#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
وفي البحث عن دوافع ذلك النزوح وجدت في المصادر( ) أن حضرموت قد شهدت في تلك الفترة اضطراباً في الأوضاع السياسية وتأزمت علاقة يافع بالسلطان منصور بن عمر الكثيري الذي ناصب يافع العداء وأسرف إسرافاً كثيراً في الاحتكاك بهم والاسترسال في قتلهم وطردهم واستباحة أموالهم وديارهم وعقارهم. وقد بلغت به القسوة إلى حد أنه أمر مواليه ففجروا دار ابن معمّر الخلاقي في القطن بوضعهم كميات كبيرة من الباروت تحت البيت، على حين غفلة من سكان البيت، وتم إشعالها بواسطة فتيلة يمتد أحد طرفيها إلى الخارج فانفجر البيت انفجاراً هائلاً وهلك جميع سكانه، وكان بينهم عقيلتان من حرم الجمعدار عمر بن عوض القعيطي قيل إنهما عمتاه هلكتا فيمن هلك. وقد أحدثت هذه الكارثة أسوأ الأثر في الأوساط الحضرمية لاسيما الدوائر العلوية، وأسقطت هيبة منصور بن عمر من النفوس وضعضعت مركزه، وبالمقابل برز عمر عوض القعيطي من عزلته يومئذ، ليدخل في مواجهة مع منصور بن عمر ويضع أسس الدولة القعيطية، وتكون نهاية منصور بن عمر فيما بعد التخلص منه بالقتل على يد الجمعدار عوض بن عمر.
وإذا كنا نرى في تلك الظروف المعقدة سببا وجيهاً لنزوح أبناء يحيى عمر, وربما كثيرين غيرهم من اليافعيين، فأن الغرابة هو انقطاع ذكرهم فيما بعد، مع علمنا بتفاخر اليمنيين والعرب عموماً بحفظ تسلسل نسبهم, فضلاً عن شهرة والدهم التي لا يمكن أن تجعلهم يعيشون في الظل أو أن يجهل مصيرهم، إلاَّ إذا أسلمنا بانقطاع نسلهم في المهجر. ونجد أسماء هؤلاء الأبناء في مطلع بعض قصائد يحيى عمر، خاصة تلك التي دونت وسجلت في البحرين بأصوات أشهر فنانيها وصدرت في كتاب بعنوان " محمد بن فارس.. أشهر من غنى الصوت في الخليج"( ) حيث يرد في مطلع بعض هذه القصائد أسم (أبوعلي) و(أبو مطلق) و(أبو ناصر) و(أبو قائد)عوضاً عن اسم يحيى عمر أو كنيته "أبو معجب" وقد تكون هذه أسماء لأبنائه ممن انقطع ذكرهم في المهجر, كما أسلفنا, ولكن من المحتمل أيضا أن تكون أسماء أو كنية لبعض حفظة تلك القصائد أو بعض المطربين ممن أعجبوا بها فتغنوا بها ونسبوها لأنفسهم، وتناقلها الناس منهم كما سمعوها، بينما نجد أن تلك القصائد ذاتها تورد في ذاكرة الناس والحفظة من المسنين في مسقط رأسه يافع باسمه أو كنيته المعروفة "أبو معجب".
ومهما يكن، فالثابت أن يحيى عمر قد مكث في حضرموت ردحاً من الزمن، ومنها كانت انطلاقته الفنية والشعرية بعد مسقط رأسه يافع ثم رحلته إلى الهند عبر مدن ومراسي عديدة نستشف أسماءها من أشعاره: صنعاء، عُمان، البحرين،
شل صوت الدان
وفي البحث عن دوافع ذلك النزوح وجدت في المصادر( ) أن حضرموت قد شهدت في تلك الفترة اضطراباً في الأوضاع السياسية وتأزمت علاقة يافع بالسلطان منصور بن عمر الكثيري الذي ناصب يافع العداء وأسرف إسرافاً كثيراً في الاحتكاك بهم والاسترسال في قتلهم وطردهم واستباحة أموالهم وديارهم وعقارهم. وقد بلغت به القسوة إلى حد أنه أمر مواليه ففجروا دار ابن معمّر الخلاقي في القطن بوضعهم كميات كبيرة من الباروت تحت البيت، على حين غفلة من سكان البيت، وتم إشعالها بواسطة فتيلة يمتد أحد طرفيها إلى الخارج فانفجر البيت انفجاراً هائلاً وهلك جميع سكانه، وكان بينهم عقيلتان من حرم الجمعدار عمر بن عوض القعيطي قيل إنهما عمتاه هلكتا فيمن هلك. وقد أحدثت هذه الكارثة أسوأ الأثر في الأوساط الحضرمية لاسيما الدوائر العلوية، وأسقطت هيبة منصور بن عمر من النفوس وضعضعت مركزه، وبالمقابل برز عمر عوض القعيطي من عزلته يومئذ، ليدخل في مواجهة مع منصور بن عمر ويضع أسس الدولة القعيطية، وتكون نهاية منصور بن عمر فيما بعد التخلص منه بالقتل على يد الجمعدار عوض بن عمر.
وإذا كنا نرى في تلك الظروف المعقدة سببا وجيهاً لنزوح أبناء يحيى عمر, وربما كثيرين غيرهم من اليافعيين، فأن الغرابة هو انقطاع ذكرهم فيما بعد، مع علمنا بتفاخر اليمنيين والعرب عموماً بحفظ تسلسل نسبهم, فضلاً عن شهرة والدهم التي لا يمكن أن تجعلهم يعيشون في الظل أو أن يجهل مصيرهم، إلاَّ إذا أسلمنا بانقطاع نسلهم في المهجر. ونجد أسماء هؤلاء الأبناء في مطلع بعض قصائد يحيى عمر، خاصة تلك التي دونت وسجلت في البحرين بأصوات أشهر فنانيها وصدرت في كتاب بعنوان " محمد بن فارس.. أشهر من غنى الصوت في الخليج"( ) حيث يرد في مطلع بعض هذه القصائد أسم (أبوعلي) و(أبو مطلق) و(أبو ناصر) و(أبو قائد)عوضاً عن اسم يحيى عمر أو كنيته "أبو معجب" وقد تكون هذه أسماء لأبنائه ممن انقطع ذكرهم في المهجر, كما أسلفنا, ولكن من المحتمل أيضا أن تكون أسماء أو كنية لبعض حفظة تلك القصائد أو بعض المطربين ممن أعجبوا بها فتغنوا بها ونسبوها لأنفسهم، وتناقلها الناس منهم كما سمعوها، بينما نجد أن تلك القصائد ذاتها تورد في ذاكرة الناس والحفظة من المسنين في مسقط رأسه يافع باسمه أو كنيته المعروفة "أبو معجب".
ومهما يكن، فالثابت أن يحيى عمر قد مكث في حضرموت ردحاً من الزمن، ومنها كانت انطلاقته الفنية والشعرية بعد مسقط رأسه يافع ثم رحلته إلى الهند عبر مدن ومراسي عديدة نستشف أسماءها من أشعاره: صنعاء، عُمان، البحرين،
#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
ولا شك أن تلك الظباء في شعب عيديد هي التي قصدها الشاعر العاشق أيضاً في قصيدة أخرى له يقول فيها:
العشق سنّه وعندي فرض يا اهل الودادي
يا من جعيده على امتانه طرايح وغادي
والعنق عنق الظباء ما يستعف بالبوادي
ما دام قلبي يهيم
كمثل ليلاً بهـيم
يرعى نواحي تريم( )
وهناك روايات وحكايات تشاع عنه في حضرموت شبيهة بتلك المتداولة في مسقط رأسه يافع، من ذلك قصة ترتبط بأغنيته " يحيى عمر قال ما شان المليح" حيث يقال( ) إن يحيى عمر كان في رحلة طويلة إلى الهند وحين عودته مر بأحد الغيلان "الأودية النهرية" في حضرموت وصادف فتاة جميلة وقام بوصفها بهذه الأغنية في حين أن الفتاة ابنته فاحتضنها وعاد إلى أسرته.
"المَكْلَةْ" ليست "المُكَلاَّ"
سبق الإشارة إلى معنى (المَكْلَهْ) في اللهجة اليافعية كنبع ماء في بطن الجبل. وقد بحثت عن أصل الكلمة فوجدتها فصحية، ففي "لسان العرب" جاء: المُكْلة والمَكْلة: جَمَّةُ البئر، وقيل: أول ما يستقى من جَمَّتِها. والمُكْلة: الشيء القليل من الماء يبقى في البئر أو الإناء. وقيل المَكُول: من الآبار التي يقلُّ ماؤها فتَسْتَجِمُّ حتى يجتمع الماء في أسفلها، واسم ذلك الماء المُكْلة. والمِمْكَلُ الغدير القليل الماء.
إذاً (المَكْلَةُ) هي النبع القليل الماء في بطن الجبل أوهي حوض الماء المتجمع من ذلك النبع ومنه تستقي النساء الماء، وتُعرف بهذا الاسم وهي كثيرة في بطون جبال يافع الكثيرة وتشكل، إلى اليوم، مصدراً من مصادر مياه الشرب للقرى الجبلية المعلقة في رؤوس الجبال وبطونها كمسقط رأس يحيى عمر (بيت الجمالي) في رأس (حيد المنيفي).
وفي إبحاره الممتع مع أشعار يحيى عمر اليافعي لا أدري كيف التبس الأمر على الأستاذ بدر بن عقيل في فهم معنى (المَكْلَةْ) الواردة في هذا البيت:
قال يحيى عمر صادفت على "المَكْلَهْ" أربع
مُسجَّدات النِّبع خلّين عقلي مضيّع
فقد حرَّف كلمة (المَكْلَهْ) عن معناها وحوَّرها ليسقطها على (المكلا). ومع أن الكلمة وردت في كتاب (غنائيات يحيى عمر) - الذي استند عليه - واضحة ومشكَّلة وبين معقوفتين، فضلاً عن كون هذا التحوير قد أخل بوزن القصيدة، إلا أنه يقول: "أما في المكلا فقد قال قصيدة عميقة ومؤثرة في مستهلها، لكنها تحمل من الفرح والحيوية في أبياتها الأخرى، حينما صادف أربع من الغيد "المكلاويات" الفاتنات كل واحدة منهنَّ تتميز بحسن خاص"( ). وربما أن انعدام الحواشي في الكتاب لتوضيح الكلمات الدارجة قد جعله يقع في مثل هذا الخطأ أو اللبس. وقد دفعني هذا اللبس إلى هذا الإيضاح، لأن تلك القصيدة كما أسلفنا القول هي من عيون أشعاره المبكرة المرتبطة أشد الارتباط بالبيئة اليافعية وقد أفضى فيها لواعج حبه لمسقط رأسه وهو يتهيأ للرحيل عنه مكرهاً لا راغباً في ذلك.
أما مدينة المكلا فنجد اسمها حاضراً في قصيدة أخرى ليحيى عمر حيث يأتي ذكرها إلى جانب بندر عدن في قوله:
يحيى عمر قال والجوف امتلا
بندر عدن والمكلا قسم ذا
من ذا ومن ذا ومن هذا وذاك
والسلطنه حُكمها من تحت ذاك
شل صوت الدان
ولا شك أن تلك الظباء في شعب عيديد هي التي قصدها الشاعر العاشق أيضاً في قصيدة أخرى له يقول فيها:
العشق سنّه وعندي فرض يا اهل الودادي
يا من جعيده على امتانه طرايح وغادي
والعنق عنق الظباء ما يستعف بالبوادي
ما دام قلبي يهيم
كمثل ليلاً بهـيم
يرعى نواحي تريم( )
وهناك روايات وحكايات تشاع عنه في حضرموت شبيهة بتلك المتداولة في مسقط رأسه يافع، من ذلك قصة ترتبط بأغنيته " يحيى عمر قال ما شان المليح" حيث يقال( ) إن يحيى عمر كان في رحلة طويلة إلى الهند وحين عودته مر بأحد الغيلان "الأودية النهرية" في حضرموت وصادف فتاة جميلة وقام بوصفها بهذه الأغنية في حين أن الفتاة ابنته فاحتضنها وعاد إلى أسرته.
"المَكْلَةْ" ليست "المُكَلاَّ"
سبق الإشارة إلى معنى (المَكْلَهْ) في اللهجة اليافعية كنبع ماء في بطن الجبل. وقد بحثت عن أصل الكلمة فوجدتها فصحية، ففي "لسان العرب" جاء: المُكْلة والمَكْلة: جَمَّةُ البئر، وقيل: أول ما يستقى من جَمَّتِها. والمُكْلة: الشيء القليل من الماء يبقى في البئر أو الإناء. وقيل المَكُول: من الآبار التي يقلُّ ماؤها فتَسْتَجِمُّ حتى يجتمع الماء في أسفلها، واسم ذلك الماء المُكْلة. والمِمْكَلُ الغدير القليل الماء.
إذاً (المَكْلَةُ) هي النبع القليل الماء في بطن الجبل أوهي حوض الماء المتجمع من ذلك النبع ومنه تستقي النساء الماء، وتُعرف بهذا الاسم وهي كثيرة في بطون جبال يافع الكثيرة وتشكل، إلى اليوم، مصدراً من مصادر مياه الشرب للقرى الجبلية المعلقة في رؤوس الجبال وبطونها كمسقط رأس يحيى عمر (بيت الجمالي) في رأس (حيد المنيفي).
وفي إبحاره الممتع مع أشعار يحيى عمر اليافعي لا أدري كيف التبس الأمر على الأستاذ بدر بن عقيل في فهم معنى (المَكْلَةْ) الواردة في هذا البيت:
قال يحيى عمر صادفت على "المَكْلَهْ" أربع
مُسجَّدات النِّبع خلّين عقلي مضيّع
فقد حرَّف كلمة (المَكْلَهْ) عن معناها وحوَّرها ليسقطها على (المكلا). ومع أن الكلمة وردت في كتاب (غنائيات يحيى عمر) - الذي استند عليه - واضحة ومشكَّلة وبين معقوفتين، فضلاً عن كون هذا التحوير قد أخل بوزن القصيدة، إلا أنه يقول: "أما في المكلا فقد قال قصيدة عميقة ومؤثرة في مستهلها، لكنها تحمل من الفرح والحيوية في أبياتها الأخرى، حينما صادف أربع من الغيد "المكلاويات" الفاتنات كل واحدة منهنَّ تتميز بحسن خاص"( ). وربما أن انعدام الحواشي في الكتاب لتوضيح الكلمات الدارجة قد جعله يقع في مثل هذا الخطأ أو اللبس. وقد دفعني هذا اللبس إلى هذا الإيضاح، لأن تلك القصيدة كما أسلفنا القول هي من عيون أشعاره المبكرة المرتبطة أشد الارتباط بالبيئة اليافعية وقد أفضى فيها لواعج حبه لمسقط رأسه وهو يتهيأ للرحيل عنه مكرهاً لا راغباً في ذلك.
أما مدينة المكلا فنجد اسمها حاضراً في قصيدة أخرى ليحيى عمر حيث يأتي ذكرها إلى جانب بندر عدن في قوله:
يحيى عمر قال والجوف امتلا
بندر عدن والمكلا قسم ذا
من ذا ومن ذا ومن هذا وذاك
والسلطنه حُكمها من تحت ذاك
#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
وأعتقد أن ما ذهب إليه معدو "غنائيات يحيى عمر" هو الأقرب إلى الصواب لأن تلك اللهجة لا زالت شائعة إلى اليوم في كثير من مناطق تعز ومحيطها المجاور, كما أن التأثر بالشيخ الصوفي أحمد بن علوان ظل إلى وقت قريب، ولا يستبعد أن يحيى عمر قد زار ضريحه في يفرس تبركاً ومكث زمناً هناك. واستناداً إلى أشعاره التي ننشرها لأول مرة, فقد بات من المؤكد أنه زار تعز ومكث فيها فترة من الزمن لما عرف عنه من حب للتنقل والسفر من بلد إلى أخرى وقد نشأت بينه وبين هذه المدينة الجميلة علاقة حميمة, وترجم إعجابه بها وبحسناواتها بقصيدته (يا قمري تعز), التي يقول فيها:
يحيى عمر قال يا قمري تعز
ويش جَابك اليوم لا هذا المكان
وأنتَ في ذه المدينة مُحترز
ما بين دار الذهب والشذروان
كما أفصح في قصيدته (يهناك الفرح) عن زمن مكوثه في تعز في زمن حُكم الإمام المهدي أحمد بن الحسن بن القاسم (1087-1092هـ), حيث كان شاهداً على سيطرة جيشه على المدينة, وعن هذا الحدث يقول:
يحيى عمر قال يهناك الفرح
يا فارس الخيل في ميدانها
خَذت المدينه ونصرك قد فتح
وطالع السّعد هد أركانها
والمالك المهدي اطْرَبْ وانْشَرَح
يوم انقضَتْ مِنْ تعز أشجانها
سعده على سعدك اليوم انطرح
أولاك أرض اليمن واحسَانها
تعز عزك ولك فيها فلح
بستان تقطف ثمار أغصانها
وهكذا يُماط اللثام عن تأثر يحيى عمر بلهجة تعز ومحيطها, ومع أن القصيدة التي وردت فيها كلمات (جي بكره، شا نطعم، شا نلتم، شا فرتوت.. الخ) كما نعلم وكما يتضح من سياق الحوار الداخلي (الديالوج) الذي دار بينه وبين الفاتنة الهندية واستخدم فيه كلمات هندية، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنه قالها في الهند، ويذهب بنا ذلك إلى ترجيح أن يكون من نقل عنه قد كتب القصيدة محرفاً تلك الكلمات بلهجة منطقته، ومثل هذا التحريف والتحوير شائع بكثرة كما أوضحنا ذلك.
