#فؤاد_الصايدي
ايهما الدين الحقيقي؟
في أواخر التسعينيات، مرّ بقريتنا الشيخ الصريحي، وهو من سكان منطقة شعور في قعطبة، وكان على رأس مجموعة كبيرة من أصحاب الدعوة، أو ما كان يعرف بجماعة التبليغ.
كان أبرز ما جاء في محاضرته دعوة الناس إلى العودة إلى الإسلام الحقيقي. وكان حديثه عذباً وجاذباً، يخاطب الجاهل والمتعلم على حد سواء، بلغة قريبة من الناس وتشبه في وقعها الشعر الشعبي.
بعد انتهاء المحاضرة وأداء صلاة العشاء، سلمت عليه، وأمسكت بيده، وقلت له إنني أريد الحديث معه حديثاً غير رسمي خارج الحلقة. سألني: ولماذا خارج الحلقة؟ قلت له: لأنني لا أزال أتذكر أن حديثي قبل نحو عام مع الشيخ الزنداني، أثناء إحدى المحاضرات، جعل الجماعة يغادرون بالسيارات مسرعين ويتركونني أعود إلى القرية سيراً على الأقدام، لولا أن حسن محمد الماطري أنقذني.
ثم أضفت: رغم أن الشيخ الزنداني رد على سؤالي وابتسم، إلا أن أتباع العالم أحياناً يكونون أكثر تشدداً منه. وأقصد بالأتباع هنا الذين يتبعونه، لا جمع كلمة “تبيع”.
كنا واقفين، وكان الشيخ الصريحي وأصحابه لا يزالون حاضرين، فقال لي: تحدث ولا تخف، أصحابنا طيبون. وبالفعل، كانوا طيبين.
قلت له: يا شيخ، كلما جاءت جماعة قالت لنا إن ما نحن عليه ليس هو الدين الحقيقي، وإن الدين الحقيقي هو الذي تحمله هي إلينا. فمتى سيتوقف هذا المسلسل؟
قال: كيف؟
قلت له: على سبيل المثال، عندما كنت صغيراً، كان ديننا هو دين سيدي صالح البرق وابنه إسماعيل. كنا نحب طريقتهم، وعلى أيديهم تعلمنا الصلاة والصيام وأركان الإسلام. ثم جاء الإخوان المسلمون إلى منطقة العود بعد خروج الجبهة الوطنية في بداية الثمانينيات، وقالوا لنا إننا كنا على ضلالة. فتراجع دور الأب البرق تدريجياً، بينما استمر ابنه إسماعيل مؤذناً، وجاء أخي عبد الناصر كخطيب جديد. ومشينا خلفه، وأعجبنا دينهم، وقلنا هذا هو الدين الحقيقي. والآن جاءت دعوتكم، وعلينا أن نمضي وراءكم ونلتحق بالدين الحقيقي. تعبنا.
قال لي: اخرج معنا في سبيل الله، وسوف تقتنع.
كنت سعيداً ومستغرباً من تواضعه وسعة صدره، وكيف كان يسمع لي ويصبر عليّ وأنا شاب في مقتبل العمر. عرفت لاحقاً أن هذا العمر تحديداً هو الفئة المستهدفة والمطلوبة لمثل هذه الدعوات.
قلت له: حسناً، سأخرج معكم، ولكن أعطني مثالاً واحداً نفرق به بين الدين الحقيقي وغير الحقيقي.
قال: مثلاً، كنا نذهب إلى الحج، ونؤدي كل المناسك، ونبكي لله، ونستغفره، ثم نعود إلى اليمن. وما إن نصل إلى الحدود حتى نقف جانباً ونشتري شريط الفنان أيوب طارش، ونستمع إليه، وكلما انتهى قلبناه حتى نصل إلى البيت.
قلت له: هذا طبيعي، فكل حاج يكون مشتاقاً لزوجته، ويتخيل لقاءه بها بعد طول غياب.
فضربني على ظهري برفق، وقال: صدقت، والله إننا كنا نعود وكلنا شوق بعد طول غياب.
ثم سألته بسذاجة: وما كانت أغنيتك المفضلة وأنت عائد من الحج؟
قال: “تذكرني دوادح حبنا الغالي ودخداخ النسيم”.
قلت له: والآن، في الإسلام الحقيقي، هل ستقول لي إن الصحيح أن نشتري شريط أحمد السنيدار ( يا طبيبي أنا أمسيت ادور حبيبي ) بدلاً من أيوب طارش؟
ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: الإسلام الصحيح يا فؤاد هو أن الحاج قد تاب إلى الله وتطهر من ذنوبه، وعليه ألا يعود إلى سماع الغناء مجدداً.
كنت حينها طالباً جامعياً، وأساير أصحاب تعز في نقاشاتهم، فقلت له إن الغناء والموسيقى أشياء يميل إليها الإنسان بالفطرة، وليست بالضرورة عصياناً لله أو فساداً أخلاقياً. والدليل أن الطفل الصغير يرقص عند سماعها، وهو أبعد ما يكون عن الفساد الأخلاقي.
ثم أضفت: ألا ترى أن كل جماعة لها طريقتها الخاصة في الدندنة؟ قديماً كان هناك المديح والطار، ثم جاء الإخوان بالأناشيد. وكل هذه الأساليب، في نظري، محاولات لإشباع رغبة فطرية موجودة في الإنسان، ولكن بطريقة يعتقد الدعاة أنها حلال.
سكت قليلاً، ثم قال: هل أنت مستعد أن تحمل البطانية وتخرج معنا ثلاثة أيام دعوة من قرية إلى قرية؟
لم أكن مقتنعاً تماماً، لكنني استحييت من سعة صدره وروحه المرحة، فخرجت معهم أنا وعلي ابن عمي. تشاورنا بيننا وقلنا: إن لم يعجبنا “إسلام الصريحي”، فعلى الأقل سنرى قرى جديدة، وربما نجد لنا خطيبات جميلات. فمتى ستتوفر لنا فرصة ندخل فيها القرى، ونرى الناس، ولا يستطيع أحد أن يسألنا: ماذا تفعلون في قريتنا يا شباب؟ سنقول ببساطة: جئنا لإخراجكم من الظلمات إلى النور.
في ذلك الوقت، كانت النساء في أريافنا لا يزلن كاشفات الوجه والكفين، وكانت الزنة التقليدية ملونة بالأحمر والأصفر، ولم تكن العباية قد انتشرت كما هي اليوم. لم تكن تيارات التشدد قد عمقت جذورها في مجتمعاتنا بالشكل الذي نراه الآن. لكن المشكلة التي واجهتنا أن كل فتاة كانت تعجبنا يتضح أنها متزوجة. وكنا نعرف العازبة من “القُبع”، وهو غطاء محكم للرأس يغطي الشعر والأذنين وجزءاً من الخد، وكان، في نظرنا آنذاك، يقلل من جمال المظهر.
