اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
(التليد من موروث #يافع الفريد)

#الدباغة_والخرازة
​العبَق التليد من دباغة الجلود والخِرازة .. أصالة هَوية وإبداع الأكَفّ اليافعية زمان

اعداد ؛ عبدالفتاح نصر #السنيدي
( الشتيت ابونصر #اليافعي )

​في فجاج #يافع الحاضنة للتاريخ، وبعزيمة الإنسان الساكن في أحضانها، لم تكن الحرف التقليدية مجرد وسيلة لسد الرمق، بل كانت ترنيمة يومية يمتزج فيها العرق بصلابة الطين وحاجة الوجود. ومن بين ثنايا ذلك التراث العريق، تبرز حرفتا "دباغة الجلود والخِرازة" كشاهدين حيّين على زمنٍ طوّع فيه الأجدادُ الطبيعةَ القاسية بصبرٍ جم، وحوّلوا خاماتها البسيطة إلى تحفٍ تُعاش وتُلبس.
​أولاً: الدباغة والخرازة لغةً واصطلاحاً:
​لُغـــةً: تدور مادة "دَبَغَ" في لسان العرب حول الإصلاح والتهذيب؛ فدباغة الجلد هي معالجته بما يمنع فتنته وتفسخه ويُكسبه ليونة وبقاءً. أما "الخِرازة"، فهي من "خَرَزَ"، أي خاطَ الجِلد ببعضه، فالخَرّاز هو صانع الأحذية ومُصلح الجلود ومُؤلّف شتاتها.
​اصطلاحاً: تُمثّل هاتان الحرفتان الركيزة الأساسية لـ "الصناعات الجلدية" القديمة، وهي التي اتخذت من جلود الماشية والأنعام خامتها الأولية والوحيدة، لتُحيلها عبر تضافر الدباغة والخرازة من إهابٍ خام لا نفع فيه، إلى أدوات متينة تُصاحب الإنسان في حِلّه وترحاله.
​ثانياً: البعد التاريخي.. والإرثٌ الممتد في عمق الزمن
​لم تكن الخرازة في #يافع وليدة الصدفة، بل هي امتدادٌ لإرثٍ حميري أوساني قتباني سبأي قديم. فالإنسان اليافعي منذ غابر الأزمان اعتمد على الثروة الحيوانية، ومع العزلة الجغرافية التي فرضتها التضاريس الجبلية الشاهقة، نشأت حاجة ملحة للاكتفاء الذاتي. غدت الدباغة علماً توارثته اسر معينة يسموا خرازين أجيال عقب أجيال؛ حيث استخدم الدباغون مواد طبيعية محلية متوفرة في بيئتهم الجبلية كـ " #القَرَظ" والإلقة ولحاء بعض الأشجار (العفص) ومياه الآبار النقية لتطهير الجلود وصباغتها، مما جعل الجلود اليافعية مشهورة بمقاومتها لعوامل الزمن وقسوة الطبيعة.

​ثالثاً: اهمية وفلسفة الحرفة.. ماذا تمثل للمجتمعات؟
​في المجتمعات القديمة، كانت الخرازة صمام الأمان للاقتصاد المنزلي والمعيشي؛ فبدون الخراز، لا يمكن حفظ حبوب الذرة الرفيعة والدخن والبر والشعير، ولا يمكن جلب الماء من الغيول البعيدة، ولا السير فوق الصخور الحادة ولا تسهلت لهم اعمال الحراثة في الارض بدون السيور والصرار والجلاعيب او حمل الاحجار بدون الفروة .
فكانت حرفةً "سيادية" بمفهوم ذلك العصر.
أما في عصرنا الحديث، فإن هذه الحرفة لم تعد مجرد أداة وظيفية، بل تحولت إلى رمزٍ للهوية الثقافية، وأيقونة تُذكر الأجيال الحالية بجذورها وبأن أجدادهم كانوا صناعاً منتجين، يملكون عقولاً هندسية قادرة على الابتكار بأبسط الأدوات.