أما المناطق أو المدن الأخرى التي ربما مكث فيها الشاعر فترة من الزمن وتركت تأثيرها الواضح في شعره بعد يافع وحضرموت فهي تهامة التي يأتي على ذكر كثير من مناطقها كاللحية وموزع والحديدة والمخا , وهذه الأخيرة فتنته وأسرته وتمكنت من شغاف قلبه فهام بها عشقاً صوره في بعض قصائده
شل صوت الدان
وأعتقد أن ما ذهب إليه معدو "غنائيات يحيى عمر" هو الأقرب إلى الصواب لأن تلك اللهجة لا زالت شائعة إلى اليوم في كثير من مناطق تعز ومحيطها المجاور, كما أن التأثر بالشيخ الصوفي أحمد بن علوان ظل إلى وقت قريب، ولا يستبعد أن يحيى عمر قد زار ضريحه في يفرس تبركاً ومكث زمناً هناك. واستناداً إلى أشعاره التي ننشرها لأول مرة, فقد بات من المؤكد أنه زار تعز ومكث فيها فترة من الزمن لما عرف عنه من حب للتنقل والسفر من بلد إلى أخرى وقد نشأت بينه وبين هذه المدينة الجميلة علاقة حميمة, وترجم إعجابه بها وبحسناواتها بقصيدته (يا قمري تعز), التي يقول فيها:
يحيى عمر قال يا قمري تعز
ويش جَابك اليوم لا هذا المكان
وأنتَ في ذه المدينة مُحترز
ما بين دار الذهب والشذروان
كما أفصح في قصيدته (يهناك الفرح) عن زمن مكوثه في تعز في زمن حُكم الإمام المهدي أحمد بن الحسن بن القاسم (1087-1092هـ), حيث كان شاهداً على سيطرة جيشه على المدينة, وعن هذا الحدث يقول:
يحيى عمر قال يهناك الفرح
يا فارس الخيل في ميدانها
خَذت المدينه ونصرك قد فتح
وطالع السّعد هد أركانها
والمالك المهدي اطْرَبْ وانْشَرَح
يوم انقضَتْ مِنْ تعز أشجانها
سعده على سعدك اليوم انطرح
أولاك أرض اليمن واحسَانها
تعز عزك ولك فيها فلح
بستان تقطف ثمار أغصانها
وهكذا يُماط اللثام عن تأثر يحيى عمر بلهجة تعز ومحيطها, ومع أن القصيدة التي وردت فيها كلمات (جي بكره، شا نطعم، شا نلتم، شا فرتوت.. الخ) كما نعلم وكما يتضح من سياق الحوار الداخلي (الديالوج) الذي دار بينه وبين الفاتنة الهندية واستخدم فيه كلمات هندية، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنه قالها في الهند، ويذهب بنا ذلك إلى ترجيح أن يكون من نقل عنه قد كتب القصيدة محرفاً تلك الكلمات بلهجة منطقته، ومثل هذا التحريف والتحوير شائع بكثرة كما أوضحنا ذلك.
أما المناطق أو المدن الأخرى التي ربما مكث فيها الشاعر فترة من الزمن وتركت تأثيرها الواضح في شعره بعد يافع وحضرموت فهي تهامة التي يأتي على ذكر كثير من مناطقها كاللحية وموزع والحديدة والمخا , وهذه الأخيرة فتنته وأسرته وتمكنت من شغاف قلبه فهام بها عشقاً صوره في بعض قصائده
#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
وفي الهند لمع اسم العربي بصفة غير اعتيادية نظراً لمجهوده وصبره ومثابرته وذكائه، وكان غالبية العرب يعملون في الجندية، ولم يكن الجندي العربي غريباً على الهند، حيث أشار عدد كبير من المؤرخين والرحالة العرب من أمثال ابن بطوطة والأفرنج وغيرهم الذين زاروها عبر القرون عن وجودهم في جيوش وأساطيل حكام الهنود سواء كان الحاكم مسلماً أو هندوكياً( ).
ومع انحطاط عصر الدولة المغولية في الهند برز دور العرب العسكري ووصل ذروته في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر في نشاطهم الملحوظ وثقلهم العسكري في مجموعة كبيرة من دويلات الهند.
وهكذا ظلت الهجرة إلى الهند أملاً يداعب مخيلة الشباب اليافعي ومثله الحضرمي وهدفاً سعى إليه الكثيرون ممن ضاقت بهم سبل العيش في بلادهم لعوامل الاضطراب السياسي والفتن والحروب القبلية والجفاف والمجاعات. وفي الهند وجد المهاجرون بغيتهم وحصلوا على أعمال كـ(عساكر) بصورة رئيسية، وإن عمل بعضهم في التجارة أو في مجالات الشحن والتفريغ في الموانئ أو رحالة على السفن، وأمَّنوا بذلك ليس فقط مصدر الرزق لهم ولأسرهم التي ظلت تعتمد عليهم، بل وسعوا إلى أن يحققوا ذاتهم فيما بعد في مسقط رأسهم وهو ما تيسر للكثيرين منهم، ولا زالت تنتصب في بعض قرى يافع الجبلية القصور والحصون اليافعية التي شيدت بأموال أولئك المغتربين في المهجر الهندي على مدى الثلاثة القرون الماضية، كشاهد على ذلك.
ولاشك أن يحيى عمر، الذي افتتن بالسفر والتنقل منذ أن غادر مسقط رأسه، قد تاقت نفسه واشتاقت لهذا البلد الذي جذب وأسر الكثيرين قبله، فكان عليه أن يشد الرحال إليه. وهكذا وجد يحيى عمر نفسه في الهند بعد أن وصل إليها في رحلة طويلة مر خلالها على أكثر من بلد ومدينة، وقد مثلت الفترة التي قضاها هناك المحطة الأهم في حياته والأكثر خصوبة في إبداعه الشعري والفني، حيث عاش فيها حياة صاخبة مليئة بالفن والحياة وبالغموض والأسرار التي ربما ذهبت معه، وبقي أثرها فيما ينسج حوله من الحكايات التي تتناقل شفوياً، وهي لا تشفي غليل الباحث في شيء، بل إن بعضها يرتقي إلى مقام الأسطورة.
شل صوت الدان
وفي الهند لمع اسم العربي بصفة غير اعتيادية نظراً لمجهوده وصبره ومثابرته وذكائه، وكان غالبية العرب يعملون في الجندية، ولم يكن الجندي العربي غريباً على الهند، حيث أشار عدد كبير من المؤرخين والرحالة العرب من أمثال ابن بطوطة والأفرنج وغيرهم الذين زاروها عبر القرون عن وجودهم في جيوش وأساطيل حكام الهنود سواء كان الحاكم مسلماً أو هندوكياً( ).
ومع انحطاط عصر الدولة المغولية في الهند برز دور العرب العسكري ووصل ذروته في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر في نشاطهم الملحوظ وثقلهم العسكري في مجموعة كبيرة من دويلات الهند.
وهكذا ظلت الهجرة إلى الهند أملاً يداعب مخيلة الشباب اليافعي ومثله الحضرمي وهدفاً سعى إليه الكثيرون ممن ضاقت بهم سبل العيش في بلادهم لعوامل الاضطراب السياسي والفتن والحروب القبلية والجفاف والمجاعات. وفي الهند وجد المهاجرون بغيتهم وحصلوا على أعمال كـ(عساكر) بصورة رئيسية، وإن عمل بعضهم في التجارة أو في مجالات الشحن والتفريغ في الموانئ أو رحالة على السفن، وأمَّنوا بذلك ليس فقط مصدر الرزق لهم ولأسرهم التي ظلت تعتمد عليهم، بل وسعوا إلى أن يحققوا ذاتهم فيما بعد في مسقط رأسهم وهو ما تيسر للكثيرين منهم، ولا زالت تنتصب في بعض قرى يافع الجبلية القصور والحصون اليافعية التي شيدت بأموال أولئك المغتربين في المهجر الهندي على مدى الثلاثة القرون الماضية، كشاهد على ذلك.
ولاشك أن يحيى عمر، الذي افتتن بالسفر والتنقل منذ أن غادر مسقط رأسه، قد تاقت نفسه واشتاقت لهذا البلد الذي جذب وأسر الكثيرين قبله، فكان عليه أن يشد الرحال إليه. وهكذا وجد يحيى عمر نفسه في الهند بعد أن وصل إليها في رحلة طويلة مر خلالها على أكثر من بلد ومدينة، وقد مثلت الفترة التي قضاها هناك المحطة الأهم في حياته والأكثر خصوبة في إبداعه الشعري والفني، حيث عاش فيها حياة صاخبة مليئة بالفن والحياة وبالغموض والأسرار التي ربما ذهبت معه، وبقي أثرها فيما ينسج حوله من الحكايات التي تتناقل شفوياً، وهي لا تشفي غليل الباحث في شيء، بل إن بعضها يرتقي إلى مقام الأسطورة.
#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
وهكذا مثلما "تبغدد" قبله علي بن الجهم فقد "تهنَّد" يحيى عمر، وهو ما يتضح جلياً في أشعار المرحلة الهندية التي تحرر فيها من القيود المفروضة على الشعر الغزلي في موطنه، بحكم ثأثير العادات والتقاليد، وشعره هنا أكثر طراوة وعذوبة ورقة بعيداً عن "برق الغلوس" و"الأنف خنجر لقطاع الرؤوس"، بحكم طبيعة المجتمع الهندي وعاداته التي لا قيود لها. وبلغ به التأثر حتى في لغته الشعرية التي مزج فيها بعض الكلمات من اللغة الأوردية، التي كان يجيدها بتأثير هجرته ومكوثه الطويل في الهند وتنقلاته وأسفاره الكثيرة بين مدنها وأقاليمها.
يروي الفنان محمد صالح الحضرمي أن يحيى عمر "كان كثير الأسفار، يتنقل من بلاد إلى أخرى ويتزوج من كل بلد يصل إليها، وفي إحدى سفراته إلى الهند شاهد فتيات هنديات يحملن (جرات الماء( )) فأعجب بهن، وأخذ مكاناً قريباً منهن، وقال هذه الأبيات بالعربية ممزوجة بالهندية وهي:
يا جاني الماء هات (باني)
لا انتوا تحبوا الطرب والمعاني
فأعجبن به الفتيات ونزل ضيفاً عليهن، وهكذا عاش يحيى عمر شاعراً فذاً خلَف لنا الكثير والكثير من القصائد العصماء"( ).
لقد عاش يحيى عمر سنوات غير قليلة في الهند، يقدرها البعض بـ 16 عاماً، وربما أكثر، قضى شطراً منها عسكرياً، كما يتضح من أشعاره، مثل قوله:
با بطِّل العَسْكَرَه واحرس عليك
وأنت واجب تقرِّب في الوَعَد
لكن طبيعته كفنان مرهف الإحساس لم تكن تنسجم مع طبيعة الحياة العسكرية، التي تركها بمحض اختياره، فتفرغ للفن والشعر وكان من عادته ألاَّ ينام حتى يقضي وقتاً في العزف والغناء، وقد تنقل كثيراً بين مدن الهند وزار مسقط رأسه أكثر من مرة، وعرج على بعض البلدان والموانئ المجاورة، لكنه كان يعود إلى الهند التي طاب له المقام فيها متنقلاً بين أكثر من مدينة مثل كلكتا ومدراس وحيدر آباد وبرودا، وأجاد اللغة الأوردية وغنى بها هناك، ويبدو تأثير الهند جلياً في كثير من أغانيه، التي يطعمها بكلمات هندية, كما في قوله:
يحيى عمر قال أمانه يا هنود
هل هي من الهند والاَّ من سِنُود
عبرت ليله وانا اسمع صوت عود
وقفت عالباب وهزَّيت العمود
قولوا لنا بنت من ذي الهنديه
تعرف رطين العرب بالهنديه
في قصر عالي والحان ساريه
قالت "كياهي" خبركم غاويه
وكلمة "كياهي" الأوردية تعني "ماذا تريد" أو "ما الخبر". كما نجد مثل هذه المزاوجة بين اللغتين العربية والأوردية الهندية في قصيدته الشهيرة "يحيى عمر شل الدَّان"، حيث يقول فيها:
بعد الآن، يحيى عمر شل الدان
ما يهتان، لله من ذا الهندي
مثل الشاش، أبيض منقرش نقراش
في الفتان، هندي ملك هندستان
حاضر باش، هندي برابر شاباش
عقلي طاش، مسكين انا ما جهدي
شل صوت الدان
وهكذا مثلما "تبغدد" قبله علي بن الجهم فقد "تهنَّد" يحيى عمر، وهو ما يتضح جلياً في أشعار المرحلة الهندية التي تحرر فيها من القيود المفروضة على الشعر الغزلي في موطنه، بحكم ثأثير العادات والتقاليد، وشعره هنا أكثر طراوة وعذوبة ورقة بعيداً عن "برق الغلوس" و"الأنف خنجر لقطاع الرؤوس"، بحكم طبيعة المجتمع الهندي وعاداته التي لا قيود لها. وبلغ به التأثر حتى في لغته الشعرية التي مزج فيها بعض الكلمات من اللغة الأوردية، التي كان يجيدها بتأثير هجرته ومكوثه الطويل في الهند وتنقلاته وأسفاره الكثيرة بين مدنها وأقاليمها.
يروي الفنان محمد صالح الحضرمي أن يحيى عمر "كان كثير الأسفار، يتنقل من بلاد إلى أخرى ويتزوج من كل بلد يصل إليها، وفي إحدى سفراته إلى الهند شاهد فتيات هنديات يحملن (جرات الماء( )) فأعجب بهن، وأخذ مكاناً قريباً منهن، وقال هذه الأبيات بالعربية ممزوجة بالهندية وهي:
يا جاني الماء هات (باني)
لا انتوا تحبوا الطرب والمعاني
فأعجبن به الفتيات ونزل ضيفاً عليهن، وهكذا عاش يحيى عمر شاعراً فذاً خلَف لنا الكثير والكثير من القصائد العصماء"( ).
