رسالة #الدباغ إلى
الشيخ #موسى عبد الله #القعيطي
في 18 رجب سنة 1357هـ/ الموافق 13سبتمبر 1938م
===
أولاً: نص الرسالة
بسم الله وبحمده
من #منفرة إلى #القعيطي
في يوم 18 رجب سنة 1357هـ
من محمد بن عبد الله الحسين #الإدريسي #الحسني الشريف، الشهير بـ #الدباغ،
إلى حضرات المكرم الشهم الغيور الشيخ موسى عبد الله #القعيطي، وكافة آل #القعيطي الأخيار، وفقهم الله لما يحب ويرضى، وجعلنا وإياهم ممن تولاه واجتباه:
أما بعد:
فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، حامدًا ومصليًا على منقذ الخلائق من الضلالة والجهالة، وآله الذين قال فيهم سبحانه وتعالى: {ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله}.
ثم إنه لا بد قد بلغكم، وحدثتكم قلوبكم بوصولنا إلى يافع للدعوة إلى الله، وجمع الكلمة عليه بأمر الله، وإحياء ما أحيا القرآن، وإماتة ما أمات القرآن، ومسالمة من سالم الله، ومحاربة من حارب الله.
وكانت إقامتنا في منفِرَة لإحياء الخلافتين المحمدية والحسنية، فأجيبوا – يا قومنا – داعي الله، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين، وأوفوا بعهد الله الذي أخذه عليكم، فإن العهد كان مسؤولا.
ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله، وعمل صالحًا، وقال: إني من المسلمين.
إنما قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، والسابقون السابقون أولئك المقربون.
وإن الله مع الذين وُفِّقوا، والذين هم محسنون، والذين تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، فإن العهد كان مسؤولا.
يا أيها الذين آمنوا، اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.
ولكم منا السلام، ومقبول الدعاء في المبدأ والختام.
حرر في 18 رجب سنة 1357هـ
توقيع: الداعية محمد بن عبد الله بن الحسن الدباغ
ثانياً:التعليق
كُتبت الرسالة من منفرة، بتاريخ 18 رجب 1357هـ (13سبتمبر1938م)، أي في فترة اشتداد تحركات الدباغ الدعوية والسياسية التي لبست لباس “الرسالة الدينية الإصلاحية” لكنها كانت تحمل في طياتها أهدافًا سياسية تتعلق بتوسيع نفوذه واستقطاب الزعامات المحلية.
وُجهت الرسالة إلى الشيخ موسى بن عبد الله بن عتيق القعيطي، شيخ آل القعيطي، وتنتمي الرسالة إلى أدبيات الدعوة ذات الصبغة الدينية، لكنها مشبعة بالخطاب التعبوي الحماسي، حيث استخدم الدباغ لغة قرآنية مكثفة (اقتباسات متكررة من الآيات)، توحي بأنه يقدم نفسه داعية إصلاح وبعث ديني، يحيي “الخلافتين المحمدية والحسنية”، وهي عبارة لافتة جدًا، تجمع بين الشرعية النبوية (محمدية) والنسب الحسني (إدريسي)، ما يعكس سعيه إلى إضفاء هالة روحية ونَسَبية شرعية على دعوته. ثم أن عبارة “لإحياء الخلافتين المحمدية والحسنية” تكشف بوضوح الطموح السياسي للدباغ، إذ لم يكن هدفه محصورًا في الدعوة الوعظية، بل في إقامة كيان سياسي تحت غطاء الدين.
وهذا الطرح يتناغم مع ما كان يردده في رسائل أخرى موجهة إلى مشايخ يافع وبني بكر وذي ناخب وغيرهم، حيث دعا إلى “جمع الكلمة على كتاب الله” و“محاربة من خالف الله”، ما جعل الأمام الزيدي والبريطانيين، ينظرون إليه بعين الريبة.
وكثف خطابه لتحشيد واصطفاف آل القعيطي بمخاطبتهم بعبارات من قبيل: “أجيبوا داعي الله”، “سارعوا إلى مغفرة من ربكم”، “وأوفوا بعهد الله”، في نَفَسٍ دعوي تعبوي، يُذكّر بخطابات الثوار الذين يستثمرون العاطفة الدينية لاستقطاب الأنصار.