​رابعاً: الودات المصنوعة من الجلود واسمائها في معجم الإبداع اليافعي.. اي فئات المنتجات الجلدية:
​تنوعت عبقرية الخراز اليافعي لتغطي كافة مناحي الحياة اليومية، ويمكن تصنيف هذه الإبداعات إلى فئات تبرز دقة الصنعة:
​1. أدوات الخزن والادخار (حفظ القوت)
​كانت الحاجة لحفظ الحبوب والمواد الغذائية من الرطوبة والآفات ملحة، فصنع الخراز:
​خزن الحبوب الكبيرة والصغيرة:
جلود مدبوغة بعناية فائقة تُقفل بإحكام لحفظ حبوب البُر والذرة، وتمنع تسرب السوس إليها لشهور طويلة ويبرز هنا
" #العطل" الجلدي ذات السعة الكبيرة
و" #المسب" .
#البطة او ​#العُكك و #الظُرُوف: لحفظ السمن البلدي واللبن والعسل، حيث يضفي الجلد المدبوغ بالقرظ وقرون الشبه نكهة مميزة للمحتوى ويحميه من التلف.

​2. أدوات حمل الأمتعة والترحال
​لمواجهة الطرق الجبلية الوعرة، ابتكر الخراز أدوات مرنة تُحمل على الظهر أو الأكتاف:
#​المِسْب (أو #المسب اليافعي الشهير): وهو وعاء جلدي متين يُحمل على الظهر بنظام حبال جلدي ذكي، يُستخدم لنقل الأدوات، المحاصيل،
#مزابئ المواليد الصغار ابتي تغيهم من البرد وتحميهم من الزواحف أثناء عمل وامهاتهم .
#الغُفْرة والمِجْزَل: أكياس جلدية مخصصة لحمل الأغراض الشخصية الدقيقة والزاد أثناء السفر بين القرى والوديان.
#المجزل وهو اصغرهن لحمل العملات المالية وادوات مثل التنباك وغيرها .
#​الزمالة : #القِراب الجلدية الكبيرة التي تستخدم لنقل المتاع الثقيل.
​3. أدوات العمل، الكدّ، والزراعة
​في حقول الطين ومواقع البناء اليافعية، كان الجلد هو العصب المحرك للإنتاج:
​الصُّرّة و #الجلعاب والزُّمالة: أوعية جلدية مخصصة لنقل الأتربة، البذور، وحجارة البناء الصغيرة أثناء شق المدرجات أو تشييد الحصون ، و #الفروة بتقي الظهر اثناء حمل الاحجار .
​السيور والحبال واهمها #السرِة:
حبال جلدية مجدولة بقوة متناهية تُستخدم لرفع الدلى من الابار بالسنى والسرِة لربط الأحمال الثقيلة، او النزول بها في المنحدرات للوصول الى جباح عسل النوب في الضياح الشاهقة ،حيث تتميز هذه الحبال بأنها لا تنقطع تحت الضغط الشديد كالحبال النباتية.
وكذا #الحتر_والوتر في جر المحاريث وربط الثيران (الشغاف)،
4. وسائل نقل وحفظ المياة والسوائل من ​#الدَّلْو و #الغَرَب و #الخدنة و #المسقاة والمغرى او المأراة الى
#البطة : المصنوعات من جلد الماعز السميك ، سوى لنقل المياة على ظهور النساء او لرفع المياه من الآبار العميقة لري المحاصيل او المأراة والبطة لحمل ماء المسافر والراعي والمسقاة والبطة لحفظ الماء او العسل والسليط .
5. صناعات الملابس والأحذية القديمة
​وقاية للجسد من العري وقسوة تضاريس الأرض:
#​المعاطف الجلدية: سترات ثقيلة من جلد البقر المدبوغ بعناية لحماية الرعاة والمزارعين من صقيع جبال يافع القارس في ليالي الشتاء .
#المُسْتَرة: قطعة جلدية مميزة تلتف حول الخاصرة أو الصدر كدرع واقٍ وسترٍ للاطفال
والحواقة #الحقاوة الحواقة: سيور جلدية دقيقة ومجدولة تُستخدم كأحزمة للوسط لتثبيت الجنابي (الخناجر اليافعية) أو لشد الملابس أثناء الحركة..
​الأحذية اليافعية التليدة (النّعال): أحذية خُرزت يدوياً بمخارز حديدية، تتميز بنعالها السميكة المصنوعة من طبقات الجلد المقوى، قادرة على قهر الصخور الصوّانية الحادة.