لقد عاش يحيى عمر سنوات غير قليلة في الهند، يقدرها البعض بـ 16 عاماً، وربما أكثر، قضى شطراً منها عسكرياً، كما يتضح من أشعاره، مثل قوله:
با بطِّل العَسْكَرَه واحرس عليك
وأنت واجب تقرِّب في الوَعَد
لكن طبيعته كفنان مرهف الإحساس لم تكن تنسجم مع طبيعة الحياة العسكرية، التي تركها بمحض اختياره، فتفرغ للفن والشعر وكان من عادته ألاَّ ينام حتى يقضي وقتاً في العزف والغناء، وقد تنقل كثيراً بين مدن الهند وزار مسقط رأسه أكثر من مرة، وعرج على بعض البلدان والموانئ المجاورة، لكنه كان يعود إلى الهند التي طاب له المقام فيها متنقلاً بين أكثر من مدينة مثل كلكتا ومدراس وحيدر آباد وبرودا، وأجاد اللغة الأوردية وغنى بها هناك، ويبدو تأثير الهند جلياً في كثير من أغانيه، التي يطعمها بكلمات هندية, كما في قوله:
يحيى عمر قال أمانه يا هنود
هل هي من الهند والاَّ من سِنُود
عبرت ليله وانا اسمع صوت عود
وقفت عالباب وهزَّيت العمود
قولوا لنا بنت من ذي الهنديه
تعرف رطين العرب بالهنديه
في قصر عالي والحان ساريه
قالت "كياهي" خبركم غاويه
وكلمة "كياهي" الأوردية تعني "ماذا تريد" أو "ما الخبر". كما نجد مثل هذه المزاوجة بين اللغتين العربية والأوردية الهندية في قصيدته الشهيرة "يحيى عمر شل الدَّان"، حيث يقول فيها:
بعد الآن، يحيى عمر شل الدان
ما يهتان، لله من ذا الهندي
مثل الشاش، أبيض منقرش نقراش
في الفتان، هندي ملك هندستان
حاضر باش، هندي برابر شاباش
عقلي طاش، مسكين انا ما جهدي
#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
إن أشعار يحيى عمر في المرحلة الهندية تكشف عن عواطفه العنيفة وتجاربه ومغامراته التي يبدو فيها وكأنه "دنجواناً" انغمس في حياة اللهو والهوى للارتواء من ينابيع الحب، وتجفيف عطش السنين. ومع ذلك فأن حياة المدن الصاخبة لم تجرفه أو تفقده صلابة الجبال المهيبة التي نشا فيها أو تزيح حبه الأول. بل ظل يحيى عمر يحمل الوطن في حناياه وفي تلابيب قلبه، وكلما نأى به الزمان والمكان عنه، ازداد لوعة وصبابة وهياماً به، فلم تمض سوى ثلاث سنوات على غربته في الهند حتى تنازعه الشوق للوطن، رغم ما هو فيه من رغد العيش، فأخذ يتطلع إلى المركب الهندي الذي تمنى أن يكون أحد ركابه إلى (بندر عدن) ولو كلفه ذلك دفع (زايد ثمن)، رغم أن الثلاث سنوات قد أمضاها مع (حُمر الوجن) وله ما شاء من (الخمر والعسل واللبن) وهذه كناية عن أنهار الجنة الثلاثة، وكأنما أراد أن يقول إنه في الجنة، لكنها مع كل ذلك ليست معادلاً للوطن الذي سكن حبه في فؤاده ويجري مجرى دمه ويحظى لديه بأعلى مراتب الحب، ويمثل بالنسبة إليه دواء للروح وبلسماً شافياً:
يحيى عمر قال لا بندر عدن
تجمَّل اليوم خُذ زايد ثمن
با داوي الروح من جو اليمن
يافع حلالي لـه الوجه الحسن
وكيف با أنساه وحُبَّه قد سكن
وا مركب الهند ليتك عازمي
وشل عاشق مولع هايمي
منه علاجي ومنه بلسمي
حلاوة اسمه حلا يملأ فمي
داخل فؤادي ويجري في دمي
لقد ظل متعلقاً بمسقط رأسه ومشدوداً إليه بوشائج قوية، لم توهنها حياة الدعة والراحة ورغد العيش ومباهج الحياة الكثيرة التي صادفها في مدن الهند الكثيرة (دلهي، ممبي، كلكتا، مدراس، حيدر آباد، برودا، بونه..إلخ) التي عرفها وعرفته شاعراً عاشقا وعازفا وملحناً وفناناً يأسر الأنفس ويشجي قلوب العاشقين الملتاعة والغارقة في بحر الهوى، أو في غيرها من البلدان والمدن والمراسي (عمان، البحرين، البصرة، فارس.. الخ) التي قصدها أو مكث فيها في تنقلاته وأسفاره الكثيرة. وظلت روحه الهائمة تحلق في سماء الوطن وتحط الرحال عبر الأثير في كل شبر منه، يساعده في ذلك هاجسه الشعري المتوقد الذي يطوي به المسافات ويقرب بينه وبين وطنه في أسرع من لمح البصر:
ذكرت واشتاق قلبي لا جبل يافع
للأرض ذي حلّها كمّن نمر شاجع
لأهل النِّصَل والسَّلب باروتهم والع
مشتاق للأهل والأحباب والخلان
لضيفها نور أما للعداء نيران
لا اهتانت الأرض ما من يافعي يهتان
شل صوت الدان
إن أشعار يحيى عمر في المرحلة الهندية تكشف عن عواطفه العنيفة وتجاربه ومغامراته التي يبدو فيها وكأنه "دنجواناً" انغمس في حياة اللهو والهوى للارتواء من ينابيع الحب، وتجفيف عطش السنين. ومع ذلك فأن حياة المدن الصاخبة لم تجرفه أو تفقده صلابة الجبال المهيبة التي نشا فيها أو تزيح حبه الأول. بل ظل يحيى عمر يحمل الوطن في حناياه وفي تلابيب قلبه، وكلما نأى به الزمان والمكان عنه، ازداد لوعة وصبابة وهياماً به، فلم تمض سوى ثلاث سنوات على غربته في الهند حتى تنازعه الشوق للوطن، رغم ما هو فيه من رغد العيش، فأخذ يتطلع إلى المركب الهندي الذي تمنى أن يكون أحد ركابه إلى (بندر عدن) ولو كلفه ذلك دفع (زايد ثمن)، رغم أن الثلاث سنوات قد أمضاها مع (حُمر الوجن) وله ما شاء من (الخمر والعسل واللبن) وهذه كناية عن أنهار الجنة الثلاثة، وكأنما أراد أن يقول إنه في الجنة، لكنها مع كل ذلك ليست معادلاً للوطن الذي سكن حبه في فؤاده ويجري مجرى دمه ويحظى لديه بأعلى مراتب الحب، ويمثل بالنسبة إليه دواء للروح وبلسماً شافياً:
يحيى عمر قال لا بندر عدن
تجمَّل اليوم خُذ زايد ثمن
با داوي الروح من جو اليمن
يافع حلالي لـه الوجه الحسن
وكيف با أنساه وحُبَّه قد سكن
وا مركب الهند ليتك عازمي
وشل عاشق مولع هايمي
منه علاجي ومنه بلسمي
حلاوة اسمه حلا يملأ فمي
داخل فؤادي ويجري في دمي
لقد ظل متعلقاً بمسقط رأسه ومشدوداً إليه بوشائج قوية، لم توهنها حياة الدعة والراحة ورغد العيش ومباهج الحياة الكثيرة التي صادفها في مدن الهند الكثيرة (دلهي، ممبي، كلكتا، مدراس، حيدر آباد، برودا، بونه..إلخ) التي عرفها وعرفته شاعراً عاشقا وعازفا وملحناً وفناناً يأسر الأنفس ويشجي قلوب العاشقين الملتاعة والغارقة في بحر الهوى، أو في غيرها من البلدان والمدن والمراسي (عمان، البحرين، البصرة، فارس.. الخ) التي قصدها أو مكث فيها في تنقلاته وأسفاره الكثيرة. وظلت روحه الهائمة تحلق في سماء الوطن وتحط الرحال عبر الأثير في كل شبر منه، يساعده في ذلك هاجسه الشعري المتوقد الذي يطوي به المسافات ويقرب بينه وبين وطنه في أسرع من لمح البصر:
ذكرت واشتاق قلبي لا جبل يافع
للأرض ذي حلّها كمّن نمر شاجع
لأهل النِّصَل والسَّلب باروتهم والع
مشتاق للأهل والأحباب والخلان
لضيفها نور أما للعداء نيران
لا اهتانت الأرض ما من يافعي يهتان
#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
المرأة في شعره
المرأة - كما يرى بعض النقاد – هي صنو الطبيعة وكمالها. وهي كل معنى جميل، ومصدر الهام لكل شعراء الغزل الذين لا يحلو لهم شيء مثلما يحلو لهم الحديث عن المرأة والتغني بمفاتنها ومحاسنها الداخلية والخارجية. والغزل من أقدم وأكثر المواضيع التي طرقها الشعراء، لأنه من اصدق أغراض الشعر وأقربها إلى النفوس. ويحيى عمر اليافعي سليل مدرسة العشق في الشعر العربي، التي اشتهر شعراؤها بالغزل العفيف أو بما عرف بـ"الحب العذري"، لذلك نجد أن المرأة هي الحاضر الأكبر والأجمل والأرق في جميع أشعاره.. هام بها وعشقها بعنف وتغزل بمفاتنها بأسلوب حسي صريح وواضح، وكان في شعره صادقاً في تصوير الخصال التي ينشدها في المرأة، وهي قلما تجتمع في امرأة واحدة، كما كان بارعاً وعالماً بالمداخل المؤدية إلى قلوب الحسان. ولم يظهر قبله شاعر خصص جميع شعره للغزل، لذا فشاعرنا - كما يصفه الكاتب الأديب فضل النقيب- ينتمي إلى قبيلة "المجاذيب" الذين لا يرجى شفاؤهم في الحب من أمثال مجنون ليلى وكثير عزة ونزار قباني، ولكنه لم يكن عاشقاً لامرأة بعينها، فقد كان متيماً بالجمال الأنثوي، سواء لمع من جبين امرأة بيضاء أو فتر عن ثغر أملودة سمراء أو فاح من أردان لؤلؤة سوداء أو ثوى من مقلة غصنية خضراء، كان شاعر المرأة بامتياز يوشيها ويوشوشها، يحمل لها المرايا لترى أجمل ما فيها( ).
لقد أبدع يحيى عمره في تغزله بالمرأة، وصنع لها أجمل المرايا التي تتلألأ فيها مواطن الحسن والجمال والدلال التي ينشدها فيها، وهنا لا مكان للقبح، لأن الحب- كما يقال - يعمي المحب عن كل سيئة في محبوبته ويحجب النقائص:
يحيى عمر قال ما شأن المليح
لمه لمه يا حبيبي ذا الجفاء( )
ليس أنبل وأسمى وأقوى من الحب، فكل شيء يصبح له طيعاً حينما يختلج القلب بعواطفه الجياشة، ويسمو بالمحب إلى قمم السعادة والهناء. وتبقى مملكة الحب أسعد الممالك، كما يقول نزار قباني، وهاهو يحيى عمر قد شيّد قبله بثلاثة قرون دعائم مملكة الحب التي سيظل يحتفظ فيها بسلطته لزمن طويل، لأن لديه كل مقومات البقاء على شرب الحب، وقد سبق نزار في تعاطي الحب بالأسنان والأظافر وتخلص قبله من ميراث القبيلة وشريعتها في الحب وأعاد للحب شرعيته، وتمرد على العادات والقيم القبلية التي ترى في ذلك ضرراً, ومزق الأقنعة وأستار التشدد إزاء هذا الصنف من الشعر الملحون، بل وذهب في سبيل الوصول إلى المحبوبة ونيل رضاها إلى أن يبالغ في تصوير معاناته لاستدرار عطفها وبلغ به الأمر أن يقرر ترك عمله كجندي ويكتفي بحراستها فقط. ورغم أن " التذلل للحبيب من شيم الأدباء " إلاّ أن يحيى عمر لا يقبل على نفسه مثل هذا التذلل أمام من يحب, بل يبدو معتزاً بنفسه، وحين لم يجد تجاوباً، فأنه لم يطق تجاهلها وصدها له فلجأ إلى منطق القوة، حتى بلغ به الأمر تجييش القبيلة لنصرته:
شل صوت الدان
المرأة في شعره
المرأة - كما يرى بعض النقاد – هي صنو الطبيعة وكمالها. وهي كل معنى جميل، ومصدر الهام لكل شعراء الغزل الذين لا يحلو لهم شيء مثلما يحلو لهم الحديث عن المرأة والتغني بمفاتنها ومحاسنها الداخلية والخارجية. والغزل من أقدم وأكثر المواضيع التي طرقها الشعراء، لأنه من اصدق أغراض الشعر وأقربها إلى النفوس. ويحيى عمر اليافعي سليل مدرسة العشق في الشعر العربي، التي اشتهر شعراؤها بالغزل العفيف أو بما عرف بـ"الحب العذري"، لذلك نجد أن المرأة هي الحاضر الأكبر والأجمل والأرق في جميع أشعاره.. هام بها وعشقها بعنف وتغزل بمفاتنها بأسلوب حسي صريح وواضح، وكان في شعره صادقاً في تصوير الخصال التي ينشدها في المرأة، وهي قلما تجتمع في امرأة واحدة، كما كان بارعاً وعالماً بالمداخل المؤدية إلى قلوب الحسان. ولم يظهر قبله شاعر خصص جميع شعره للغزل، لذا فشاعرنا - كما يصفه الكاتب الأديب فضل النقيب- ينتمي إلى قبيلة "المجاذيب" الذين لا يرجى شفاؤهم في الحب من أمثال مجنون ليلى وكثير عزة ونزار قباني، ولكنه لم يكن عاشقاً لامرأة بعينها، فقد كان متيماً بالجمال الأنثوي، سواء لمع من جبين امرأة بيضاء أو فتر عن ثغر أملودة سمراء أو فاح من أردان لؤلؤة سوداء أو ثوى من مقلة غصنية خضراء، كان شاعر المرأة بامتياز يوشيها ويوشوشها، يحمل لها المرايا لترى أجمل ما فيها( ).
لقد أبدع يحيى عمره في تغزله بالمرأة، وصنع لها أجمل المرايا التي تتلألأ فيها مواطن الحسن والجمال والدلال التي ينشدها فيها، وهنا لا مكان للقبح، لأن الحب- كما يقال - يعمي المحب عن كل سيئة في محبوبته ويحجب النقائص:
يحيى عمر قال ما شأن المليح
لمه لمه يا حبيبي ذا الجفاء( )
ليس أنبل وأسمى وأقوى من الحب، فكل شيء يصبح له طيعاً حينما يختلج القلب بعواطفه الجياشة، ويسمو بالمحب إلى قمم السعادة والهناء. وتبقى مملكة الحب أسعد الممالك، كما يقول نزار قباني، وهاهو يحيى عمر قد شيّد قبله بثلاثة قرون دعائم مملكة الحب التي سيظل يحتفظ فيها بسلطته لزمن طويل، لأن لديه كل مقومات البقاء على شرب الحب، وقد سبق نزار في تعاطي الحب بالأسنان والأظافر وتخلص قبله من ميراث القبيلة وشريعتها في الحب وأعاد للحب شرعيته، وتمرد على العادات والقيم القبلية التي ترى في ذلك ضرراً, ومزق الأقنعة وأستار التشدد إزاء هذا الصنف من الشعر الملحون، بل وذهب في سبيل الوصول إلى المحبوبة ونيل رضاها إلى أن يبالغ في تصوير معاناته لاستدرار عطفها وبلغ به الأمر أن يقرر ترك عمله كجندي ويكتفي بحراستها فقط. ورغم أن " التذلل للحبيب من شيم الأدباء " إلاّ أن يحيى عمر لا يقبل على نفسه مثل هذا التذلل أمام من يحب, بل يبدو معتزاً بنفسه، وحين لم يجد تجاوباً، فأنه لم يطق تجاهلها وصدها له فلجأ إلى منطق القوة، حتى بلغ به الأمر تجييش القبيلة لنصرته:
#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
وتظل المرأة في غزليات يحيى عمر هي السلطان المتوج والآمر الناهي الذي لا يعصيه أحد في مملكة الحب، بل الكل يخدمه في حصنه العالي، الحاشية والوصيفات والخدم وهي صورة نجدها لدى غيره من الشعراء تبين بوضوح أثر الثقافة التي كانت سائدة حينها:
يا ليت أنا عبدك المملوك وأنتَ لي السيد
بل أنتَ سيدي وسيد الكل يا ظبي عيديد
ولا تعذب ولد يافع بكثر التهاديد
شُوفك بعيني الوحيد
احكُم على ما تريد
لو كنت شاجع وجيد
إن غزله يميل إلى العفة ويفيض بالعاطفة والشجن واللوعة، وكان مغرماً بنمط من الألفاظ كما في قوله:
خدلَّج أزج أبلج غَنَجْنَجْ مُغَنَّجَا
وقد رَجّ قلبي رَجّ صوت الدَّمالجي
إن هذه الكلمات عربية فصيحة، وليست كما يرى البعض ألفاظ غريبة بقصد إظهار مقدرته( ). أو كما يرى آخرون أنها "من اللغة الفارسية التي يبدو تأثيرها واضحاً في الهند، وبدورها انعكست على أبناء الجالية اليمنية هناك وعلى شعرائهم"( ). وللتدليل نعود إلى (لسان العرب) لابن منظور لنقف على المعاني الفصيحة لتلك الكلمات على النحو التالي:
خدّلج: الَخَدلَّجة، تشديد اللام: الرَّيَّاءُ الممتلئة الذراعين والساقين، وأنشد الأصمعي:
إنَّ لها لسائِقا خَدلَّجا,
لم يُدْلج الليلة فيمن أدْلَجا
أزج: رجل أزَجُّ طويل الساقين، بعيد الخطو. والأزَجُ: الحاجب، في لغة أهل اليمن. زَجَّ بالشيء من يده يَزُجُّ زَجَّاً: رمى به، والزَّجُّ: رميك بالشيء تزج به عن نفسك. الأبْلَجُ: الأبيض الحسَنُ الوجه، يكون في الطول والقصر. وأبلج الحق: ظهر ووضح. غنج: امرأة غنجة: حسَنة الدَّل. وغُنْجُها وغُناجها: شكلها، الأخيرة عن كراع، وهو الغُنْجُ والغُنُجُ, وقد غَنِجَتْ وتَغَنَّجَتْ، فهي مِغْنَاج وغَنِجَة ؛ وقيل الغُنْجُ ملاحة العينين. الغَنَجُ في الجارية: تكسّر وتَدَلُّل. قال ابو ذؤيب:
لوى رأسه عني ومال بوُدِّه
أغانيج خَوْدٍ، كان فينا يزورها
شل صوت الدان
وتظل المرأة في غزليات يحيى عمر هي السلطان المتوج والآمر الناهي الذي لا يعصيه أحد في مملكة الحب، بل الكل يخدمه في حصنه العالي، الحاشية والوصيفات والخدم وهي صورة نجدها لدى غيره من الشعراء تبين بوضوح أثر الثقافة التي كانت سائدة حينها:
يا ليت أنا عبدك المملوك وأنتَ لي السيد
بل أنتَ سيدي وسيد الكل يا ظبي عيديد
ولا تعذب ولد يافع بكثر التهاديد
شُوفك بعيني الوحيد
احكُم على ما تريد
لو كنت شاجع وجيد
إن غزله يميل إلى العفة ويفيض بالعاطفة والشجن واللوعة، وكان مغرماً بنمط من الألفاظ كما في قوله:
خدلَّج أزج أبلج غَنَجْنَجْ مُغَنَّجَا
وقد رَجّ قلبي رَجّ صوت الدَّمالجي
إن هذه الكلمات عربية فصيحة، وليست كما يرى البعض ألفاظ غريبة بقصد إظهار مقدرته( ). أو كما يرى آخرون أنها "من اللغة الفارسية التي يبدو تأثيرها واضحاً في الهند، وبدورها انعكست على أبناء الجالية اليمنية هناك وعلى شعرائهم"( ). وللتدليل نعود إلى (لسان العرب) لابن منظور لنقف على المعاني الفصيحة لتلك الكلمات على النحو التالي:
خدّلج: الَخَدلَّجة، تشديد اللام: الرَّيَّاءُ الممتلئة الذراعين والساقين، وأنشد الأصمعي:
إنَّ لها لسائِقا خَدلَّجا,
لم يُدْلج الليلة فيمن أدْلَجا
أزج: رجل أزَجُّ طويل الساقين، بعيد الخطو. والأزَجُ: الحاجب، في لغة أهل اليمن. زَجَّ بالشيء من يده يَزُجُّ زَجَّاً: رمى به، والزَّجُّ: رميك بالشيء تزج به عن نفسك. الأبْلَجُ: الأبيض الحسَنُ الوجه، يكون في الطول والقصر. وأبلج الحق: ظهر ووضح. غنج: امرأة غنجة: حسَنة الدَّل. وغُنْجُها وغُناجها: شكلها، الأخيرة عن كراع، وهو الغُنْجُ والغُنُجُ, وقد غَنِجَتْ وتَغَنَّجَتْ، فهي مِغْنَاج وغَنِجَة ؛ وقيل الغُنْجُ ملاحة العينين. الغَنَجُ في الجارية: تكسّر وتَدَلُّل. قال ابو ذؤيب:
لوى رأسه عني ومال بوُدِّه
أغانيج خَوْدٍ، كان فينا يزورها
#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
لماذا افتتن بالأعيان الحمراء؟
*واعيان حمراء بيلحظني بهن يبلي
*وتكحل أعيان حمراء مشرعه بالدم
*يا من لك اعيان حمراء تلمعي
*وأعيان حمراء كما جمر اللهب
*واعيان حمراء شبيه النار ذي تقتل
* والموت بأعيانه الدّعْج النعُوس
يا غارة الله منها لحظة اعيونه
اذا حزر طار من طرفه شرار اسهام
رد السَّبَل لا تخليهن مُباح
لمع النظر برق يلمع بالخصيب
من يوم شفته بعيني طفأ المصباح
حمراء سكارى فواتر لُعَّسي
هام يحيى عمر بالأعيان الحمراء وأسرته بلمعانها وحرارتها التي كان وقعها عليه كالسهام أو كجمر اللهب. فمن أين جاء هذا التشبيه ؟ الذي يخالف ما ألفناه لدى غيره من الشعراء الذين تأسرهم أكثر العيون السود، الكحيلة، أو الدَّعجاء (الدَّعج هو شدَّة سواد سواد العين وشدة بياض بياضها ؛ وقيل شدَّة سوادها مع سعتها). أو الحوراء وهي التي يشتد بياضها ويشتد سوادها وتستدير حدقتها وترق جفونها ويبيضَّ ما حواليها. قال تعالى:" وحُورٌ عِينٌ كأمثال اللؤلؤ المكنون ". أو قول بشار بن برد:
إن العيون التي في طرفها حور
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
لكن شاعرنا يحيى عمر اختار الأعيان الحمراء دون غيرها.. فلماذا هذا الاختيار لديه ؟. هذا السؤال حاول الإجابة عليه أكثر من واحد لكثرة ورود هذا التشبيه في أشعاره وقد احتار المفسرون واختلفوا فيما ذهبوا إليه، فمنهم من يرى أن المقصود بها العيون العسلية لجمالها الأخَّاذ، أو ربما أن هذا الوصف مرتبط بالنقوش الحمراء الدائرية التي كانت النساء في يافع يتزيَّن بها( ). ويربط البعض هذا الوصف بنساء طائفة من الهنود هن أجمل نساء الهند ولهن عيون مشربة بحمرة خفيفة ساحرة هي أقرب أن تكون وردية ويحطنها بمساحيق حمراء حول العينين وفي الوجنتين( ).
