الفريد من موروث #يافع التليد
#خصال_بنات_الشرف_والناموس في #يافع
لمحة موجزة عن ابرز ملامح منظومة قيم #المرأة اليافعية الصالحة وخصالها المحمودة
عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابو نصر #اليافعي
إنَّ التراث الشفهي والأمثال الشعبية في جبال "يافع" المنيفة لم تكن مجرد كلمات تُقال، بل كانت سِجِلًّا أخلاقيًّا واجتماعيًّا يُجسّد فلسفة الحياة والعيش. وقد حظيت المرأة اليافعية بالحظ الأوفر من هذا الموروث، إذ رُسِمَت لها صورة جلية تجمع بين العنفوان والأنوثة، والصلابة والحنان، والعفة والتدبير. وفيما يلي استعراضٌ شامل لسمات المرأة اليافعية بين التقدير والتحفظ والذم:
أولًا: السِمات والمواصفات للمرأة اليافعية الصالحة التي كان الرجل يبحث عنها لبناء اسرة سعيدة :
١. #أصيلة بنت حسب ونسب : فاول ما يهتم الرجل باي امرآة للزواج منها ان تكون منتسبة الى عائلة ذات سمعة وصيت وذات نسب يشرف من يطلب القرب منهن .أَصِيلَة وبِنْتُ أُصُول: معدنٌ نفيث يُحتذى به؛ فإذا ما أُثْنِيَ عليها قيل: "بنتُ ناسٍ.. رحمة الله على أصلها".
٢. #شَرِيفَة عَفِيفَة: العفة عندها ليست خيارًا بل جوهر المروءة؛ تصون شرفها وشرف أهلها وزوجها، غاضّةً بصرها عما لا يحل، كافّةً يدها عما لا يجوز، ومُنَزَّهةً لسانها عن سقط القول وسيّئه.
٣. #صَمْصُومَة: قمة في النبل والاحترام؛ ترعى الأعراف والواجبات، تُكرِم الضيف، وتحنو على اليتيم، وتُجِلُّ الكبير، وتترفق بالصغير.
٤. #حَمْلَة_وصُرَّة وشَبَابَة صُعْد: اختزالٌ بلاغيٌّ عتيق لأركان الشريكة المثالية في العُرف اليافعي القديم؛ فمن أراد الخطبة والأنس، بحث عن بنتٍ تجمع بين الصلابة والتدبير. الحَمْلَة: قدرةٌ جثمانيةٌ وشموخُ كاهلٍ يحمل الحطب والعلف والماء عبر الشعاب والعِقاب. والصُرَّة: مَجْدُ الزراعة ورعاية الأنعام؛ إذ تُستغل الصُرَّة الجلدية لجمع الخَضار، وحمل السنابل في الحصاد، ونقل الحب بعد الدِّراس إلى "المِذْلاح" أو "المَدْفَن". أما شَبَابَة الصُعْد: فهي كناية على خبراتها وفنياتها في اجادة طبخ كل الوجبات اليافعية لاسيما صعبة الاعداد كطبخ العصيد بجودة عالية تحريك المذر مع ذر الطجين في في حركات احترافية سرسعة متقنة دون ان تتكون خثرات البراقط المعيبة لعصيد تعلوه الارة بعد ان تم انضاجة بالاستمرار بتلك الحركات الصعبة المزدوجة من حرك وذر اي نثر الطحين بداخل قشوة ترابية تترتكز على قاعدة ملساء متكورة بين مصعدتين بينهن ستعر ألسنة اللهب لساعات ، بل واشعال المافي والمجازفة بأدخال الايدي الناعمة في فوهته المتوهجة بلفحات حرارت الجمر التي تذيب ابفولاذ ، وذلك لشمّاط (طرق) الاقراص بداخلة ، ومثل تلك الاعمال لا تجيدها بل لايجرؤ على اقتحام تجربة التدرب عليها الا نساء استثنائيات وهن نساء الريف في يافع ومثالها من بلاد الريف العربية .
٥. #شَلْشُولَة وسَارِحَة آوِيَة: هي امرأةُ العزم والإنجاز، تَطوِي مهام بيتها وخارجه بروحٍ وثّادة وحركةٍ دائبة، تجمع بين المهارة، السرعة، والإتقان، فلا يدركها الوهن ولا يقعد بها الكسل.
٦. #صَبَّارَة ومُتَحَمِّدَة مُتَشَكِّرَة: مجسمٌ حيٌّ للقناعة ورضا النفس؛ إن جار الزمان عليها صبرت وحمدت، وإن فاضت نِعَمُه شكرت ورَجَت، طاهرة القول لا تـتأفف من شظف العيش، ولا تتبَرَّم بتقلبات الأحوال.
٧. #حَافِظَة صَايِنَة: سياجٌ متين من المبادئ والخيَم؛ تحفظ القيم النبيلة وتلوذ بفضائل الأخلاق، تترجم أصالتها حركاتٍ وسكناتٍ وقولًا سديدًا.
٨. #نَامُوسِيَّة ونَشْؤَايَة: الناموس هنا هو الكبرياء الجمالي والنظام الحياتي؛ تُعنى ببهائها الخارجي عبر "الهَرْد" و"الْوَرْس" والطِّيب والنظافة، وتَعمُر بيتها بالحفاوة، فتستقبل الضيف بالفراش المرفوع، والبخور الفوّاح، وجدائل الكرم. ومن قَصُرَت عن ذلك، وُسِمَت بـ "مكسورة الناموس".
