سلاح الجو البريطاني "مونتغمري" الذي سيزور يافع، وحذرهم بأن من يعترض على هذه الزيارة سيعاقب، فوافقوا جميعاً بمن فيهم والده الشيخ أبوبكر علي عسكر خوفاً مما قد يترتب على الاعتراض أو الممانعة من عواقب وخيمة. وقد وصل مونتغمري في يوليو 1933م إلى يافع عن طريق الضالع وحالمين حتى وصل إلى سيلة حطيب فنزل ضيفاً على الشيخ موسى عبدالله بن عتيق شيخ ناصفة القعيطي، وبدوره أوصله إلى "ذِيْصُرَاء" إلى دار مضيفه الشيخ سالم صالح بن عاطف جابر، شيخ مكتب الضبي. وكان مقرراً أن يصل إلى الموسطة في اليوم الثاني في ضيافة الشيخ أبوبكر بن علي عسكر النقيب. ولكن لم يكتب لزيارته للموسطة وبقية المناطق النجاح، فقد حصل ما أعاقه عن استكمال مشوار رحلته والعودة خائباً. فقد كان الشيخ الشاب أحمد أبوبكر ومنذ اللحظة الأولى غير موافق على هذه الزيارة وأخذته الغيرة والحمية، لكنه لم يكن قادراً على الإفصاح عن ذلك، حتى لا يبدو معترضاً على والده وبقية المشايخ، فتدبر خطة يستطيع بموجبها أن يمنع الضابط السياسي من إكمال رحلته إلى الموسطة، فقام بجولة سريعة في عدد من قرى الموسطة وجمع معه قرابة خمسين شخصاً مع أسلحتهم، دون علم والده، وتوجه بهذه المجموعة إلى سوق الربوع (الأربعاء) الذي كان في نفس موقع (سوق 14 أكتوبر حالياً)، ومنه أخذت مجوعته في إطلاق النيران بكثافة إلى دار الشيخ سالم صالح بن عاطف جابر، فاستغرب الضابط السياسي للأمر وسأل الشيخ سالم عما يحدث؟ فأجابه أن النقيب والموسطة يرحبون بك، ونصيحتي أن ترجع من حيث أتيت. يقول المناضل محمد صالح المصلي(1): "وحينما علم السلطان محمد بن صالح هرهرة بقدومه (أي مونتغمري) تأهب للخروج لزيارته ومقابلته في ذيصراء إلاَّ أن السلطان فضل بن محمد صالح بن أحمد هرهرة ومجاميعه باشروه بضرب الرصاص لمنعه من مقابلة مونتجمري تعبيراً عن رفضهم لزيارته، وأدّى ذلك فيما بعد إلى اشتعال حرب بين مكتب الضُبَيْ ومكتب الموسطه وخرج على إثرها السلطان محمد بن صالح(3) من منطقة المَحْجَبَةْ "إلى النَّجْرَةْ ثم إلى الحد وأقام في حِلْيَنْ مُنذ ذلك الحين".
وهكذا غادر ضابط الاستخبارات خائباً في نفس الطريق التي جاء منها، وفور وصوله إلى الضالع أبلغ حكومته بما حدث له من إطلاق النيران على مكان إقامته، دون مراعاة للمعاهدات التي وقعتها بريطانيا مع مشيخة الموسطة وغيرها، ظناً منه أن تلك المعاهدات تكفل له حرية التنقل والحركة في يافع دون مضايقة وبكل مودة واحترام حيثما رحل ومتى شاء، كما تقضي نصوص هذه المعاهدات. أما أن يُقابل بالرصاص ويُرغم على العودة من حيث أتى فهو ما لم يكن بالحسبان. ويبدو أن بريطانيا لم تتعظ من الخروقات المماثلة التي حدثت أكثر من مرة منذ التوقيع على تلك المعاهدات التي لم تكن بالنسبة لقبائل يافع الأحرار أكثر من حبر على ورق. وعلى إثر تلك الحادثة منعت الإدارة البريطانية آل النقيب وقبائل الموسطة من دخول عدن، واستمر سريان هذا المنع لمدة عامين.