والحقيقة أن يحيى عمر لم ينفرد وحده في هذا الوصف، سواء في يافع أو في الهند، حتى نسلم بصحة هذه التفسيرات. فمن الواضح أن هناك من سبقه في هذا الوصف كالعلامة أبوبكر العيدروس (توفي نهاية القرن التاسع الهجري) الذي يقول:
ذا بطرفك زهر نرجس
ماء ونار قد تجانس
أو عسى هي حُمرة العين
ألَّف الله بين ضدين
كما نجد مثل ذلك الوصف يتكرر أيضاً لدى شاعر آخر هو الشاعر عبدالله بن علوي الحداد الملقب بـ"خُو علوي" (توفي 1157هـ) يقول:
يقول "خُوعلوي" رعا الله زمان
عذبتني يا نصلة الهندوان
يا من جبينه مثل نشو المزان
والعجز مركب شحنته من عُمان
قد مَرَّ يا واشم كحيله
يا زهر مثمر وسط خيله
وأعيان لـه حمراء كحيله
والنوخذه شيخ القبيله( )
شل صوت الدان
لماذا افتتن بالأعيان الحمراء؟
*واعيان حمراء بيلحظني بهن يبلي
*وتكحل أعيان حمراء مشرعه بالدم
*يا من لك اعيان حمراء تلمعي
*وأعيان حمراء كما جمر اللهب
*واعيان حمراء شبيه النار ذي تقتل
* والموت بأعيانه الدّعْج النعُوس
يا غارة الله منها لحظة اعيونه
اذا حزر طار من طرفه شرار اسهام
رد السَّبَل لا تخليهن مُباح
لمع النظر برق يلمع بالخصيب
من يوم شفته بعيني طفأ المصباح
حمراء سكارى فواتر لُعَّسي
هام يحيى عمر بالأعيان الحمراء وأسرته بلمعانها وحرارتها التي كان وقعها عليه كالسهام أو كجمر اللهب. فمن أين جاء هذا التشبيه ؟ الذي يخالف ما ألفناه لدى غيره من الشعراء الذين تأسرهم أكثر العيون السود، الكحيلة، أو الدَّعجاء (الدَّعج هو شدَّة سواد سواد العين وشدة بياض بياضها ؛ وقيل شدَّة سوادها مع سعتها). أو الحوراء وهي التي يشتد بياضها ويشتد سوادها وتستدير حدقتها وترق جفونها ويبيضَّ ما حواليها. قال تعالى:" وحُورٌ عِينٌ كأمثال اللؤلؤ المكنون ". أو قول بشار بن برد:
إن العيون التي في طرفها حور
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
لكن شاعرنا يحيى عمر اختار الأعيان الحمراء دون غيرها.. فلماذا هذا الاختيار لديه ؟. هذا السؤال حاول الإجابة عليه أكثر من واحد لكثرة ورود هذا التشبيه في أشعاره وقد احتار المفسرون واختلفوا فيما ذهبوا إليه، فمنهم من يرى أن المقصود بها العيون العسلية لجمالها الأخَّاذ، أو ربما أن هذا الوصف مرتبط بالنقوش الحمراء الدائرية التي كانت النساء في يافع يتزيَّن بها( ). ويربط البعض هذا الوصف بنساء طائفة من الهنود هن أجمل نساء الهند ولهن عيون مشربة بحمرة خفيفة ساحرة هي أقرب أن تكون وردية ويحطنها بمساحيق حمراء حول العينين وفي الوجنتين( ).
والحقيقة أن يحيى عمر لم ينفرد وحده في هذا الوصف، سواء في يافع أو في الهند، حتى نسلم بصحة هذه التفسيرات. فمن الواضح أن هناك من سبقه في هذا الوصف كالعلامة أبوبكر العيدروس (توفي نهاية القرن التاسع الهجري) الذي يقول:
ذا بطرفك زهر نرجس
ماء ونار قد تجانس
أو عسى هي حُمرة العين
ألَّف الله بين ضدين
كما نجد مثل ذلك الوصف يتكرر أيضاً لدى شاعر آخر هو الشاعر عبدالله بن علوي الحداد الملقب بـ"خُو علوي" (توفي 1157هـ) يقول:
يقول "خُوعلوي" رعا الله زمان
عذبتني يا نصلة الهندوان
يا من جبينه مثل نشو المزان
والعجز مركب شحنته من عُمان
قد مَرَّ يا واشم كحيله
يا زهر مثمر وسط خيله
وأعيان لـه حمراء كحيله
والنوخذه شيخ القبيله( )
#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
الحكمة والقيم الاجتماعية والدينية
للحكمة مكانة رفيعة في التراث الشعبي اليمني، لأنها تمثل خلاصة التجارب والعبر المستوحاة من الحياة والمعاناة. وفي شعر العلامة الشيخ يحيى عمر تتجلى القيم الاجتماعية والأخلاقية والدينية التي لم تغادر وجدانه، حتى في غمرة حياته الصاخبة التي فرضتها طبيعة المجتمع الهندي، لأنها قيم جبل عليها منذ طفولته ورسختها الأيام في سلوكه وتفكيره، وظل متمسكاً بها منذ مغادرته مسقط رأسه لأول مرة:
يحيى عمر قال يا "بيت الجَمَالِيْ " مُوَدَّعْ
رزقي على الله والأرزاق ما شي بتُقْطَعْ
والجِيْدْ من شِيْمَتَهْ يقطَع بنفسه ويِشْرَعْ
سَرَحَتْ منَّك ومنَّك من سَرَح لَيْكْ يَرْجَعْ
أنا توكَّلت عالمولى وأرض الله أوْسَعْ
ماشي حَدَا عاد يِحْنَبْ فيه يبزق ويَرْقَعْ
ومعظم قصائده تستهل بذكر الله ووحدانيته والتأمل في خلقه وما أنعم على البشر, ثم الصلاة والسلام على النبي محمد . وهو استهلال لا يدل, عادة, على موضوع القصيدة, لذلك لا يفضل أن نسمي القصائد بها. أما موضوع القصيدة فينتقل إليه مباشرة بعد ذلك ببراعة, حيث تنساب كلماته رقيقة, عذبة اللفظ واضحة المعنى، تجذب السامع إلى الإصغاء باهتمام كبير ؛ وقد تأتي بعض غنائياته خالية من ذلك الاستهلال المألوف والمتعارف عليه إلى اليوم في كثير من الأشعار الشعبية. وكذلك الحال بالنسبة لختم القصيدة فقد ينهيها بالصلاة على النبي بعدد قطرات المطر أو بعدد ما تسبح أو تغرد الطيور أو ما يلبي الحجاج ويطوفون بالكعبة المشرفة.. إلخ.
ورغم شهرة يحيى عمر بالغزل، إلاَّ أن قصائده لا تخلو من حكمة بالغة أو تلميحات لها، يصوغها في قالب نصائح ويتوجه بها إلى الناس. كما في قوله:
يحيى عمر قال خل الحال مجمولا
ولا تسمع كلاماً جاك منقولا
بينك وبين الذي لـه عقل مجهولا
وخل سترك وستر الناس مسبولا
إذا قضى الله أمراً كان مفعولا
اشكي إلى الله لا تشكي إلى مخلوق
يأتيك حكم القضاء لو كنت في صندوق
ما ينفعك آدمي لو كنت في خازوق
والخير والشر من مولاك مرسولا
إذا قضى الله أمراً كان مفعولا
وقد يأتي بالحكمة على شكل وصايا يتوجه بها للسامع، كما في قوله:
وبعد أوصيك تحفظ لي وصَايا أرْبَعْ
وثَاني أوصيك تحفظ لي وصايا أرْبَعْ
وثالث أوصيك تحفظ لي وصايا أرْبَعْ
ورابع أوصيك تحفظ لي وصايا أرْبَعْ
أوَّلهِنْ النَّذل قُرْبَهْ يِنْقِصْ الواحد
إنْ كُنت قاعد فبَين النَّاس كُنْ واحد
إحْفَظْ لسَانك ولا تِهْرِجْ على واحد
القيل والقال ما يعلُو به الواحد
وفي حثه على التَبَصُّر في الأمور والتمسك بالصبر والتحذير ممن ينكث بالوعد كقوله:
أوصيك بالصبر مَنْ شَلَّهْ نَجَدْ
وأحْذَرْ من إنسَان يخلف لا وَعَدْ
من سار بالصَّبر يأوي مستفيد
كلامه النُصْ يِنْقُصْ ما يزيد
شل صوت الدان
الحكمة والقيم الاجتماعية والدينية
للحكمة مكانة رفيعة في التراث الشعبي اليمني، لأنها تمثل خلاصة التجارب والعبر المستوحاة من الحياة والمعاناة. وفي شعر العلامة الشيخ يحيى عمر تتجلى القيم الاجتماعية والأخلاقية والدينية التي لم تغادر وجدانه، حتى في غمرة حياته الصاخبة التي فرضتها طبيعة المجتمع الهندي، لأنها قيم جبل عليها منذ طفولته ورسختها الأيام في سلوكه وتفكيره، وظل متمسكاً بها منذ مغادرته مسقط رأسه لأول مرة:
يحيى عمر قال يا "بيت الجَمَالِيْ " مُوَدَّعْ
رزقي على الله والأرزاق ما شي بتُقْطَعْ
والجِيْدْ من شِيْمَتَهْ يقطَع بنفسه ويِشْرَعْ
سَرَحَتْ منَّك ومنَّك من سَرَح لَيْكْ يَرْجَعْ
أنا توكَّلت عالمولى وأرض الله أوْسَعْ
ماشي حَدَا عاد يِحْنَبْ فيه يبزق ويَرْقَعْ
ومعظم قصائده تستهل بذكر الله ووحدانيته والتأمل في خلقه وما أنعم على البشر, ثم الصلاة والسلام على النبي محمد . وهو استهلال لا يدل, عادة, على موضوع القصيدة, لذلك لا يفضل أن نسمي القصائد بها. أما موضوع القصيدة فينتقل إليه مباشرة بعد ذلك ببراعة, حيث تنساب كلماته رقيقة, عذبة اللفظ واضحة المعنى، تجذب السامع إلى الإصغاء باهتمام كبير ؛ وقد تأتي بعض غنائياته خالية من ذلك الاستهلال المألوف والمتعارف عليه إلى اليوم في كثير من الأشعار الشعبية. وكذلك الحال بالنسبة لختم القصيدة فقد ينهيها بالصلاة على النبي بعدد قطرات المطر أو بعدد ما تسبح أو تغرد الطيور أو ما يلبي الحجاج ويطوفون بالكعبة المشرفة.. إلخ.
ورغم شهرة يحيى عمر بالغزل، إلاَّ أن قصائده لا تخلو من حكمة بالغة أو تلميحات لها، يصوغها في قالب نصائح ويتوجه بها إلى الناس. كما في قوله:
يحيى عمر قال خل الحال مجمولا
ولا تسمع كلاماً جاك منقولا
بينك وبين الذي لـه عقل مجهولا
وخل سترك وستر الناس مسبولا
إذا قضى الله أمراً كان مفعولا
اشكي إلى الله لا تشكي إلى مخلوق
يأتيك حكم القضاء لو كنت في صندوق
ما ينفعك آدمي لو كنت في خازوق
والخير والشر من مولاك مرسولا
إذا قضى الله أمراً كان مفعولا
وقد يأتي بالحكمة على شكل وصايا يتوجه بها للسامع، كما في قوله:
وبعد أوصيك تحفظ لي وصَايا أرْبَعْ
وثَاني أوصيك تحفظ لي وصايا أرْبَعْ
وثالث أوصيك تحفظ لي وصايا أرْبَعْ
ورابع أوصيك تحفظ لي وصايا أرْبَعْ
أوَّلهِنْ النَّذل قُرْبَهْ يِنْقِصْ الواحد
إنْ كُنت قاعد فبَين النَّاس كُنْ واحد
إحْفَظْ لسَانك ولا تِهْرِجْ على واحد
القيل والقال ما يعلُو به الواحد
وفي حثه على التَبَصُّر في الأمور والتمسك بالصبر والتحذير ممن ينكث بالوعد كقوله:
أوصيك بالصبر مَنْ شَلَّهْ نَجَدْ
وأحْذَرْ من إنسَان يخلف لا وَعَدْ
من سار بالصَّبر يأوي مستفيد
كلامه النُصْ يِنْقُصْ ما يزيد
#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
يذكر المؤرخ محمد عبدالقادر بامطرف أنه اطلع على (ديوان شعر) ليحيى عمر مخطوط مع المطرب العدني إبراهيم محمد الماس( ). وهذا ما يؤكده أيضاً الفنان محمد صالح الحضرمي الذي ذكر أن ديوان يحيى عمر كان مخطوطاً بقلم جرع وموجوداً بحوزة المطرب اليمني الراحل إبراهيم محمد الماس إلاَّ أنه بيع بالمزاد العلني( ). وإذا صح أن هذه المخطوطة قد بيعت بالمزاد، فيا ترى على من رست؟ وما هو مصيرها بعد ذلك؟ وهل يمكن أن تكشف لنا الأيام عن مضمونها كما عن غيرها من خفايا هذه الشخصية الفذة وتراثه المجهول الذي لم يُعرف منه إلاّ القليل.