٩. #بَرِيكَانَة و #صَايِمَة قَايِمَة: رقيقة القلب، خافضة الجناح، حانيةٌ متصدقة، تخشى الباري وتلتزم فرائضه، تطوف حول أوامره ونواهيه بقلبٍ وجلٍ ومؤمن.
١٠. بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ: أليفةُ المعاشَر، قائمةٌ بحق زوجها وأهله من العم والعمة والأحماء، تُلقي السمع بودٍّ وتسعى للرضا بصفاء.
١١. #لاتَشِلّ و #لاتَحُطّ: أَمِينَةُ السِّرّ، مغلقة الشفاه عن العورات، لا تنقل حديثًا ولا تذر في أرجاء القوم فتنة، بل هي ملجأ للسلام.
١٢. #مُتَنَحْوِيَة: عزيزة النفس، تترفع عن الدنايا، ذات كبرياءٍ يمنعها من السؤال أو شحذة العواطف.
١٣. #متحشمة : ذات حشمة تستطيع مسك رغباتها وشهواتها حتى وان كانت محتاجة للشيء تمنعها حشمتها من طلبه.
١٤. #مُكَهَّنَة وحَلْوَانِيَّة: المُكَهَّنَة: اللبيبة الذكية التي تعلو وجهها الابتسامة والدعابة. والحَلْوَانِيَّة: ساحرة الإشراق بطيبة سريرتها، عذبة اللسان، يطيبُ القرب منها ويُحَبَّ معشرها.
#خصال_بنات_الشرف_والناموس في #يافع
لمحة موجزة عن ابرز ملامح منظومة قيم #المرأة اليافعية الصالحة وخصالها المحمودة
عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابو نصر #اليافعي
إنَّ التراث الشفهي والأمثال الشعبية في جبال "يافع" المنيفة لم تكن مجرد كلمات تُقال، بل كانت سِجِلًّا أخلاقيًّا واجتماعيًّا يُجسّد فلسفة الحياة والعيش. وقد حظيت المرأة اليافعية بالحظ الأوفر من هذا الموروث، إذ رُسِمَت لها صورة جلية تجمع بين العنفوان والأنوثة، والصلابة والحنان، والعفة والتدبير. وفيما يلي استعراضٌ شامل لسمات المرأة اليافعية بين التقدير والتحفظ والذم:
أولًا: السِمات والمواصفات للمرأة اليافعية الصالحة التي كان الرجل يبحث عنها لبناء اسرة سعيدة :
١. #أصيلة بنت حسب ونسب : فاول ما يهتم الرجل باي امرآة للزواج منها ان تكون منتسبة الى عائلة ذات سمعة وصيت وذات نسب يشرف من يطلب القرب منهن .أَصِيلَة وبِنْتُ أُصُول: معدنٌ نفيث يُحتذى به؛ فإذا ما أُثْنِيَ عليها قيل: "بنتُ ناسٍ.. رحمة الله على أصلها".
٢. #شَرِيفَة عَفِيفَة: العفة عندها ليست خيارًا بل جوهر المروءة؛ تصون شرفها وشرف أهلها وزوجها، غاضّةً بصرها عما لا يحل، كافّةً يدها عما لا يجوز، ومُنَزَّهةً لسانها عن سقط القول وسيّئه.
٣. #صَمْصُومَة: قمة في النبل والاحترام؛ ترعى الأعراف والواجبات، تُكرِم الضيف، وتحنو على اليتيم، وتُجِلُّ الكبير، وتترفق بالصغير.
٤. #حَمْلَة_وصُرَّة وشَبَابَة صُعْد: اختزالٌ بلاغيٌّ عتيق لأركان الشريكة المثالية في العُرف اليافعي القديم؛ فمن أراد الخطبة والأنس، بحث عن بنتٍ تجمع بين الصلابة والتدبير. الحَمْلَة: قدرةٌ جثمانيةٌ وشموخُ كاهلٍ يحمل الحطب والعلف والماء عبر الشعاب والعِقاب. والصُرَّة: مَجْدُ الزراعة ورعاية الأنعام؛ إذ تُستغل الصُرَّة الجلدية لجمع الخَضار، وحمل السنابل في الحصاد، ونقل الحب بعد الدِّراس إلى "المِذْلاح" أو "المَدْفَن". أما شَبَابَة الصُعْد: فهي كناية على خبراتها وفنياتها في اجادة طبخ كل الوجبات اليافعية لاسيما صعبة الاعداد كطبخ العصيد بجودة عالية تحريك المذر مع ذر الطجين في في حركات احترافية سرسعة متقنة دون ان تتكون خثرات البراقط المعيبة لعصيد تعلوه الارة بعد ان تم انضاجة بالاستمرار بتلك الحركات الصعبة المزدوجة من حرك وذر اي نثر الطحين بداخل قشوة ترابية تترتكز على قاعدة ملساء متكورة بين مصعدتين بينهن ستعر ألسنة اللهب لساعات ، بل واشعال المافي والمجازفة بأدخال الايدي الناعمة في فوهته المتوهجة بلفحات حرارت الجمر التي تذيب ابفولاذ ، وذلك لشمّاط (طرق) الاقراص بداخلة ، ومثل تلك الاعمال لا تجيدها بل لايجرؤ على اقتحام تجربة التدرب عليها الا نساء استثنائيات وهن نساء الريف في يافع ومثالها من بلاد الريف العربية .