ايهما الدين الحقيقي؟
في أواخر التسعينيات، مرّ بقريتنا الشيخ الصريحي، وهو من سكان منطقة شعور في قعطبة، وكان على رأس مجموعة كبيرة من أصحاب الدعوة، أو ما كان يعرف بجماعة التبليغ.
كان أبرز ما جاء في محاضرته دعوة الناس إلى العودة إلى الإسلام الحقيقي. وكان حديثه عذباً وجاذباً، يخاطب الجاهل والمتعلم على حد سواء، بلغة قريبة من الناس وتشبه في وقعها الشعر الشعبي.
بعد انتهاء المحاضرة وأداء صلاة العشاء، سلمت عليه، وأمسكت بيده، وقلت له إنني أريد الحديث معه حديثاً غير رسمي خارج الحلقة. سألني: ولماذا خارج الحلقة؟ قلت له: لأنني لا أزال أتذكر أن حديثي قبل نحو عام مع الشيخ الزنداني، أثناء إحدى المحاضرات، جعل الجماعة يغادرون بالسيارات مسرعين ويتركونني أعود إلى القرية سيراً على الأقدام، لولا أن حسن محمد الماطري أنقذني.
ثم أضفت: رغم أن الشيخ الزنداني رد على سؤالي وابتسم، إلا أن أتباع العالم أحياناً يكونون أكثر تشدداً منه. وأقصد بالأتباع هنا الذين يتبعونه، لا جمع كلمة “تبيع”.
كنا واقفين، وكان الشيخ الصريحي وأصحابه لا يزالون حاضرين، فقال لي: تحدث ولا تخف، أصحابنا طيبون. وبالفعل، كانوا طيبين.
قلت له: يا شيخ، كلما جاءت جماعة قالت لنا إن ما نحن عليه ليس هو الدين الحقيقي، وإن الدين الحقيقي هو الذي تحمله هي إلينا. فمتى سيتوقف هذا المسلسل؟
قال: كيف؟
قلت له: على سبيل المثال، عندما كنت صغيراً، كان ديننا هو دين سيدي صالح البرق وابنه إسماعيل. كنا نحب طريقتهم، وعلى أيديهم تعلمنا الصلاة والصيام وأركان الإسلام. ثم جاء الإخوان المسلمون إلى منطقة العود بعد خروج الجبهة الوطنية في بداية الثمانينيات، وقالوا لنا إننا كنا على ضلالة. فتراجع دور الأب البرق تدريجياً، بينما استمر ابنه إسماعيل مؤذناً، وجاء أخي عبد الناصر كخطيب جديد. ومشينا خلفه، وأعجبنا دينهم، وقلنا هذا هو الدين الحقيقي. والآن جاءت دعوتكم، وعلينا أن نمضي وراءكم ونلتحق بالدين الحقيقي. تعبنا.
قال لي: اخرج معنا في سبيل الله، وسوف تقتنع.
كنت سعيداً ومستغرباً من تواضعه وسعة صدره، وكيف كان يسمع لي ويصبر عليّ وأنا شاب في مقتبل العمر. عرفت لاحقاً أن هذا العمر تحديداً هو الفئة المستهدفة والمطلوبة لمثل هذه الدعوات.
قلت له: حسناً، سأخرج معكم، ولكن أعطني مثالاً واحداً نفرق به بين الدين الحقيقي وغير الحقيقي.
قال: مثلاً، كنا نذهب إلى الحج، ونؤدي كل المناسك، ونبكي لله، ونستغفره، ثم نعود إلى اليمن. وما إن نصل إلى الحدود حتى نقف جانباً ونشتري شريط الفنان أيوب طارش، ونستمع إليه، وكلما انتهى قلبناه حتى نصل إلى البيت.
قلت له: هذا طبيعي، فكل حاج يكون مشتاقاً لزوجته، ويتخيل لقاءه بها بعد طول غياب.
فضربني على ظهري برفق، وقال: صدقت، والله إننا كنا نعود وكلنا شوق بعد طول غياب.
ثم سألته بسذاجة: وما كانت أغنيتك المفضلة وأنت عائد من الحج؟
قال: “تذكرني دوادح حبنا الغالي ودخداخ النسيم”.
قلت له: والآن، في الإسلام الحقيقي، هل ستقول لي إن الصحيح أن نشتري شريط أحمد السنيدار ( يا طبيبي أنا أمسيت ادور حبيبي ) بدلاً من أيوب طارش؟
ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: الإسلام الصحيح يا فؤاد هو أن الحاج قد تاب إلى الله وتطهر من ذنوبه، وعليه ألا يعود إلى سماع الغناء مجدداً.
كنت حينها طالباً جامعياً، وأساير أصحاب تعز في نقاشاتهم، فقلت له إن الغناء والموسيقى أشياء يميل إليها الإنسان بالفطرة، وليست بالضرورة عصياناً لله أو فساداً أخلاقياً. والدليل أن الطفل الصغير يرقص عند سماعها، وهو أبعد ما يكون عن الفساد الأخلاقي.
ثم أضفت: ألا ترى أن كل جماعة لها طريقتها الخاصة في الدندنة؟ قديماً كان هناك المديح والطار، ثم جاء الإخوان بالأناشيد. وكل هذه الأساليب، في نظري، محاولات لإشباع رغبة فطرية موجودة في الإنسان، ولكن بطريقة يعتقد الدعاة أنها حلال.
سكت قليلاً، ثم قال: هل أنت مستعد أن تحمل البطانية وتخرج معنا ثلاثة أيام دعوة من قرية إلى قرية؟
لم أكن مقتنعاً تماماً، لكنني استحييت من سعة صدره وروحه المرحة، فخرجت معهم أنا وعلي ابن عمي. تشاورنا بيننا وقلنا: إن لم يعجبنا “إسلام الصريحي”، فعلى الأقل سنرى قرى جديدة، وربما نجد لنا خطيبات جميلات. فمتى ستتوفر لنا فرصة ندخل فيها القرى، ونرى الناس، ولا يستطيع أحد أن يسألنا: ماذا تفعلون في قريتنا يا شباب؟ سنقول ببساطة: جئنا لإخراجكم من الظلمات إلى النور.