كما يذكر الباحث والمؤرخ حسن صالح شهاب في بحث له بعنوان " الغزل في الأغنية اليمنية " أن المطرب عمر سعيد مهدي باذيبان كان يحتفظ بمخطوطة فنية تجمع أشعار يحيى عمر وكذلك الفنان ابن هرهرة ولكنها انتقلت منه في عام1924م إلى مكتبة الفاتيكان بروما. إلاّ أن د. نزار غانم يشير إلى أنه وقف شخصياً على هذه المخطوطة من الأمبروزيانا فوجدها فقيرة حقاً وأنها لا تحتوي على أشعار ليحيى عمر فقط وإنما كوكتيلاً من الأغاني الصنعانية( ). ولا أدري هل قام د. نزار، وهو الباحث المهتم بالشأن الفني والأدبي، بتصوير أو نسخ تلك الأشعار، على شحتها كما يقول أم اكتفى بالاطلاع عليها فقط؟!
والعمل الجريء الذي يستحق الذكر والثناء هو ذلك الذي أقدمت عليه كوكبة من الأدباء والشعراء الشعبيين والمهتمين بتراث يحيى عمر اليافعي ممن ووضعوا اللبنة الأساسية للمنتدى الثقافي الذي يحمل اسمه وأصدروا في العام 1993م، الجزء الأول من (غنائيات يحيى عمر) ضم مجموعة من قصائده المختلفة المغناة وغير المغناة التي جمعوها من مصادر شتى وبجهد جهيد وأجلوا الغموض حول نسبه ومسقط رأسه، وصححوا بعض المعلومات حسب اجتهادهم، ورغم بعض النواقص والأخطاء وانعدام الهوامش، إلاّ أن ما يشفع لهم أنهم ليسوا بمؤرخين أو متخصصين وإنما معجبين ومتحمسين لتراث وفن يحيى عمر، ويكفيهم فخراً أنهم حرثوا أرضاً بكراً واقتحموا صعاباً جمة ليقدموا ذلك العمل الذي أعاد الاعتبار لشخصية عظيمة كاد أن يلفها الغموض.
ولا ننسى الإشارة إلى تلك الرحلة الممتعة التي اصطحبنا فيها الباحث والكاتب بدر بن عقيل مع أشعار يحيى عمر اليافعي، وكذلك ما صاغه يراع الأديب اللبيب فضل النقيب في سلسلة مقالات بعنوان (يحيى عمر قال) وكذا كتاب الزميل د.سعودي علي عبيد "تنوع مضامين القصيدة عند الشاعر الغنائي يحيى عمر أبي معجب اليافعي" وغير ذلك من الكتابات المتناثرة هنا وهناك.
شل صوت الدان
يذكر المؤرخ محمد عبدالقادر بامطرف أنه اطلع على (ديوان شعر) ليحيى عمر مخطوط مع المطرب العدني إبراهيم محمد الماس( ). وهذا ما يؤكده أيضاً الفنان محمد صالح الحضرمي الذي ذكر أن ديوان يحيى عمر كان مخطوطاً بقلم جرع وموجوداً بحوزة المطرب اليمني الراحل إبراهيم محمد الماس إلاَّ أنه بيع بالمزاد العلني( ). وإذا صح أن هذه المخطوطة قد بيعت بالمزاد، فيا ترى على من رست؟ وما هو مصيرها بعد ذلك؟ وهل يمكن أن تكشف لنا الأيام عن مضمونها كما عن غيرها من خفايا هذه الشخصية الفذة وتراثه المجهول الذي لم يُعرف منه إلاّ القليل.
كما يذكر الباحث والمؤرخ حسن صالح شهاب في بحث له بعنوان " الغزل في الأغنية اليمنية " أن المطرب عمر سعيد مهدي باذيبان كان يحتفظ بمخطوطة فنية تجمع أشعار يحيى عمر وكذلك الفنان ابن هرهرة ولكنها انتقلت منه في عام1924م إلى مكتبة الفاتيكان بروما. إلاّ أن د. نزار غانم يشير إلى أنه وقف شخصياً على هذه المخطوطة من الأمبروزيانا فوجدها فقيرة حقاً وأنها لا تحتوي على أشعار ليحيى عمر فقط وإنما كوكتيلاً من الأغاني الصنعانية( ). ولا أدري هل قام د. نزار، وهو الباحث المهتم بالشأن الفني والأدبي، بتصوير أو نسخ تلك الأشعار، على شحتها كما يقول أم اكتفى بالاطلاع عليها فقط؟!
والعمل الجريء الذي يستحق الذكر والثناء هو ذلك الذي أقدمت عليه كوكبة من الأدباء والشعراء الشعبيين والمهتمين بتراث يحيى عمر اليافعي ممن ووضعوا اللبنة الأساسية للمنتدى الثقافي الذي يحمل اسمه وأصدروا في العام 1993م، الجزء الأول من (غنائيات يحيى عمر) ضم مجموعة من قصائده المختلفة المغناة وغير المغناة التي جمعوها من مصادر شتى وبجهد جهيد وأجلوا الغموض حول نسبه ومسقط رأسه، وصححوا بعض المعلومات حسب اجتهادهم، ورغم بعض النواقص والأخطاء وانعدام الهوامش، إلاّ أن ما يشفع لهم أنهم ليسوا بمؤرخين أو متخصصين وإنما معجبين ومتحمسين لتراث وفن يحيى عمر، ويكفيهم فخراً أنهم حرثوا أرضاً بكراً واقتحموا صعاباً جمة ليقدموا ذلك العمل الذي أعاد الاعتبار لشخصية عظيمة كاد أن يلفها الغموض.
ولا ننسى الإشارة إلى تلك الرحلة الممتعة التي اصطحبنا فيها الباحث والكاتب بدر بن عقيل مع أشعار يحيى عمر اليافعي، وكذلك ما صاغه يراع الأديب اللبيب فضل النقيب في سلسلة مقالات بعنوان (يحيى عمر قال) وكذا كتاب الزميل د.سعودي علي عبيد "تنوع مضامين القصيدة عند الشاعر الغنائي يحيى عمر أبي معجب اليافعي" وغير ذلك من الكتابات المتناثرة هنا وهناك.
#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
وفي التسجيلات الصوتية القديمة
لم تبدأ التسجيلات الصوتية لتراثنا الفني، على ما وقفنا عليه، إلاّ مع مطلع القرن العشرين بواسطة اسطوانات قديمة من النوع الحجري مصنوعة من الشمع ، كان لها الفضل الكبير في حفظ نفائس من تراثنا الشعري والفني. كتب د. نزار غانم يقول: "ثبت مؤخراً أن أقدم تسجيلات للأصوات اليمانية قام بها الهولنديون عبر ممثليهم في جدة مطلع هذا القرن (العشرين) على يد فونغراف أديسون بالأسطوانات الشمعية العتيقة.. وهذه الأصوات محفوظة بالمعهد الشرقي في لندن وإن كان الأمريكيون قد استنسخوا منها نسخاً مؤخراً. وقد مكنتني الصدف من أن استمع للنسخة الأمريكية من هذه الأصوات اليمنية، فلم أجد تقارباً بينها وبين أي من ألوان التراث اليمني المختلفة سوى بعض القصائد التي تفتتح بذكر الشاعر والفنان يحيى عمر"( )
أما أول من سجل ليحيى عمر فهو الفنان المغمور سيد محمد اليمني وذلك على آلة القنبوس في نفس مبنى الممثلية الهولندية في جدة بالحجاز في مطلع القرن العشرين وبنفس الأسطوانات الشمعية على فونغراف أديسون. وفي العام 1928م قامت شركة أديون بالتسجيلات التالية( ):
يحيى عمر قال خلي الحال مجهولا - غناء المرحوم إبراهيم الماس
يحيى عمر قال ما شان المليح - غناء المرحوم عمر محفوظ غابه
يا الله يا من على العرش استويت - غناء المرحوم عمر غابه
يا الله سالك بمن أركانه أربع - غناء المرحوم عمر غابه
كما سجَّل ليحيى عمر الفنان المرحوم محمد زويد والفنان المرحوم ضاحي بن وليد. وقد جاء في مجلة "البحرين الثقافية"( ) ما يلي: طلبنا من المرحوم زويد في أحد اللقاءات نموذجاً لصوت يافعي فغنى لنا (اليافعي قال كيف الحال) وكان لحن الصوت مشابهاً للحن "يحيى عمر قال قف يا زين" الذي سجله ضاحي عام 1929م واسماه يوسف دوخي صوت عربي.. ونفس هذا اللحن سمعناه في الأغنية المشهورة للمطربة الكويتية علياء حسين "الحمد لك يا عظيم الشأن".
ومع بدء ازدهار عصر الأسطوانة في الخليج، فقد قام الفنان محمد بن فارس في الأعوام 1932 – 1938م بتسجيل عدد من الأسطوانات، حملت معظمها نصوص شعراء يمنيين، ومن بينهم يحيى عمر. من بينها نصوص أغنياته التالية: يالله يا رباه، يقول أبو معجب نهار الأحد، يحيى عمر قال ما شان المليح. وفي مطلع الأربعينات، سجل الفنان محمد بن فارس عدداً من الأغاني لإذاعة البحرين، مع بدء إرسالها الإذاعي. ثم أخذت كلمات وألحان يحيى عمر تتوالى بأصوات العديد من فناني دول الجزيرة والخليج العربي.
شل صوت الدان
وفي التسجيلات الصوتية القديمة
لم تبدأ التسجيلات الصوتية لتراثنا الفني، على ما وقفنا عليه، إلاّ مع مطلع القرن العشرين بواسطة اسطوانات قديمة من النوع الحجري مصنوعة من الشمع ، كان لها الفضل الكبير في حفظ نفائس من تراثنا الشعري والفني. كتب د. نزار غانم يقول: "ثبت مؤخراً أن أقدم تسجيلات للأصوات اليمانية قام بها الهولنديون عبر ممثليهم في جدة مطلع هذا القرن (العشرين) على يد فونغراف أديسون بالأسطوانات الشمعية العتيقة.. وهذه الأصوات محفوظة بالمعهد الشرقي في لندن وإن كان الأمريكيون قد استنسخوا منها نسخاً مؤخراً. وقد مكنتني الصدف من أن استمع للنسخة الأمريكية من هذه الأصوات اليمنية، فلم أجد تقارباً بينها وبين أي من ألوان التراث اليمني المختلفة سوى بعض القصائد التي تفتتح بذكر الشاعر والفنان يحيى عمر"( )
أما أول من سجل ليحيى عمر فهو الفنان المغمور سيد محمد اليمني وذلك على آلة القنبوس في نفس مبنى الممثلية الهولندية في جدة بالحجاز في مطلع القرن العشرين وبنفس الأسطوانات الشمعية على فونغراف أديسون. وفي العام 1928م قامت شركة أديون بالتسجيلات التالية( ):
يحيى عمر قال خلي الحال مجهولا - غناء المرحوم إبراهيم الماس
يحيى عمر قال ما شان المليح - غناء المرحوم عمر محفوظ غابه
يا الله يا من على العرش استويت - غناء المرحوم عمر غابه
يا الله سالك بمن أركانه أربع - غناء المرحوم عمر غابه
كما سجَّل ليحيى عمر الفنان المرحوم محمد زويد والفنان المرحوم ضاحي بن وليد. وقد جاء في مجلة "البحرين الثقافية"( ) ما يلي: طلبنا من المرحوم زويد في أحد اللقاءات نموذجاً لصوت يافعي فغنى لنا (اليافعي قال كيف الحال) وكان لحن الصوت مشابهاً للحن "يحيى عمر قال قف يا زين" الذي سجله ضاحي عام 1929م واسماه يوسف دوخي صوت عربي.. ونفس هذا اللحن سمعناه في الأغنية المشهورة للمطربة الكويتية علياء حسين "الحمد لك يا عظيم الشأن".
ومع بدء ازدهار عصر الأسطوانة في الخليج، فقد قام الفنان محمد بن فارس في الأعوام 1932 – 1938م بتسجيل عدد من الأسطوانات، حملت معظمها نصوص شعراء يمنيين، ومن بينهم يحيى عمر. من بينها نصوص أغنياته التالية: يالله يا رباه، يقول أبو معجب نهار الأحد، يحيى عمر قال ما شان المليح. وفي مطلع الأربعينات، سجل الفنان محمد بن فارس عدداً من الأغاني لإذاعة البحرين، مع بدء إرسالها الإذاعي. ثم أخذت كلمات وألحان يحيى عمر تتوالى بأصوات العديد من فناني دول الجزيرة والخليج العربي.
#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
اللَّبْس في أشعاره
تعرضت أشعار يحيى عمر على مدى ثلاثة قرون للبس والخلط الذي ربما لحق بها أكثر من غيرها. ناهيك أن ثمة العديد من أشعاره قد طواها الزمن أو توارت خلف البحار أو بطون الجبال وسفوحها وأوديتها، أولا زالت تقبع في أماكن معينة أو في بطون المخطوطات أو الأسطوانات أو مصادر أخرى منسية أو مجهولة لم تصل إلينا بعد. وأجزم أن معظم ما بين أيدينا من أشعاره لم تصل إلينا كما كانت بصورتها الأصلية التي أبدعتها قريحة صاحبها، أو حتى كما سجلها أصدقاؤه الذين كانوا يلازمونه باستمرار ويدونون كل أشعاره، لأن طرق وصولها إلينا بصورتها التي هي عليها الآن قد كانت متعددة ومتعرجة. والذاكرة الشعبية كمصدر رئيسي لحفظ وتناقل أشعاره، لا يمكن الركون إليها، لأنها عرضة للنسيان ومن شوائبها أن كل ناقل يساهم في بعض الإضافات أو التعديلات بشكل إرادي أو عفوي، وقد تخونه الذاكرة فيسقط بعض الأبيات أو المقاطع سهواً أو يخلط بينها، والدليل على ذلك تعدد روايات أشعاره والاختلاف البيّن والواضح في صيغها ومفرداتها وتقديم وتأخير في بعض الأبيات هنا، أو نسيان وإضافة هناك. وبرغم ورود بعض المعلومات في أكثر من مصدر عن مخطوطات أو دواوين ليحيى عمر فإن أحداً لم يقطع بعودتها إلى يحيى عمر نفسه أو حتى إلى عصره أو العصر القريب منه، وما يزيد في غموضها أن مصيرها لا زال مجهولاً، باستثناء بعض المخطوطات المتناثرة التي عثرنا عليها في أرشيف بعض الأسر اليافعية، وهي في غالبيتها تعود إلى المهاجرين اليافعيين في الهند في النصف الأول من القرن الماضي، ولكن حتى مثل هذه المخطوطة، على أهميتها في حفظ مثل هذه الأغاني، فأنها لا تخلو من أخطاء أو زيادة أو نقص كغيرها من المصادر المكتوبة أو الشفهية، بل نجد أنها هي الأخرى قد نسبت أشعاراً وردت فيها إلى يحيى عمر بينما هي في الأصل لشعراء آخرين، وهو ما يتطلب التحري والتدقيق في التعامل في مثل هذه الحالات.
