اليمن_تاريخ_وثقافة
14.6K subscribers
152K photos
361 videos
2.28K files
25.4K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
(التليد من موروث #يافع الفريد)

#القشاء (#القشوة )
وصناعاته الطينية التي تمثل
علاقة الانسان اليافعي الازلية بالطين .

اعداد /عبدالفتاح نصر #السنيدي
( الشتيت ابونصر #اليافعي)

اولاً: البعد الديني :
قال تعالى في ​سورة السجدة (الآية 7):
​{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ}
تعتبر من أوضح الآيات التي تبين ارتباط الانسان بالطين منذ بداية خلق جنس البشر (آدم عليه السلام) التي كانت من مادة الطين أمه الاولى و أساس تكوينة الجسدي .
ولعل هذا الأرتباط الروحي الوثيق بابطين والارض جعل الانسان يحن دوما الى حظن امه الاولى منذ سفر التكوين الاول ، والطين بالنسبة للانسان اليافعي ليست تلك التربة الزراعية التي اتخذ منها اجدادنا مصدرا للقوت حتى غلفوا بطون وظهور الجبال بالمدرجات ، ولا ذلك الخلب الذي عانق الأحجار في تشييد القصور الشامخات فحسب ، بل كان للطين لوحات صاغتها ايادي القشائين ( #مدار = مدارين ) الاوائل تمثلت بادوات واواني المأكل والمشرب المتوارثة منذ عرف بداية تفتقة الفكر الإنساني وتشكل الحياة العاقلة حتى ظهر القشائين وصناعة القشوة .
اول معلمين وملهمين الانسان .
هي تلك المخلوقات التي أودع الله سبحانه وتعالى فيها غرائز مدهشة للهندسة والبناء، وجعل من "الطين" مادة أساسية تعتمد عليها تلك الكائنات الحية لتشييد مساكن مخروطة بدقة بالغة تحميها من عوادي الطبيعة والأعداء.
المعلمين الاوائل للانسان
لم تاتي هذه الحرفة للانسان بالصدفة بل هو الهام من الله من خلال أبرز المعلمين للانسان في استخدام الطين كعنصر أساسي ووسيلة من وسائل حياته ؛هي بعض الكائنات الحية من مخلوقات الله التي رآها تبني بيوتها بدقة وحرفية متناهية '
ومن ابرز تلك المخلوقات:
​1. بعض الطيور مثل ماتسمى محليا ب "طيور السيل" والسنونو (الخطاف) وطيور اللقلق
​تُعد بعض هذه الأنواع الطيور، وخاصة طيور السنونو (Swallows)، من أمهر البنائين بالطين في عالم الحيوان.
2. الحِربان جمع حِربي وبانية الخير وهي "دبابير الطين (الزنابير الطّينة)" ​يوجد نوع شهير من الحشرات يُعرف بـ "الدبور البنّاء" (Mud Dauber).
3. الكببة " الأرضة" و "النمل الأبيض" (اليَخُور / المَشْط) ​يبني النمل الأبيض مستعمرات وقلاعاً طينية شاهقة وضخمة في بعض البيئات، تُعتبر معجزة هندسية في التهوية والتبريد الذاتي، حيث يخلط الطين بإفرازاته ليصبح بصلابة الصخر.