في ذلك الوقت، كانت النساء في أريافنا لا يزلن كاشفات الوجه والكفين، وكانت الزنة التقليدية ملونة بالأحمر والأصفر، ولم تكن العباية قد انتشرت كما هي اليوم. لم تكن تيارات التشدد قد عمقت جذورها في مجتمعاتنا بالشكل الذي نراه الآن. لكن المشكلة التي واجهتنا أن كل فتاة كانت تعجبنا يتضح أنها متزوجة. وكنا نعرف العازبة من “القُبع”، وهو غطاء محكم للرأس يغطي الشعر والأذنين وجزءاً من الخد، وكان، في نظرنا آنذاك، يقلل من جمال المظهر.
أعود إلى موضوع الدين الحقيقي وغير الحقيقي.
مع مرور السنين وتراكم التجارب، أدركت أن الدين هو الدين نفسه، وأن الخلاف في أغلبه لا يمس الأصول الكبرى، بل يدور حول الفروع وطرق العرض والتأثير. لكن الأهم من ذلك هو الطريقة التي تقدم بها الدين للناس. هل تقدمه بوصفه ديناً يخاطب القلب؟ أم ديناً يخاطب الروح؟ هل تقدمه بوصفه ديناً مسالماً؟ أم ديناً صارماً ومقاتلاً؟
الخطاب الديني، لكي يبقى مؤثراً، لا بد أن يختلف عن المألوف الذي اعتاده الناس في مراحل سابقة. فالإنسان يمل طريقة العرض حين تشيخ، وحين تبقى مرتبطة بظروف ومعطيات لم تعد موجودة، أو تجاوزها الواقع. وهنا يأتي دور التجديد، لا لهدم الدين، بل لإعادة ربط الناس بالإسلام وتعاليمه، وجذب الأجيال الجديدة إليه بشغف واقتناع.
أتحدث هنا عن الأجيال التي تكون عادة وقود التغيير، لا عن جيلنا الذي بدأ يمضي في العد التنازلي ولم يعد يمثل الهدف الرئيسي لهذه الجماعات. انظر إلى عدد الشباب المنتمين للسلف هناك، وللأنصار هنا، ثم ألق نظرة تحليلية على مكونات الجماعات القديمة، وستجد أن أغلبها من الكهول وكبار السن.
من وجهة نظري، التجديد في الخطاب الديني ظاهرة صحية. فمن دونه، سيذهب الشباب إلى أماكن أخرى، وربما يبتعدون عن الدين كله. لكن الأهم أن نربيهم على قيم العدل والتسامح والرحمة، لا على التعصب والكراهية.
مع مرور السنين وتراكم التجارب، أدركت أن الدين هو الدين نفسه، وأن الخلاف في أغلبه لا يمس الأصول الكبرى، بل يدور حول الفروع وطرق العرض والتأثير. لكن الأهم من ذلك هو الطريقة التي تقدم بها الدين للناس. هل تقدمه بوصفه ديناً يخاطب القلب؟ أم ديناً يخاطب الروح؟ هل تقدمه بوصفه ديناً مسالماً؟ أم ديناً صارماً ومقاتلاً؟
الخطاب الديني، لكي يبقى مؤثراً، لا بد أن يختلف عن المألوف الذي اعتاده الناس في مراحل سابقة. فالإنسان يمل طريقة العرض حين تشيخ، وحين تبقى مرتبطة بظروف ومعطيات لم تعد موجودة، أو تجاوزها الواقع. وهنا يأتي دور التجديد، لا لهدم الدين، بل لإعادة ربط الناس بالإسلام وتعاليمه، وجذب الأجيال الجديدة إليه بشغف واقتناع.
أتحدث هنا عن الأجيال التي تكون عادة وقود التغيير، لا عن جيلنا الذي بدأ يمضي في العد التنازلي ولم يعد يمثل الهدف الرئيسي لهذه الجماعات. انظر إلى عدد الشباب المنتمين للسلف هناك، وللأنصار هنا، ثم ألق نظرة تحليلية على مكونات الجماعات القديمة، وستجد أن أغلبها من الكهول وكبار السن.
من وجهة نظري، التجديد في الخطاب الديني ظاهرة صحية. فمن دونه، سيذهب الشباب إلى أماكن أخرى، وربما يبتعدون عن الدين كله. لكن الأهم أن نربيهم على قيم العدل والتسامح والرحمة، لا على التعصب والكراهية.
#فتاة_الجزيرة
كيف تحولت أول صحيفة اهلية في عدن إلى منبر سياسي للأحرار اليمنيين؟
"فتاة الجزيرة" لم تكن مجرد صحيفة، بل مساحة للنقاش حول الهوية والسياسة والتحرر الاجتماعي في أربعينات وخمسينات القرن العشرين.
غير أن الصحيفة ومع ولادة مشروع اتحاد الجنوب العربي
انكفأت اكثر على موضوع الهوية العدنية بدلاً عن هوية سياسية منفتحة على اليمن الجغرافي وتنوعه.
#امتداد #كاليدوسكوب #اليمن #عدن
كيف تحولت أول صحيفة اهلية في عدن إلى منبر سياسي للأحرار اليمنيين؟
"فتاة الجزيرة" لم تكن مجرد صحيفة، بل مساحة للنقاش حول الهوية والسياسة والتحرر الاجتماعي في أربعينات وخمسينات القرن العشرين.
غير أن الصحيفة ومع ولادة مشروع اتحاد الجنوب العربي
انكفأت اكثر على موضوع الهوية العدنية بدلاً عن هوية سياسية منفتحة على اليمن الجغرافي وتنوعه.
#امتداد #كاليدوسكوب #اليمن #عدن
#دار_بن_داعر..
عنوان للفخامة وذاكرة لحضرموت المزدهرة
في دار بن داعر حطت أقدامنا يوم الجمعة الماضية، داخل منزل الوجيه والثري الحضرمي السيد أبو بكر بن شيخ #الكاف ب #سيئون، لنقف أمام بناء يثير الدهشة منذ اللحظة الأولى. فقد شُيد في بدايات القرن العشرين بروعة هندسية وزخارف متقنة تكشف ما بلغته حضرموت آنذاك من رقي في فن العمارة ودقة في التنفيذ .
كل زاوية في هذا المنزل تحكي جانبًا من قصة صاحبه، الذي لم يكن ثريًا فحسب، بل عُرف بأعماله الخيرية ومشاريعه العمرانية، ومن أبرزها شق الطرق وتمهيد المسالك على نفقته الخاصة، خدمةً للناس وتيسيرًا لحركتهم .