كما يستشهد بآيات متتالية لإثارة الشعور الديني والواجب الشرعي في الاستجابة له، ويُظهر نفسه في صورة “المجاهد في سبيل الله” أو “المبعوث الإصلاحي”، وهي صيغة خطابية تتجاوز نطاق المراسلات الاجتماعية المعتادة، وتكشف جانبًا من تحركات الدباغ في يافع ومحاولاته توسيع نفوذه بين القبائل من خلال الخطاب الديني، وتشير أيضًا إلى وجود استجابة أولية أو اهتمام من بعض المشايخ اليافعيين، ما استدعى منه تكثيف الدعوة والوعود الروحية.
****
من كتابي تحت التجهيز عن حركة الدباغ ومدارسه في الدباغ في المكلا وعدن ويافع(1924-1940)
الشيخ #موسى عبد الله #القعيطي
في 18 رجب سنة 1357هـ/ الموافق 13سبتمبر 1938م
===
أولاً: نص الرسالة
بسم الله وبحمده
من #منفرة إلى #القعيطي
في يوم 18 رجب سنة 1357هـ
من محمد بن عبد الله الحسين #الإدريسي #الحسني الشريف، الشهير بـ #الدباغ،
إلى حضرات المكرم الشهم الغيور الشيخ موسى عبد الله #القعيطي، وكافة آل #القعيطي الأخيار، وفقهم الله لما يحب ويرضى، وجعلنا وإياهم ممن تولاه واجتباه:
أما بعد:
فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، حامدًا ومصليًا على منقذ الخلائق من الضلالة والجهالة، وآله الذين قال فيهم سبحانه وتعالى: {ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله}.
ثم إنه لا بد قد بلغكم، وحدثتكم قلوبكم بوصولنا إلى يافع للدعوة إلى الله، وجمع الكلمة عليه بأمر الله، وإحياء ما أحيا القرآن، وإماتة ما أمات القرآن، ومسالمة من سالم الله، ومحاربة من حارب الله.
وكانت إقامتنا في منفِرَة لإحياء الخلافتين المحمدية والحسنية، فأجيبوا – يا قومنا – داعي الله، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين، وأوفوا بعهد الله الذي أخذه عليكم، فإن العهد كان مسؤولا.
ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله، وعمل صالحًا، وقال: إني من المسلمين.
إنما قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، والسابقون السابقون أولئك المقربون.
وإن الله مع الذين وُفِّقوا، والذين هم محسنون، والذين تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، فإن العهد كان مسؤولا.
يا أيها الذين آمنوا، اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.
ولكم منا السلام، ومقبول الدعاء في المبدأ والختام.
حرر في 18 رجب سنة 1357هـ
توقيع: الداعية محمد بن عبد الله بن الحسن الدباغ
ثانياً:التعليق
كُتبت الرسالة من منفرة، بتاريخ 18 رجب 1357هـ (13سبتمبر1938م)، أي في فترة اشتداد تحركات الدباغ الدعوية والسياسية التي لبست لباس “الرسالة الدينية الإصلاحية” لكنها كانت تحمل في طياتها أهدافًا سياسية تتعلق بتوسيع نفوذه واستقطاب الزعامات المحلية.
وُجهت الرسالة إلى الشيخ موسى بن عبد الله بن عتيق القعيطي، شيخ آل القعيطي، وتنتمي الرسالة إلى أدبيات الدعوة ذات الصبغة الدينية، لكنها مشبعة بالخطاب التعبوي الحماسي، حيث استخدم الدباغ لغة قرآنية مكثفة (اقتباسات متكررة من الآيات)، توحي بأنه يقدم نفسه داعية إصلاح وبعث ديني، يحيي “الخلافتين المحمدية والحسنية”، وهي عبارة لافتة جدًا، تجمع بين الشرعية النبوية (محمدية) والنسب الحسني (إدريسي)، ما يعكس سعيه إلى إضفاء هالة روحية ونَسَبية شرعية على دعوته. ثم أن عبارة “لإحياء الخلافتين المحمدية والحسنية” تكشف بوضوح الطموح السياسي للدباغ، إذ لم يكن هدفه محصورًا في الدعوة الوعظية، بل في إقامة كيان سياسي تحت غطاء الدين.
وهذا الطرح يتناغم مع ما كان يردده في رسائل أخرى موجهة إلى مشايخ يافع وبني بكر وذي ناخب وغيرهم، حيث دعا إلى “جمع الكلمة على كتاب الله” و“محاربة من خالف الله”، ما جعل الأمام الزيدي والبريطانيين، ينظرون إليه بعين الريبة.