إن شهرة أغاني وألحان يحيى عمر الواسعة في الجزيرة والخليج وغيرها، تنبع من كونه كان شاعراً غزلياً مجيدا وعازفاً وملحناً ومغنياً في آن واحد "وكان من عادته ألاّ ينام حتى يقضي وقتاً في العزف والغناء"( )، ومن هنا كتب لأعماله الخلود، لأن استمرار ترديد تلك الأغاني والألحان، وتداولها على كل لسان، قد جعلها في منأى عن الإهمال والنسيان، بل وحاضرة دائماً في شفاه ووجدان محبيه على تعاقب الأجيال ومر الزمان. وهكذا فإن شعره الملحون كان يجد استحساناً ولا يزال كذلك من لدن المطربين والفنانين في كثير من الأقطار. وبقدر ما حفظ لنا اللحن والغناء الكثير من أشعاره بقدر ما جنى أيضاً بعض الشيء، بدرجة تزيد أو تقل، على تلك الأشعار التي نسمعها اليوم بأصوات فنانين متعددين بصيغ متباينة أو مختلفة في كثير أو قليل من أبياتها أو مفرداتها وفقاً والمصدر الذي أخذ منه هذا الفنان أو ذاك أو بما يضيف عليها هو من تعديل أو تحوير أو تحريف في الألفاظ والأبيات وفقا لهواه أو بقصد تطويعها وتقريبها للهجته المحلية، ومع كل ذلك فهذا أهون من أن تترك
شل صوت الدان
اللَّبْس في أشعاره
تعرضت أشعار يحيى عمر على مدى ثلاثة قرون للبس والخلط الذي ربما لحق بها أكثر من غيرها. ناهيك أن ثمة العديد من أشعاره قد طواها الزمن أو توارت خلف البحار أو بطون الجبال وسفوحها وأوديتها، أولا زالت تقبع في أماكن معينة أو في بطون المخطوطات أو الأسطوانات أو مصادر أخرى منسية أو مجهولة لم تصل إلينا بعد. وأجزم أن معظم ما بين أيدينا من أشعاره لم تصل إلينا كما كانت بصورتها الأصلية التي أبدعتها قريحة صاحبها، أو حتى كما سجلها أصدقاؤه الذين كانوا يلازمونه باستمرار ويدونون كل أشعاره، لأن طرق وصولها إلينا بصورتها التي هي عليها الآن قد كانت متعددة ومتعرجة. والذاكرة الشعبية كمصدر رئيسي لحفظ وتناقل أشعاره، لا يمكن الركون إليها، لأنها عرضة للنسيان ومن شوائبها أن كل ناقل يساهم في بعض الإضافات أو التعديلات بشكل إرادي أو عفوي، وقد تخونه الذاكرة فيسقط بعض الأبيات أو المقاطع سهواً أو يخلط بينها، والدليل على ذلك تعدد روايات أشعاره والاختلاف البيّن والواضح في صيغها ومفرداتها وتقديم وتأخير في بعض الأبيات هنا، أو نسيان وإضافة هناك. وبرغم ورود بعض المعلومات في أكثر من مصدر عن مخطوطات أو دواوين ليحيى عمر فإن أحداً لم يقطع بعودتها إلى يحيى عمر نفسه أو حتى إلى عصره أو العصر القريب منه، وما يزيد في غموضها أن مصيرها لا زال مجهولاً، باستثناء بعض المخطوطات المتناثرة التي عثرنا عليها في أرشيف بعض الأسر اليافعية، وهي في غالبيتها تعود إلى المهاجرين اليافعيين في الهند في النصف الأول من القرن الماضي، ولكن حتى مثل هذه المخطوطة، على أهميتها في حفظ مثل هذه الأغاني، فأنها لا تخلو من أخطاء أو زيادة أو نقص كغيرها من المصادر المكتوبة أو الشفهية، بل نجد أنها هي الأخرى قد نسبت أشعاراً وردت فيها إلى يحيى عمر بينما هي في الأصل لشعراء آخرين، وهو ما يتطلب التحري والتدقيق في التعامل في مثل هذه الحالات.
إن شهرة أغاني وألحان يحيى عمر الواسعة في الجزيرة والخليج وغيرها، تنبع من كونه كان شاعراً غزلياً مجيدا وعازفاً وملحناً ومغنياً في آن واحد "وكان من عادته ألاّ ينام حتى يقضي وقتاً في العزف والغناء"( )، ومن هنا كتب لأعماله الخلود، لأن استمرار ترديد تلك الأغاني والألحان، وتداولها على كل لسان، قد جعلها في منأى عن الإهمال والنسيان، بل وحاضرة دائماً في شفاه ووجدان محبيه على تعاقب الأجيال ومر الزمان. وهكذا فإن شعره الملحون كان يجد استحساناً ولا يزال كذلك من لدن المطربين والفنانين في كثير من الأقطار. وبقدر ما حفظ لنا اللحن والغناء الكثير من أشعاره بقدر ما جنى أيضاً بعض الشيء، بدرجة تزيد أو تقل، على تلك الأشعار التي نسمعها اليوم بأصوات فنانين متعددين بصيغ متباينة أو مختلفة في كثير أو قليل من أبياتها أو مفرداتها وفقاً والمصدر الذي أخذ منه هذا الفنان أو ذاك أو بما يضيف عليها هو من تعديل أو تحوير أو تحريف في الألفاظ والأبيات وفقا لهواه أو بقصد تطويعها وتقريبها للهجته المحلية، ومع كل ذلك فهذا أهون من أن تترك
#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
ولذلك ليس غريباً أن تؤديه فرقة رضا المصرية للفنون الشعبية بلحن مصري راقص، مثلما يمكن أن تؤديه فرقة الإنشاد في بلا دنا بلحن يمني راقص أيضاً وستظل هذه الأغنية حية تبحر في الآفاق ما بقي البحر والبحارة كما أراد لها صاحبها.
أما التحريف الذي مسها كثيراً فليس بخاف على أحد من ذواقة تراث هذا الفنان العظيم، فلقد تغنى بهذه الأغنية الشهيرة عدد من الفنانين اليمنيين والعرب. ومع ذلك لم نسمعها بصيغة موحدة لدى هؤلاء أو حتى لدى بعض منهم على الأقل، بل على العكس نجد أن كلاً منهم يغنيها بصيغة تختلف كثيراً أو قليلاً عن الآخر، ربما لذات الأسباب التي سبق الإشارة إليها، فنجد كلماتها بصوت محمد عبده تختلف عما هي عند خليل محمد خليل أو كما وردت لدى محمد بن فارس وهكذا مع غيرهم ممن غنوا هذه الأغنية، حتى أصبح من الصعوبة بمكان معرفتها بصيغتها الأصلية كما وردت على لسان يحيى عمر وهو ما ينطبق أيضاً على كثير من قصائده. وبالمناسبة أشير إلى ما كتبه عبد الرحمن الناصر في عمود له نشرته صحيفة "الرياض" السعودية في عددها الصادر يوم 3/12/2007م في حديثه عن أغنية يحيى عمر "يامركب الهند"( ) التي اعتبرها من الأعمال التراثية الجميلة وأشار إلى أن محمد عبده عندما اختار هذه الأغنية قد أضاف عليها عدة أبيات منها: لَكْتُب على دفتك سطرين.. اسم حبيبي وعنوانه, كمذهب للعمل مع تركيب كلمات الكوبليهات الأخرى بأسلوب آخر وجديد، وقد قدمها محمد عبده في مسلسل (أغاني في بحر الأماني) في العام (1969م) وأيضاً في حفلة (أضواء المدينة) في القاهرة. ونتفق معه أيضاً في أن المشوار الذي قطعته هذه الأغنية منذ أن كتبت كقصيدة يجعل منها شاهداً على مسيرة الغناء الشعبي الخليجي(وفي الجزيرة عموما) وتوثيقاً لمراحل تطوره، وما ثباتها واستمرار وجودها إلى اليوم إلا دليلاً على تفردها، فمن ضاحي بن الوليد إلى سالم الصوري إلى محمد عبده ومازالت تغنى وتقال - سواء أكانت قصيدة أم أغنية- في سائر الجزيرة والخليج العربي، وفي هذا أبلغ إثبات على أنها من المع الذهبيات التي كونت من واقعها حساً جميلا كلاسيكيا يظهر بين لحظة وأخرى.
أشير إلى أنني فكرت أن أورد هنا مقارنات بين الروايات المختلفة لمثل هذه الأغنية وغيرها من غنائيات يحيى عمر كما في المصادر والمراجع الكتابية والصوتية والشفهية المتباينة، فوجدت أن ذلك غير ممكن، ليس لصعوبة ذلك مع ما هو متوفر بين يدي، بل لأن الحيز سيطول والقارئ سيتوه، ولأن الكثير من النصوص تختلف وتتباين كثيراً، وهذه المسألة تتطلب إفراد كتاب مستقل للإلمام بكافة تشعباتها، لذلك أحجمت عن ذلك، واكتفيت بالتعرض لنماذج كأمثلة فقط، ومن أراد الاستزادة عليه الرجوع مثلاً إلى كتاب "محمد بن فارس أشهر من غنى الصوت في الخليج"( ) ليقارن أغاني يحيى عمر التي احتلت حيزاً كبيراً فيه مع نظيراتها المنشورة في "غنائيات يحيى عمر" أو العودة لسهولة الأمر إلى كتاب بدر بن عقيل "إبحار في أشعار يحيى عمر اليافعي" الذي أورد مثل هذه المقارنات في النماذج التي اختارها من الإصدارين.
ومن الأمثلة التي ينبغي الإشارة إليها في هذا السياق، أغنية يحيى عمر الشهيرة التي يقول مطلعها:
يحيى عمر قال بالله يا هنود
هل هي من الهند والا من سنود
قولوا لنا بنت من ذي الهندية
تفهم رطين العرب بالهندية
شل صوت الدان
ولذلك ليس غريباً أن تؤديه فرقة رضا المصرية للفنون الشعبية بلحن مصري راقص، مثلما يمكن أن تؤديه فرقة الإنشاد في بلا دنا بلحن يمني راقص أيضاً وستظل هذه الأغنية حية تبحر في الآفاق ما بقي البحر والبحارة كما أراد لها صاحبها.
أما التحريف الذي مسها كثيراً فليس بخاف على أحد من ذواقة تراث هذا الفنان العظيم، فلقد تغنى بهذه الأغنية الشهيرة عدد من الفنانين اليمنيين والعرب. ومع ذلك لم نسمعها بصيغة موحدة لدى هؤلاء أو حتى لدى بعض منهم على الأقل، بل على العكس نجد أن كلاً منهم يغنيها بصيغة تختلف كثيراً أو قليلاً عن الآخر، ربما لذات الأسباب التي سبق الإشارة إليها، فنجد كلماتها بصوت محمد عبده تختلف عما هي عند خليل محمد خليل أو كما وردت لدى محمد بن فارس وهكذا مع غيرهم ممن غنوا هذه الأغنية، حتى أصبح من الصعوبة بمكان معرفتها بصيغتها الأصلية كما وردت على لسان يحيى عمر وهو ما ينطبق أيضاً على كثير من قصائده. وبالمناسبة أشير إلى ما كتبه عبد الرحمن الناصر في عمود له نشرته صحيفة "الرياض" السعودية في عددها الصادر يوم 3/12/2007م في حديثه عن أغنية يحيى عمر "يامركب الهند"( ) التي اعتبرها من الأعمال التراثية الجميلة وأشار إلى أن محمد عبده عندما اختار هذه الأغنية قد أضاف عليها عدة أبيات منها: لَكْتُب على دفتك سطرين.. اسم حبيبي وعنوانه, كمذهب للعمل مع تركيب كلمات الكوبليهات الأخرى بأسلوب آخر وجديد، وقد قدمها محمد عبده في مسلسل (أغاني في بحر الأماني) في العام (1969م) وأيضاً في حفلة (أضواء المدينة) في القاهرة. ونتفق معه أيضاً في أن المشوار الذي قطعته هذه الأغنية منذ أن كتبت كقصيدة يجعل منها شاهداً على مسيرة الغناء الشعبي الخليجي(وفي الجزيرة عموما) وتوثيقاً لمراحل تطوره، وما ثباتها واستمرار وجودها إلى اليوم إلا دليلاً على تفردها، فمن ضاحي بن الوليد إلى سالم الصوري إلى محمد عبده ومازالت تغنى وتقال - سواء أكانت قصيدة أم أغنية- في سائر الجزيرة والخليج العربي، وفي هذا أبلغ إثبات على أنها من المع الذهبيات التي كونت من واقعها حساً جميلا كلاسيكيا يظهر بين لحظة وأخرى.
أشير إلى أنني فكرت أن أورد هنا مقارنات بين الروايات المختلفة لمثل هذه الأغنية وغيرها من غنائيات يحيى عمر كما في المصادر والمراجع الكتابية والصوتية والشفهية المتباينة، فوجدت أن ذلك غير ممكن، ليس لصعوبة ذلك مع ما هو متوفر بين يدي، بل لأن الحيز سيطول والقارئ سيتوه، ولأن الكثير من النصوص تختلف وتتباين كثيراً، وهذه المسألة تتطلب إفراد كتاب مستقل للإلمام بكافة تشعباتها، لذلك أحجمت عن ذلك، واكتفيت بالتعرض لنماذج كأمثلة فقط، ومن أراد الاستزادة عليه الرجوع مثلاً إلى كتاب "محمد بن فارس أشهر من غنى الصوت في الخليج"( ) ليقارن أغاني يحيى عمر التي احتلت حيزاً كبيراً فيه مع نظيراتها المنشورة في "غنائيات يحيى عمر" أو العودة لسهولة الأمر إلى كتاب بدر بن عقيل "إبحار في أشعار يحيى عمر اليافعي" الذي أورد مثل هذه المقارنات في النماذج التي اختارها من الإصدارين.
ومن الأمثلة التي ينبغي الإشارة إليها في هذا السياق، أغنية يحيى عمر الشهيرة التي يقول مطلعها:
يحيى عمر قال بالله يا هنود
هل هي من الهند والا من سنود
قولوا لنا بنت من ذي الهندية
تفهم رطين العرب بالهندية
#يحيى_عمر_اليافعي
شل صوت الدان
وبالمثل ألغيت قصيدة (يحيى عمر قال إني هائم) من هذا الديوان لأنها لشاعر آخر هو عبدالرب ناصر العفيفي, وهو ما صححته أيضا في كتابي "أعلام الشعر الشعبي في يافع"( ).
كما حدث لبس مماثل من قبل الصديق الصحفي أحمد يسلم صالح في مقالته "مقتطفات من أشعار وأغاني يحيى عمر"( ) حيث نسب ليحيى عمر الأغنية الشهيرة لفهد بلان "يا بنات المكلا"، مع أن أحداً قبله لم يقل بذلك، كما أنه نسب قصيدة أخرى له بينما هي للشاعر الشعبي عبدالقادر بن شيبان، يقول فيها:
بعض النساء لول جوهرغاليات اثمانهن
وبعضهن نيران حمرا شاعله نيرانهن
وبعضهن مصباح في المنزل وفي روشاهن
الله يجمعنا بخيرات النساء واحسانهن
وهذا الخطأ الذي وقع به غير مقصود منه، نتج كما هو واضح من القراءة غير المتأنية والمرور السريع في الكتاب الذي أخذ عنه( ), حيث وردت فيه هذه الأبيات ضمن استعراض الكاتب لقصائد يحيى عمر مع نماذج لشعراء آخرين كأمثلة لما ورد في أوصاف المرأة.
ولنفس السبب طال اللبس أيضاً أسم أحد الذين كتبوا عن يحيى عمر. فقد ورد في بعض المؤلفات( ) اسم عبدالله عوض يعقوب وكأنه من كتب موضوعاً بعنوان "يحيى عمر المجهول". وبالعودة إلى مجلة "الفنون" [العدد(11) نوفمبر 1982م ص74] الذي أخذ عنه المؤلف نجد أن كاتب تلك المساهمة هو سعيد بن سعيد صالح، وهو فنان شعبي يافعي ومن المهتمين بالتراث الشعبي، وقد أشار في مساهمته تلك إلى شهرة الفنان والشاعر يحيى عمر وأشعاره الكثيرة التي لم تطبع حتى ذلك الحين في ديوان وطالب الجهات المعنية بتجميع تراثه وإصداره في ديوان. أما عبدالله عوض يعقوب فكانت مساهمته تحت عنوان "البحث عن المحبة" وجاءت مباشرة بعد موضوع "يحيى عمر المجهول" وللتسرع في القراءة والنقل حدث اللبس فيه ونُسب إلى غير كاتبه الحقيقي، وهو ما نصححه هنا أمانة للتاريخ.
ختــامـا
نستطيع القول إن يحيى عمر اليافعي قد ترك أغنيات مميزة، تمثل مدرسة فريدة في فن الغناء واللحن، كتب لها الخلود وأرغمت الأجيال أن تترنم بها، حتى يمكن لمن يسمع هذه الأغنيات أن يقول على الفور أنها ليحيى عمر اليافعي، ويرجع ذلك إلى أن روح الفنان كانت طاغية على موهبته الشعرية فجاءت أغانيه متناغمة مع ألحانه العذبة، وتتميز بالرقة والسلاسة والوضوح، فكثر الغناء بها إلى اليوم، ولذلك فأن أشعاره تعتبر وبحق "بمثابة مستودع للذاكرة الشعبية للجزيرة والخليج بصفة عامة ولليمن على وجه الخصوص وذلك فيما يتصل بمقاييس الجمال الإنساني بالنسبة لعامة الناس الذين يأكلون من خشاش الأرض ويسعون في منكبها كدحاً"( ).
ولاشك أن كثيراً من أشعاره لا تزال مجهولة، وربما يكون بعضها محفوظ ضمن الوثائق الأسرية أوفي مخطوطات تقبع هنا وهناك في أماكن مجهولة أو لدى بعض المهتمين، والزمن كفيل بالكشف عنها وإبرازها، والأمل أن يتفهم أمثال هؤلاء أن مثل هذه المخطوطات أو الاسطوانات ينبغي أن ترى النور, لأن نتاج يحيى عمر وإبداعه يدخل في عداد التراث، وهو ملك للجميع، ويعول عليها في الكشف عما خفي من أشعار وأسرار حياة هذا الفنان العظيم وهي دعوة نرجو أن تلقى صداها لدى من بحوزتهم أي جديد لم ينشر بعد، أو تصحيح لما نشر.