٥. #شَلْشُولَة وسَارِحَة آوِيَة: هي امرأةُ العزم والإنجاز، تَطوِي مهام بيتها وخارجه بروحٍ وثّادة وحركةٍ دائبة، تجمع بين المهارة، السرعة، والإتقان، فلا يدركها الوهن ولا يقعد بها الكسل.
٦. #صَبَّارَة ومُتَحَمِّدَة مُتَشَكِّرَة: مجسمٌ حيٌّ للقناعة ورضا النفس؛ إن جار الزمان عليها صبرت وحمدت، وإن فاضت نِعَمُه شكرت ورَجَت، طاهرة القول لا تـتأفف من شظف العيش، ولا تتبَرَّم بتقلبات الأحوال.
٧. #حَافِظَة صَايِنَة: سياجٌ متين من المبادئ والخيَم؛ تحفظ القيم النبيلة وتلوذ بفضائل الأخلاق، تترجم أصالتها حركاتٍ وسكناتٍ وقولًا سديدًا.
٨. #نَامُوسِيَّة ونَشْؤَايَة: الناموس هنا هو الكبرياء الجمالي والنظام الحياتي؛ تُعنى ببهائها الخارجي عبر "الهَرْد" و"الْوَرْس" والطِّيب والنظافة، وتَعمُر بيتها بالحفاوة، فتستقبل الضيف بالفراش المرفوع، والبخور الفوّاح، وجدائل الكرم. ومن قَصُرَت عن ذلك، وُسِمَت بـ "مكسورة الناموس".
٩. #بَرِيكَانَة و #صَايِمَة قَايِمَة: رقيقة القلب، خافضة الجناح، حانيةٌ متصدقة، تخشى الباري وتلتزم فرائضه، تطوف حول أوامره ونواهيه بقلبٍ وجلٍ ومؤمن.
١٠. بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ: أليفةُ المعاشَر، قائمةٌ بحق زوجها وأهله من العم والعمة والأحماء، تُلقي السمع بودٍّ وتسعى للرضا بصفاء.
١١. #لاتَشِلّ و #لاتَحُطّ: أَمِينَةُ السِّرّ، مغلقة الشفاه عن العورات، لا تنقل حديثًا ولا تذر في أرجاء القوم فتنة، بل هي ملجأ للسلام.
١٢. #مُتَنَحْوِيَة: عزيزة النفس، تترفع عن الدنايا، ذات كبرياءٍ يمنعها من السؤال أو شحذة العواطف.
١٣. #متحشمة : ذات حشمة تستطيع مسك رغباتها وشهواتها حتى وان كانت محتاجة للشيء تمنعها حشمتها من طلبه.
١٤. #مُكَهَّنَة وحَلْوَانِيَّة: المُكَهَّنَة: اللبيبة الذكية التي تعلو وجهها الابتسامة والدعابة. والحَلْوَانِيَّة: ساحرة الإشراق بطيبة سريرتها، عذبة اللسان، يطيبُ القرب منها ويُحَبَّ معشرها.
الفريد من موروث #يافع التليد
#الفوة
#الفُوَّةُ_اليافِعِيَّة..
حِكايَةُ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ بَيْنَ أَحْضانِ المَدَرَّجَاتِ الجَبَلِيَّة
كواحدة من أهم السلع النقدية في يافع قديماً.
عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي
تَتَسَامَى الجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ فِي سَرَاةِ "يَافِعَ" الأَشَمِّ، حَامِلَةً فِي طَيَّاتِ مَدَرَّجَاتِهَا الحَجَرِيَّةِ التَّلِيدَةِ سِفْراً خَالِداً مِنْ كِفَاحِ الإِنْسَانِ والأَرْضِ. وَمِنْ بَيْنِ ثَنَايَا تِلْكَ المَدَرَّجَاتِ العَتِيقَةِ، كَانَتْ تَنْبَثِقُ نَبْتَةٌ أَقْرَبُ إِلَى المُعْجِزَةِ، تَلَفَّعَتْ بِالخُضْرَةِ النَّضِرَةِ مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَبَّأَتْ فِي أَعْمَاقِ عُرُوقِهَا نَبْضاً قَانِياً أَرْوَى حَضَارَةً اقْتِصَادِيَّةً وَثَقَافِيَّةً كَامِلَةً؛ إنَّهَا نَبْتَةُ "الفُوَّة"، الذَّهَبُ الأَحْمَرُ الذِي أَعَادَ كِتَابَةَ تَارِيخِ التِّجَارَةِ وَالحِرَفِ فِي الجَنُوبِ العَرَبِيِّ.
البطاقة العلمية والشائعة للنبتة
البيانات
الاسم المحلي الشائع: الفُوَّةُ (أَوْ فُوَّةُ الصَّبَّاغِينَ / Fowah)
الاسم العلميRubia tinctorum (تَنْتَمِي إِلَى الفَصِيلَةِ الفُوِّيَةِ Rubiaceae)
الاسم الإنجليزيMadder
صفاتها: نبتة ناضرة الخضرة، ذات ساق رفيعة شبه مربعة، تنبت من كل عقلة فيها أوراق رمحية ذات تعريق متوازٍ (كما تبينه الصورة المرفقة ). وتتميز هذه الأوراق بخشونة أشبه بما يُسمى محلياً "الرشّين"؛ إذ تحوي شعيرات دقيقة لها خاصية الالتصاق والتماسك بالأجسام كالأسطح والأقمشة. وللنبتة عروق متشابكة تخرج منها عصارة حمراء اللون شديدة الثبات إذا ما صُبغت بها الجدران أو الأقمشة.