وكثف خطابه لتحشيد واصطفاف آل القعيطي بمخاطبتهم بعبارات من قبيل: “أجيبوا داعي الله”، “سارعوا إلى مغفرة من ربكم”، “وأوفوا بعهد الله”، في نَفَسٍ دعوي تعبوي، يُذكّر بخطابات الثوار الذين يستثمرون العاطفة الدينية لاستقطاب الأنصار.
كما يستشهد بآيات متتالية لإثارة الشعور الديني والواجب الشرعي في الاستجابة له، ويُظهر نفسه في صورة “المجاهد في سبيل الله” أو “المبعوث الإصلاحي”، وهي صيغة خطابية تتجاوز نطاق المراسلات الاجتماعية المعتادة، وتكشف جانبًا من تحركات الدباغ في يافع ومحاولاته توسيع نفوذه بين القبائل من خلال الخطاب الديني، وتشير أيضًا إلى وجود استجابة أولية أو اهتمام من بعض المشايخ اليافعيين، ما استدعى منه تكثيف الدعوة والوعود الروحية.
****
من كتابي تحت التجهيز عن حركة الدباغ ومدارسه في الدباغ في المكلا وعدن ويافع(1924-1940)
قراءة في رسائل السيد حسين #الدباغ إلى بيوت #منفرة الخمسة
جمادى الأولى سنة ١٣٥٨هـ/ يونيو 1939م
=============
1- الرسالة الأولى: إلى عيال صالح عبدالله وهم الحاج علي وحسن بن حسن وأحمد سالم وعبدربه محمد وعلي عبدالرب،
2- الرسالة الثانية إلى معاريف بيت عيال الحاج وهم غالب علي وصالح عبدالله وسعيد حسين ومثنى علي
3- الرسالة الثالثة إلى معاريف بيت علي سالم، وهم: ناصر عمر ومثنى أحمد وعبدالله منصر ومثنى مجلي
4- الرسالة الرابعة إلى معاريف بيت اليحيائي وهم عمر صالح وناصر محمد وعبدالكريم
5- الرسالة الخامسة إلى معاريف عيال الكثيري، وهم: قاسم بن قاسم الباشة وعلي مثنى الشرعي وصالح بن صالح وصالح محمد القاضي
===
في البدء أسجل شكري لصديقي الباحث د.نادر سعد العُمري الذي أمدني بصور هذه الوثائق للرسائل الخمس التي وجهها السيد حسين الدباغ إلى بيوت منفرة (عيال صالح عبد الله، بيت الحاج، بيت علي سالم، بيت اليحيائي، وعيال الكثيري) في جمادى الأولى 1358هـ/ يونيو1939م، وهي في تقديري أهم الوثائق وأكثرها صراحة من بين رسائله العديدة التي وجهها قبل ذلك إلى قبائل وأفراد في أكثر من منطقة وسيشملها كتابي قيد التجهيز، إذ أعلن فيها صراحة أن مشروعه يهدف إلى إقامة حكومة إسلامية تشمل اليمن والحجاز وبيت المقدس، وتمثل وثائق ذات قيمة تاريخية بالغة، ليس فقط من حيث مضمونها، بل من حيث دلالتها على عمق الارتباط بين الدباغ وأهالي منفرة، التي احتضنت مشروعه الدعوي والسياسي، فصارت بمثابة المدرسة الأولى والحاضنة المركزية لدعوته في يافع.
1- الصيغة الموحدة وأثرها
اللافت أن جميع الرسائل جاءت بصيغة موحدة في الورق والخط والمضمون، ما يكشف أن الدباغ لم يكن يخاطب أفراداً بعينهم بقدر ما كان يؤسس ميثاقاً جماعياً يربط المدرسة الدباغية ببيوت منفرة كافة. هذه الصيغة المكررة تؤدي وظيفتين:
تثبيت الطاعة والولاء: عبر العهد والميثاق بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة رسوله، بما يجعل البيوت المنفرية جميعها داخل الدائرة التنظيمية للدباغ.
المساواة والإنصاف: إذ لم يخص بيتاً بعطايا أو تعهدات تختلف عن الآخر، بل جعلها جميعاً على قاعدة واحدة، ضماناً لوحدة الصف ومنعاً للتنافس أو الغيرة القبلية.