هوامش:
-----
(1) مجلة "اليمن"، العدد (24)، نوفمبر 2006، ص206.
(2) انظر: ذكريات المناضل محمد صالح المصلي، ضمن كتاب "وثائق ندوة الثورة اليمنية، الانطلاقة التطور آفاق المستقبل" الجزء الثاني.صادر عن التوجيه المعنوي، شعبة البحوث والدراسات. ص 43.
(3) كان السلطان هو صالح بن عمر ولكن كان نجله محمد بن صالح ينوبه حينها.
=
كتب هارولد إنجرامز"لا يكاد يوجد مكان مهم في المحمية مهما بعدت مسافته عن عدن إلاَّ ويمكن الوصول إليه في غضون ساعات قلائل، وقد أحسنت القوات الملكية عملاً بإقامة اتصال وعلاقة صداقة بينها وبين القبائل النائية.وعلينا أن لا ننسى ضابطاً آخر من ضباط سلاح الاستخبارات الجوية هو الملازم طيار مونتجمري Montgomary الذي ترحل في بلاد يافع سيراً على الأقدام"(1). لكن انجرامز بعد فشل تلك الرحلة اكتفى بالقول: "أنه لا يمكن القول أن سكان جبال يافع يبدون حماساً في الترحيب بالأجانب؛ وليس بالإمكان الجزم برأي في هذا الشأن فيما يخص العوالق؛ غير أن العواذل وأهل بيحان – الذين تتم زيارتهم أساساً بواسطة الطيران – ودودون".(مجلة اليمن، ص214). أما ما لم يفصح عنه إنجرامز فهو أن ضابط الاستخبارات الجوية مونتغمري الذي وصل سراً إلى يافع- الضبي، ليستطلع المنطقة ويقوم بمسح ميداني لها ولحدودها على الواقع، قبيل تسوية الحدود مع الإمام يحيى، قد قوبل بطريقة لم يكن يتوقعها، كانت مفاجأة غير سارة له، حيث أَطلق رجال القبائل الأحرار رصاصات بنادقهم من أكثر من موقع إلى مكان إقامته، ولم يكمل رحلته كما خُطط لها وعاد خائباً من حيث أتى.
ونذكر للتاريخ أن مهندس خطة إفشال زيارة مونتغمري هو الشيخ الشاب أحمد أبوبكر النقيب الذي لم يكمل حينها العقد الثالث من عمره، فقد علم مسبقاً بهذه الزيارة عندما طلب المعتمد البريطاني من مشايخ يافع، أو بمعنى أدق أمرهم بأن يتعاونوا مع ضابط سلاح الجو البريطاني "مونتغمري" الذي سيزور يافع، وحذرهم بأن من يعترض على هذه الزيارة سيعاقب، فوافقوا جميعاً بمن فيهم والده الشيخ أبوبكر علي عسكر خوفاً مما قد يترتب على الاعتراض أو الممانعة من عواقب وخيمة. وقد وصل مونتغمري في يوليو 1933م إلى يافع عن طريق الضالع وحالمين حتى وصل إلى سيلة حطيب فنزل ضيفاً على الشيخ موسى عبدالله بن عتيق شيخ ناصفة القعيطي، وبدوره أوصله إلى "ذِيْصُرَاء" إلى دار مضيفه الشيخ سالم صالح بن عاطف جابر، شيخ مكتب الضبي. وكان مقرراً أن يصل إلى الموسطة في اليوم الثاني في ضيافة الشيخ أبوبكر بن علي عسكر النقيب. ولكن لم يكتب لزيارته للموسطة وبقية المناطق النجاح، فقد حصل ما أعاقه عن استكمال مشوار رحلته والعودة خائباً. فقد كان الشيخ الشاب أحمد أبوبكر ومنذ اللحظة الأولى غير موافق على هذه الزيارة وأخذته الغيرة والحمية، لكنه لم يكن قادراً على الإفصاح عن ذلك، حتى لا يبدو معترضاً على والده وبقية المشايخ، فتدبر خطة يستطيع