عبقرية زراعتها:
لَمْ تَكُنْ زِرَاعَةُ "الفُوَّةِ" فِي يَافِعَ جُزْءاً مِنَ المَحَاصِيلِ التَّقْلِيدِيَّةِ الَّتِي تُزَاحِمُ الحُبُوبَ فِي قَلْبِ التُّرْبَةِ، بَلْ جَسَّدَتْ عَبْقَرِيَّةً زِرَاعِيَّةً فَذَّةً لِلْفَلَّاحِ اليَافِعِيِّ. كَانَ الأَوَّلُونَ يَغْرِسُونَهَا بَيْنَ المَفَاصِلِ وَأَحْجَارِ الجُدْرَانِ المَائِلَةِ (السُّنُودِ) لِلْمَدَرَّجَاتِ الجَبَلِيَّةِ.
فِي هَذَا المَشْهَدِ، تَمْتَدُّ الأَغْصَانُ الخَضْرَاءُ الشَّائِكَةُ لِتَكْسُوَ حَوَافَّ الحِجَارَةِ، بَيْنَمَا تُمَوَّهُ العُرُوقُ والسِّهَامُ الجَذْرِيَّةُ فِي أَعْمَاقِ الجِدَارِ وَتَتَغَذَّى عَلَى الكُمُونِ. وَخلَالَ طُولِ العَامِ، يُقَصُّ جُزْؤُهَا الخَضَرِيُّ المُمْتَازُ لِيُقَدَّمَ كَأَجْوَدِ أَنْوَاعِ الأَعْلَافِ لِلْبَهَائِمِ؛ إذْ كَانَتْ صَبْغَتُهَا المَغْذَوِيَّةُ تُسَمِّنُ المَوَاشِيَ وَتُدِرُّ الأَلْبَانَ بِغَزَارَةٍ.
فَإِذَا أَقْبَلَ الشِّتَاءُ، وَحَانَ حَصَادُ "الكَنْزِ المَخْفِيِّ"، يَقُومُ المَزارِعُونَ بِفَكِّ أحْجَارِ الجُدْرَانِ الحَجَرِيَّةِ بِحِرْفِيَّةٍ؛ لِيَسْتَخْرِجُوا تِلْكَ العُرُوقَ الحَمْرَاءِ المُمْتَدَّةِ كَالشَّرَايِينِ فِي جَسَدِ المَدَرَّجِ. وَبَعْدَ إِفْرَاغِ المَحْصُولِ، يُعَادُ بِنَاءُ الجِدَارِ الحَجَرِيِّ؛ إذْ إنَّ مَا يَتَبَقَّى مِنْ زَوَايَا العُرُوقِ أَوْ الشَّتَلَاتِ الصَّغِيرَةِ بَيْن الصَّخْرِ كَفِيلٌ بِأَنْ يَبْعَثَ فِي النَّبْتَةِ الحَيَاةَ مِنْ جَدِيدٍ، لِتَعُودَ خَضْرَاءَ يَانِعَةً خِلَالَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ دُونَ الحَاجَةِ لإِعَادَةِ غَرْسِهَا.
العصب الاقتصادي: سلعة تربعت على رأس قوائم التصدير
لَمْ تَكُنْ الفُوَّةُ مُجَرَّدَ نَبْتَةٍ زِرَاعِيَّةٍ، بَلْ كَانَتْ عَصَبَ التِّجَارَةِ فِي يَاِفعَ وَواحِدَةً مِنْ أَهَمِّ السِّلَعِ النَّقْدِيَةِ الَّتِي تُصَدَّرُ عَبْرَ القَوَافِلِ. جَابَتْ صَبْغَةُ الفُوَّةِ المَحَامِلَ وَالأَسْوَاقَ إِلَى:
حَضْرَمَوْتَ وعُمَانَ
عَدَنَ وشَبْوَةَ وأَبْيَنَ
حَيْثُ كَانَتْ تُبَاعُ كَمَادَّةٍ أَوْلِيَةٍ ثَمِينَةٍ لِلصُّنَّاعِ والتُّجَّارِ، وَتُشَكِّلُ مَصْدَراً رَئِيسِياً لِدَخْلِ الأُسَرِ فِي جِبَالِ يَافِعَ.
أسلوب بيعها وتصديرها وشاهد من الذاكرة
بعد استخراج عروقها كان يتم تجفيفها تحت الشمس، ثم تُعبَّأ في أكياس وتُوزَن بالرطل.
وأتذكر -أنا كاتب هذه السطور- أن آخر مرة قمتُ فيها باستخراج عروقها كانت عندما تم شق طريق السيارات في جبلنا (جبل السنيدي-كَلَد باعتباره من أشهر مواطن زراعة الفوّة في يافع)؛ إذ مرت الطريق في مدرجات زراعية تُزرع فيها الفوّة ضمن أملاكنا في نهاية عام 1989م، فقمتُ باستخراج أكثر من 80 "جونية" (خيشة)، فبعتها للحاج حسين ثابت مقور السنيدي، وكان أحد تجارها الموردين لها إلى أسواق أبين، بسعر 35 شلناً للرطل، وحصلتُ حينها على مبلغ تجاوز 18,000 شلن (أي ما يعادل 700 دينار).
#الفوة
#الفُوَّةُ_اليافِعِيَّة..
