#إدام_القوت
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
ومنهم مسند #حضرموت بل مسند الدّنيا كلّها في عصره إذ زلّت عن مرقاته الأصول ، ولم يتّفق لأحد إلى مثل علوّه الوصول : أستاذنا الأبرّ #عيدروس بن عمر ؛ فإنّه مجمع المفاخر ، وبحر العلم الزّاخر ، وزينة الزّمن الآخر :
أزالت به الأيّام عتبي كأنّما
بنوها لها ذنب وهذا لها عذر (١)
وهو الإمام بحقّه ، والكمال بصدقه ، وعلى الجملة : فإنّي لا أجد عبارة ترضيني في وصف ما شاهدته من محاسنه ، فضلا عمّا لم أشاهده ، ولم ينته إلى تصوّره إذ ذاك سنّي ؛ إذ الأمر كما قال أبو الطّيّب [في «العكبريّ» ٢ / ٢٨٧ من الطّويل] :
وما حارت الأفهام في عظم شأنه
بأكثر ممّا حار في حسنه الطّرف
جمال يحسر الأنظار ، وكمال يدهش الحضّار ، وجلال يملأ البصائر ، ومقام يملك الضّمائر ، ووقار يأخذ النّفوس ، فلا يبقى لديه رئيس ولا مرؤوس .. إلّا وهم خاضعو الأذقان ، ناكسو الرّؤوس.
كأنّ شعاع عين الشّمس فيه
ففي أبصارنا عنه انكسار (٢)
وحديث يهزّ الشّعور ، ويجلب السّرور ، كأنّما هو اللّؤلؤ المنثور ، وتهتزّ له الجبال الرّكينة ، وكأنّما تنزل عنده السّكينة.
أندى على الأكباد من قطر النّدى
وألذّ في الأجفان من سنة الكرى (٣)
وممّا أستخرج به العجب من القوم ، ولا أزال ممتلئا به في نفسي إلى اليوم .. أنّني وأترابي من الصّغار ـ مع الانطباع على الحركة ـ نبقى في مجلسه الشّريف الساعات العديدة ، وكأنّما على الرّؤوس الطّير.
فبقايا وقاره عافت النّا
س وصارت ركانة في الجبال (٤)
______
(١) البيت من الطويل.
(٢) البيت من الوافر ، وهو لأبي الطّيّب المتنبّي في «العكبريّ» (٢ / ١١٠).
(٣) البيت من الكامل ، وهو من قصيدة رائيّة مشهورة لابن عمّار يمدح بها المعتضد عبّاد ، والد المعتمد ، تجدها في «نفح الطيب» (١ / ٩٥). السّنة : النّعاس. الكرى : النّوم.
(٤) البيت من الخفيف ، وهو لأبي الطّيّب المتنبّي في «العكبريّ» (٣ / ١٩٩). عافت : كرهت.
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
ومنهم مسند #حضرموت بل مسند الدّنيا كلّها في عصره إذ زلّت عن مرقاته الأصول ، ولم يتّفق لأحد إلى مثل علوّه الوصول : أستاذنا الأبرّ #عيدروس بن عمر ؛ فإنّه مجمع المفاخر ، وبحر العلم الزّاخر ، وزينة الزّمن الآخر :
أزالت به الأيّام عتبي كأنّما
بنوها لها ذنب وهذا لها عذر (١)
وهو الإمام بحقّه ، والكمال بصدقه ، وعلى الجملة : فإنّي لا أجد عبارة ترضيني في وصف ما شاهدته من محاسنه ، فضلا عمّا لم أشاهده ، ولم ينته إلى تصوّره إذ ذاك سنّي ؛ إذ الأمر كما قال أبو الطّيّب [في «العكبريّ» ٢ / ٢٨٧ من الطّويل] :
وما حارت الأفهام في عظم شأنه
بأكثر ممّا حار في حسنه الطّرف
جمال يحسر الأنظار ، وكمال يدهش الحضّار ، وجلال يملأ البصائر ، ومقام يملك الضّمائر ، ووقار يأخذ النّفوس ، فلا يبقى لديه رئيس ولا مرؤوس .. إلّا وهم خاضعو الأذقان ، ناكسو الرّؤوس.
كأنّ شعاع عين الشّمس فيه
ففي أبصارنا عنه انكسار (٢)
وحديث يهزّ الشّعور ، ويجلب السّرور ، كأنّما هو اللّؤلؤ المنثور ، وتهتزّ له الجبال الرّكينة ، وكأنّما تنزل عنده السّكينة.
أندى على الأكباد من قطر النّدى
وألذّ في الأجفان من سنة الكرى (٣)
وممّا أستخرج به العجب من القوم ، ولا أزال ممتلئا به في نفسي إلى اليوم .. أنّني وأترابي من الصّغار ـ مع الانطباع على الحركة ـ نبقى في مجلسه الشّريف الساعات العديدة ، وكأنّما على الرّؤوس الطّير.
فبقايا وقاره عافت النّا
س وصارت ركانة في الجبال (٤)
______
(١) البيت من الطويل.
(٢) البيت من الوافر ، وهو لأبي الطّيّب المتنبّي في «العكبريّ» (٢ / ١١٠).
(٣) البيت من الكامل ، وهو من قصيدة رائيّة مشهورة لابن عمّار يمدح بها المعتضد عبّاد ، والد المعتمد ، تجدها في «نفح الطيب» (١ / ٩٥). السّنة : النّعاس. الكرى : النّوم.
(٤) البيت من الخفيف ، وهو لأبي الطّيّب المتنبّي في «العكبريّ» (٣ / ١٩٩). عافت : كرهت.
وكيف لا أعجب من شمول السكون ، مع أنّنا لا نعرف كلّ ما يكون ، وإنّما نلتذّ بريّاه ، وننعم بمحيّاه ، وحيّاه الله وبيّاه ، فمع قصورنا عن فهم الكثير مما يسرح فيه من المعاني الرّائقة ، والعبارات الفائقة .. نحسّ كأنّما تبسط له الملائكة أجنحتها ، وتلقي ـ وما تدري ـ له الأكفّ أسلحتها ، لا سيّما إذا ازدحم الجمع يستجلون هلاله ، ويسمعون منه كلمة الجلاله.
فتلقي وما تدري الأكفّ سلاحها
ويخرق من زحم على الرّجل البرد (١)
وقد سبق في #القويرة : أنّ شيخنا العلّامة ابن شهاب يقول : (لو لا أنّي رأيت ثلاثة ؛ وهم : محسن بن علويّ السّقّاف ، وأحمد بن محمّد المحضار ، و #عيدروس بن عمر #الحبشيّ .. لما صدّقت بما يروى عن الرّجال من مقامات الكمال) ولكن جاء العيان فألوى بالرّوايات ، وقد قال أبو عبادة [البحتريّ في «ديوانه» ٢ / ٣١٠ من البسيط]
رأيت مجدا عيانا في بني أدد
إذ مجد كلّ قبيل غيرهم خبر
ولا جرم فقد كان الأستاذ نسخة السّيرة النّبويّة ، لا يحيد عنها شعرة ، ولا يلتفت يمنة ولا يسرة.