2- مكانة بيوت منفرة
بيوت منفرة المذكورة في الرسائل بيوت عريقة ولها مكانتها الاجتماعية في خميس منفرة. وتوجيه الرسائل إلى هذه البيوت تحديداً يعني أن الدباغ أراد أن يضمن ولاء كافة القوى الاجتماعية المتحكمة في منفرة، بحيث لا يبقى خارج منظومته أي بيت كبير أو معرّف، مما يؤكد أن منفرة لم تكن مجرد محطة عابرة، بل قاعدة ارتكاز لمشروعه.
3- مضامين البيعة
المضامين الواردة في الرسائل تضع مسؤوليات ثقيلة على عاتق بيوت منفرة، يمكن تلخيصها في:
الطاعة والالتزام: السمع والطاعة للدباغ باعتباره "الداعي إلى الله"، وهو ما يعني طاعة سياسية ودينية في آن واحد.
النصرة والفداء: تعهدهم بحماية الدباغ وأن يفدوه بالأموال والأهل والأنفس.
الجهاد العام: المشاركة بالأموال والأرواح ضد "كل كافر وفاجر ومخالف وباغٍ وظالم"، وهو خطاب تعبوي شامل يتجاوز يافع ليشمل اليمن والحجاز وبيت المقدس.
إقامة الدين: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على الشريعة والطريقة والحقيقة.
خدمة التعليم والعمران: وعدهم بالمساعدة في تعليم الناس وتثقيف البلاد، وهو بعد إصلاحي بارز في دعوة الدباغ.
4- التعهد المتبادل
في مقابل التزامات البيوت، قدم الدباغ تعهدات واضحة:
المساواة في الحقوق: لهم ما له ولآل الدباغ، وعليهم ما عليهم.
الحماية والمنافع: الدفاع عنهم، وجلب المنفعة لهم، ودفع المضرة عنهم.
الدعم المالي: تخصيص سبعة ريالات شهرياً لكل بيت، وهو مبلغ منتظم يعد بمثابة "راتب سياسي – ديني"، يعزز مكانة البيت ويضمن استمراره في خدمة المشروع، باستثناء بيت عيال صالح عبدالله الذي خصهم بعشرة ريالا شهرياً، وهو فارق بسيط.
المعاملة الحسنة والفضل: وصفهم بأنهم "الأنصار والحراس والحواريون"، وهي عبارات تعكس منزلة خاصة شبيهة بمكانة الأنصار مع الرسول ﷺ.
5- دلالات الرسائل الخمس
هذه الرسائل تكشف أن منفرة كانت المركز الأول لنفوذ الدباغ في يافع، ومنفذ دعوته إلى بقية المناطق.
البيوت المنفرية لم تكن مجرد متلقية للخطاب، بل أصبحت شركاء فعليين في مشروعه السياسي – الديني.
تخصيص موارد مالية منتظمة لهذه البيوت يعكس أن الدباغ كان يدير مشروعه بوعي تنظيمي أقرب إلى بناء دولة مصغرة، فيها موارد، وولاءات، وميثاق واضح.
وحدة الرسائل تعكس إدراكه أن قوة منفرة تكمن في تلاحم بيوتها، فجعلها كلها ضمن "سجل العهد والميثاق العام".
جمادى الأولى سنة ١٣٥٨هـ/ يونيو 1939م
=============
1- الرسالة الأولى: إلى عيال صالح عبدالله وهم الحاج علي وحسن بن حسن وأحمد سالم وعبدربه محمد وعلي عبدالرب،
2- الرسالة الثانية إلى معاريف بيت عيال الحاج وهم غالب علي وصالح عبدالله وسعيد حسين ومثنى علي
3- الرسالة الثالثة إلى معاريف بيت علي سالم، وهم: ناصر عمر ومثنى أحمد وعبدالله منصر ومثنى مجلي
4- الرسالة الرابعة إلى معاريف بيت اليحيائي وهم عمر صالح وناصر محمد وعبدالكريم
5- الرسالة الخامسة إلى معاريف عيال الكثيري، وهم: قاسم بن قاسم الباشة وعلي مثنى الشرعي وصالح بن صالح وصالح محمد القاضي
===
في البدء أسجل شكري لصديقي الباحث د.نادر سعد العُمري الذي أمدني بصور هذه الوثائق للرسائل الخمس التي وجهها السيد حسين الدباغ إلى بيوت منفرة (عيال صالح عبد الله، بيت الحاج، بيت علي سالم، بيت اليحيائي، وعيال الكثيري) في جمادى الأولى 1358هـ/ يونيو1939م، وهي في تقديري أهم الوثائق وأكثرها صراحة من بين رسائله العديدة التي وجهها قبل ذلك إلى قبائل وأفراد في أكثر من منطقة وسيشملها كتابي قيد التجهيز، إذ أعلن فيها صراحة أن مشروعه يهدف إلى إقامة حكومة إسلامية تشمل اليمن والحجاز وبيت المقدس، وتمثل وثائق ذات قيمة تاريخية بالغة، ليس فقط من حيث مضمونها، بل من حيث دلالتها على عمق الارتباط بين الدباغ وأهالي منفرة، التي احتضنت مشروعه الدعوي والسياسي، فصارت بمثابة المدرسة الأولى والحاضنة المركزية لدعوته في يافع.