حِكايَةُ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ بَيْنَ أَحْضانِ المَدَرَّجَاتِ الجَبَلِيَّة
كواحدة من أهم السلع النقدية في يافع قديماً.
عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصر #اليافعي
تَتَسَامَى الجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ فِي سَرَاةِ "يَافِعَ" الأَشَمِّ، حَامِلَةً فِي طَيَّاتِ مَدَرَّجَاتِهَا الحَجَرِيَّةِ التَّلِيدَةِ سِفْراً خَالِداً مِنْ كِفَاحِ الإِنْسَانِ والأَرْضِ. وَمِنْ بَيْنِ ثَنَايَا تِلْكَ المَدَرَّجَاتِ العَتِيقَةِ، كَانَتْ تَنْبَثِقُ نَبْتَةٌ أَقْرَبُ إِلَى المُعْجِزَةِ، تَلَفَّعَتْ بِالخُضْرَةِ النَّضِرَةِ مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَبَّأَتْ فِي أَعْمَاقِ عُرُوقِهَا نَبْضاً قَانِياً أَرْوَى حَضَارَةً اقْتِصَادِيَّةً وَثَقَافِيَّةً كَامِلَةً؛ إنَّهَا نَبْتَةُ "الفُوَّة"، الذَّهَبُ الأَحْمَرُ الذِي أَعَادَ كِتَابَةَ تَارِيخِ التِّجَارَةِ وَالحِرَفِ فِي الجَنُوبِ العَرَبِيِّ.
البطاقة العلمية والشائعة للنبتة
البيانات
الاسم المحلي الشائع: الفُوَّةُ (أَوْ فُوَّةُ الصَّبَّاغِينَ / Fowah)
الاسم العلميRubia tinctorum (تَنْتَمِي إِلَى الفَصِيلَةِ الفُوِّيَةِ Rubiaceae)
الاسم الإنجليزيMadder
صفاتها: نبتة ناضرة الخضرة، ذات ساق رفيعة شبه مربعة، تنبت من كل عقلة فيها أوراق رمحية ذات تعريق متوازٍ (كما تبينه الصورة المرفقة ). وتتميز هذه الأوراق بخشونة أشبه بما يُسمى محلياً "الرشّين"؛ إذ تحوي شعيرات دقيقة لها خاصية الالتصاق والتماسك بالأجسام كالأسطح والأقمشة. وللنبتة عروق متشابكة تخرج منها عصارة حمراء اللون شديدة الثبات إذا ما صُبغت بها الجدران أو الأقمشة.
عبقرية زراعتها:
لَمْ تَكُنْ زِرَاعَةُ "الفُوَّةِ" فِي يَافِعَ جُزْءاً مِنَ المَحَاصِيلِ التَّقْلِيدِيَّةِ الَّتِي تُزَاحِمُ الحُبُوبَ فِي قَلْبِ التُّرْبَةِ، بَلْ جَسَّدَتْ عَبْقَرِيَّةً زِرَاعِيَّةً فَذَّةً لِلْفَلَّاحِ اليَافِعِيِّ. كَانَ الأَوَّلُونَ يَغْرِسُونَهَا بَيْنَ المَفَاصِلِ وَأَحْجَارِ الجُدْرَانِ المَائِلَةِ (السُّنُودِ) لِلْمَدَرَّجَاتِ الجَبَلِيَّةِ.
فِي هَذَا المَشْهَدِ، تَمْتَدُّ الأَغْصَانُ الخَضْرَاءُ الشَّائِكَةُ لِتَكْسُوَ حَوَافَّ الحِجَارَةِ، بَيْنَمَا تُمَوَّهُ العُرُوقُ والسِّهَامُ الجَذْرِيَّةُ فِي أَعْمَاقِ الجِدَارِ وَتَتَغَذَّى عَلَى الكُمُونِ. وَخلَالَ طُولِ العَامِ، يُقَصُّ جُزْؤُهَا الخَضَرِيُّ المُمْتَازُ لِيُقَدَّمَ كَأَجْوَدِ أَنْوَاعِ الأَعْلَافِ لِلْبَهَائِمِ؛ إذْ كَانَتْ صَبْغَتُهَا المَغْذَوِيَّةُ تُسَمِّنُ المَوَاشِيَ وَتُدِرُّ الأَلْبَانَ بِغَزَارَةٍ.
فَإِذَا أَقْبَلَ الشِّتَاءُ، وَحَانَ حَصَادُ "الكَنْزِ المَخْفِيِّ"، يَقُومُ المَزارِعُونَ بِفَكِّ أحْجَارِ الجُدْرَانِ الحَجَرِيَّةِ بِحِرْفِيَّةٍ؛ لِيَسْتَخْرِجُوا تِلْكَ العُرُوقَ الحَمْرَاءِ المُمْتَدَّةِ كَالشَّرَايِينِ فِي جَسَدِ المَدَرَّجِ. وَبَعْدَ إِفْرَاغِ المَحْصُولِ، يُعَادُ بِنَاءُ الجِدَارِ الحَجَرِيِّ؛ إذْ إنَّ مَا يَتَبَقَّى مِنْ زَوَايَا العُرُوقِ أَوْ الشَّتَلَاتِ الصَّغِيرَةِ بَيْن الصَّخْرِ كَفِيلٌ بِأَنْ يَبْعَثَ فِي النَّبْتَةِ الحَيَاةَ مِنْ جَدِيدٍ، لِتَعُودَ خَضْرَاءَ يَانِعَةً خِلَالَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ دُونَ الحَاجَةِ لإِعَادَةِ غَرْسِهَا.