فما هو إلّا نبعة من غصونه
وطلعة نور من شريف خلاله (٢)
ولقد زرت #هودا عليه السّلام معه في سنة (١٣١١ ه) ، ورأيت النّاس حافّين به.
كأنّهم عند استلام ركابه
عصائب حول البيت حان قفولها (٣)
______
الرّكانة : الرّسوخ. والمعنى ـ كما في العكبريّ ـ : وما بقي من حلمه الّذي أعطاه الله .. كره النّاس ، فلم يحلّ بهم ، فحلّ في الجبال ، فصار ركانة فيها وثبوتا.
(١) البيت من الطويل ، وهو متداخل من بيتين للمتنبي في «العكبري» (٢ / ٥) ، والبيتان هما :
بمن تشخص الأبصار يوم ركوبه
ويخرق من زحم على الرّجل البرد
وتلقي وما تدري البنان سلاحها
لكثرة إيماء إليه إذا يبدو
(٢) البيت من الطّويل.
(٣) البيت من الطّويل ، وهو للبحتريّ في «ديوانه» (١ / ٤٠٠)
622
فتلقي وما تدري الأكفّ سلاحها
ويخرق من زحم على الرّجل البرد (١)
وقد سبق في #القويرة : أنّ شيخنا العلّامة ابن شهاب يقول : (لو لا أنّي رأيت ثلاثة ؛ وهم : محسن بن علويّ السّقّاف ، وأحمد بن محمّد المحضار ، و #عيدروس بن عمر #الحبشيّ .. لما صدّقت بما يروى عن الرّجال من مقامات الكمال) ولكن جاء العيان فألوى بالرّوايات ، وقد قال أبو عبادة [البحتريّ في «ديوانه» ٢ / ٣١٠ من البسيط]
رأيت مجدا عيانا في بني أدد
إذ مجد كلّ قبيل غيرهم خبر
ولا جرم فقد كان الأستاذ نسخة السّيرة النّبويّة ، لا يحيد عنها شعرة ، ولا يلتفت يمنة ولا يسرة.
فما هو إلّا نبعة من غصونه
وطلعة نور من شريف خلاله (٢)
ولقد زرت #هودا عليه السّلام معه في سنة (١٣١١ ه) ، ورأيت النّاس حافّين به.
كأنّهم عند استلام ركابه
عصائب حول البيت حان قفولها (٣)
______
الرّكانة : الرّسوخ. والمعنى ـ كما في العكبريّ ـ : وما بقي من حلمه الّذي أعطاه الله .. كره النّاس ، فلم يحلّ بهم ، فحلّ في الجبال ، فصار ركانة فيها وثبوتا.
(١) البيت من الطويل ، وهو متداخل من بيتين للمتنبي في «العكبري» (٢ / ٥) ، والبيتان هما :
بمن تشخص الأبصار يوم ركوبه
ويخرق من زحم على الرّجل البرد
وتلقي وما تدري البنان سلاحها
لكثرة إيماء إليه إذا يبدو
(٢) البيت من الطّويل.
(٣) البيت من الطّويل ، وهو للبحتريّ في «ديوانه» (١ / ٤٠٠)
622
#إدام_القوت
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
كلاما ، فأخبروه ، فلم يزد على أن قال : أو قد فعلوها؟! قالوا : نعم.
فرفع يديه إلى السّماء وقال : (قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(١).
فما أشبه هذا بذاك. لا ينفذ إلى فعله التّعليل ، ولا يحتاج شيء منه إلى التّأويل ؛ إذ صار هواه تبعا لما جاء به نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فجاء فيه موضع قول ابن كناسة في إبراهيم بن أدهم [من الطّويل] :
أمات الهوى حتّى تجنّبه الهوى
كما اجتنب الجاني الدّم الطّالب الدّما
سروره في إقبال الخلق على الله ، وحزنه في إعراضهم عنه ، حتّى لقد كان سبب موته من هذا الباب.
وكان كثير الأخذ عن المشايخ ، جمّ الحرص على الاستكثار من الأسانيد والاتّصال بسلاسل الرّجال وأئمّة الحديث والطّريق. وقد اجتمع له ولي بفضله ـ رضوان الله عليه ـ ما لا يوجد عند أحد من أهل عصره ، ولله الحمد.
وكان في أيّام أستاذه الأبرّ #عيدروس بن عمر يتردّد عليه من أيّام والده (٢) عن أمره في كلّ ثلاث ماشيا ، وبينهما نحو من أربعة أميال أو أكثر ، ولقد أراد أخوه في الله الشّيخ عوض بن عمر شيبان السّابق ذكره في #الغرفة أن يشتري له مركوبا ، فأبى وقال : لو أحسست بتعب .. لقبلت. ولقد كاد أن يخرج عن إهابه من الطّرب ؛ إذ تمثّلت له عند مثل هذا الكلام بقول العبّاس بن الأحنف [من البسيط] :
أرى الطّريق قريبا حين أسلكه
إلى الحبيب بعيدا حين أنصرف
وقول الآخر [كثيّر عزّة في «ديوانه» ١٠٩ من الطّويل] :
وكنت إذا ما جئت ليلى أزورها
أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها (٣)
______
(١) حلية الأولياء (٢ / ١١١).
(٢) أي : الحبيب محسن بن علوي ، المتوفى سنة (١٢٩١ ه) ، وعمر المترجم حينذاك (٣٠) عاما.
(٣) في «الديوان» : (سعدى) بدل : (ليلى).
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
كلاما ، فأخبروه ، فلم يزد على أن قال : أو قد فعلوها؟! قالوا : نعم.
فرفع يديه إلى السّماء وقال : (قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(١).
فما أشبه هذا بذاك. لا ينفذ إلى فعله التّعليل ، ولا يحتاج شيء منه إلى التّأويل ؛ إذ صار هواه تبعا لما جاء به نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فجاء فيه موضع قول ابن كناسة في إبراهيم بن أدهم [من الطّويل] :
أمات الهوى حتّى تجنّبه الهوى
كما اجتنب الجاني الدّم الطّالب الدّما
سروره في إقبال الخلق على الله ، وحزنه في إعراضهم عنه ، حتّى لقد كان سبب موته من هذا الباب.
وكان كثير الأخذ عن المشايخ ، جمّ الحرص على الاستكثار من الأسانيد والاتّصال بسلاسل الرّجال وأئمّة الحديث والطّريق. وقد اجتمع له ولي بفضله ـ رضوان الله عليه ـ ما لا يوجد عند أحد من أهل عصره ، ولله الحمد.