وقد شهدت قاعات هذا البيت لقاءات مع عدد من الرحالة والباحثين والمستشرقين الذين زاروا #حضرموت، من أمثال هارولد إنجرامس، وفريا ستارك، وفان در مولن، وغيرهم، حيث نزلوا ضيوفًا على الشيخ أبو بكر الكاف، وسجلوا في مذكراتهم إعجابهم بما رأوه من فخامة البناء، وأناقة الأثاث، وحسن الضيافة .
وأثناء تجوالنا بين أروقته، بدا وكأن الجدران تحتفظ بصدى تلك الأيام، حين كان هذا المكان ملتقى للشخصيات القادمة من أنحاء العالم، ومجلسًا تُتداول فيه الأخبار والأفكار والرحلات، في صورة تعكس المكانة الرفيعة التي حظي بها صاحبه والدور الذي أداه في تاريخ حضرموت الحديث .
محمد عمر
عنوان للفخامة وذاكرة لحضرموت المزدهرة
في دار بن داعر حطت أقدامنا يوم الجمعة الماضية، داخل منزل الوجيه والثري الحضرمي السيد أبو بكر بن شيخ #الكاف ب #سيئون، لنقف أمام بناء يثير الدهشة منذ اللحظة الأولى. فقد شُيد في بدايات القرن العشرين بروعة هندسية وزخارف متقنة تكشف ما بلغته حضرموت آنذاك من رقي في فن العمارة ودقة في التنفيذ .
كل زاوية في هذا المنزل تحكي جانبًا من قصة صاحبه، الذي لم يكن ثريًا فحسب، بل عُرف بأعماله الخيرية ومشاريعه العمرانية، ومن أبرزها شق الطرق وتمهيد المسالك على نفقته الخاصة، خدمةً للناس وتيسيرًا لحركتهم .
وقد شهدت قاعات هذا البيت لقاءات مع عدد من الرحالة والباحثين والمستشرقين الذين زاروا #حضرموت، من أمثال هارولد إنجرامس، وفريا ستارك، وفان در مولن، وغيرهم، حيث نزلوا ضيوفًا على الشيخ أبو بكر الكاف، وسجلوا في مذكراتهم إعجابهم بما رأوه من فخامة البناء، وأناقة الأثاث، وحسن الضيافة .
وأثناء تجوالنا بين أروقته، بدا وكأن الجدران تحتفظ بصدى تلك الأيام، حين كان هذا المكان ملتقى للشخصيات القادمة من أنحاء العالم، ومجلسًا تُتداول فيه الأخبار والأفكار والرحلات، في صورة تعكس المكانة الرفيعة التي حظي بها صاحبه والدور الذي أداه في تاريخ حضرموت الحديث .
محمد عمر
3⃣
#لسَّردِيّة_المَنسِية لِدَور #أحرار_الجَنوب في حِماية الجُمهوريَّة
#بلال_الطيب
الحملة التي ضَمَّت سَريَّتَين مِن #أبين و #يَافع، إلى جانِب مُقاتِلين جَنوبِيِّين آخَرين، أُسنِدت مَهام قِيادتها الأوَّليَّة إلى النَّقيب علي حسين #العَمري، بمُساعدة الرائد محمَّد الدُّقْم (قائد سرية الشرطة الاتحادية). بيدَ أنَّ مَسارَها تعرَّضَ لانكسارٍ حادٍّ إبَّان عُبورها قرية شوبان التَّابعة لبني سحام؛ حيثُ وقعتْ في كَمينٍ مُحكَمٍ استهدفَ فيه المُقاتِلون الإمامِيُّون المَركبتَينِ الأُولى والأخيرة، ممَّا أفقدها القُدرة على المُناورة، وحَصرِها داخل مَمر ضَيق.
وتفاقمَ الخَلل باستيلاءِ القُوات الإمامية على وسائط الإسناد، وإعادة توظيفِها كنِيرانٍ مُضادَّة؛ الأمرُ الذي أدى إلى انهيار النسق الدِّفاعي للحملة، وسُقوطِ قرابة 45 قَتيلًا من سَريتَي أبين ويَافع، فضلًا عن عشراتِ الجَرحى والأسرى، في حين اضطرَّ النَّاجون للانخراطِ في مُواجهةٍ استنزافيَّةٍ غيرِ مُتكافئة. وقد اضطَلَعَ سُكان قرية تَنْعُم المُجاورة، والتابعة أيضًا لبني سحام، بدَورٍ إسناديٍّ لافِت، تمثَّلَ في تَسهيلِ تَهرِيبِ عددٍ من النَّاجين، وإسعافِ بعض الجَرحى، وتَوفيرِ حَدٍّ أدنى من الإمدادات الغِذائيَّة.
عَقِبَ تلكَ الانتِكاسة، سارَعَتِ القِيادة الجُمهوريَّة بالدَّفعِ بحَملةِ إسنادٍ ثانيةٍ بقيادة المُلازِم هَادي عيسى، جُهِّزَت بآليَّاتٍ مُدرَّعةٍ خَفيفةٍ من طِراز (4×4) ووَسائطِ نَقلٍ عَسكريَّة، أقلَّت عَناصر من القُوّاتِ النِّظاميَّة والحَرس الوطني حَديثي التَّأهيل، فضلًا عن مُقاتِلين قَبَليِين من بَني الحارث. وعِندَ بُلوغِها قرية الضبعات التَّابعة لِسَنحان، التحَمَت ببَقايا القُوَّة المُنسحِبة من الحَملةِ الأُولى، وقد أظهَرَ هؤلاءِ مُستوىً مَلحوظًا من الصُّمودِ المَعنوي، تجلَّى في إصرارِهم على إعادة الانخِراط في العَمليَّات القِتاليَّة.
عَقِبَ إخفاقِ الحَملة في اختِراق قرية شوبان، اتَّجَهَ قائِدُها إلى صَنعاء بهَدفِ تأمينِ دَعمٍ عَسكري إضافي، غيرَ أنَّ تَعَثُّر وُصول التَّعزيزات، بالتَّوازي مع تَصاعُد الضُّغوط المَيدانيَّة، أفضى إلى إعادة هَيكلة القِيادة المَيدانيَّة وإسنادِها إلى المُلازِم علي عبدالله السَّلال. وقد نَجَحَ الأخير في استِقدامِ تَعزيزاتٍ نوعيَّةٍ تمثَّلَت بدَبَّابتَين وعددٍ من العَرَباتِ المُدرَّعة من طِراز (6×6)، إلى جانب عَناصرٍ قِتاليَّةٍ من رَدفانَ وحَالِمين والضَّالع ولَحج. وفي ضَوءِ هذا التَّحوُّل، تمَّ تنفيذ هُجومٍ مُباغِتٍ أجبرَ القُوّات الإماميَّة على الانسِحاب.