العصب الاقتصادي: سلعة تربعت على رأس قوائم التصدير
لَمْ تَكُنْ الفُوَّةُ مُجَرَّدَ نَبْتَةٍ زِرَاعِيَّةٍ، بَلْ كَانَتْ عَصَبَ التِّجَارَةِ فِي يَاِفعَ وَواحِدَةً مِنْ أَهَمِّ السِّلَعِ النَّقْدِيَةِ الَّتِي تُصَدَّرُ عَبْرَ القَوَافِلِ. جَابَتْ صَبْغَةُ الفُوَّةِ المَحَامِلَ وَالأَسْوَاقَ إِلَى:
حَضْرَمَوْتَ وعُمَانَ
عَدَنَ وشَبْوَةَ وأَبْيَنَ
حَيْثُ كَانَتْ تُبَاعُ كَمَادَّةٍ أَوْلِيَةٍ ثَمِينَةٍ لِلصُّنَّاعِ والتُّجَّارِ، وَتُشَكِّلُ مَصْدَراً رَئِيسِياً لِدَخْلِ الأُسَرِ فِي جِبَالِ يَافِعَ.
أسلوب بيعها وتصديرها وشاهد من الذاكرة
بعد استخراج عروقها كان يتم تجفيفها تحت الشمس، ثم تُعبَّأ في أكياس وتُوزَن بالرطل.
وأتذكر -أنا كاتب هذه السطور- أن آخر مرة قمتُ فيها باستخراج عروقها كانت عندما تم شق طريق السيارات في جبلنا (جبل السنيدي-كَلَد باعتباره من أشهر مواطن زراعة الفوّة في يافع)؛ إذ مرت الطريق في مدرجات زراعية تُزرع فيها الفوّة ضمن أملاكنا في نهاية عام 1989م، فقمتُ باستخراج أكثر من 80 "جونية" (خيشة)، فبعتها للحاج حسين ثابت مقور السنيدي، وكان أحد تجارها الموردين لها إلى أسواق أبين، بسعر 35 شلناً للرطل، وحصلتُ حينها على مبلغ تجاوز 18,000 شلن (أي ما يعادل 700 دينار).
الفريد من موروث #يافع التليد
#المعاجز_اللفظية
في يافع زمان هندسة الكلام ورياضة الألسُن في ليالي السمر
عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصراليافعي
في سُكونِ الليالي اليافعية الدامسة، وحين كانت الـمَواقدُ تُشعِلُ الدفءَ في الـمَجالس، لم تكن "المعاجز اللفظية" (أو ما يُعرف بالتّنافس اللغوي) مجرد تزجيةٍ للوقت أو لغواً عابراً، بل كانت طقساً اجتماعياً وثقافياً بديعاً، يتآزرُ فيه الذكاءُ مع الطرفة، وتتحول فيه الحروف إلى ميادين لسباق الألسن ومحكّاتٍ لفصاحة البيان.
تمهيد: رياضات اللسان ومدارس البهجة الأولى
كانت هذه المعاجز اللفظية تُمثّلُ الرئةَ التي تتنفس منها المجموعات في ليالي السمر؛ فتخلقُ أجواءً من البهجة والقهقهات الصافية كلما تعثر لسانٌ أو زلّت قريحة. بيد أن دورها الأعمق كان يكمن في البُعد التربوي والعصبي الذي فطنت له الموروثات الشعبية بذكاءٍ فطري؛ إذ اتخذها الآباء والأمهات والجدات تمريناً لغوياً شاقاً وممتعاً للأطفال.
لقد كانت هذه التحديات اللغوية بمثابة "علاج نطقٍ" قديم ومسبارٍ للطلاقة؛ فهي لا تُكسب الطفل جودة المخارج وحسب، بل تُدرّب دماغه على سرعة البديهة، والقدرة على التفكير والتجريد والتحليل السريع للتركيب الصوتي للكلمات أثناء نطقها المتواتر السريع. إنها مدرسةٌ شعبية لتطويع اللسان وإكسابه سيولةً لفظية تفرز قدراً عالياً من الذكاء اللغوي لدى الناشئة.
أولاً: النماذج الشعبية... التحديات الصوتية المحبوكة
تنبتُ المعاجز اللفظية أساساً من تتابع حروفٍ متقاربة المخارج أو متصارعة الصوتيات؛ فتراكب (الثاء) مع (الخاء)، أو تصارع (السين) مع (الشين)، و(الطاء) مع (الظاء)، وتشابك (الزاي) و(الراء) بـ (اللام)، يشكل مأزقاً حركياً للفم يستدعي تركيزاً ذهنياً عالياً.
ومن أشهر تلك الألغاز الشعبية المتداولة التي سار بها الركبان في يافع:
اختبار الحابس والمحبوس: «خَشَبَةُ الحَبْسِ حَبَسَتْ سَبْعَ خَشَبَاتٍ» أو «حَبَسَتْنِي خَشَبَةُ الحَبْسِ».
صراع السين والشين: «بَسْبَسْ سَبَّ حُبّ»، و«فَاءُ شَطْزَهْ»، و«شَحْمُ حِبْرَهْ وَلَحْمُ حِبْرَهْ»، و«ذي بش بختش وذي بختش بش».