وكان في أيّام أستاذه الأبرّ #عيدروس بن عمر يتردّد عليه من أيّام والده (٢) عن أمره في كلّ ثلاث ماشيا ، وبينهما نحو من أربعة أميال أو أكثر ، ولقد أراد أخوه في الله الشّيخ عوض بن عمر شيبان السّابق ذكره في #الغرفة أن يشتري له مركوبا ، فأبى وقال : لو أحسست بتعب .. لقبلت. ولقد كاد أن يخرج عن إهابه من الطّرب ؛ إذ تمثّلت له عند مثل هذا الكلام بقول العبّاس بن الأحنف [من البسيط] :
أرى الطّريق قريبا حين أسلكه
إلى الحبيب بعيدا حين أنصرف
وقول الآخر [كثيّر عزّة في «ديوانه» ١٠٩ من الطّويل] :
وكنت إذا ما جئت ليلى أزورها
أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها (٣)
______
(١) حلية الأولياء (٢ / ١١١).
(٢) أي : الحبيب محسن بن علوي ، المتوفى سنة (١٢٩١ ه) ، وعمر المترجم حينذاك (٣٠) عاما.
(٣) في «الديوان» : (سعدى) بدل : (ليلى).
#إدام_القوت
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
وقد سئل الحسن البصريّ عن عمرو بن عبيد (١) ، فقال : (لقد سألتني عن رجل كأنّ الملائكة أدّبته ، وكأنّ الأنبياء ربّته ، إن قام بأمر .. قعد به ، وإن قعد بأمر .. قام به ، وإن أمر بشيء .. كان ألزم النّاس له ، وإن نهى عن شيء .. كان أبعد النّاس عنه ، ما رأيت ظاهرا أشبه بباطن منه) (٢) ، وكأنّما نظر في هذا بلحظ الغيب إلى والدي ، فإنّه الوصف الّذي ينطبق عليه تماما ، لا يأنف من حقّ ، ولا يتقدّم إليه بباطل ، فلهو والله من أحقّ النّاس بقول كثير [في «ديوانه» ١٤٥ من الطّويل] :
ترى القوم يخفون التّبسّم عنده
وينذرهم عور الكلام نذيرها (٣)
فلا هاجرات القول يؤثرن عنده
ولا كلمات النّصح يقصى مشيرها
وقول كعب بن سعد الغنويّ [من الطّويل] :
إذا ما تراءاه الرّجال تحفّظوا
فلم ينطقوا العوراء وهو قريب
ولئن قال ابن عنقاء : (إذا قيلت العوراء .. أغضى) فإنّ هذا إذا قيلت : العوراء .. غضب ، بل لا أذكر أنّ أحدا نطق في مجلسه بكلمة غيبة أو نحوها.
وكذلك كان يقول عنه الشّيخ الدّثنيّ ، ويكثر التّعجّب من ذلك ، وهو أشدّ وأقدم له لزاما منّي.
ومع هذا كلّه فما هو إلّا صورة مصغّرة من أحوال والده وأحوال سيّدنا الأستاذ الأبرّ #عيدروس بن عمر ، وكلّما استكثرنا أعماله .. قلّل منها بالنّسبة لأعمالهم ، وأقسم أنّه غير هاضم لنفسه ، ولكنّه مخبر بالواقع.
وعلى مثل حاله رأيت سيّدي #شيخان بن محمّد #الحبشيّ ، على ضيق في عطفه ، وخشونة في خلقه ، وإلّا .. فقد كان هذا أوسع علما وأكثر عبادة ، وأشدّ مجاهدة
______
(١) هو عمرو بن عبيد بن باب ، وقيل : ابن كيسان ، التميمي المعتزلي مولاهم أبو عثمان البصري. ولد سنة (٨٠ ه) ، ومات سنة (١٤٢ ه) ، ترجمته مطولة في «تهذيب الكمال» ومختصراته.
(٢) انظر ترجمة عمرو بن عبيد ، والقصّة هذه في «وفيات الأعيان» (٣ / ٤٦٠).
(٣) عور الكلام : قبيحه
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت
وقد سئل الحسن البصريّ عن عمرو بن عبيد (١) ، فقال : (لقد سألتني عن رجل كأنّ الملائكة أدّبته ، وكأنّ الأنبياء ربّته ، إن قام بأمر .. قعد به ، وإن قعد بأمر .. قام به ، وإن أمر بشيء .. كان ألزم النّاس له ، وإن نهى عن شيء .. كان أبعد النّاس عنه ، ما رأيت ظاهرا أشبه بباطن منه) (٢) ، وكأنّما نظر في هذا بلحظ الغيب إلى والدي ، فإنّه الوصف الّذي ينطبق عليه تماما ، لا يأنف من حقّ ، ولا يتقدّم إليه بباطل ، فلهو والله من أحقّ النّاس بقول كثير [في «ديوانه» ١٤٥ من الطّويل] :
ترى القوم يخفون التّبسّم عنده
وينذرهم عور الكلام نذيرها (٣)
فلا هاجرات القول يؤثرن عنده
ولا كلمات النّصح يقصى مشيرها
وقول كعب بن سعد الغنويّ [من الطّويل] :
إذا ما تراءاه الرّجال تحفّظوا
فلم ينطقوا العوراء وهو قريب
ولئن قال ابن عنقاء : (إذا قيلت العوراء .. أغضى) فإنّ هذا إذا قيلت : العوراء .. غضب ، بل لا أذكر أنّ أحدا نطق في مجلسه بكلمة غيبة أو نحوها.
وكذلك كان يقول عنه الشّيخ الدّثنيّ ، ويكثر التّعجّب من ذلك ، وهو أشدّ وأقدم له لزاما منّي.
ومع هذا كلّه فما هو إلّا صورة مصغّرة من أحوال والده وأحوال سيّدنا الأستاذ الأبرّ #عيدروس بن عمر ، وكلّما استكثرنا أعماله .. قلّل منها بالنّسبة لأعمالهم ، وأقسم أنّه غير هاضم لنفسه ، ولكنّه مخبر بالواقع.
وعلى مثل حاله رأيت سيّدي #شيخان بن محمّد #الحبشيّ ، على ضيق في عطفه ، وخشونة في خلقه ، وإلّا .. فقد كان هذا أوسع علما وأكثر عبادة ، وأشدّ مجاهدة
______
(١) هو عمرو بن عبيد بن باب ، وقيل : ابن كيسان ، التميمي المعتزلي مولاهم أبو عثمان البصري. ولد سنة (٨٠ ه) ، ومات سنة (١٤٢ ه) ، ترجمته مطولة في «تهذيب الكمال» ومختصراته.
(٢) انظر ترجمة عمرو بن عبيد ، والقصّة هذه في «وفيات الأعيان» (٣ / ٤٦٠).
(٣) عور الكلام : قبيحه
وكان السّلف إذا نظروا إلى راكب ورجل يحضر معه .. قالوا : قاتله الله من #جبّار.
وكان الحبيب أحمد بن محمّد #الحبشيّ ـ المتوفّى سنة (١٠٣٨ ه) ـ كثيرا ما يشكو إلى شيخه الشّيخ أبي بكر بن سالم ما يلقاه من أذيّة آل باعبّاد إذا جاء يدعو إلى الله ب #الغرفة ، فقال له : (لعلّ الله يخرج من ذرّيّتك من يتبرّكون به) فلم يظهر أثر هذا الدّعاء إلّا في سيّدنا الأستاذ الأبرّ #عيدروس بن عمر.