وأختتم ببيتين وردا في مجلة "الفنون" (فبراير/ مارس 1982م) يقول فيهما:
يحيى عمر قال يوم النور
ها ناولوني حجر ياجور
صادفت شمعة بمخزاني
من شان يبني بها الباني
ترى، هل سنصادف في يومٍ ما تكملة هذه القصيدة البديعة، والحصول على غيرها من قصائد يحيى عمر الناقصة والمحرفة والمجهولة حتى يكتمل بنيان ديوانه المرتجى وسيرة حياته؟!.
ملاحظة: للأسف الأشعار لم تظهر منسقة.. وينبغي التنبه لذلك عند القراءة
#إنتهى
شل صوت الدان
وبالمثل ألغيت قصيدة (يحيى عمر قال إني هائم) من هذا الديوان لأنها لشاعر آخر هو عبدالرب ناصر العفيفي, وهو ما صححته أيضا في كتابي "أعلام الشعر الشعبي في يافع"( ).
كما حدث لبس مماثل من قبل الصديق الصحفي أحمد يسلم صالح في مقالته "مقتطفات من أشعار وأغاني يحيى عمر"( ) حيث نسب ليحيى عمر الأغنية الشهيرة لفهد بلان "يا بنات المكلا"، مع أن أحداً قبله لم يقل بذلك، كما أنه نسب قصيدة أخرى له بينما هي للشاعر الشعبي عبدالقادر بن شيبان، يقول فيها:
بعض النساء لول جوهرغاليات اثمانهن
وبعضهن نيران حمرا شاعله نيرانهن
وبعضهن مصباح في المنزل وفي روشاهن
الله يجمعنا بخيرات النساء واحسانهن
وهذا الخطأ الذي وقع به غير مقصود منه، نتج كما هو واضح من القراءة غير المتأنية والمرور السريع في الكتاب الذي أخذ عنه( ), حيث وردت فيه هذه الأبيات ضمن استعراض الكاتب لقصائد يحيى عمر مع نماذج لشعراء آخرين كأمثلة لما ورد في أوصاف المرأة.
ولنفس السبب طال اللبس أيضاً أسم أحد الذين كتبوا عن يحيى عمر. فقد ورد في بعض المؤلفات( ) اسم عبدالله عوض يعقوب وكأنه من كتب موضوعاً بعنوان "يحيى عمر المجهول". وبالعودة إلى مجلة "الفنون" [العدد(11) نوفمبر 1982م ص74] الذي أخذ عنه المؤلف نجد أن كاتب تلك المساهمة هو سعيد بن سعيد صالح، وهو فنان شعبي يافعي ومن المهتمين بالتراث الشعبي، وقد أشار في مساهمته تلك إلى شهرة الفنان والشاعر يحيى عمر وأشعاره الكثيرة التي لم تطبع حتى ذلك الحين في ديوان وطالب الجهات المعنية بتجميع تراثه وإصداره في ديوان. أما عبدالله عوض يعقوب فكانت مساهمته تحت عنوان "البحث عن المحبة" وجاءت مباشرة بعد موضوع "يحيى عمر المجهول" وللتسرع في القراءة والنقل حدث اللبس فيه ونُسب إلى غير كاتبه الحقيقي، وهو ما نصححه هنا أمانة للتاريخ.
ختــامـا
نستطيع القول إن يحيى عمر اليافعي قد ترك أغنيات مميزة، تمثل مدرسة فريدة في فن الغناء واللحن، كتب لها الخلود وأرغمت الأجيال أن تترنم بها، حتى يمكن لمن يسمع هذه الأغنيات أن يقول على الفور أنها ليحيى عمر اليافعي، ويرجع ذلك إلى أن روح الفنان كانت طاغية على موهبته الشعرية فجاءت أغانيه متناغمة مع ألحانه العذبة، وتتميز بالرقة والسلاسة والوضوح، فكثر الغناء بها إلى اليوم، ولذلك فأن أشعاره تعتبر وبحق "بمثابة مستودع للذاكرة الشعبية للجزيرة والخليج بصفة عامة ولليمن على وجه الخصوص وذلك فيما يتصل بمقاييس الجمال الإنساني بالنسبة لعامة الناس الذين يأكلون من خشاش الأرض ويسعون في منكبها كدحاً"( ).
ولاشك أن كثيراً من أشعاره لا تزال مجهولة، وربما يكون بعضها محفوظ ضمن الوثائق الأسرية أوفي مخطوطات تقبع هنا وهناك في أماكن مجهولة أو لدى بعض المهتمين، والزمن كفيل بالكشف عنها وإبرازها، والأمل أن يتفهم أمثال هؤلاء أن مثل هذه المخطوطات أو الاسطوانات ينبغي أن ترى النور, لأن نتاج يحيى عمر وإبداعه يدخل في عداد التراث، وهو ملك للجميع، ويعول عليها في الكشف عما خفي من أشعار وأسرار حياة هذا الفنان العظيم وهي دعوة نرجو أن تلقى صداها لدى من بحوزتهم أي جديد لم ينشر بعد، أو تصحيح لما نشر.
وأختتم ببيتين وردا في مجلة "الفنون" (فبراير/ مارس 1982م) يقول فيهما:
يحيى عمر قال يوم النور
ها ناولوني حجر ياجور
صادفت شمعة بمخزاني
من شان يبني بها الباني
ترى، هل سنصادف في يومٍ ما تكملة هذه القصيدة البديعة، والحصول على غيرها من قصائد يحيى عمر الناقصة والمحرفة والمجهولة حتى يكتمل بنيان ديوانه المرتجى وسيرة حياته؟!.
ملاحظة: للأسف الأشعار لم تظهر منسقة.. وينبغي التنبه لذلك عند القراءة
#إنتهى
على طريق ندوة
الشاعر والفنان #يحيى_عمر
=======
يحيى عمر اليافعي "أبو معجب", أعجوبة زمانه في الشعر والتلحين والغناء وهامة فنية وشعرية كبيرة تثير العجب والإعجاب منذ أكثر من ثلاثة قرون لما تركه من أشعار وأغانٍ وألحان خالدة ما تزال تملأ الآفاق, تحيا وتعيش متجددة متألقة، دون أن تفقد رونقها وطلاوتها مع تقادم الزمن وكأنها بنت اللحظة الحاضرة. وباسم هذا الفنان الملهم ارتبط ذيوع وانتشار الأغنية اليافعية, فهو حامل لواءها ومجدد وصانع معظم ألحانها وإيقاعاتها المتميزة التي خرج بها من نطاق المحلية الضيق إلى فضاءات وطنية وعربية أرحب وأصبحت بفضله من الألوان الغنائية المميزة, وبها يتغنى كلّ العرب من الخليج إلى المحيط. وإذا ما أردنا أن نتحدث عن طابع وخصوصية الأغاني اليافعية، فيمكن ببساطة أن نلغي كلمة (يافع) ونتحدث عن اتجاه (يحيى عمر) في الغناء اليافعي لأنه لم يكن شاعراً فحسب وإنما أيضاً ملحناً وعازفاً ومطرباً. إنه رائد صوت الدان اليافعي الأصيل, ومن هذا الينبوع استمد إيقاعات روائع أشعاره وألحانه الخالدة، منذ أن كان يقف في مطلع شبابه شاعراً مجيداً في حلبات وصفوف ألعاب الدَّان النسائية التي كانت النساء تستهلها بترديد مَوَّال الدَّان( ألا يا دان دانه لدانه دان يا دان دان) كإيذان منهن بطلب الشعراء لدخول حلبة (الدَّان).. ثم أليس يحيى عمر هو القائل:
بعد الآن
يحيى عمر شل الدّان
في الفتان
هندي ملك هندستان
وقوله في قصيدة أخرى:
ونمسي على السَّمْرَات في كُلّ ليلةٍ
ونمسي نرد الدَّان لا مَطْلع الغِبُوش
#علي_صالح_الخلاقي
الشاعر والفنان #يحيى_عمر
=======
يحيى عمر اليافعي "أبو معجب", أعجوبة زمانه في الشعر والتلحين والغناء وهامة فنية وشعرية كبيرة تثير العجب والإعجاب منذ أكثر من ثلاثة قرون لما تركه من أشعار وأغانٍ وألحان خالدة ما تزال تملأ الآفاق, تحيا وتعيش متجددة متألقة، دون أن تفقد رونقها وطلاوتها مع تقادم الزمن وكأنها بنت اللحظة الحاضرة. وباسم هذا الفنان الملهم ارتبط ذيوع وانتشار الأغنية اليافعية, فهو حامل لواءها ومجدد وصانع معظم ألحانها وإيقاعاتها المتميزة التي خرج بها من نطاق المحلية الضيق إلى فضاءات وطنية وعربية أرحب وأصبحت بفضله من الألوان الغنائية المميزة, وبها يتغنى كلّ العرب من الخليج إلى المحيط. وإذا ما أردنا أن نتحدث عن طابع وخصوصية الأغاني اليافعية، فيمكن ببساطة أن نلغي كلمة (يافع) ونتحدث عن اتجاه (يحيى عمر) في الغناء اليافعي لأنه لم يكن شاعراً فحسب وإنما أيضاً ملحناً وعازفاً ومطرباً. إنه رائد صوت الدان اليافعي الأصيل, ومن هذا الينبوع استمد إيقاعات روائع أشعاره وألحانه الخالدة، منذ أن كان يقف في مطلع شبابه شاعراً مجيداً في حلبات وصفوف ألعاب الدَّان النسائية التي كانت النساء تستهلها بترديد مَوَّال الدَّان( ألا يا دان دانه لدانه دان يا دان دان) كإيذان منهن بطلب الشعراء لدخول حلبة (الدَّان).. ثم أليس يحيى عمر هو القائل:
بعد الآن
يحيى عمر شل الدّان
في الفتان
هندي ملك هندستان
وقوله في قصيدة أخرى:
ونمسي على السَّمْرَات في كُلّ ليلةٍ
ونمسي نرد الدَّان لا مَطْلع الغِبُوش
#علي_صالح_الخلاقي
Forwarded from Arabic and English Poetry (Naif)
يحيى عمر قال قف يازين ترجمة نايف أحمد علي
https://youtube.com/watch?v=7B3TEEzg0Ww&si=Zpvs8TCyvrJrYIZA
https://youtube.com/watch?v=7B3TEEzg0Ww&si=Zpvs8TCyvrJrYIZA
YouTube
يحيى عمر قال قف يازين ترجمة نايف أحمد علي
#يامركب_الهند_أبودقلين_ياليتني_كنت_ربانك
كلمات #يحيى عمر الجمالي
#تراث_يافعي_أصيل
O' two masted boat Indian,
I wish I was your captain
كلمات #يحيى عمر الجمالي
#تراث_يافعي_أصيل
O' two masted boat Indian,
I wish I was your captain
بحثا عن #يحيى_عمر في #حيدر_آباد
ومتحف شخصي يتحول إلى أحد أفضل متاحف #الهند
------------
#علي_صالح_الخلاقي:
خلال زيارتي القصيرة لمدينة حيدر آباد، التي لم تتعد ثلاثة أيام، حاولت أن أجد شيئاً عن الشاعر ذائع الصيت يحيى عمر اليافعي، الذي عاش في الهند قبل حوالي ثلاثة قرون. ولأن بعض من التقيناهم ذكر لنا أنه رأى شيئاً ما يخص يحيى عمر في رفوف أحد متاحف حيدر آباد، لا يذكر اسمه بالضبط.
وفي يوم ممطر، غسل شوارع المدينة وأشجارها الوارفة فبدت أكثر بهاءً وجمالاً، كانت وجهتنا في البدء أنا والزملاء آل الطفي الرائع زيد ونجله الحارث ورامز، وأبو زين السعدي، ودليلنا الحيدرأبادي سالم بن علي آل السعدي، إلى (قصر تشوماهالا) ومن أمام بوابته الضخمة عرفنا أن هذا ليس المتحف الذي نبحث فيه عن غايتنا، فاكتفينا بإلقاء نظرة عامة على بنيان القصر الرائع بفخامته وما يحيط به من مساحات تزدان بالخضرة والنوافير والبرك المائية الرائعة، ثم عدنا أدراجنا، لضيق الوقت، وبحثا عن غايتنا.
اتجهنا بعد ذلك إلى ذلك إلى متحف (سالار جونج- Salar Jung Museum)، لعلنا نظفر بشيء له صلة بيحيى عمر، وعند سؤالنا عن ذلك قبيل قطع تذاكر الدخول لم نجد رداً يفيدنا بشيء، وبحثنا عند تجوالنا في المتحف عن أثر أو خيط يقودنا إلى تاريخ يحيى عمر في الهند فلم نعثر على شيء، ولعل الحظ يقودنا في المستقبل لنكتشف شيئاً عنه في غير هذا المتحف.. ومع ذلك فقد استمتعنا بجولة سريعة في أقسام هذا المتحف الفني الذي تحول من متحف شخصي إلى أحد أبرز متاحف الهند.
وصاحب الفضل في نشوء هذا المتحف هو نواب مير يوسف علي خان، أو (سالار جونغ الثالث) وكان من أبرز شخصيات عائلة سالار جونغ في حيدر أباد، وقد شغل منصب رئيس وزراء ولاية حيدر آباد، وخلال فترة توليه لرئاسة الوزراء، جمع العديد من القطع الأثرية من جميع أنحاء العالم، وكان يحتفظ بها في بيته، وبعد وفاته سنة 1949، بقيت هذه القطع الأثرية في قصر أجداده (ديفدي)، وعُرضت هناك على شكل متحف خاص سُمي متحف سالار جونغ، افتتحه جواهر لال نهرو في 16 ديسمبر 1951.
وفي 1968، انتقل المُتحف إلى موقعه الحالي بالقرب من دار الشفاء ومحكمة القضاء الأعلى، وتم افتتاحه تحت رعاية الدكتور ذاكر حسين الرئيس الأسبق للهند، وهو أول رئيس مسلم للهند حسب ما هو موضح في اللوحة التذكارية على مدخل المتحف. وأثناء نقل المتحف من ديوان ديفدي إلى موقعه الحالي سُرقت كثير من القطع، ويُعتقد أن المعروضات الحالية بالمتحف لا تُشكل سوى نصف عدد القطع الفنية الأصلية التي كان نواب مير يوسف قد جمعها في قصر أجداده.
يضم المتحف المؤلف من طابقين أكثر من 38 قاعة تحتوي على أنواع كثيرة من الفنون والمقتنيات، فهناك قاعة لصور سلالة النظام (سالار جنج) وقاعة للأسلحة وقاعة للسيوف وقاعة للساعات ، وقاعة للعملات، وقاعة للمخطوطات، وقاعات عديدة للمقتنيات من أرجاء الهند ومن الشرق وأخرى من الغرب...وهكذا دواليك.
كان الوقت أمامنا ضيقاً، فلم يتبق على موعد إغلاق المتحف سوى أقل من ساعتين، وهي فترة لا تكفي لاطلاع على كل محتويات أقسامه، ولذلك مررنا في بعض الأقسام مرور الكرام، وتوقفنا في قاعة المقتنيات النحاسية من الأباريق والصحون بتشكيلاتها الفنية الجميلة المنقوش عليها بأحرف عربية، ثم أخذت منا وقتاً أكثر صالة السيوف والخناجر والأسلحة اليدوية القديمة الأليفة إلينا التي كان أجدادنا يستخدمونها، وكانوا يستوردونها من مهجرهم الهندي، كما تؤكد ذلك المراسلات التي بين أيدينا، وما زال البعض يحتفظ بها كتراث، وقد جذبت هذه القاعة أكثر الصديق زيد الطفي، الذي توقف بنا أمام كل المعروضات وبالكاد غادرنا القاعة ليتسنى لنا استكمال الجولة في بقية القاعات الكثيرة.
أما الوقت الأكثر فاسترقته منا قاعة المخطوطات التي تضم عدداً كبيراً من المخطوطات والمصاحف المجلوبة من جميع أنحاء العالم، واسترعت اهتمامنا المخطوطات الإسلامية للقرآن الكريم بتصميماتها المختلفة والمدهشة التي تعود لأزمنة إسلامية مختلفة حينما كان الخطاطون والنساخون يؤدون دور المطابع الحديثة، فيتفننون في نسخ الكتب ويهتمون أكثر بنسخ مصاحف القرآن بأشكال وأحجام مختلفة، وما أدهشنا إننا رأينا هنا كتابة سور القرآن الكريم على قطع قماش وملابس، بحجم مصغر لم تدركه أعيننا إلا بتقريب الصورة بعدسة الكاميرا..
هنا شعرنا بعظمة الحضارة الإسلامية التي كانت حيدر آباد آخر قلاعها، وجميل أن تحافظ الهند بتنوعها الديني على مثل هذه النفائيس الحضارية من إسلامية وغيرها.
طفنا بما تبقى من الوقت في قاعات عديدة، ولفت انتباهنا المقتنيات العربية ، المصرية والسورية، التي تدل عليها ليس فقط أشكالها وإنما أيضاً الكتابات العربية لٱيات من القرٱن أو الحكم التي رأيناها على كراسي القضاة والحكام بزخارفها ونقوشها الفسيفسائية الجميلة...