1- الصيغة الموحدة وأثرها
اللافت أن جميع الرسائل جاءت بصيغة موحدة في الورق والخط والمضمون، ما يكشف أن الدباغ لم يكن يخاطب أفراداً بعينهم بقدر ما كان يؤسس ميثاقاً جماعياً يربط المدرسة الدباغية ببيوت منفرة كافة. هذه الصيغة المكررة تؤدي وظيفتين:
تثبيت الطاعة والولاء: عبر العهد والميثاق بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة رسوله، بما يجعل البيوت المنفرية جميعها داخل الدائرة التنظيمية للدباغ.
المساواة والإنصاف: إذ لم يخص بيتاً بعطايا أو تعهدات تختلف عن الآخر، بل جعلها جميعاً على قاعدة واحدة، ضماناً لوحدة الصف ومنعاً للتنافس أو الغيرة القبلية.
2- مكانة بيوت منفرة
بيوت منفرة المذكورة في الرسائل بيوت عريقة ولها مكانتها الاجتماعية في خميس منفرة. وتوجيه الرسائل إلى هذه البيوت تحديداً يعني أن الدباغ أراد أن يضمن ولاء كافة القوى الاجتماعية المتحكمة في منفرة، بحيث لا يبقى خارج منظومته أي بيت كبير أو معرّف، مما يؤكد أن منفرة لم تكن مجرد محطة عابرة، بل قاعدة ارتكاز لمشروعه.
3- مضامين البيعة
المضامين الواردة في الرسائل تضع مسؤوليات ثقيلة على عاتق بيوت منفرة، يمكن تلخيصها في:
الطاعة والالتزام: السمع والطاعة للدباغ باعتباره "الداعي إلى الله"، وهو ما يعني طاعة سياسية ودينية في آن واحد.
النصرة والفداء: تعهدهم بحماية الدباغ وأن يفدوه بالأموال والأهل والأنفس.
الجهاد العام: المشاركة بالأموال والأرواح ضد "كل كافر وفاجر ومخالف وباغٍ وظالم"، وهو خطاب تعبوي شامل يتجاوز يافع ليشمل اليمن والحجاز وبيت المقدس.
إقامة الدين: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمحافظة على الشريعة والطريقة والحقيقة.
خدمة التعليم والعمران: وعدهم بالمساعدة في تعليم الناس وتثقيف البلاد، وهو بعد إصلاحي بارز في دعوة الدباغ.
4- التعهد المتبادل
في مقابل التزامات البيوت، قدم الدباغ تعهدات واضحة:
المساواة في الحقوق: لهم ما له ولآل الدباغ، وعليهم ما عليهم.
الحماية والمنافع: الدفاع عنهم، وجلب المنفعة لهم، ودفع المضرة عنهم.
الدعم المالي: تخصيص سبعة ريالات شهرياً لكل بيت، وهو مبلغ منتظم يعد بمثابة "راتب سياسي – ديني"، يعزز مكانة البيت ويضمن استمراره في خدمة المشروع، باستثناء بيت عيال صالح عبدالله الذي خصهم بعشرة ريالا شهرياً، وهو فارق بسيط.
المعاملة الحسنة والفضل: وصفهم بأنهم "الأنصار والحراس والحواريون"، وهي عبارات تعكس منزلة خاصة شبيهة بمكانة الأنصار مع الرسول ﷺ.
5- دلالات الرسائل الخمس
هذه الرسائل تكشف أن منفرة كانت المركز الأول لنفوذ الدباغ في يافع، ومنفذ دعوته إلى بقية المناطق.
البيوت المنفرية لم تكن مجرد متلقية للخطاب، بل أصبحت شركاء فعليين في مشروعه السياسي – الديني.