وفي #آل_باعبّاد كثير من العلماء ، ومن أكابرهم ـ كما في «جوهر الخطيب» ـ : إمام الطّريقين ومفتي الفريقين ، الشّيخ محمّد بن أبي بكر #عبّاد ، ترجم له الأستاذ الأبرّ في «العقد» وقال : (إنّه ولد سنة «٧١٢ ه» ، وتوفّي أوّل القرن التّاسع) وقد مرّ ذكره في #شبام.
ورأيت في رسالة كتبها السّيّد شيخ بن عمر في «العهدة» : (أنّ الشّيخ محمّد بن أبي بكر هذا دعا على آل باعبّاد أن لا يجعل الله منهم عالما ؛ لقضيّة منكرة أوجبت ذلك جهلا ، فاستجاب الله دعوته) اه
وفي «مجموع الجدّ طه بن عمر» [ص ١٣١] عن أحمد مؤذّن ما حاصله : (كان في #الغرفة قبل أن تقام فيها الجمعة مسجدان متجاوران : أحدهما : لآل باعبّاد ، والثّاني : لآل باجمّال ، فأراد الشّيخ الجليل باني الجامع جعلهما مسجدا واحدا ، واستفتى العلماء فتوقّفوا عن الجواب ، فلم يكن منه إلّا أن خلطهما بدون فتوى من أحد ، وسرّ العلماء بتوقّفهم عن الجواب) اه
وفي «مواهب البرّ الرّؤوف» لابن سراج التّصريح بأنّ الّذي جعل المسجدين واحدا هو الشّيخ #عقيل ، وهو ابن أحمد بن عمر بن محمّد بن عمر #عبّاد (١) ، وقد سبق أنّ محمّد بن عمر هذا هو الّذي زاد في سنة (٧٠١ ه) في غرفة عمّه حتّى صارت دارا.
والعمل بخلط المساجد واقع بكثرة في #تريم ، حتّى لقد سمعت أنّ الجامع كان
______
(١) الشيخ عقيل بن أحمد توفي سنة (٨٤١ ه).
614
وكان الحبيب أحمد بن محمّد #الحبشيّ ـ المتوفّى سنة (١٠٣٨ ه) ـ كثيرا ما يشكو إلى شيخه الشّيخ أبي بكر بن سالم ما يلقاه من أذيّة آل باعبّاد إذا جاء يدعو إلى الله ب #الغرفة ، فقال له : (لعلّ الله يخرج من ذرّيّتك من يتبرّكون به) فلم يظهر أثر هذا الدّعاء إلّا في سيّدنا الأستاذ الأبرّ #عيدروس بن عمر.
وفي #آل_باعبّاد كثير من العلماء ، ومن أكابرهم ـ كما في «جوهر الخطيب» ـ : إمام الطّريقين ومفتي الفريقين ، الشّيخ محمّد بن أبي بكر #عبّاد ، ترجم له الأستاذ الأبرّ في «العقد» وقال : (إنّه ولد سنة «٧١٢ ه» ، وتوفّي أوّل القرن التّاسع) وقد مرّ ذكره في #شبام.
ورأيت في رسالة كتبها السّيّد شيخ بن عمر في «العهدة» : (أنّ الشّيخ محمّد بن أبي بكر هذا دعا على آل باعبّاد أن لا يجعل الله منهم عالما ؛ لقضيّة منكرة أوجبت ذلك جهلا ، فاستجاب الله دعوته) اه
وفي «مجموع الجدّ طه بن عمر» [ص ١٣١] عن أحمد مؤذّن ما حاصله : (كان في #الغرفة قبل أن تقام فيها الجمعة مسجدان متجاوران : أحدهما : لآل باعبّاد ، والثّاني : لآل باجمّال ، فأراد الشّيخ الجليل باني الجامع جعلهما مسجدا واحدا ، واستفتى العلماء فتوقّفوا عن الجواب ، فلم يكن منه إلّا أن خلطهما بدون فتوى من أحد ، وسرّ العلماء بتوقّفهم عن الجواب) اه
وفي «مواهب البرّ الرّؤوف» لابن سراج التّصريح بأنّ الّذي جعل المسجدين واحدا هو الشّيخ #عقيل ، وهو ابن أحمد بن عمر بن محمّد بن عمر #عبّاد (١) ، وقد سبق أنّ محمّد بن عمر هذا هو الّذي زاد في سنة (٧٠١ ه) في غرفة عمّه حتّى صارت دارا.
والعمل بخلط المساجد واقع بكثرة في #تريم ، حتّى لقد سمعت أنّ الجامع كان
______
(١) الشيخ عقيل بن أحمد توفي سنة (٨٤١ ه).
614
أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ) ولا نقول إلّا ما قاله الصّابرون : : (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) و (إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ) وهو حسبنا ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم ، ولنا أسوة بمن مضى من #سادتنا #العلويّين كما قال سيدنا عبد الله #الحداد [في «ديوانه» ١٢٧ من الرّمل] :
بهتونا بمقال سيّء
كانت الأحرى به لو أبصرت
قد حلمنا وصفحنا عنهم
وبذا أسلافنا قد أخبرت
و (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً)
ومن أجل الأمور الذي دخل في خواطر السادة من طرفها ، يشهد الله علينا وملائكته : أنا ما طلبناها ولا دوّرنا لها غير جاءت نحن من غير طلب. انتهى الموجود من الكتاب.
وقد حذفت منه آيات وحديثا لا تكثر فيها مناسبة الموضوع ، وفي الكتاب أغلاط حتى في الآيات تعرف بالفهم والذّوق (١) ، والله أعلم.
قال سيّدي الأستاذ الأبرّ #عيدروس بن عمر :
وكانت للحبيب عبد القادر المذكور أمور غريبة من الرّياضات والخلوات ، وله أربعينيّات متعدّدة.
وربّما تخلّف عن شهود الجمعة ؛ لأنّ الله كشف له عن أحوال النّاس الباطنة ، فيراهم في صور معانيهم. حتّى دعا له الحبيب حسن بن صالح #البحر فستر الله ذلك عنه.
ومنهم #السّادة الأجلّاء : عيدروس بن عبد الرّحمن بن عيسى #الحبشيّ. وولداه : العلّامة الجليل محمّد بن عيدروس ، المتوفّى بها سنة (١٢٤٧ ه). وأخوه العلّامة الإمام عمر بن عيدروس ، المتوفّى بها سنة (١٢٥٠ ه) .. مناهل علوم ، ومفاتح فهوم ، وقرّات عيون ، وآحاد هي المئون ، وصفاء كأنّما أخلصته القيون :
لهم سرّة المجد التّليد وسرّه
ومحض المعالي فيهم والمناقب (٢)
______
(١) وقد أصلحنا الآيات القرآنية.