بموجبها أن يمنع الضابط السياسي من إكمال رحلته إلى الموسطة، فقام بجولة سريعة في عدد من قرى الموسطة وجمع معه قرابة خمسين شخصاً مع أسلحتهم، دون علم والده، وتوجه بهذه المجموعة إلى سوق الربوع (الأربعاء) الذي كان في نفس موقع (سوق 14 أكتوبر حالياً)، ومنه أخذت مجوعته في إطلاق النيران بكثافة إلى دار الشيخ سالم صالح بن عاطف جابر، فاستغرب الضابط السياسي للأمر وسأل الشيخ سالم عما يحدث؟ فأجابه أن النقيب والموسطة يرحبون بك، ونصيحتي أن ترجع من حيث أتيت. يقول المناضل محمد صالح المصلي(1): "وحينما علم السلطان محمد بن صالح هرهرة بقدومه (أي مونتغمري) تأهب للخروج لزيارته ومقابلته في ذيصراء إلاَّ أن السلطان فضل بن محمد صالح بن أحمد هرهرة ومجاميعه باشروه بضرب الرصاص لمنعه من مقابلة مونتجمري تعبيراً عن رفضهم لزيارته، وأدّى ذلك فيما بعد إلى اشتعال حرب بين مكتب الضُبَيْ ومكتب الموسطه وخرج على إثرها السلطان محمد بن صالح(3) من منطقة المَحْجَبَةْ "إلى النَّجْرَةْ ثم إلى الحد وأقام في حِلْيَنْ مُنذ ذلك الحين".
وهكذا غادر ضابط الاستخبارات خائباً في نفس الطريق التي جاء منها، وفور وصوله إلى الضالع أبلغ حكومته بما حدث له من إطلاق النيران على مكان إقامته، دون مراعاة للمعاهدات التي وقعتها بريطانيا مع مشيخة الموسطة وغيرها، ظناً منه أن تلك المعاهدات تكفل له حرية التنقل والحركة في يافع دون مضايقة وبكل مودة واحترام حيثما رحل ومتى شاء، كما تقضي نصوص هذه المعاهدات. أما أن يُقابل بالرصاص ويُرغم على العودة من حيث أتى فهو ما لم يكن بالحسبان. ويبدو أن بريطانيا لم تتعظ من الخروقات المماثلة التي حدثت أكثر من مرة منذ التوقيع على تلك المعاهدات التي لم تكن بالنسبة لقبائل يافع الأحرار أكثر من حبر على ورق. وعلى إثر تلك الحادثة منعت الإدارة البريطانية آل النقيب وقبائل الموسطة من دخول عدن، واستمر سريان هذا المنع لمدة عامين.
هوامش:
-----
(1) مجلة "اليمن"، العدد (24)، نوفمبر 2006، ص206.
(2) انظر: ذكريات المناضل محمد صالح المصلي، ضمن كتاب "وثائق ندوة الثورة اليمنية، الانطلاقة التطور آفاق المستقبل" الجزء الثاني.صادر عن التوجيه المعنوي، شعبة البحوث والدراسات. ص 43.
(3) كان السلطان هو صالح بن عمر ولكن كان نجله محمد بن صالح ينوبه حينها.
القصف #البريطاني لدور #السنينة - #الجَهَاور ب #يافع_الموسطة 1933م
-------
بعد فشل مهمة ضباط سلاح الاستخبارات الجوية هو الملازم طيار " #مونتغمري" في استكشاف #يافع، الذي وصل إليها سراً ، فقوبل بطريقة لم يكن يتوقعها، كانت مفاجأة غير سارة له، حيث أَطلق رجال القبائل الأحرار رصاصات بنادقهم من أكثر من موقع إلى مكان إقامته، ولم يكمل رحلته كما خُطط لها وعاد خائباً من حيث دون أن يستطلع المنطقة ويقوم بمسح ميداني لها ولحدودها على الواقع، قبيل تسوية الحدود من قبل بريطانيا مع الإمام يحيى.