بعد سَيطرتها على قرية #شوبان، واصَلَت القوات الجمهورية تَقدُّمَها باتجاه قريةَ تَنْعُم المُتموضِعةَ على قِمَّة جبل اللوز، والتي وعلى الرَّغمِ من تَعرُّضِها لهَجماتٍ إماميَّةٍ مُتكرِّرة قَادَها الأمير عبدالله بن الحَسن والشَّيخ علي شَعلان، إلَّا أنَّها حَافَظَت على وَلائِها، وكانت آخِرَ جَيبٍ جُمهوريٍّ صامِدٍ في ذلكَ المَحور. وقد أفضَت السَّيطرةُ عليها إلى تَحقيق أفضَليَّةٍ نوعية؛ نَظرًا لِما تُتيحهُ من إشرافٍ مُباشِرٍ على مَناطقِ الانتِشارِ الإمامي ومَسالِك إمدادِهم.
يُعَدُّ المُلازِم بَخيت مليط أحدَ أبرَز الفاعِلين المَيدانيِّين في تِلكَ الحَملة، وقد عَكَسَت شَهادتُه مُستوىً عَميقًا من التَّلاحُمِ القِياديِّ داخِل مَسرَح العَمليَّاتِ؛ إذ تَراجَعَت الفَوارِقُ الطَّبقيَّة والتَّراتُبيَّة العَسكريَّة تحتَ وَطأةِ المُعاناةِ اليوميَّة، وتَقاسَمَ القادَة والجُنود ظُروفَ العَيشِ القاسِيَةَ، واقتاتَوا الكُدَم المُعطَّب (الخُبز الفاسِد) في ظِلِّ شِبهِ انعدامٍ لِخُطوطِ الإمدادِ والخَدماتِ اللوجِستيَّة، مُقدِّمينَ بذلكَ نَموذَجًا لافِتًا في الصَّبرِ الجَميل.
وبالتَّوازي مع ذلك، تَواصَلَت الاشتِباكات مع القوى المُناوِئةِ لما يُقارِب سِتَّةَ أَشهُر، مُتَّخِذةً طابِعَ العَمليَّات غيرِ النِّظاميَّة القائِمة على تَكتيكات الكر والفَر. ومع تَصاعُدِ الأعباءِ النَّفسيَّةِ والجَسَدِية، بادَرَ المُلازم السلال إلى مَنح قادَة وأفرَاد القُوّات الجَنوبِيَّة إجازةً للعَودةِ إلى مَناطِقِهم، مع السماح لهم بالاحتِفاظِ بأسلِحتِهم، وقد انخرطوا لاحقًا في مَعارِكِ مُقاوَمةِ الاحتِلالِ البِريطاني.
اتخذ خط الدفاع عن صنعاء خلال تلك الفترة طَابعًا طَوقيًّا مُتعدد المحاور، بدأ من جحانة وتَنْعُم في خَولان، مُرورًا ببيت السيد في بني حشيش، وبيت مَران وجبل الصمع في أرحب، وكوكبان، وجبل النبي شعيب، وصولًا إلى بوعان ونقيل يسلح. وخضع هذا الطوق لاحقًا لإعادة تموضع وتعديل، بما عكس دينامية التكيف مع مُعطيات المَيدان ومُتغيرات المُواجهة.
#لسَّردِيّة_المَنسِية لِدَور #أحرار_الجَنوب في حِماية الجُمهوريَّة
#بلال_الطيب
الحملة التي ضَمَّت سَريَّتَين مِن #أبين و #يَافع، إلى جانِب مُقاتِلين جَنوبِيِّين آخَرين، أُسنِدت مَهام قِيادتها الأوَّليَّة إلى النَّقيب علي حسين #العَمري، بمُساعدة الرائد محمَّد الدُّقْم (قائد سرية الشرطة الاتحادية). بيدَ أنَّ مَسارَها تعرَّضَ لانكسارٍ حادٍّ إبَّان عُبورها قرية شوبان التَّابعة لبني سحام؛ حيثُ وقعتْ في كَمينٍ مُحكَمٍ استهدفَ فيه المُقاتِلون الإمامِيُّون المَركبتَينِ الأُولى والأخيرة، ممَّا أفقدها القُدرة على المُناورة، وحَصرِها داخل مَمر ضَيق.
وتفاقمَ الخَلل باستيلاءِ القُوات الإمامية على وسائط الإسناد، وإعادة توظيفِها كنِيرانٍ مُضادَّة؛ الأمرُ الذي أدى إلى انهيار النسق الدِّفاعي للحملة، وسُقوطِ قرابة 45 قَتيلًا من سَريتَي أبين ويَافع، فضلًا عن عشراتِ الجَرحى والأسرى، في حين اضطرَّ النَّاجون للانخراطِ في مُواجهةٍ استنزافيَّةٍ غيرِ مُتكافئة. وقد اضطَلَعَ سُكان قرية تَنْعُم المُجاورة، والتابعة أيضًا لبني سحام، بدَورٍ إسناديٍّ لافِت، تمثَّلَ في تَسهيلِ تَهرِيبِ عددٍ من النَّاجين، وإسعافِ بعض الجَرحى، وتَوفيرِ حَدٍّ أدنى من الإمدادات الغِذائيَّة.
عَقِبَ تلكَ الانتِكاسة، سارَعَتِ القِيادة الجُمهوريَّة بالدَّفعِ بحَملةِ إسنادٍ ثانيةٍ بقيادة المُلازِم هَادي عيسى، جُهِّزَت بآليَّاتٍ مُدرَّعةٍ خَفيفةٍ من طِراز (4×4) ووَسائطِ نَقلٍ عَسكريَّة، أقلَّت عَناصر من القُوّاتِ النِّظاميَّة والحَرس الوطني حَديثي التَّأهيل، فضلًا عن مُقاتِلين قَبَليِين من بَني الحارث. وعِندَ بُلوغِها قرية الضبعات التَّابعة لِسَنحان، التحَمَت ببَقايا القُوَّة المُنسحِبة من الحَملةِ الأُولى، وقد أظهَرَ هؤلاءِ مُستوىً مَلحوظًا من الصُّمودِ المَعنوي، تجلَّى في إصرارِهم على إعادة الانخِراط في العَمليَّات القِتاليَّة.