(٢) البيت من الطويل ، وهو للشريف الرضي في «ديوانه» (١ / ٩٠).
620
بهتونا بمقال سيّء
كانت الأحرى به لو أبصرت
قد حلمنا وصفحنا عنهم
وبذا أسلافنا قد أخبرت
و (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً)
ومن أجل الأمور الذي دخل في خواطر السادة من طرفها ، يشهد الله علينا وملائكته : أنا ما طلبناها ولا دوّرنا لها غير جاءت نحن من غير طلب. انتهى الموجود من الكتاب.
وقد حذفت منه آيات وحديثا لا تكثر فيها مناسبة الموضوع ، وفي الكتاب أغلاط حتى في الآيات تعرف بالفهم والذّوق (١) ، والله أعلم.
قال سيّدي الأستاذ الأبرّ #عيدروس بن عمر :
وكانت للحبيب عبد القادر المذكور أمور غريبة من الرّياضات والخلوات ، وله أربعينيّات متعدّدة.
وربّما تخلّف عن شهود الجمعة ؛ لأنّ الله كشف له عن أحوال النّاس الباطنة ، فيراهم في صور معانيهم. حتّى دعا له الحبيب حسن بن صالح #البحر فستر الله ذلك عنه.
ومنهم #السّادة الأجلّاء : عيدروس بن عبد الرّحمن بن عيسى #الحبشيّ. وولداه : العلّامة الجليل محمّد بن عيدروس ، المتوفّى بها سنة (١٢٤٧ ه). وأخوه العلّامة الإمام عمر بن عيدروس ، المتوفّى بها سنة (١٢٥٠ ه) .. مناهل علوم ، ومفاتح فهوم ، وقرّات عيون ، وآحاد هي المئون ، وصفاء كأنّما أخلصته القيون :
لهم سرّة المجد التّليد وسرّه
ومحض المعالي فيهم والمناقب (٢)
______
(١) وقد أصلحنا الآيات القرآنية.
(٢) البيت من الطويل ، وهو للشريف الرضي في «ديوانه» (١ / ٩٠).
620
#إدام_القوت
ومنهم #مسند #حضرموت بل مسند الدّنيا كلّها في عصره إذ زلّت عن مرقاته الأصول ، ولم يتّفق لأحد إلى مثل علوّه الوصول : أستاذنا الأبرّ #عيدروس_بن_عمر ؛
فإنّه مجمع المفاخر ، وبحر العلم الزّاخر ، وزينة الزّمن الآخر :
أزالت به الأيّام عتبي كأنّما
بنوها لها ذنب وهذا لها عذر (١)
وهو الإمام بحقّه ، والكمال بصدقه ، وعلى الجملة : فإنّي لا أجد عبارة ترضيني في وصف ما شاهدته من محاسنه ، فضلا عمّا لم أشاهده ، ولم ينته إلى تصوّره إذ ذاك سنّي ؛ إذ الأمر كما قال أبو الطّيّب [في «العكبريّ» ٢ / ٢٨٧ من الطّويل] :
وما حارت الأفهام في عظم شأنه
بأكثر ممّا حار في حسنه الطّرف
جمال يحسر الأنظار ، وكمال يدهش الحضّار ، وجلال يملأ البصائر ، ومقام يملك الضّمائر ، ووقار يأخذ النّفوس ، فلا يبقى لديه رئيس ولا مرؤوس .. إلّا وهم خاضعو الأذقان ، ناكسو الرّؤوس.
كأنّ شعاع عين الشّمس فيه
ففي أبصارنا عنه انكسار (٢)
وحديث يهزّ الشّعور ، ويجلب السّرور ، كأنّما هو اللّؤلؤ المنثور ، وتهتزّ له الجبال الرّكينة ، وكأنّما تنزل عنده السّكينة.
أندى على الأكباد من قطر النّدى
وألذّ في الأجفان من سنة الكرى (٣)
وممّا أستخرج به العجب من القوم ، ولا أزال ممتلئا به في نفسي إلى اليوم .. أنّني وأترابي من الصّغار ـ مع الانطباع على الحركة ـ نبقى في مجلسه الشّريف الساعات العديدة ، وكأنّما على الرّؤوس الطّير.
فبقايا وقاره عافت النّا
س وصارت ركانة في الجبال (٤)
______
(١) البيت من الطويل.
(٢) البيت من الوافر ، وهو لأبي الطّيّب المتنبّي في «العكبريّ» (٢ / ١١٠).
(٣) البيت من الكامل ، وهو من قصيدة رائيّة مشهورة لابن عمّار يمدح بها المعتضد عبّاد ، والد المعتمد ، تجدها في «نفح الطيب» (١ / ٩٥). السّنة : النّعاس. الكرى : النّوم.
(٤) البيت من الخفيف ، وهو لأبي الطّيّب المتنبّي في «العكبريّ» (٣ / ١٩٩). عافت : كرهت.
ومنهم #مسند #حضرموت بل مسند الدّنيا كلّها في عصره إذ زلّت عن مرقاته الأصول ، ولم يتّفق لأحد إلى مثل علوّه الوصول : أستاذنا الأبرّ #عيدروس_بن_عمر ؛
فإنّه مجمع المفاخر ، وبحر العلم الزّاخر ، وزينة الزّمن الآخر :
أزالت به الأيّام عتبي كأنّما
بنوها لها ذنب وهذا لها عذر (١)
وهو الإمام بحقّه ، والكمال بصدقه ، وعلى الجملة : فإنّي لا أجد عبارة ترضيني في وصف ما شاهدته من محاسنه ، فضلا عمّا لم أشاهده ، ولم ينته إلى تصوّره إذ ذاك سنّي ؛ إذ الأمر كما قال أبو الطّيّب [في «العكبريّ» ٢ / ٢٨٧ من الطّويل] :
وما حارت الأفهام في عظم شأنه
بأكثر ممّا حار في حسنه الطّرف
جمال يحسر الأنظار ، وكمال يدهش الحضّار ، وجلال يملأ البصائر ، ومقام يملك الضّمائر ، ووقار يأخذ النّفوس ، فلا يبقى لديه رئيس ولا مرؤوس .. إلّا وهم خاضعو الأذقان ، ناكسو الرّؤوس.
كأنّ شعاع عين الشّمس فيه
ففي أبصارنا عنه انكسار (٢)
وحديث يهزّ الشّعور ، ويجلب السّرور ، كأنّما هو اللّؤلؤ المنثور ، وتهتزّ له الجبال الرّكينة ، وكأنّما تنزل عنده السّكينة.
أندى على الأكباد من قطر النّدى
وألذّ في الأجفان من سنة الكرى (٣)
وممّا أستخرج به العجب من القوم ، ولا أزال ممتلئا به في نفسي إلى اليوم .. أنّني وأترابي من الصّغار ـ مع الانطباع على الحركة ـ نبقى في مجلسه الشّريف الساعات العديدة ، وكأنّما على الرّؤوس الطّير.
فبقايا وقاره عافت النّا
س وصارت ركانة في الجبال (٤)
______
(١) البيت من الطويل.