المفارقات التكرارية: «تَلُمَّ ثُومَهْ وَتَلُمَّ خَوْخَهْ»، و«تَلُمَّ ثُومَهْ وَتَلُمَّ تِينَهْ»، إضافة إلى قولهم: «سَيَسْبَانَتُنَا خَيْرٌ مِنْ سَيَسْبَانَتِكُمْ».
التشابك الصوتي المعقد: «لَمَسْتُ الخَلَّ مِنْ قَاعِ الخَلّ، آهْ يَا الخَلَّ الـمُصَفَّى!»، و«رَوْبِي رُورُوتْ مِنْ حَيْدِ مَرَّ... فَوْقَ رِمَالٍ»، و«شُتْخِذْ بِي، وَشُتْخِذْ بِي، وَشُتْخِذْ بِي».
والأمثلة هنا لا حصر لها، وإنما دعونا نضيف لكم بعضاً منها:
ذيلة الكبش لسود بالشُقف باللقُف ياقلقلة.
يا ذا الغراب القوقي يا طالع الحيد الشقي .
خُشم خبز وخشم لحم.
ابرتي وابرة امي تكسكسة واتوركسة جا خدرة ابرة امي.
من رخل حرفف حرّة وحرّة خلف رخل.
ولخ وراء خيرة وخيرة وراء ولخ.
حَطَّابنا خبط حطَّابَ بيت الخطيب خبطة؛ وحَطَّاب بيت الخطيب خبط حطَّابنا خبطتين.
وبري تورور من حيد منور حط فوق مروة من مرو منور.
حبة الحشنطز بالحيد لشطز بالصفاء شطزت.
وهناك بعضها يتكون من كلمة واحدة، مثل:
خعاخع.
ماتستبسطها.
ثانياً: المعاجز اللفظية في القريض والزوامل الشعرية
لم تكن المعاجز اللفظية حبيسة الموروث الشفاهي للأطفال والسمّار فقط، بل تسربت إلى قريحة كبار شعراء يافع؛ فصاغوا منها زوامل وقصائد محبوكة بعناية فائقة، تداخلت فيها الألفاظ وتزاحمت الحروف لتُبهر المتلقي وتختبر قدرة الشاعر المتردّد للشعر على الإلقاء دون تعثر.
فنجد الشاعر محمد عبدالله عبد الرب يخوض في هذا الفن ببراعةٍ في قوله:
واكرمكم الله ماشخط كاتب بخط ...
عد النقط ذي بالكتاب اتنقطه
بينما يذهب الشاعر صالح سند إلى تشكيلٍ حروفي يسلب الألباب بتداخله وموسيقاه الجافة السريعة:
من بحر رجرج خرج ينهم من الطلسم ... من الحياطات بالتاريخ والعنوان
خُدلّج ابلج مدلّج غاني المبسم ...
من الغنج لا تعنوج ماتري لسنان
شلخوم شخطا مشلخم شوحطي شلخم ... خط القلم بالمرقّم واحكم القيفان
وفي مظاهر التحدي بين الشعراء، تبرز المساجلات والزوامل كقول الشاعر قاسم عوض المحبوش:
وا دوائي ودائي وا دواء من تونش ... وا مرد القوى للجسم بعد التوناش
وكذا ما ورد في قصائد الشاعر الكبير يحيى عمر أبو معجب بقصيدته الجيمية الشهيرة عندما قال:
الا بات ابو معجب ملجلج ملج لج ... وسط بحر قد لمت عليه املجالجي ... الخ
وقول كاتب هذه السطور (أبو نصر):
قلبي رجز واهتز في صدري وفز ... للباز ذي حاز المعزة بامتياز
من فيه انا معتز له مني برز ... سلام يجتاز الحواجز بالجهاز
والتي تُبدي كيف تحوّل هذا اللعب اللفظي إلى نسيجٍ متين يُبرز قدرة الشاعر على الامتلاك الكامل لأزمّة اللغة وموسيقاها الداخلية.
#المعاجز_اللفظية
في يافع زمان هندسة الكلام ورياضة الألسُن في ليالي السمر
عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابونصراليافعي
في سُكونِ الليالي اليافعية الدامسة، وحين كانت الـمَواقدُ تُشعِلُ الدفءَ في الـمَجالس، لم تكن "المعاجز اللفظية" (أو ما يُعرف بالتّنافس اللغوي) مجرد تزجيةٍ للوقت أو لغواً عابراً، بل كانت طقساً اجتماعياً وثقافياً بديعاً، يتآزرُ فيه الذكاءُ مع الطرفة، وتتحول فيه الحروف إلى ميادين لسباق الألسن ومحكّاتٍ لفصاحة البيان.
تمهيد: رياضات اللسان ومدارس البهجة الأولى
كانت هذه المعاجز اللفظية تُمثّلُ الرئةَ التي تتنفس منها المجموعات في ليالي السمر؛ فتخلقُ أجواءً من البهجة والقهقهات الصافية كلما تعثر لسانٌ أو زلّت قريحة. بيد أن دورها الأعمق كان يكمن في البُعد التربوي والعصبي الذي فطنت له الموروثات الشعبية بذكاءٍ فطري؛ إذ اتخذها الآباء والأمهات والجدات تمريناً لغوياً شاقاً وممتعاً للأطفال.