عَقِبَ إخفاقِ الحَملة في اختِراق قرية شوبان، اتَّجَهَ قائِدُها إلى صَنعاء بهَدفِ تأمينِ دَعمٍ عَسكري إضافي، غيرَ أنَّ تَعَثُّر وُصول التَّعزيزات، بالتَّوازي مع تَصاعُد الضُّغوط المَيدانيَّة، أفضى إلى إعادة هَيكلة القِيادة المَيدانيَّة وإسنادِها إلى المُلازِم علي عبدالله السَّلال. وقد نَجَحَ الأخير في استِقدامِ تَعزيزاتٍ نوعيَّةٍ تمثَّلَت بدَبَّابتَين وعددٍ من العَرَباتِ المُدرَّعة من طِراز (6×6)، إلى جانب عَناصرٍ قِتاليَّةٍ من رَدفانَ وحَالِمين والضَّالع ولَحج. وفي ضَوءِ هذا التَّحوُّل، تمَّ تنفيذ هُجومٍ مُباغِتٍ أجبرَ القُوّات الإماميَّة على الانسِحاب.
بعد سَيطرتها على قرية #شوبان، واصَلَت القوات الجمهورية تَقدُّمَها باتجاه قريةَ تَنْعُم المُتموضِعةَ على قِمَّة جبل اللوز، والتي وعلى الرَّغمِ من تَعرُّضِها لهَجماتٍ إماميَّةٍ مُتكرِّرة قَادَها الأمير عبدالله بن الحَسن والشَّيخ علي شَعلان، إلَّا أنَّها حَافَظَت على وَلائِها، وكانت آخِرَ جَيبٍ جُمهوريٍّ صامِدٍ في ذلكَ المَحور. وقد أفضَت السَّيطرةُ عليها إلى تَحقيق أفضَليَّةٍ نوعية؛ نَظرًا لِما تُتيحهُ من إشرافٍ مُباشِرٍ على مَناطقِ الانتِشارِ الإمامي ومَسالِك إمدادِهم.
يُعَدُّ المُلازِم بَخيت مليط أحدَ أبرَز الفاعِلين المَيدانيِّين في تِلكَ الحَملة، وقد عَكَسَت شَهادتُه مُستوىً عَميقًا من التَّلاحُمِ القِياديِّ داخِل مَسرَح العَمليَّاتِ؛ إذ تَراجَعَت الفَوارِقُ الطَّبقيَّة والتَّراتُبيَّة العَسكريَّة تحتَ وَطأةِ المُعاناةِ اليوميَّة، وتَقاسَمَ القادَة والجُنود ظُروفَ العَيشِ القاسِيَةَ، واقتاتَوا الكُدَم المُعطَّب (الخُبز الفاسِد) في ظِلِّ شِبهِ انعدامٍ لِخُطوطِ الإمدادِ والخَدماتِ اللوجِستيَّة، مُقدِّمينَ بذلكَ نَموذَجًا لافِتًا في الصَّبرِ الجَميل.
وبالتَّوازي مع ذلك، تَواصَلَت الاشتِباكات مع القوى المُناوِئةِ لما يُقارِب سِتَّةَ أَشهُر، مُتَّخِذةً طابِعَ العَمليَّات غيرِ النِّظاميَّة القائِمة على تَكتيكات الكر والفَر. ومع تَصاعُدِ الأعباءِ النَّفسيَّةِ والجَسَدِية، بادَرَ المُلازم السلال إلى مَنح قادَة وأفرَاد القُوّات الجَنوبِيَّة إجازةً للعَودةِ إلى مَناطِقِهم، مع السماح لهم بالاحتِفاظِ بأسلِحتِهم، وقد انخرطوا لاحقًا في مَعارِكِ مُقاوَمةِ الاحتِلالِ البِريطاني.
اتخذ خط الدفاع عن صنعاء خلال تلك الفترة طَابعًا طَوقيًّا مُتعدد المحاور، بدأ من جحانة وتَنْعُم في خَولان، مُرورًا ببيت السيد في بني حشيش، وبيت مَران وجبل الصمع في أرحب، وكوكبان، وجبل النبي شعيب، وصولًا إلى بوعان ونقيل يسلح. وخضع هذا الطوق لاحقًا لإعادة تموضع وتعديل، بما عكس دينامية التكيف مع مُعطيات المَيدان ومُتغيرات المُواجهة.
#المَحابشة و #حَجة
وفي سِياق تَتبُّع الأدوار النِّضاليَّة العابِرة للجُغرافيا، بَرَزَ الحُضور الكِفاحي لرَدفان كَرَكيزةٍ مَائزةٍ في الذَّودِ عن كينونة الثَّورة السبتمبريَّة؛ حيثُ شَهِدَ بداية عام 1963م تَدَفُّق أوَّل دُفعةٍ مِن أبنَائها تَحتَ قِيادة الشَّيخ #راجِح_لَبوزة، وفي أواخِر مَارس مِن العامِ ذاتِه، قَدِمَت دُفعةٌ ثانِيَةٌ بإمرةِ الشَّيخ سَيف مُقبِل #القُطيبي. وقد خَضَعَت تِلك الحُشود لِترتيبات استقبال وتنظيم في تَعِز وإب وصَنعاء وعَبْس، شَمِلَت إعادة التَّسليح بِبَنادِق (جَرْمَل)، قَبلَ الدَّفع بِها إلى قِطاعات المَحابِشة، وجَبَلَي الطور ويسلم، وُصولًا إلى حَجَّة؛ حيثُ اضطَلَعَت بِمَهام إسناد القُوّات الجُمهوريَّة المُرابِطة هُناك تَحت قِيادة المُلازِم محمَّد #الرُّعيني.
اتَّسَمَت تِلك المَسارات القِتاليَّة بِدَيمومَةٍ عَملِيّاتيَّةٍ نَاهَزَت تِسعةَ أَشهُر، وبَلَغَت ذَروتَها في مَعرَكة المَحابِشَة؛ حيثُ اجتَرَحَت مَجموعة الشَّيخ لَبوزة، المُكوَّنَة مِن 120 مُقاتلًا، مَلاحِمَ بُطوليَّة، وحقَّقَت اختِراقاتٍ في النَّسَقِ الدِّفاعي الإمامِي، وُصولًا إلى مَعرَكة فَك الحِصار عن مَدينَةِ حَجَّة. وقد تُوِّجَت تِلك التَّضحيات بارْتِقاءِ كَوكبَةٍ مِن الشُّهَداء، في مُقدِّمَتِهم: محمَّد نَصر صالِح، وبَحران شَقدَف، وعبد مليط؛ إلى جانِب إصابَةِ عَددٍ مِن الكَوادِرِ المَيدانيَّةِ الفاعِلة، مِثل: محمَّد حُسَين العاصي، ومُحسِن جُبران، وأَسعَد صالِح.