تخصيص موارد مالية منتظمة لهذه البيوت يعكس أن الدباغ كان يدير مشروعه بوعي تنظيمي أقرب إلى بناء دولة مصغرة، فيها موارد، وولاءات، وميثاق واضح.
وحدة الرسائل تعكس إدراكه أن قوة منفرة تكمن في تلاحم بيوتها، فجعلها كلها ضمن "سجل العهد والميثاق العام".
الداعية الصوفي #حسن_هارون #الغزالي
تأثيره والمواقف من دعوته في #يافع
----
في سياق الحضور الصوفي المؤثر في يافع، الممتد منذ القرن العاشر الهجري، شهدت المنطقة، مطلع عشرينيات القرن الماضي، قدوم الداعية الصوفي حسن هارون الغزالي، الذي لا نعرف عن سيرته كثيرًا، سوى ما رواه عنه أحفاد مريديه، من آل باعباد بشكل خاص. فقد ذكر بعضهم لي أنه كان رجلًا ضريرًا لا يبصر، وُلد بهذه العاهة، ولم يكن له أولاد. وقد طلب العلم منذ صغره، وحفظ القرآن الكريم، وكتبًا معتمدة في فقه الشريعة والحديث، منها صحيح البخاري وصحيح مسلم وابن ماجه والترمذي والنسائي وغيرها.
وعند قدومه إلى يافع، أقام في بداية الأمر سنوات عديدة في #رباط_العبادي، وبدأ فيه حلقاته الدينية التي كان يؤمها كثير من الناس. ثم انتقل إلى #منفّرة، واتخذ من مسجدها العريق مقرًا ومدرسة لحلقاته، وظل فيها حتى مطلع ثلاثينيات القرن العشرين.
وكان الشيخ حسن هارون يتحدث بجوامع الكلم، ويرصّع حديثه بأقوال ومصطلحات كبار أعلام التصوف، مثل محيي الدين ابن عربي، والجيلاني، والجيلي، والجنيد، شيخ الطائفة، وغيرهم. وقد ترك تدوينات كثيرة دوّنها عدد من طلابه بعد ذلك، مما حفظ جانبًا من مجالسه وتعاليمه التي كانت تكتظ بالمريدين والطلاب، سواء في رباط باعباد أو في منفّرة التي انتقل إليها واستقر فيها.
وفي #منفّرة، اتخذ من مسجدها القديم منطلقًا لدعوته التي عُرفت باسم "الحقيقة والطريقة". وواصل استقطاب عدد من الشخصيات الاجتماعية من المشايخ والفقهاء والقضاة والوجهاء، الذين شكّلوا نواة لحلقات شبه سرية تجمعهم بمريديهم في العديد من قرى يافع، وظل تأثير هذه الحلقات ممتدًا في يافع لعقود لاحقة.
ومن الكتب التي كان يدرّسها لمريديه كتاب "الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر" لعبد الكريم بن إبراهيم #الجيلاني، وكتاب "فصوص الحكم" لمحيي الدين ابن عربي، الذي يُعد من أشهر مؤلفاته وأعمقها أثرًا في الفكر الصوفي.
ونذكر من بين من استقطبهم وصار لهم مرجعًا وقطبًا عددًا من المشايخ والوجهاء، منهم: أحمد عبد الرب بن عبد الله بن محمد #باعباد، وناصر عمر بن عاطف جابر، وعبد الرب أبو بكر منصر #الدغفلي، ومحمد أحمد بن علي حيدر عز الدين، وأبو طلعة، وحسين عاطف، والحاج ناصر يحيى أحمد #الفردي، وسالم أبو بكر محمد العمري، وعبد القوي بن عبد الله أبو محمد، ومحمد بن أبي بكر #الذرحاني، وعبد القوي بن سالم عماري #الظهالي، وصالح بن صالح أبو عبد الرحمن السكني #الذرحاني، وغيرهم كثير في مناطق متعددة من يافع.
ومن أبرز تلامذة الشيخ حسن هارون الشاعر الشيخ صالح قاسم محمد العمراني #القعيطي، الذي أجازه السيد حسن هارون في الاجتهاد والتدريس، بعد أن لمس نبوغه والتزامه، فارتقى من مقام التلميذ إلى مقام المرشد والمعلم في درجات التصوف.