6. أدوات الدفء والوقاية (الفراش والغطاء) التي سبق وافردنا لها حلقة خاصة ومنها
#​البِجَاد والخِطّة والفريقة : المنسوجة والمبطنة بجلود الأغنام وصوفها الوثير، والتي كانت بمثابة الفراش واللحاف الذي لا يخلو منه حصن يافعي، لتوفر الدفء المطلق في مواسم البرد الشديد.
7. وسائل للكتابة حيث كانت الجلود قبل ظهور الاوراق هي المستخدمة كاوراق للكتابة وما زالت توجد وثائق في عند عائلات يافعية مكتوبة على جلود #الغزلان .
8. في الاغراض الطبية مثل جبائر الكسور .
9. الآلات الموسيقية والإيقاعية (صوت الفرح والزامل)
​لم تغب الجلود عن أفراح يافع ومغازيها؛ فصوت الطبل هو نبض القبيلة:
​الطبل والطار (الدف): حيث تُشد جلود الشياه الرقيقة بعد دباغتها وتنحيفها على إطارات خشبية دائرية أو أسطوانية، لتُعطي الرنين القوي الذي يتردد صداه في شعاب يافع أثناء "الزامل" وفي رقصات البرع اليافعي المهيب.
#​القنبوس (الطرب اليافعي القديم): آلة وترية مغطاة بالجلد المدبوغ الخفيف الذي يمنح النغم عمقاً وشجناً خاصاً.
10. ادوات ووسائل للحرب والصيد مثل سيور الاقواس كنانة الرماح وواغلفة للجنابي والسيوف و #الوضف ( المقلاع ) لرمي الطيور وغيرها .

​خامساً: طريقة وادوات ووسائل الدباغ والخراز في التعامل مع الجلود
، أن الخراز اليافعي لم يكن مجرد حرفيّ ينفذ خطوات آلية، بل كان يملك معرفة بيئية عميقة؛ فقد كان يعرف أي الجلود يصلح للمسب او للخدنة والغرب (كجلد الماعز لمرونته وخفته)، وأيها يصلح للأحذية والصرار (كجلد الثور لسمكه ومتانته) او للفروة والبجاد والخطة من جلود الضان .
​وكان الخراز يشتهر باستخدام "المِخْرَز" و"المشفى"، وخيوط خاصة تُصنع أيضاً من أمعاء الحيوانات بعد تجفيفها وتفتيلها (الوتر) أو من سيور جلدية رفيعة جداً لضمان عدم تحلل الخياطة مع الرطوبة والمياه.
فتمر عملية صناعة الجلود في يافع زمان بمراحل دقيقة تتطلب صبراً ومهارة عالية، تبدأ فور سلخ الجلد حيث يُرش بملح الطعام لمنع تعفنه وتعريضها للشمس لتجفيف رطوبتها،
تليها مرحلة "الدفن " لتليينه، ثم التنظيف بالاستعانة و"الحتّ" لإزالة الشعر والصوف والشوائب باستخدام أداة المِكشَط أو السكين. بعد نظافة الإهاب تماماً،
ثم تأتي المرحلة الجوهرية
وهي " #الدباغة
حيث يستخدم محلول او مسحوق "القَرَظ" الإلقة أو لحاء أشجار العفص، وهي مواد طبيعية غنية بمادة التانين تعمل على تطهير الجلد، شدّ أليافه، ومنحه لوناً دابغاً مميزاً ومقاومة تدوم لعقود. بعد جفافه تماماً في الظل،
ثم يُدهن ب #الودك (الدهن الحيواني) ليصير ليناً وطيعاً،
وهنا يبدأ دور "الخراز" الذي يستخدم أدواته التقليدية كـ "المِخْرَز" و"المشفى" لتثقيب الجلد وخياطته، مستعيناً بخيوط متينة تُفتل (الوتر) من سيور جلدية رفيعة للغاية، ليتحول الجلد الخام في نهاية المطاف إلى منتجات متينة تقهر الزمن وقسوة الطبيعة.
​خاتمة:
إن نفض الغبار عن تاريخ "الدباغة والخرازة في يافع زمان" ليس مجرد بكاء على أطلال الماضي، بل هو توثيقٌ لصفحة بيضاء من صفحات الاعتماد على الذات، ونداء برسم الوفاء لجيل "الخرازين" الذين صاغت أناملهم الخشنة ملامح حياة ناعمة ومستقرة لمن بعدهم. إنها دعوة للمؤسسات الثقافية لإعادة إحياء هذا التراث وحفظ مسمياته التليدة من النسيان في ذاكرة الأجيال.