ثم لجأت بريطانيا إلى استكمال مسح حدود منطقة يافع جوياً، بواسطة طائراتها الحربية، لإتمام ما عجز عن تحقيقه "مونتغمري" على الأرض، وتعمدت في الوقت نفسه أن يكون تحليق طائراتها استفزازياً لإرهاب وتأديب القبائل التي أفشلت تلك الرحلة وقاومتها بالسلاح، وقد اجتمع مشايخ وأعيان الموسطة ووجهوا مذكرة كتابية لحكومة #عدن عبروا فيها عن استياء الأهالي وطالبوا بوقف هذه الطلعات الاستفزازية. لكن الإدارة البريطانية لم ترد على هذه المذكرة، بل تجاهلتها وكررَّت تحليق طائراتها فوق مناطقهم، وهو ما اعتبروه تهديداً لأمنهم وسكينتهم واعتداءً على قراهم، فاتخذوا قراراً بضرب هذه الطائرات. وحدث أن حلَّقت طائرة حربية تابعة لسلاح الجو البريطاني على ارتفاع منخفض فوق قرى يافع – الموسطة الآمنة، فأثارت الرعب والخوف في نفوس السكان، فقام عبدالله عبدالقوي الجهوري ومحسن حسين الجهوري بتصويب بنادقهما الشخصية وإطلاق الرصاص عليها، فتمكنا من إصابتها. فأثارت هذه الحادثة حفيظة القوات الاستعمارية وغضبها واعتبرتها سابقة خطيرة لابد من معاقبة مرتكبيها. فطلبت في البدء من السلطان #عيدروس بن محسن #العفيفي ونقباء الموسطة معاقبة من تصفهم بالمجرمين أو تسليمهم إليها، ولكن هذا الطلب لم يتحقق، لتعاطف الجميع معهم وتأييدهم في عملهم البطولي هذا. ولذلك لجأت القوات الاستعمارية إلى سياسة قصف القرى وترويع سكانها وتشريدهم، فبعد أن تعرفت على مساكن آل الجهوري، عبر استخباراتها، وزعت عبر طيرانها إنذاراً إلى مساكن الجهاور في (دار السنينة و #لَعْدَان) بتوقيع #شمبيون السكرتير السياسي بعدن، جاء فيه:" ومن حيث أن نُقباء الموسطة ورؤساء يافع الآخرين أُمِرُوا بمعاقبة الجانين ولكنهم إلى الآن لم يستطيعوا إجراء العقاب، مع أنه قد أعطي لهم وقتاً واسعاً للقيام بذلك. ومن حيث أن الجهاورة من طرق أخرى أظهروا عداوتهم لحكومة جلالة الملكة ولم يعطوا ترضية للجرائم الحاصلة منهم فإن سعادة والي عدن وقائد جيشها العام أمر بإلقاء القنابل من الطيارات على قرى الجهاورة التي هي دار السنينة ولعدان بصفة عقاب وسيبتدئ ضرب القنابل بعد ساعتين من شروق شمس يوم الأربعاء تاريخ 4 شعبان سنة 1352هـ الموافق 22 شهر نوفمبر 1933م ويستمر إلى أن يُعطى إعلاناً آخر". وفي نفس اليوم والشهر أرسلت الإدارة البريطانية أسراباً من الطائرات بلغ عددها 12 طائرة مقاتلة ونفذت على مدى ثلاثة أيام عشرات الغارات استهدفت قصف وتدمير قرى دار السنينة، لعدان، أعلى ضِيْك. فدمرت المنازل والحقت بها أضراراً بالغة، ونزح السكان إلى كهوف الجبال المحيطة والقرى الأخرى بحثاً عن الأمان. وبالتزامن مع القصف الجوي وزعت الطائرات منشورات في مناطق يافع تحذر وتنذر من تكرار مثل هذه الحادثة.