كما كان الشيخ أحمد عبد الرب بن عبد الله بن محمد باعباد ينوب عنه في رباط العبادي في #لبعوس، وكان معروفًا لدى آل بن صلاح وعنتر وذي صُراء والسلاطين والمشايخ. وقد عُرف بأنه من أهل الإصلاح والصلح بين القبائل، لما اتصف به من علم وحلم وصبر وإفادة للناس، وسعي إلى كفّ القتل وإبرام الصلح الذي يدوم سنوات طويلة.
وهكذا امتد تأثير الشيخ حسن هارون #الغزالي من حلقاته في الرباط والمسجد إلى شبكة من المريدين والمشايخ والوجهاء في مناطق متعددة من يافع، وظل حضوره وتأثير مدرسته الصوفية ماثلًا في المنطقة لعقود لاحقة.
لقد كان منهج حسن هارون يقوم على أخذ "العهد" من أتباعه، والإكثار من الأذكار، إذ يُروى أنه كان يأمر مريديه بترديد أربعة آلاف تسبيحة حتى "يُرى لهم مقعدهم من الجنة". ويصفه أتباعه بـ" #قطب_الوجود" و"أستاذ الحقيقة"، كما جاء في قصيدة للشاعر الشيخ عبد الرب أبو بكر منصر الدغفلي (الذرحاني)، أرسلها ردًا على قصيدة بدع للقاضي محمد أحمد بن علي حيدر عز الدين البكري في شهر عاشور 1345هـ/1926م، فقد جاء في أبياته التي مجدته واعتبرته إمام زمانه:
وبعد حنيت وأمسي ساهر الغفله
سمعت لبيات جاءت نطقها منظوم
لا عند سيدي حسن معدوم من مثله
قطب الوجود الذي في عصرنا معدوم
استأذنا بالحقيقه مذهب المله
ميزانه القسط بالشوكه سواء محكوم
صراطه المستقيم الخاص والجمله
يا رب طوّل حياته واجعله مرحوم
يهنا لمن ذاق من بحره ومن فضله
عذبًا رحيقًا ومسكًا حاليًا مختوم
و"قطب الوجود" و"أستاذ الحقيقة" يشيران إلى الشخصية المحورية في التصوف؛ فالقطب هو سيد الأولياء وأعلى مراتب الكمال والتحقق بالأسماء الإلهية في زمن معين، بينما "أستاذ الحقيقة" يشير إلى المعلم والمرشد الروحي الذي يكشف عن الأسرار الباطنية ويهدي الآخرين نحو الحقيقة الإلهية.
تأثيره والمواقف من دعوته في #يافع
----
في سياق الحضور الصوفي المؤثر في يافع، الممتد منذ القرن العاشر الهجري، شهدت المنطقة، مطلع عشرينيات القرن الماضي، قدوم الداعية الصوفي حسن هارون الغزالي، الذي لا نعرف عن سيرته كثيرًا، سوى ما رواه عنه أحفاد مريديه، من آل باعباد بشكل خاص. فقد ذكر بعضهم لي أنه كان رجلًا ضريرًا لا يبصر، وُلد بهذه العاهة، ولم يكن له أولاد. وقد طلب العلم منذ صغره، وحفظ القرآن الكريم، وكتبًا معتمدة في فقه الشريعة والحديث، منها صحيح البخاري وصحيح مسلم وابن ماجه والترمذي والنسائي وغيرها.
وعند قدومه إلى يافع، أقام في بداية الأمر سنوات عديدة في #رباط_العبادي، وبدأ فيه حلقاته الدينية التي كان يؤمها كثير من الناس. ثم انتقل إلى #منفّرة، واتخذ من مسجدها العريق مقرًا ومدرسة لحلقاته، وظل فيها حتى مطلع ثلاثينيات القرن العشرين.
وكان الشيخ حسن هارون يتحدث بجوامع الكلم، ويرصّع حديثه بأقوال ومصطلحات كبار أعلام التصوف، مثل محيي الدين ابن عربي، والجيلاني، والجيلي، والجنيد، شيخ الطائفة، وغيرهم. وقد ترك تدوينات كثيرة دوّنها عدد من طلابه بعد ذلك، مما حفظ جانبًا من مجالسه وتعاليمه التي كانت تكتظ بالمريدين والطلاب، سواء في رباط باعباد أو في منفّرة التي انتقل إليها واستقر فيها.