ثانياً: الدلالات اللغوية لمفردة قشُاء التي كانت تطلق في يافع على الحرفي والخبير بصناعة الادوات من خامات الطين .
وللغوص في اغوار اللغة نجد ان هذه التسمية قد اشتقت من اسم اهم أداة يصنعها وهي " #القشوة ".
و في اللسان العربي القديم، وتحديداً في لهجة #يافع #الحميرية وامتداداتها في جنوب شبه الجزيرة العربية، تُعد مفردة "القشوة" من الشواهد اللغوية الحية على تفاعل الإنسان مع بيئته وطريقة تطويعه للمواد.
​إذا تتبعنا الجذور اللغوية والاشتقاقية لهذه المفردة في المعاجم العربية واللسان الحميري، نجد لها توجيهاً دلالياً بليغاً يربط بين "الاسم" و"طبيعة الصنع والوظيفة"، وذلك عبر الاحتمالات اللغوية التالية:
​1. الجذر (ق ش و) أو (ق ش ي): القشرة والغطاء الخارجي
​في معجم مقاييس اللغة لابن فارس والقاموس المحيط، يدور جذر "قَشَا" أو "قَشَى" حول معنى التغطية، أو نزع القشرة، أو الشيء الذي يَبْسُ ويجفّ فيكون كالقشرة.
​علاقتها بالأداة: عندما يُصنع قدر الطين، فإنه يمر بمرحلة الجفاف (اليُبس) حتى يصبح له غلاف خارجي صلب وقاسٍ كالقشرة المحروقة بفعل النار (التخزف).
​وفي بعض الاستعمالات اللحميرية القديمة، يُطلق اللفظ على الوعاء الذي يقشر فيه الشيء أو يحويه كالغلاف.
​2. التداخل مع الجذر (ق ش ف): اليُبس والخشونة
​في لسان العرب، المُقْشَفّ أو القَشَف هو الشيء الذي جفّ وتغيّر وظهرت عليه الخشونة من أثر البيئة أو النار. وقدر الطين (القشوة) يتميز بخشونة ملمسه الخارجي قبل الصقل وبعد الطبخ في المحرق، حيث يكتسب صلابة وخشونة تميزه عن أواني المعادن، فكأن اللفظ عُدّل تخفيفاً في اللسان اليافعي من القشافة أو اليُبس إلى "قشوة" للدلالة على الإناء الخارجي الخشن والصلب.
​3. الدلالة الوظيفية في الموروث الحميري واليافعي
​الوعاء الطيني (القشوة) يتميز بجدرانه السميكة التي تحفظ الحرارة بداخلها وتمنع احتراق الطعام (العصيد أو اللحم) مباشرة بالنار، بل تنضجه بالتدريج. هذه السماكة والصلابة تجعل الإناء بمثابة "الحصن أو القشرة الواقية" للطعام المقذوف في جوفه؛ ومن هنا جاءت التسمية لتربط بين صلابة جدار الطين المحروق ووظيفته الحافظة.
​فائدة في الفصيح والعامّي:
​المثير للاهتمام أن كلمة "القشوة" في بعض المعاجم العربية القديمة تُطلق أيضاً على "سلة مستديرة مغشاة بجلد تُحفظ فيها الثياب أو الطيب"، مما يؤكد أن دلالة اللفظ تدور دائماً حول الوعاء المستدير المحكم الحافظ لما في داخله. وفي لسان يافع، نُقلت هذه الدلالة ببراعة لتُطلق حصراً على ذلك القدر الطيني المهيب الذي يحتضن "العصيد واللحم" وينضجه على مهل الجمر.

ثالثاً:
العمق التاريخي لمهنة #القشاء في صناعة القشي :
بما ان الطين رفيقة الأنامل الأولى
​مذ وعى الإنسان الأول وجوده على هذه البسيطة، حين تطلعت عيناه نحو الأرض التي يطأها، فلم يجد أحنّ عليه ولا أطوع لبنانه من أديمها. إن صناعة الفخار والخزف على يد القشائين في يافع ليست مجرد حرفة يدوية غابرة، بل هي التوقيع الحضاري الأول الذي خطه الإنسان على صفحات التاريخ منذ العصور الحجرية السحيقة.
​قبل أن يعرف البشر صهر المعادن وتشكيل الحديد، كان الطين هو العجينة السحرية التي روّضها الصياد والزارع الأول. لقد كانت هذه الحرفة بمثابة القفزة الوجودية العظمى؛ حيث تحول الإنسان من مرحلة الاستهلاك والاتكال على ما تجود به الطبيعة في صورتها الخام، إلى مرحلة الخلق والابتكار، محولاً حفنة من التراب المبلل بالماء، بفعل جذوة النار، إلى أوعية تحفظ قوته، وتصون حياته، وتعلن ولادة الفجر الحرفي للبشرية.