(٢) البيت من الوافر ، وهو لأبي الطّيّب المتنبّي في «العكبريّ» (٢ / ١١٠).
(٣) البيت من الكامل ، وهو من قصيدة رائيّة مشهورة لابن عمّار يمدح بها المعتضد عبّاد ، والد المعتمد ، تجدها في «نفح الطيب» (١ / ٩٥). السّنة : النّعاس. الكرى : النّوم.
(٤) البيت من الخفيف ، وهو لأبي الطّيّب المتنبّي في «العكبريّ» (٣ / ١٩٩). عافت : كرهت.
#إدام_القوت
وهو يسير بسير ضعيفهم ، وكلّما مشى ميلا .. عرض العقبة (١) على مولى له ـ يقال له : فرج ـ يسير أمام دابّته ، ينبو عن جنبه الرّمح ، كأنّه المهر الأرن (٢) من فرط القوّة والنّشاط ، ولكن هكذا كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وما قدر ثنائي عليه بعدما كان ثناء مشايخه عليه الباب الواسع؟! ومن قيّل بين ما يأتي آخر هذا الكتاب من احتياط سيّدنا عبد الله بن حسين #بلفقيه في توثيق الرّجال .. وبين ممادحه الضّخمة للأستاذ الأبرّ في أيّام شبابه .. عرف صدق ما أقول.
وصحّ أنّ أبناء الإمام الشّهير عبد الله بن حسين #بن_طاهر عادوا من زيارة #دوعن ، ولمّا سألهم أبوهم : هل عرّجتم على الولد #عيدروس بن عمر؟ قالوا : لا. قال : لا تحلّوا الرّحال حتّى ترجعوا فتزوروه ؛ لأنّ الأمر كما قال ذو الرّمّة [في «ديوانه» ٢٧٠ من الوافر] :
تمام الحجّ أن تقف المطايا
على خرقاء واضعة اللّثام
ومع إجماع النّاس على تفضيله ، وإصفاقهم بتفرّده ؛ لأنّ أمره كما قال الشّريف الرّضيّ [في «ديوانه» ٢ / ٤٠٣ من الطّويل] :
ولو لم يقرّ الحاسدون بمجده
أقرّوا على رغم بفضل التّقدّم
.. فإنه لم يسلم من أذى الحسّاد ، بل كان له منه النّصيب الكاثر ، إلّا أنّه لمّا أبرّ عليهم .. سقطت هممهم عن منافسته ، وكانوا معه كما قال مروان [في «ديوانه» ٧٤ من الطّويل] :
فما أحجم الأعداء عنك بقيّة
عليك ولكن ما رأوا فيك مطمعا
ولمّا لم يجدوا وسيلة لما يشفي ضباب ضغنهم عليه .. أرضوا المعلّم عليّ بن سعيد حميد ابن عبد هود على أن #يسحره ـ وكان متمكّنا في ذلك الفنّ ـ ففعل.
ولمّا عرف خبره وانكشف أمره .. جاؤوا به إلى حضرة الأستاذ ، فاعترف وقال :
______
(١) العقبة : النّوبة.
(٢) الأرن : النّشيط.
وهو يسير بسير ضعيفهم ، وكلّما مشى ميلا .. عرض العقبة (١) على مولى له ـ يقال له : فرج ـ يسير أمام دابّته ، ينبو عن جنبه الرّمح ، كأنّه المهر الأرن (٢) من فرط القوّة والنّشاط ، ولكن هكذا كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وما قدر ثنائي عليه بعدما كان ثناء مشايخه عليه الباب الواسع؟! ومن قيّل بين ما يأتي آخر هذا الكتاب من احتياط سيّدنا عبد الله بن حسين #بلفقيه في توثيق الرّجال .. وبين ممادحه الضّخمة للأستاذ الأبرّ في أيّام شبابه .. عرف صدق ما أقول.
وصحّ أنّ أبناء الإمام الشّهير عبد الله بن حسين #بن_طاهر عادوا من زيارة #دوعن ، ولمّا سألهم أبوهم : هل عرّجتم على الولد #عيدروس بن عمر؟ قالوا : لا. قال : لا تحلّوا الرّحال حتّى ترجعوا فتزوروه ؛ لأنّ الأمر كما قال ذو الرّمّة [في «ديوانه» ٢٧٠ من الوافر] :
تمام الحجّ أن تقف المطايا
على خرقاء واضعة اللّثام
ومع إجماع النّاس على تفضيله ، وإصفاقهم بتفرّده ؛ لأنّ أمره كما قال الشّريف الرّضيّ [في «ديوانه» ٢ / ٤٠٣ من الطّويل] :
ولو لم يقرّ الحاسدون بمجده
أقرّوا على رغم بفضل التّقدّم
.. فإنه لم يسلم من أذى الحسّاد ، بل كان له منه النّصيب الكاثر ، إلّا أنّه لمّا أبرّ عليهم .. سقطت هممهم عن منافسته ، وكانوا معه كما قال مروان [في «ديوانه» ٧٤ من الطّويل] :
فما أحجم الأعداء عنك بقيّة
عليك ولكن ما رأوا فيك مطمعا
ولمّا لم يجدوا وسيلة لما يشفي ضباب ضغنهم عليه .. أرضوا المعلّم عليّ بن سعيد حميد ابن عبد هود على أن #يسحره ـ وكان متمكّنا في ذلك الفنّ ـ ففعل.
ولمّا عرف خبره وانكشف أمره .. جاؤوا به إلى حضرة الأستاذ ، فاعترف وقال :
______
(١) العقبة : النّوبة.
(٢) الأرن : النّشيط.
محمّد #الحبشيّ الجواب ، وسحب مصادقته ، وشطب اسمه.
وقد نوّهت بهذا في إحدى خطبي بالمحافل العامّة ، وأشهد لتبقى أقدامه وسوقه متورّمة مدّة من شوّال ؛ لكثرة قيامه برمضان ؛ إذ كان يتلو ختمة باللّيل وختمة بالنّهار ، كلّها من #قيام.
وكان شديدا على أهل المنكرات ، متجافيا عن أبناء الدّنيا منحرفا عنهم ، يغلظ القول لهم ، ولا يحابي ولا يداهن. وطائفة بني طويح يبغضونه ، ويزعمون أن الحال خرج به عن حدّ الاعتدال ، ولذا لم يجر الأمر بينه وبين العلّامة الشّهير السّيّد عليّ بن محمّد #الحبشيّ على ما تقتضيه القرابة ؛ إذ كانا مستويين في تعدّد النّسب ، يجتمعان في الجدّ الخامس لكلّ منهما وهو السّيّد محمّد بن حسين بن أحمد #الحبشيّ صاحب #الحسيّسة.