وفي #منفّرة، اتخذ من مسجدها القديم منطلقًا لدعوته التي عُرفت باسم "الحقيقة والطريقة". وواصل استقطاب عدد من الشخصيات الاجتماعية من المشايخ والفقهاء والقضاة والوجهاء، الذين شكّلوا نواة لحلقات شبه سرية تجمعهم بمريديهم في العديد من قرى يافع، وظل تأثير هذه الحلقات ممتدًا في يافع لعقود لاحقة.
ومن الكتب التي كان يدرّسها لمريديه كتاب "الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر" لعبد الكريم بن إبراهيم #الجيلاني، وكتاب "فصوص الحكم" لمحيي الدين ابن عربي، الذي يُعد من أشهر مؤلفاته وأعمقها أثرًا في الفكر الصوفي.
ونذكر من بين من استقطبهم وصار لهم مرجعًا وقطبًا عددًا من المشايخ والوجهاء، منهم: أحمد عبد الرب بن عبد الله بن محمد #باعباد، وناصر عمر بن عاطف جابر، وعبد الرب أبو بكر منصر #الدغفلي، ومحمد أحمد بن علي حيدر عز الدين، وأبو طلعة، وحسين عاطف، والحاج ناصر يحيى أحمد #الفردي، وسالم أبو بكر محمد العمري، وعبد القوي بن عبد الله أبو محمد، ومحمد بن أبي بكر #الذرحاني، وعبد القوي بن سالم عماري #الظهالي، وصالح بن صالح أبو عبد الرحمن السكني #الذرحاني، وغيرهم كثير في مناطق متعددة من يافع.
ومن أبرز تلامذة الشيخ حسن هارون الشاعر الشيخ صالح قاسم محمد العمراني #القعيطي، الذي أجازه السيد حسن هارون في الاجتهاد والتدريس، بعد أن لمس نبوغه والتزامه، فارتقى من مقام التلميذ إلى مقام المرشد والمعلم في درجات التصوف.
كما كان الشيخ أحمد عبد الرب بن عبد الله بن محمد باعباد ينوب عنه في رباط العبادي في #لبعوس، وكان معروفًا لدى آل بن صلاح وعنتر وذي صُراء والسلاطين والمشايخ. وقد عُرف بأنه من أهل الإصلاح والصلح بين القبائل، لما اتصف به من علم وحلم وصبر وإفادة للناس، وسعي إلى كفّ القتل وإبرام الصلح الذي يدوم سنوات طويلة.
وهكذا امتد تأثير الشيخ حسن هارون #الغزالي من حلقاته في الرباط والمسجد إلى شبكة من المريدين والمشايخ والوجهاء في مناطق متعددة من يافع، وظل حضوره وتأثير مدرسته الصوفية ماثلًا في المنطقة لعقود لاحقة.
لقد كان منهج حسن هارون يقوم على أخذ "العهد" من أتباعه، والإكثار من الأذكار، إذ يُروى أنه كان يأمر مريديه بترديد أربعة آلاف تسبيحة حتى "يُرى لهم مقعدهم من الجنة". ويصفه أتباعه بـ" #قطب_الوجود" و"أستاذ الحقيقة"، كما جاء في قصيدة للشاعر الشيخ عبد الرب أبو بكر منصر الدغفلي (الذرحاني)، أرسلها ردًا على قصيدة بدع للقاضي محمد أحمد بن علي حيدر عز الدين البكري في شهر عاشور 1345هـ/1926م، فقد جاء في أبياته التي مجدته واعتبرته إمام زمانه:
وبعد حنيت وأمسي ساهر الغفله
سمعت لبيات جاءت نطقها منظوم
لا عند سيدي حسن معدوم من مثله
قطب الوجود الذي في عصرنا معدوم
استأذنا بالحقيقه مذهب المله
ميزانه القسط بالشوكه سواء محكوم
صراطه المستقيم الخاص والجمله
يا رب طوّل حياته واجعله مرحوم
يهنا لمن ذاق من بحره ومن فضله
عذبًا رحيقًا ومسكًا حاليًا مختوم
و"قطب الوجود" و"أستاذ الحقيقة" يشيران إلى الشخصية المحورية في التصوف؛ فالقطب هو سيد الأولياء وأعلى مراتب الكمال والتحقق بالأسماء الإلهية في زمن معين، بينما "أستاذ الحقيقة" يشير إلى المعلم والمرشد الروحي الذي يكشف عن الأسرار الباطنية ويهدي الآخرين نحو الحقيقة الإلهية.