وقد قوبلت هذه الغارات ببسالة وصبر، وكان للدمار الذي الحقته أثر كبير في زيادة روح العداء للإنجليز، وقد صور الشاعر الشعبي المرحوم عبد الواحد بن ناصر عبد الله الرُّشيدي بألم ما حل بآل الجهوري وما لحق بقراهم من دمار وخراب، متسائلاً عن أولئك الخونة الذين دلوا الإنجليز أو كما يسميهم (الفرنج) متمنياً لو أن أعينهم تُصاب بالرمد أو أن يموتوا بـ"زَرْق عُود"، قال في قصيدته:
قال ابن ناصر لمه قلبي نهد
وخاطري بات بيجر النهود
عالجهوري ذي طرح بيته وشد
وأمسه عذلهم وهم جوف الحيود
من ذي شهد للفرنجي له رمد
واجعل له أصواب وألاّ زرق عود
خمسين طيار ذي ظلّه وكَدْ
دقه ديور الجهاور والعقود
لقد اختلط على الشاعر عدد الطائرات بسبب كثرة الغارات التي استمرت تباعاً على مدى ثلاثة أيام، ويتحسر الشاعر ومعه المواطنون في أنهم لا يملكون إلاَّ بنادقهم الشخصية وأياديهم، وليس بمقدورهم المساعدة في التصدي لهذه الغارات الوحشية، لكنه مع ذلك يدعو إلى عدم الذل أوالخضوع لإرادة المستعمر:
دار السنينه ولعدان ارتمد
يهوين عالجهوري قفل الأكود
كنا نساعد معه بندق ويد
حكم السماء ما حَدْ أقدر با يجود
واليوم يا الموسطه عا حد نشد
يا القبيله كل من قلبه حقود
وان قد حدا ذل ولا حد رقد
من بعد ذا الشيء يقع ليّ القيود
-------
بعد فشل مهمة ضباط سلاح الاستخبارات الجوية هو الملازم طيار " #مونتغمري" في استكشاف #يافع، الذي وصل إليها سراً ، فقوبل بطريقة لم يكن يتوقعها، كانت مفاجأة غير سارة له، حيث أَطلق رجال القبائل الأحرار رصاصات بنادقهم من أكثر من موقع إلى مكان إقامته، ولم يكمل رحلته كما خُطط لها وعاد خائباً من حيث دون أن يستطلع المنطقة ويقوم بمسح ميداني لها ولحدودها على الواقع، قبيل تسوية الحدود من قبل بريطانيا مع الإمام يحيى.
ثم لجأت بريطانيا إلى استكمال مسح حدود منطقة يافع جوياً، بواسطة طائراتها الحربية، لإتمام ما عجز عن تحقيقه "مونتغمري" على الأرض، وتعمدت في الوقت نفسه أن يكون تحليق طائراتها استفزازياً لإرهاب وتأديب القبائل التي أفشلت تلك الرحلة وقاومتها بالسلاح، وقد اجتمع مشايخ وأعيان الموسطة ووجهوا مذكرة كتابية لحكومة #عدن عبروا فيها عن استياء الأهالي وطالبوا بوقف هذه الطلعات الاستفزازية. لكن الإدارة البريطانية لم ترد على هذه المذكرة، بل تجاهلتها وكررَّت تحليق طائراتها فوق مناطقهم، وهو ما اعتبروه تهديداً لأمنهم وسكينتهم واعتداءً على قراهم، فاتخذوا قراراً بضرب هذه الطائرات. وحدث أن حلَّقت طائرة حربية تابعة لسلاح الجو البريطاني على ارتفاع منخفض فوق قرى يافع – الموسطة الآمنة، فأثارت الرعب والخوف في نفوس السكان، فقام عبدالله عبدالقوي الجهوري ومحسن حسين الجهوري بتصويب بنادقهما الشخصية وإطلاق الرصاص عليها، فتمكنا من إصابتها. فأثارت هذه الحادثة حفيظة القوات الاستعمارية وغضبها واعتبرتها سابقة خطيرة لابد من معاقبة مرتكبيها. فطلبت في