وقد بدا له أن ينتقل في آخر أيّامه من #الغرفة إلى #سيئون ، فاشترى أرضا (١) ـ في شرقيّ حوطتنا علم بدر ـ واسعة بثمن يسير لائق بذلك الزّمان ؛ لأنّها كانت غامرة (٢) ، فابتنى له بها دارا واسعة على طبقة واحدة ، لم يقدر على إكمالها ؛ لضيق يده ، وشدّة يبوسة عيشه ، وصار يتردّد بينها وبين الغرفة إلى أن ألقى بها العصا وحطّ الرّحل.
وكان يتردّد على والدي كثيرا ، وكان والدي يجلّه ويكرمه ، ويجعله في مقام أشياخه. #قرأت عليه و #أخذت عنه و #سمعت منه ، مع أنّه لم يأخذ عنه إلّا القليل ؛ كالشيخين عوض بكران #الصّبّان وأخيه أحمد ، والأخوين محمّد بن هادي بن حسن ، وشيخ بن أحمد بن طه.
ولا يخلو الجوّ بينه وبين سيّدي الأستاذ الأبرّ #عيدروس بن عمر من تكدير نشأ عن وجود بنت الأستاذ الأبرّ في بيته عند ولده محمّد بن شيخان ، فلم يحسنوا عشرتها ، ولم يؤدّوا حقّها ، ومع ذلك فكانت تأتيه منهم قوارص بظهر الغيب.
______
(١) عرفت هذه الأرض إلى يومنا هذا باسم صاحب الترجمة .. فيقال : فلان في شيخان ، وذهب إلى شيخان ، وجاء من شيخان ...
(٢) غامرة : مهجورة.
630
وقد نوّهت بهذا في إحدى خطبي بالمحافل العامّة ، وأشهد لتبقى أقدامه وسوقه متورّمة مدّة من شوّال ؛ لكثرة قيامه برمضان ؛ إذ كان يتلو ختمة باللّيل وختمة بالنّهار ، كلّها من #قيام.
وكان شديدا على أهل المنكرات ، متجافيا عن أبناء الدّنيا منحرفا عنهم ، يغلظ القول لهم ، ولا يحابي ولا يداهن. وطائفة بني طويح يبغضونه ، ويزعمون أن الحال خرج به عن حدّ الاعتدال ، ولذا لم يجر الأمر بينه وبين العلّامة الشّهير السّيّد عليّ بن محمّد #الحبشيّ على ما تقتضيه القرابة ؛ إذ كانا مستويين في تعدّد النّسب ، يجتمعان في الجدّ الخامس لكلّ منهما وهو السّيّد محمّد بن حسين بن أحمد #الحبشيّ صاحب #الحسيّسة.
وقد بدا له أن ينتقل في آخر أيّامه من #الغرفة إلى #سيئون ، فاشترى أرضا (١) ـ في شرقيّ حوطتنا علم بدر ـ واسعة بثمن يسير لائق بذلك الزّمان ؛ لأنّها كانت غامرة (٢) ، فابتنى له بها دارا واسعة على طبقة واحدة ، لم يقدر على إكمالها ؛ لضيق يده ، وشدّة يبوسة عيشه ، وصار يتردّد بينها وبين الغرفة إلى أن ألقى بها العصا وحطّ الرّحل.
وكان يتردّد على والدي كثيرا ، وكان والدي يجلّه ويكرمه ، ويجعله في مقام أشياخه. #قرأت عليه و #أخذت عنه و #سمعت منه ، مع أنّه لم يأخذ عنه إلّا القليل ؛ كالشيخين عوض بكران #الصّبّان وأخيه أحمد ، والأخوين محمّد بن هادي بن حسن ، وشيخ بن أحمد بن طه.
ولا يخلو الجوّ بينه وبين سيّدي الأستاذ الأبرّ #عيدروس بن عمر من تكدير نشأ عن وجود بنت الأستاذ الأبرّ في بيته عند ولده محمّد بن شيخان ، فلم يحسنوا عشرتها ، ولم يؤدّوا حقّها ، ومع ذلك فكانت تأتيه منهم قوارص بظهر الغيب.
______
(١) عرفت هذه الأرض إلى يومنا هذا باسم صاحب الترجمة .. فيقال : فلان في شيخان ، وذهب إلى شيخان ، وجاء من شيخان ...
(٢) غامرة : مهجورة.
630
وقد كان جدّه عبد الله من أهل #تريس (١) ، ومن ذرّيّته السّيّد علويّ بن عمر بن سالم (٢) ، تولّى القضاء ب #شبام.
وعيدروس وعبد الله ابنا أحمد أخيار فقهاء ، توفّي الأخير منهما بتريس سنة (١٢٦٤ ه).
ومن ذرّيّة #شيخان بن علويّ بن عبد الله #التّريسيّ (٣) : العلّامة الجليل علويّ بن سقّاف بن محمّد بن عيدروس بن سالم بن حسين بن عبد الله بن #شيخان المذكور ، وهو الشّيخ الخامس عشر من مشايخ سيّدنا الأستاذ الأبرّ #عيدروس بن عمر (٤) ، كان واسع العلم والرّواية ، متفنّنا ، وله رحلات إلى #اليمن وغيرها.
وكان هو وسيّدي الجدّ محسن بن علويّ أخصّ تلاميذ سيّدنا الحسن بن صالح البحر ، وكان الحقّ عنده فوق كلّ عاطفة ، من ذلك :
أنّ بعض #الوهّابيّة أنكر على آل حضرموت جعلهم ختم المجالس بالفاتحة على الكيفيّة المعلومة سنّة مطّردة ، مع أنّه لا دليل على ذلك ، فردّ عليه سيّدنا طاهر بن حسين بردّ خرج مخرج الخطابة والوعظ (٥) ، فنقضه الحبيب علويّ بن سقّاف الجفريّ هذا برسالة سمّاها «الدّلائل الواضحة في الرّدّ على رسالة الفاتحة» ، ترجم فيها لابن تيمية ، وتلميذه ابن القيّم ، وللشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب صاحب الدّعوة المشهورة ، وأطنب في الثّناء عليهم.
______
(١) وهو الملقب بالتريسي ، وأخواله هم آل بادبّاه من قوم الشيخ عمر المتقدم ذكره في صداع.
(٢) ذكره الحبيب عيدروس في «العقد» ، عاش في القرن الثالث عشر ، وهو من شيوخ العلامة علوي بن سقاف الجفري.
(٣) قال في «شمس الظهيرة» (٢ / ٤٢٤): (وأما شيخان بن علوي بن عبد الله التريسي .. فعقبه آل الجفري بجاوة بسورابايا ، وقدح ، وبهان ، والمدينة ، وتريس) اه ومنهم : آل الصافي الجفري بدوعن ومصوّع وسواكن وعدن ، وغيرها.
وقوله : قدح وبهان ينطقان الآن (كده) و (فاهانغ) وهما في جمهورية ماليزيا حاليا.
(٤) ترجمته في «عقد اليواقيت» : (٢ / ١٩ ـ ٢٤).
(٥) وهو المسمّى : «المقالة الواضحة».
656
وعيدروس وعبد الله ابنا أحمد أخيار فقهاء ، توفّي الأخير منهما بتريس سنة (١٢٦٤ ه).