وفيما يَتَّصِل بِفصيل الشَّيخ سَيف مُقبِل، الذي بَرَزَت ضِمنَ صُفوفِه المُناضِلة دَعرة بِنْت سَعيد لَعضب، إلى جانِبِ مُقاتِلين مِن حالِمين، فقد قارَبَ قوامُه نَحو 350 مُقاتلًا. تم تَوزيعهم فور وصولهم لِواءِ حَجَّة إلى تَشكيلاتٍ فَرعيَّةٍ انتَشَرَت في مَناطِق بَيت الزُّرقة، ومَسور، والظَّفير، والهَجر. وقد شَهِدَت الأخيرة نَمطًا مِن الاشتِباكات المُطوَّلة، انتهى بِتَمكُّن القُوّات الجُمهوريَّة، بعدَ مُواجَهاتٍ استمرَّت لأكثرَ مِن 15 يَومًا، مِن استِعادةِ السَّيطرةِ عليها، وإلحاقِ خَسائرَ جَسيمة بالقُوّاتِ الإماميَّة. ولم تَلبَثَ تلك القُوّات أنْ عاوَدَت هَجماتها، غيرَ أنَّ الجُمهوريِّينَ نَجَحوا في صَدِّها، عَقِبَ مُواجهةٍ عَنيفةٍ سَقَطَ خِلالَها عددٌ من القَتلى، كانَ الشَّهيد عُمر هَيثم من أبرزهم.
وعلى ذِكرِ منطقةِ حالمين، وجب التذكيرُ أنَّ أبناءَها قَاموا بدورٍ ملحوظٍ في منظومةِ الدِّفاع عن الثورة السَّبتمبريّة؛ إذِ انخرطَ العشراتُ منهم ضمنَ تشكيلاتٍ قِتاليّةٍ قادها كلٌّ من الشيخِ عثمان بن محسن حسين الجبراني، وعبدالرحمن قاسم القاضي، وعبدالقوي إبراهيم. وقد اضطلعت هذه المجموعاتُ بمهامٍ عمليّاتيّةٍ في مَسارح جغرافيّة مُتعدّدة، تصدَّرتْها جبهتا حَجّة وصِرواح.
حَربُ #التَّحريرِ الشّاملة
عقبَ استكمالِ مهامِّها القتاليّة في جبهة المَحابشة، عَادت مجموعة ردفان الأولى إلى صنعاء، تَاركةً مَواقعَها لقوّاتٍ قبليّةٍ رديفةٍ قَادها الشيخ علي عبدالله عنان، في سياقٍ تَزامن مع الإعلانِ عن تَأسيسِ الجبهة القوميّة لتحرير الجنوب (يونيو 1963م)، وقد أفضت المُشاورات إلى نقل مركز الثقل الثوري إلى الجنوب، وتَدشين جَبهة #رَدفان بقيادة الشيخ لبوزة.
لَم يَكُن يَوم 14 أُكتوبر 1963م مَوعِدًا مُحدَّدًا سَلفًا لانطِلاق الثَّورة، بِقَدرِ ما شَكَّلَ لَحظةَ تَجَلٍّ لِقَرارٍ جَرى إنضاجُه في الدَّوائرِ القِياديَّة؛ حيث عادَ الشَّيخ لَبوزة مِن جَبهاتِ الشَّمال على رَأس قُوَّةٍ مُسلَّحةٍ قِوامُها نَحوَ 100 مُقاتِل، مُشبَعًا بِروحِ التَّحدِّي لِسُلطات الاحتِلال. ومَع أوَّلِ اشتِباكٍ مُسلَّحٍ في رَدفان، على خَلفيَّة رَفض مَطالِب نَزع السِّلاح، انطَلَقَت شَرارةُ الكِفاح المُسلَّح، وتَكرَّسَت باستِشهاد لَبوزة بوَصفِها نُقطَةَ تَحوُّلٍ مَفصِليَّةٍ قادَت إلى ثَورةٍ شامِلة.
ميدانيًّا، لم تكن المُواجهة حكرًا على الفاعلين الجنوبيّين؛ إذ أسهم مُقاتلون من الشمال، ومن بينهم سعيد الإبي، في العمليّاتِ القتاليّة والأنشطةِ الفدائيّة، ضمن نمطٍ من التَّكامل، شمل تهريبَ السلاح، وتأمينَ الإسناد. وقد واجهت تلك التشكيلاتُ ضغوطًا ميدانيّة مُكثّفة، وخسائر بشريّة في عددٍ من المحاور، منها #قعطبة التي تعرّضت لغاراتٍ جويّة، فضلًا عن مَدينتي البيضاء والراهدة.
ومع زيارة الزعيم جمال عبدالناصر لليمن (أبريل 1964م)، بَلغ الزَّخم الثوري ذروتَه؛ إذ أطلق من تَعِز خطابًا حماسيًّا، انطلقت بمُوجبه عمليّة (صلاح الدين)، التي اتّخذت من #تعز مقرًّا لقيادتها، ومن إذاعةِ تعز –التي تأسّست في منتصفِ ذات العام– صوتًا مُعبّرًا عن هويّتها. وقد شكّلت تلك المدينةُ وقرينتُها قَعْطَبَة ملاذًا آمنًا لأحرارِ الجنوب، وكانتا بحق مركز دعمِهم، ونقطةَ انطلاقِهم حتى تحقّق الاستقلال.
وفي سِياق تَتبُّع الأدوار النِّضاليَّة العابِرة للجُغرافيا، بَرَزَ الحُضور الكِفاحي لرَدفان كَرَكيزةٍ مَائزةٍ في الذَّودِ عن كينونة الثَّورة السبتمبريَّة؛ حيثُ شَهِدَ بداية عام 1963م تَدَفُّق أوَّل دُفعةٍ مِن أبنَائها تَحتَ قِيادة الشَّيخ #راجِح_لَبوزة، وفي أواخِر مَارس مِن العامِ ذاتِه، قَدِمَت دُفعةٌ ثانِيَةٌ بإمرةِ الشَّيخ سَيف مُقبِل #القُطيبي. وقد خَضَعَت تِلك الحُشود لِترتيبات استقبال وتنظيم في تَعِز وإب وصَنعاء وعَبْس، شَمِلَت إعادة التَّسليح بِبَنادِق (جَرْمَل)، قَبلَ الدَّفع بِها إلى قِطاعات المَحابِشة، وجَبَلَي الطور ويسلم، وُصولًا إلى حَجَّة؛ حيثُ اضطَلَعَت بِمَهام إسناد القُوّات الجُمهوريَّة المُرابِطة هُناك تَحت قِيادة المُلازِم محمَّد #الرُّعيني.