​رابعاً:
معجم الآنية الترابية اليافعية وأسرارها.
​تعددت الخامات الطينية وتنوعت أسماؤها في لسان اليفع الحميريين القدامى ، فكان "المَدَر" وهو الطين اللزج الصلب المتماسك، و"الحَرَض"، و"الخزف" بعد أن تشويه النار وتكسبه صلابة الصخر. ومن هذه الخامات الطاهرة، غزل الأجداد بأيديهم الخشنة معجمًا من الآنية والنشور الحياتية التي غدت عصب البيت وروح المعيشة، ومنها:
#القشوة : ذلك القدر الطيني المهيب، المصنوع بعناية ليتحمل الصبر على لهب النار، حيث ينضج فيه اللحم على مهل، ويعصَد فيه العصيد اليافعي لتخرج كرمًا دافئًا يملأ البطون.
وقد تتراوح احجامها مابسن المتوسط الذي يتسع لجمسة لتر الى القشي العملاقة التي كانت تطبخ بها ولائم العزائم زمان لتتسع الى اكثر من ذبيحتين غنم .
#المحمس ​المقلال الترابي: مقلاة الأرض العريضة، التي تتهادى عليها أقراص الخبز البر، فتكتسب من حمرة الطين نكهة لا تجاريها أحدث مواقد العصر.
#القروة: الإناء الصغير المستدير، الذي يُقرب إلى الشفاه بشغف، ليُشرب منه المرق الساخن، أو تُرتشف فيه القهوة المرة الفواحة بيقظة الصباح.
​المافي (#الموفى): التنور الطيني القابع في زاوية البيت كأنه محراب بركة؛ فيه يخبز العيش، وفيه يتشرب لحم الحنيذ حرارة الجمر الهادئة حتى يذوب لينًا.
#​الجحلة: قارورة المونة والخير، المصنوعة بإحكام لحفظ السمن البلدي و"السليط" (الزيت)، تحميه من عوادي الزمن وتبقيه عذبًا نقيًا.
​الجرار (جمع جرة): حارسات الماء البارد، اللواتي يقفن في ظلال البيوت، يملأن الصدور ريًا بعد جلب الماء من العيون والآبار، بفضل مسامها الطينية التي تتنفس نسيم الهواء.

#المسخنة و #المقشدة:
أدوات متخصصة في طقوس السمن البقري، حيث يُطبخ فيها الدهن ويُقشد، لتفصل الرغوة عن الذهب الأصفر الصافي.
#المقطرة (المبخرة): تحفة الطين التي تحمل الجمر، ليصعد منها طيب البخور واللبان، فيمتزج عطر الأرض بعطر السماء في زوايا الديار.
وحتى اداة الكيف فقد حاول القشاء صنع ​مداعة ترابية ومع انها لم تصمد امام المدائع الخشبية إلأ ان #البوري الطيني الذي يعلوها لحمل النار والتنباك بقي الى وقتنا الراهن.

​خامساً:
كيمياء الحرفة.. كيف ينطق الطين؟
​إن تحويل الطين من مجرد وادٍ راكد إلى إناء ينبض بالاستخدام هو عملية تماثل طقوس الولادة، وتمر بمراحل دقيقة توارثها الأبناء عن الأجداد:
​الاستجلاب والتنقية: يُجلب #الطين ( #المدر ) من بطون الأودية ومساقط السيول حيث النقاء واللزوجة العالية. يُجفف أولاً، ثم يُدق ويُغربل لتنقيته من الشوائب والحصى الصغيرة التي قد تتسبب في كسر الإناء لاحقًا.
#​التخمير والمعك (العجن): يُغمر الطين بالماء ويُترك ليتخمر أيامًا حتى تتجانس جزيئاته. بعد ذلك، تبدأ مرحلة "المعك" الشاقة باليدين والقدمين، حيث يُعجن الطين بقوة لطرد فقاعات الهواء منه تمامًا، لأن أي جيب هوائي سيتمدد في النار ويؤدي إلى انفجار الآنية.
​التشكيل بالبنان: فوق قطعة من الخشب أو "الدولاب" التقليدي البسيط، تبدأ الأنامل بمداعبة كتلة الطين. ترتفع الجدران وتتحدد الملامح (قشوة، أو جحلة، أو مقطرة) بلمسات سحرية تعتمد على حس الفنان وخبرة السنين.
#​التجفيف والتشذيب: تُترك الأواني المشكلة حديثًا في مكان ظليل بعيدًا عن شمس الهجير المباشرة لتجف ببطء، وتسمى هذه المرحلة "الخضير"، حيث تُصقل حوافها وتُزين ببعض النقوش والحزوز التقليدية.