البدء من السلطان #عيدروس بن محسن #العفيفي ونقباء الموسطة معاقبة من تصفهم بالمجرمين أو تسليمهم إليها، ولكن هذا الطلب لم يتحقق، لتعاطف الجميع معهم وتأييدهم في عملهم البطولي هذا. ولذلك لجأت القوات الاستعمارية إلى سياسة قصف القرى وترويع سكانها وتشريدهم، فبعد أن تعرفت على مساكن آل الجهوري، عبر استخباراتها، وزعت عبر طيرانها إنذاراً إلى مساكن الجهاور في (دار السنينة و #لَعْدَان) بتوقيع #شمبيون السكرتير السياسي بعدن، جاء فيه:" ومن حيث أن نُقباء الموسطة ورؤساء يافع الآخرين أُمِرُوا بمعاقبة الجانين ولكنهم إلى الآن لم يستطيعوا إجراء العقاب، مع أنه قد أعطي لهم وقتاً واسعاً للقيام بذلك. ومن حيث أن الجهاورة من طرق أخرى أظهروا عداوتهم لحكومة جلالة الملكة ولم يعطوا ترضية للجرائم الحاصلة منهم فإن سعادة والي عدن وقائد جيشها العام أمر بإلقاء القنابل من الطيارات على قرى الجهاورة التي هي دار السنينة ولعدان بصفة عقاب وسيبتدئ ضرب القنابل بعد ساعتين من شروق شمس يوم الأربعاء تاريخ 4 شعبان سنة 1352هـ الموافق 22 شهر نوفمبر 1933م ويستمر إلى أن يُعطى إعلاناً آخر". وفي نفس اليوم والشهر أرسلت الإدارة البريطانية أسراباً من الطائرات بلغ عددها 12 طائرة مقاتلة ونفذت على مدى ثلاثة أيام عشرات الغارات استهدفت قصف وتدمير قرى دار السنينة، لعدان، أعلى ضِيْك. فدمرت المنازل والحقت بها أضراراً بالغة، ونزح السكان إلى كهوف الجبال المحيطة والقرى الأخرى بحثاً عن الأمان. وبالتزامن مع القصف الجوي وزعت الطائرات منشورات في مناطق يافع تحذر وتنذر من تكرار مثل هذه الحادثة.
وقد قوبلت هذه الغارات ببسالة وصبر، وكان للدمار الذي الحقته أثر كبير في زيادة روح العداء للإنجليز، وقد صور الشاعر الشعبي المرحوم عبد الواحد بن ناصر عبد الله الرُّشيدي بألم ما حل بآل الجهوري وما لحق بقراهم من دمار وخراب، متسائلاً عن أولئك الخونة الذين دلوا الإنجليز أو كما يسميهم (الفرنج) متمنياً لو أن أعينهم تُصاب بالرمد أو أن يموتوا بـ"زَرْق عُود"، قال في قصيدته:
قال ابن ناصر لمه قلبي نهد
وخاطري بات بيجر النهود
عالجهوري ذي طرح بيته وشد
وأمسه عذلهم وهم جوف الحيود
من ذي شهد للفرنجي له رمد
واجعل له أصواب وألاّ زرق عود
خمسين طيار ذي ظلّه وكَدْ
دقه ديور الجهاور والعقود
لقد اختلط على الشاعر عدد الطائرات بسبب كثرة الغارات التي استمرت تباعاً على مدى ثلاثة أيام، ويتحسر الشاعر ومعه المواطنون في أنهم لا يملكون إلاَّ بنادقهم الشخصية وأياديهم، وليس بمقدورهم المساعدة في التصدي لهذه الغارات الوحشية، لكنه مع ذلك يدعو إلى عدم الذل أوالخضوع لإرادة المستعمر:
دار السنينه ولعدان ارتمد
يهوين عالجهوري قفل الأكود
كنا نساعد معه بندق ويد
حكم السماء ما حَدْ أقدر با يجود
واليوم يا الموسطه عا حد نشد
يا القبيله كل من قلبه حقود
وان قد حدا ذل ولا حد رقد
من بعد ذا الشيء يقع ليّ القيود