لقد كانت هذه التحديات اللغوية بمثابة "علاج نطقٍ" قديم ومسبارٍ للطلاقة؛ فهي لا تُكسب الطفل جودة المخارج وحسب، بل تُدرّب دماغه على سرعة البديهة، والقدرة على التفكير والتجريد والتحليل السريع للتركيب الصوتي للكلمات أثناء نطقها المتواتر السريع. إنها مدرسةٌ شعبية لتطويع اللسان وإكسابه سيولةً لفظية تفرز قدراً عالياً من الذكاء اللغوي لدى الناشئة.
أولاً: النماذج الشعبية... التحديات الصوتية المحبوكة
تنبتُ المعاجز اللفظية أساساً من تتابع حروفٍ متقاربة المخارج أو متصارعة الصوتيات؛ فتراكب (الثاء) مع (الخاء)، أو تصارع (السين) مع (الشين)، و(الطاء) مع (الظاء)، وتشابك (الزاي) و(الراء) بـ (اللام)، يشكل مأزقاً حركياً للفم يستدعي تركيزاً ذهنياً عالياً.
ومن أشهر تلك الألغاز الشعبية المتداولة التي سار بها الركبان في يافع:
اختبار الحابس والمحبوس: «خَشَبَةُ الحَبْسِ حَبَسَتْ سَبْعَ خَشَبَاتٍ» أو «حَبَسَتْنِي خَشَبَةُ الحَبْسِ».
صراع السين والشين: «بَسْبَسْ سَبَّ حُبّ»، و«فَاءُ شَطْزَهْ»، و«شَحْمُ حِبْرَهْ وَلَحْمُ حِبْرَهْ»، و«ذي بش بختش وذي بختش بش».
المفارقات التكرارية: «تَلُمَّ ثُومَهْ وَتَلُمَّ خَوْخَهْ»، و«تَلُمَّ ثُومَهْ وَتَلُمَّ تِينَهْ»، إضافة إلى قولهم: «سَيَسْبَانَتُنَا خَيْرٌ مِنْ سَيَسْبَانَتِكُمْ».
التشابك الصوتي المعقد: «لَمَسْتُ الخَلَّ مِنْ قَاعِ الخَلّ، آهْ يَا الخَلَّ الـمُصَفَّى!»، و«رَوْبِي رُورُوتْ مِنْ حَيْدِ مَرَّ... فَوْقَ رِمَالٍ»، و«شُتْخِذْ بِي، وَشُتْخِذْ بِي، وَشُتْخِذْ بِي».
والأمثلة هنا لا حصر لها، وإنما دعونا نضيف لكم بعضاً منها:
ذيلة الكبش لسود بالشُقف باللقُف ياقلقلة.
يا ذا الغراب القوقي يا طالع الحيد الشقي .
خُشم خبز وخشم لحم.
ابرتي وابرة امي تكسكسة واتوركسة جا خدرة ابرة امي.
من رخل حرفف حرّة وحرّة خلف رخل.
ولخ وراء خيرة وخيرة وراء ولخ.
حَطَّابنا خبط حطَّابَ بيت الخطيب خبطة؛ وحَطَّاب بيت الخطيب خبط حطَّابنا خبطتين.
وبري تورور من حيد منور حط فوق مروة من مرو منور.
حبة الحشنطز بالحيد لشطز بالصفاء شطزت.
وهناك بعضها يتكون من كلمة واحدة، مثل:
خعاخع.
ماتستبسطها.
ثانياً: المعاجز اللفظية في القريض والزوامل الشعرية
لم تكن المعاجز اللفظية حبيسة الموروث الشفاهي للأطفال والسمّار فقط، بل تسربت إلى قريحة كبار شعراء يافع؛ فصاغوا منها زوامل وقصائد محبوكة بعناية فائقة، تداخلت فيها الألفاظ وتزاحمت الحروف لتُبهر المتلقي وتختبر قدرة الشاعر المتردّد للشعر على الإلقاء دون تعثر.
فنجد الشاعر محمد عبدالله عبد الرب يخوض في هذا الفن ببراعةٍ في قوله:
واكرمكم الله ماشخط كاتب بخط ...
عد النقط ذي بالكتاب اتنقطه
بينما يذهب الشاعر صالح سند إلى تشكيلٍ حروفي يسلب الألباب بتداخله وموسيقاه الجافة السريعة:
من بحر رجرج خرج ينهم من الطلسم ... من الحياطات بالتاريخ والعنوان
خُدلّج ابلج مدلّج غاني المبسم ...
من الغنج لا تعنوج ماتري لسنان
شلخوم شخطا مشلخم شوحطي شلخم ... خط القلم بالمرقّم واحكم القيفان
وفي مظاهر التحدي بين الشعراء، تبرز المساجلات والزوامل كقول الشاعر قاسم عوض المحبوش:
وا دوائي ودائي وا دواء من تونش ... وا مرد القوى للجسم بعد التوناش
وكذا ما ورد في قصائد الشاعر الكبير يحيى عمر أبو معجب بقصيدته الجيمية الشهيرة عندما قال:
الا بات ابو معجب ملجلج ملج لج ... وسط بحر قد لمت عليه املجالجي ... الخ
وقول كاتب هذه السطور (أبو نصر):
قلبي رجز واهتز في صدري وفز ... للباز ذي حاز المعزة بامتياز
من فيه انا معتز له مني برز ... سلام يجتاز الحواجز بالجهاز
والتي تُبدي كيف تحوّل هذا اللعب اللفظي إلى نسيجٍ متين يُبرز قدرة الشاعر على الامتلاك الكامل لأزمّة اللغة وموسيقاها الداخلية.