اتَّسَمَت تِلك المَسارات القِتاليَّة بِدَيمومَةٍ عَملِيّاتيَّةٍ نَاهَزَت تِسعةَ أَشهُر، وبَلَغَت ذَروتَها في مَعرَكة المَحابِشَة؛ حيثُ اجتَرَحَت مَجموعة الشَّيخ لَبوزة، المُكوَّنَة مِن 120 مُقاتلًا، مَلاحِمَ بُطوليَّة، وحقَّقَت اختِراقاتٍ في النَّسَقِ الدِّفاعي الإمامِي، وُصولًا إلى مَعرَكة فَك الحِصار عن مَدينَةِ حَجَّة. وقد تُوِّجَت تِلك التَّضحيات بارْتِقاءِ كَوكبَةٍ مِن الشُّهَداء، في مُقدِّمَتِهم: محمَّد نَصر صالِح، وبَحران شَقدَف، وعبد مليط؛ إلى جانِب إصابَةِ عَددٍ مِن الكَوادِرِ المَيدانيَّةِ الفاعِلة، مِثل: محمَّد حُسَين العاصي، ومُحسِن جُبران، وأَسعَد صالِح.
وفيما يَتَّصِل بِفصيل الشَّيخ سَيف مُقبِل، الذي بَرَزَت ضِمنَ صُفوفِه المُناضِلة دَعرة بِنْت سَعيد لَعضب، إلى جانِبِ مُقاتِلين مِن حالِمين، فقد قارَبَ قوامُه نَحو 350 مُقاتلًا. تم تَوزيعهم فور وصولهم لِواءِ حَجَّة إلى تَشكيلاتٍ فَرعيَّةٍ انتَشَرَت في مَناطِق بَيت الزُّرقة، ومَسور، والظَّفير، والهَجر. وقد شَهِدَت الأخيرة نَمطًا مِن الاشتِباكات المُطوَّلة، انتهى بِتَمكُّن القُوّات الجُمهوريَّة، بعدَ مُواجَهاتٍ استمرَّت لأكثرَ مِن 15 يَومًا، مِن استِعادةِ السَّيطرةِ عليها، وإلحاقِ خَسائرَ جَسيمة بالقُوّاتِ الإماميَّة. ولم تَلبَثَ تلك القُوّات أنْ عاوَدَت هَجماتها، غيرَ أنَّ الجُمهوريِّينَ نَجَحوا في صَدِّها، عَقِبَ مُواجهةٍ عَنيفةٍ سَقَطَ خِلالَها عددٌ من القَتلى، كانَ الشَّهيد عُمر هَيثم من أبرزهم.
وعلى ذِكرِ منطقةِ حالمين، وجب التذكيرُ أنَّ أبناءَها قَاموا بدورٍ ملحوظٍ في منظومةِ الدِّفاع عن الثورة السَّبتمبريّة؛ إذِ انخرطَ العشراتُ منهم ضمنَ تشكيلاتٍ قِتاليّةٍ قادها كلٌّ من الشيخِ عثمان بن محسن حسين الجبراني، وعبدالرحمن قاسم القاضي، وعبدالقوي إبراهيم. وقد اضطلعت هذه المجموعاتُ بمهامٍ عمليّاتيّةٍ في مَسارح جغرافيّة مُتعدّدة، تصدَّرتْها جبهتا حَجّة وصِرواح.
حَربُ #التَّحريرِ الشّاملة
عقبَ استكمالِ مهامِّها القتاليّة في جبهة المَحابشة، عَادت مجموعة ردفان الأولى إلى صنعاء، تَاركةً مَواقعَها لقوّاتٍ قبليّةٍ رديفةٍ قَادها الشيخ علي عبدالله عنان، في سياقٍ تَزامن مع الإعلانِ عن تَأسيسِ الجبهة القوميّة لتحرير الجنوب (يونيو 1963م)، وقد أفضت المُشاورات إلى نقل مركز الثقل الثوري إلى الجنوب، وتَدشين جَبهة #رَدفان بقيادة الشيخ لبوزة.
لَم يَكُن يَوم 14 أُكتوبر 1963م مَوعِدًا مُحدَّدًا سَلفًا لانطِلاق الثَّورة، بِقَدرِ ما شَكَّلَ لَحظةَ تَجَلٍّ لِقَرارٍ جَرى إنضاجُه في الدَّوائرِ القِياديَّة؛ حيث عادَ الشَّيخ لَبوزة مِن جَبهاتِ الشَّمال على رَأس قُوَّةٍ مُسلَّحةٍ قِوامُها نَحوَ 100 مُقاتِل، مُشبَعًا بِروحِ التَّحدِّي لِسُلطات الاحتِلال. ومَع أوَّلِ اشتِباكٍ مُسلَّحٍ في رَدفان، على خَلفيَّة رَفض مَطالِب نَزع السِّلاح، انطَلَقَت شَرارةُ الكِفاح المُسلَّح، وتَكرَّسَت باستِشهاد لَبوزة بوَصفِها نُقطَةَ تَحوُّلٍ مَفصِليَّةٍ قادَت إلى ثَورةٍ شامِلة.
ميدانيًّا، لم تكن المُواجهة حكرًا على الفاعلين الجنوبيّين؛ إذ أسهم مُقاتلون من الشمال، ومن بينهم سعيد الإبي، في العمليّاتِ القتاليّة والأنشطةِ الفدائيّة، ضمن نمطٍ من التَّكامل، شمل تهريبَ السلاح، وتأمينَ الإسناد. وقد واجهت تلك التشكيلاتُ ضغوطًا ميدانيّة مُكثّفة، وخسائر بشريّة في عددٍ من المحاور، منها #قعطبة التي تعرّضت لغاراتٍ جويّة، فضلًا عن مَدينتي البيضاء والراهدة.
ومع زيارة الزعيم جمال عبدالناصر لليمن (أبريل 1964م)، بَلغ الزَّخم الثوري ذروتَه؛ إذ أطلق من تَعِز خطابًا حماسيًّا، انطلقت بمُوجبه عمليّة (صلاح الدين)، التي اتّخذت من #تعز مقرًّا لقيادتها، ومن إذاعةِ تعز –التي تأسّست في منتصفِ ذات العام– صوتًا مُعبّرًا عن هويّتها. وقد شكّلت تلك المدينةُ وقرينتُها قَعْطَبَة ملاذًا آمنًا لأحرارِ الجنوب، وكانتا بحق مركز دعمِهم، ونقطةَ انطلاقِهم حتى تحقّق الاستقلال.