ومن ذرّيّة #شيخان بن علويّ بن عبد الله #التّريسيّ (٣) : العلّامة الجليل علويّ بن سقّاف بن محمّد بن عيدروس بن سالم بن حسين بن عبد الله بن #شيخان المذكور ، وهو الشّيخ الخامس عشر من مشايخ سيّدنا الأستاذ الأبرّ #عيدروس بن عمر (٤) ، كان واسع العلم والرّواية ، متفنّنا ، وله رحلات إلى #اليمن وغيرها.
وكان هو وسيّدي الجدّ محسن بن علويّ أخصّ تلاميذ سيّدنا الحسن بن صالح البحر ، وكان الحقّ عنده فوق كلّ عاطفة ، من ذلك :
أنّ بعض #الوهّابيّة أنكر على آل حضرموت جعلهم ختم المجالس بالفاتحة على الكيفيّة المعلومة سنّة مطّردة ، مع أنّه لا دليل على ذلك ، فردّ عليه سيّدنا طاهر بن حسين بردّ خرج مخرج الخطابة والوعظ (٥) ، فنقضه الحبيب علويّ بن سقّاف الجفريّ هذا برسالة سمّاها «الدّلائل الواضحة في الرّدّ على رسالة الفاتحة» ، ترجم فيها لابن تيمية ، وتلميذه ابن القيّم ، وللشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب صاحب الدّعوة المشهورة ، وأطنب في الثّناء عليهم.
______
(١) وهو الملقب بالتريسي ، وأخواله هم آل بادبّاه من قوم الشيخ عمر المتقدم ذكره في صداع.
(٢) ذكره الحبيب عيدروس في «العقد» ، عاش في القرن الثالث عشر ، وهو من شيوخ العلامة علوي بن سقاف الجفري.
(٣) قال في «شمس الظهيرة» (٢ / ٤٢٤): (وأما شيخان بن علوي بن عبد الله التريسي .. فعقبه آل الجفري بجاوة بسورابايا ، وقدح ، وبهان ، والمدينة ، وتريس) اه ومنهم : آل الصافي الجفري بدوعن ومصوّع وسواكن وعدن ، وغيرها.
وقوله : قدح وبهان ينطقان الآن (كده) و (فاهانغ) وهما في جمهورية ماليزيا حاليا.
(٤) ترجمته في «عقد اليواقيت» : (٢ / ١٩ ـ ٢٤).
(٥) وهو المسمّى : «المقالة الواضحة».
656
كلاما ، فأخبروه ، فلم يزد على أن قال : أو قد فعلوها؟!
قالوا : نعم.
فرفع يديه إلى السّماء وقال : (قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(١).
فما أشبه هذا بذاك. لا ينفذ إلى فعله التّعليل ، ولا يحتاج شيء منه إلى التّأويل ؛ إذ صار هواه تبعا لما جاء به نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فجاء فيه موضع قول ابن كناسة في إبراهيم بن أدهم [من الطّويل] :
أمات الهوى حتّى تجنّبه الهوى
كما اجتنب الجاني الدّم الطّالب الدّما
سروره في إقبال الخلق على الله ، وحزنه في إعراضهم عنه ، حتّى لقد كان سبب موته من هذا الباب.
وكان كثير الأخذ عن المشايخ ، جمّ الحرص على الاستكثار من الأسانيد والاتّصال بسلاسل الرّجال وأئمّة الحديث والطّريق. وقد اجتمع له ولي بفضله ـ رضوان الله عليه ـ ما لا يوجد عند أحد من أهل عصره ، ولله الحمد.
وكان في أيّام أستاذه الأبرّ #عيدروس بن عمر يتردّد عليه من أيّام والده (٢) عن أمره في كلّ ثلاث ماشيا ، وبينهما نحو من أربعة أميال أو أكثر ، ولقد أراد أخوه في الله الشّيخ عوض بن عمر #شيبان السّابق ذكره في #الغرفة أن يشتري له مركوبا ، فأبى وقال : لو أحسست بتعب .. لقبلت. ولقد كاد أن يخرج عن إهابه من الطّرب ؛ إذ تمثّلت له عند مثل هذا الكلام بقول العبّاس بن الأحنف [من البسيط] :
أرى الطّريق قريبا حين أسلكه
إلى الحبيب بعيدا حين أنصرف
وقول الآخر [كثيّر عزّة في «ديوانه» ١٠٩ من الطّويل] :
وكنت إذا ما جئت ليلى أزورها
أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها (٣)
______
(١) حلية الأولياء (٢ / ١١١).
(٢) أي : الحبيب محسن بن علوي ، المتوفى سنة (١٢٩١ ه) ، وعمر المترجم حينذاك (٣٠) عاما.
(٣) في «الديوان» : (سعدى) بدل : (ليلى).
693
قالوا : نعم.
فرفع يديه إلى السّماء وقال : (قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(١).
فما أشبه هذا بذاك. لا ينفذ إلى فعله التّعليل ، ولا يحتاج شيء منه إلى التّأويل ؛ إذ صار هواه تبعا لما جاء به نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فجاء فيه موضع قول ابن كناسة في إبراهيم بن أدهم [من الطّويل] :
أمات الهوى حتّى تجنّبه الهوى
كما اجتنب الجاني الدّم الطّالب الدّما
سروره في إقبال الخلق على الله ، وحزنه في إعراضهم عنه ، حتّى لقد كان سبب موته من هذا الباب.
وكان كثير الأخذ عن المشايخ ، جمّ الحرص على الاستكثار من الأسانيد والاتّصال بسلاسل الرّجال وأئمّة الحديث والطّريق. وقد اجتمع له ولي بفضله ـ رضوان الله عليه ـ ما لا يوجد عند أحد من أهل عصره ، ولله الحمد.
وكان في أيّام أستاذه الأبرّ #عيدروس بن عمر يتردّد عليه من أيّام والده (٢) عن أمره في كلّ ثلاث ماشيا ، وبينهما نحو من أربعة أميال أو أكثر ، ولقد أراد أخوه في الله الشّيخ عوض بن عمر #شيبان السّابق ذكره في #الغرفة أن يشتري له مركوبا ، فأبى وقال : لو أحسست بتعب .. لقبلت. ولقد كاد أن يخرج عن إهابه من الطّرب ؛ إذ تمثّلت له عند مثل هذا الكلام بقول العبّاس بن الأحنف [من البسيط] :
أرى الطّريق قريبا حين أسلكه
إلى الحبيب بعيدا حين أنصرف
وقول الآخر [كثيّر عزّة في «ديوانه» ١٠٩ من الطّويل] :
وكنت إذا ما جئت ليلى أزورها
أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها (٣)
______
(١) حلية الأولياء (٢ / ١١١).
(٢) أي : الحبيب محسن بن علوي ، المتوفى سنة (١٢٩١ ه) ، وعمر المترجم حينذاك (٣٠) عاما.
(٣) في «الديوان» : (سعدى) بدل : (ليلى).
693