ومتحف شخصي يتحول إلى أحد أفضل متاحف #الهند
------------
#علي_صالح_الخلاقي:
خلال زيارتي القصيرة لمدينة حيدر آباد، التي لم تتعد ثلاثة أيام، حاولت أن أجد شيئاً عن الشاعر ذائع الصيت يحيى عمر اليافعي، الذي عاش في الهند قبل حوالي ثلاثة قرون. ولأن بعض من التقيناهم ذكر لنا أنه رأى شيئاً ما يخص يحيى عمر في رفوف أحد متاحف حيدر آباد، لا يذكر اسمه بالضبط.
وفي يوم ممطر، غسل شوارع المدينة وأشجارها الوارفة فبدت أكثر بهاءً وجمالاً، كانت وجهتنا في البدء أنا والزملاء آل الطفي الرائع زيد ونجله الحارث ورامز، وأبو زين السعدي، ودليلنا الحيدرأبادي سالم بن علي آل السعدي، إلى (قصر تشوماهالا) ومن أمام بوابته الضخمة عرفنا أن هذا ليس المتحف الذي نبحث فيه عن غايتنا، فاكتفينا بإلقاء نظرة عامة على بنيان القصر الرائع بفخامته وما يحيط به من مساحات تزدان بالخضرة والنوافير والبرك المائية الرائعة، ثم عدنا أدراجنا، لضيق الوقت، وبحثا عن غايتنا.
اتجهنا بعد ذلك إلى ذلك إلى متحف (سالار جونج- Salar Jung Museum)، لعلنا نظفر بشيء له صلة بيحيى عمر، وعند سؤالنا عن ذلك قبيل قطع تذاكر الدخول لم نجد رداً يفيدنا بشيء، وبحثنا عند تجوالنا في المتحف عن أثر أو خيط يقودنا إلى تاريخ يحيى عمر في الهند فلم نعثر على شيء، ولعل الحظ يقودنا في المستقبل لنكتشف شيئاً عنه في غير هذا المتحف.. ومع ذلك فقد استمتعنا بجولة سريعة في أقسام هذا المتحف الفني الذي تحول من متحف شخصي إلى أحد أبرز متاحف الهند.
وصاحب الفضل في نشوء هذا المتحف هو نواب مير يوسف علي خان، أو (سالار جونغ الثالث) وكان من أبرز شخصيات عائلة سالار جونغ في حيدر أباد، وقد شغل منصب رئيس وزراء ولاية حيدر آباد، وخلال فترة توليه لرئاسة الوزراء، جمع العديد من القطع الأثرية من جميع أنحاء العالم، وكان يحتفظ بها في بيته، وبعد وفاته سنة 1949، بقيت هذه القطع الأثرية في قصر أجداده (ديفدي)، وعُرضت هناك على شكل متحف خاص سُمي متحف سالار جونغ، افتتحه جواهر لال نهرو في 16 ديسمبر 1951.
وفي 1968، انتقل المُتحف إلى موقعه الحالي بالقرب من دار الشفاء ومحكمة القضاء الأعلى، وتم افتتاحه تحت رعاية الدكتور ذاكر حسين الرئيس الأسبق للهند، وهو أول رئيس مسلم للهند حسب ما هو موضح في اللوحة التذكارية على مدخل المتحف. وأثناء نقل المتحف من ديوان ديفدي إلى موقعه الحالي سُرقت كثير من القطع، ويُعتقد أن المعروضات الحالية بالمتحف لا تُشكل سوى نصف عدد القطع الفنية الأصلية التي كان نواب مير يوسف قد جمعها في قصر أجداده.
يضم المتحف المؤلف من طابقين أكثر من 38 قاعة تحتوي على أنواع كثيرة من الفنون والمقتنيات، فهناك قاعة لصور سلالة النظام (سالار جنج) وقاعة للأسلحة وقاعة للسيوف وقاعة للساعات ، وقاعة للعملات، وقاعة للمخطوطات، وقاعات عديدة للمقتنيات من أرجاء الهند ومن الشرق وأخرى من الغرب...وهكذا دواليك.
كان الوقت أمامنا ضيقاً، فلم يتبق على موعد إغلاق المتحف سوى أقل من ساعتين، وهي فترة لا تكفي لاطلاع على كل محتويات أقسامه، ولذلك مررنا في بعض الأقسام مرور الكرام، وتوقفنا في قاعة المقتنيات النحاسية من الأباريق والصحون بتشكيلاتها الفنية الجميلة المنقوش عليها بأحرف عربية، ثم أخذت منا وقتاً أكثر صالة السيوف والخناجر والأسلحة اليدوية القديمة الأليفة إلينا التي كان أجدادنا يستخدمونها، وكانوا يستوردونها من مهجرهم الهندي، كما تؤكد ذلك المراسلات التي بين أيدينا، وما زال البعض يحتفظ بها كتراث، وقد جذبت هذه القاعة أكثر الصديق زيد الطفي، الذي توقف بنا أمام كل المعروضات وبالكاد غادرنا القاعة ليتسنى لنا استكمال الجولة في بقية القاعات الكثيرة.
أما الوقت الأكثر فاسترقته منا قاعة المخطوطات التي تضم عدداً كبيراً من المخطوطات والمصاحف المجلوبة من جميع أنحاء العالم، واسترعت اهتمامنا المخطوطات الإسلامية للقرآن الكريم بتصميماتها المختلفة والمدهشة التي تعود لأزمنة إسلامية مختلفة حينما كان الخطاطون والنساخون يؤدون دور المطابع الحديثة، فيتفننون في نسخ الكتب ويهتمون أكثر بنسخ مصاحف القرآن بأشكال وأحجام مختلفة، وما أدهشنا إننا رأينا هنا كتابة سور القرآن الكريم على قطع قماش وملابس، بحجم مصغر لم تدركه أعيننا إلا بتقريب الصورة بعدسة الكاميرا..
هنا شعرنا بعظمة الحضارة الإسلامية التي كانت حيدر آباد آخر قلاعها، وجميل أن تحافظ الهند بتنوعها الديني على مثل هذه النفائيس الحضارية من إسلامية وغيرها.
طفنا بما تبقى من الوقت في قاعات عديدة، ولفت انتباهنا المقتنيات العربية ، المصرية والسورية، التي تدل عليها ليس فقط أشكالها وإنما أيضاً الكتابات العربية لٱيات من القرٱن أو الحكم التي رأيناها على كراسي القضاة والحكام بزخارفها ونقوشها الفسيفسائية الجميلة...
الشاعر #يحيى_عمر في كتابات #لاندبرج و ربيرت #سرجانت
#مسعود_عمشوش
قام عدد من علماء اللغة العربية الغربيين، الذين يطلق عليهم صفة (المستعربين)، بدراسة لهجات جنوب العربي، وبشكل خاص لهجة حضرموت. من أشهر هؤلاء الكونت السويدي كارلو دي لاندبرج، الذي أصدر سنة 1900 كتابا مهما بعنوان (لهجة #حضرموت)، ضمّنه ثلاثا من قصائد #يحيى_عمر، والثاني الضابط البريطاني روبيرت سرجانت، الذي ضمن كتابه (نثر وشعر من #حضرموت، سنة 1953 تقديما للشاعر يحيى عمر وإحدى قصائده الغزلية.
من المعلوم أن كارلو دي لاندبرج، يعتمد في دراسته للهجة حضرموت على تقديم عددٍ كبيرٍ من النصوص الشعرية والنثرية، استهلها بـ(أغنية وداع حضرمية)، ثم عشر قصائد لثمانية من الشعراء الشعبيين، أملاها عليه مخبروه #الحضارم:
المغني الحضرمي سعيد عوض، الذي أسمعه نماذج مختلفة من الشعر الغنائي الحضرمي، ومنصور #باضريس.
وإضافة إلى القصائد السياسية، ركّز لاندبرج على القصائد ذات الطابع الغزلي الجريء، التي تدخل في إطارها قصائد للشاعر يحيى عمر الملقب بـ( #بو_معجب)، والتي يرى لاندربرج أنها تجسد جميعها اللهجة #الحضرمية وإيقاعات شعر الدان #الحضرمي.
وبالطبع لا يفوت لاندبرج أن يشير في تعليقه إلى أن "بو معجب ينحدر من جبال #يافع، مثلما هو حال معظم عسكر النقيب #الكسادي وخلفه #القعيطي".
وهذا نص القصائد الثلاث التي اعتمد عليها لاندبرج لإبراز يعض سمات اللهجة الحضرمية:
(1) القصيدة الأولى لبومعجب (يحيى عمر)
بالتين والزيتون والسجدة وعمّ واقترب
يا جود يا ما جود فُوُّلنا من آفات التعب
يقول بو معجب نضرت اليوم صلطان العرب
لابس قُبا تركي ومسح أخضر مطرز بالذهب
بالحجل والخلخال والبوتي ملا صُدره حَزَب
تقول ذَلْمهدي خَرَج بالجيش لا بَرْ العرب
خرج يهوش الناس في البندر ولا هَمّ التعب
أقدمت با سلّم فقال مِنَ أيّاتِ العرب
قُلت من #يافع بني مالك مُجلّين الكرَب
يحيى عمر اسمي مُولّع هِمت في بحر الغُبَب
ساهن وصولك يا حياة الروح قدنا من رجب
واليوم عيد الله حق الله هَبْلي ما يجب
قبلة على خدك خفيفة دين ما فيها طلب
ما بيننا صحبة قديمة ما سرع الحي ما انقلب
المستعان يا ناس أنا قلبي تكمّل واغتلب
من عشقة الفتّان سيد الناس غالي في نسب
اخضر رشيق القد له قامه كما رمح الأدب
العشق هو فتنة ومحنة للمزوج والعزب
هو لي سلب عقلي وخلّانا مسمّر في التعب
الشوق ازعجني وكم صبّت دموع العين صب
لا ما لهوى والشوق ما حرّك شجن عود الطرب
ولا سجن يوسف بمصر القاهرة من غير أدب
لا تصحب المنان يضحك لك وفي قلبه لهب
يعاهدك بالله ويحلف لك وساعة وانقلب
لا تساير الجربان تستعدي ويعطيك الجرب
(2)- القصيدة الثانية لبومعجب (يحيى عمر)
يقول بو معجب عجب يا عجبْ النوم من الأعيان جنّب
حالي ضني وجسمي كِمِل يا عرب قلبي مع الخُرَّد معذب
العذب لي مسكنه بين القلب باللول والفضة مقضّب
أعيان قتّالة وفيهن سبب حُمُر الحدق نيران تلهب
والخشم خنجر حكّمه لي شطب خلّا حدوده تلقط الحب
وسنون بيضا مثل شُخب الحلب والريق مثل القنذ وأطيب
الصدر فيه الشهر ما بعد غرب ميدان لأهل الخيل تلعب
وكعوب مثل الليم وانحف ولب والسمسمي منهن تقطّب
لا جيت با توهّم عليهن ضَغَب قد سالت عيونه وغيَّب
والخصر لا هب الشمال انقطب نخشى عليه لا هب لزْيَب
العيز مركب في خضير الحدب ساري وخلق الله تعجب
أفخاذ بيضاء صبّهن الله صب ما بينهن قفل الملولب
(3) القصيدة الثالثة لبو معجب يحيى عمر
يقول بو معجب تعجّب يَلّذي ما لك بصر
من عشقة البيض الغواني ما تجي الاّ بالعسر
العشق ما هو بالعمايم ولا بتصفيد العُصَر
ولا لِمِن ينقُش جبينه قال وشوفونا نضر
ما عشق إلا بالسياسة واللبابة والبصر
إلا لمن صرصر وقد صر الدراهم في المصر
داكي ومستامن ولا عندي من الفتنة خبر
الاّ وأنا بخيّل لي هو فوق مهره قد عبر
يلِعِّب المهرة وقدَّامه ثلاثتشعر نفر
يلفت إلى أصحابه بعانه قال ده يحيى عمر
حطوا عليه الدرسخانه لا تفكونه حذر
وقلت أنا يا سيدي من بعد ما جرى مني ضهر
لا تفتح الباب المغلّق وانتِ من لك به بصر
قال الهلي قلبه زجاجه وانما قلبك حجر
باحط صدري فوق صدرك خُشْخُشُه والا انكسر
أما الضابط البريطاني المستعرب روبيرت #سارجانت فيبيّن، في الفصل الأول من كتابه: (شعر ونثر من #حضرموت، 1953)، الأهمية الكبيرة التي يكتسبها الشعر في حضرموت، ويرى أنه من أبرز مظاهر الحياة، إذ أنه ينظم ويردد في مختلف الأنشطة والاحتفالات الشعبية.
#مسعود_عمشوش
قام عدد من علماء اللغة العربية الغربيين، الذين يطلق عليهم صفة (المستعربين)، بدراسة لهجات جنوب العربي، وبشكل خاص لهجة حضرموت. من أشهر هؤلاء الكونت السويدي كارلو دي لاندبرج، الذي أصدر سنة 1900 كتابا مهما بعنوان (لهجة #حضرموت)، ضمّنه ثلاثا من قصائد #يحيى_عمر، والثاني الضابط البريطاني روبيرت سرجانت، الذي ضمن كتابه (نثر وشعر من #حضرموت، سنة 1953 تقديما للشاعر يحيى عمر وإحدى قصائده الغزلية.
من المعلوم أن كارلو دي لاندبرج، يعتمد في دراسته للهجة حضرموت على تقديم عددٍ كبيرٍ من النصوص الشعرية والنثرية، استهلها بـ(أغنية وداع حضرمية)، ثم عشر قصائد لثمانية من الشعراء الشعبيين، أملاها عليه مخبروه #الحضارم:
المغني الحضرمي سعيد عوض، الذي أسمعه نماذج مختلفة من الشعر الغنائي الحضرمي، ومنصور #باضريس.
وإضافة إلى القصائد السياسية، ركّز لاندبرج على القصائد ذات الطابع الغزلي الجريء، التي تدخل في إطارها قصائد للشاعر يحيى عمر الملقب بـ( #بو_معجب)، والتي يرى لاندربرج أنها تجسد جميعها اللهجة #الحضرمية وإيقاعات شعر الدان #الحضرمي.
وبالطبع لا يفوت لاندبرج أن يشير في تعليقه إلى أن "بو معجب ينحدر من جبال #يافع، مثلما هو حال معظم عسكر النقيب #الكسادي وخلفه #القعيطي".
وهذا نص القصائد الثلاث التي اعتمد عليها لاندبرج لإبراز يعض سمات اللهجة الحضرمية:
(1) القصيدة الأولى لبومعجب (يحيى عمر)
بالتين والزيتون والسجدة وعمّ واقترب
يا جود يا ما جود فُوُّلنا من آفات التعب
يقول بو معجب نضرت اليوم صلطان العرب
لابس قُبا تركي ومسح أخضر مطرز بالذهب
بالحجل والخلخال والبوتي ملا صُدره حَزَب
تقول ذَلْمهدي خَرَج بالجيش لا بَرْ العرب
خرج يهوش الناس في البندر ولا هَمّ التعب
أقدمت با سلّم فقال مِنَ أيّاتِ العرب
قُلت من #يافع بني مالك مُجلّين الكرَب
يحيى عمر اسمي مُولّع هِمت في بحر الغُبَب
ساهن وصولك يا حياة الروح قدنا من رجب
واليوم عيد الله حق الله هَبْلي ما يجب
قبلة على خدك خفيفة دين ما فيها طلب
ما بيننا صحبة قديمة ما سرع الحي ما انقلب
المستعان يا ناس أنا قلبي تكمّل واغتلب
من عشقة الفتّان سيد الناس غالي في نسب
اخضر رشيق القد له قامه كما رمح الأدب
العشق هو فتنة ومحنة للمزوج والعزب
هو لي سلب عقلي وخلّانا مسمّر في التعب
الشوق ازعجني وكم صبّت دموع العين صب
لا ما لهوى والشوق ما حرّك شجن عود الطرب
ولا سجن يوسف بمصر القاهرة من غير أدب
لا تصحب المنان يضحك لك وفي قلبه لهب
يعاهدك بالله ويحلف لك وساعة وانقلب
لا تساير الجربان تستعدي ويعطيك الجرب
(2)- القصيدة الثانية لبومعجب (يحيى عمر)
يقول بو معجب عجب يا عجبْ النوم من الأعيان جنّب
حالي ضني وجسمي كِمِل يا عرب قلبي مع الخُرَّد معذب
العذب لي مسكنه بين القلب باللول والفضة مقضّب
أعيان قتّالة وفيهن سبب حُمُر الحدق نيران تلهب
والخشم خنجر حكّمه لي شطب خلّا حدوده تلقط الحب
وسنون بيضا مثل شُخب الحلب والريق مثل القنذ وأطيب
الصدر فيه الشهر ما بعد غرب ميدان لأهل الخيل تلعب
وكعوب مثل الليم وانحف ولب والسمسمي منهن تقطّب
لا جيت با توهّم عليهن ضَغَب قد سالت عيونه وغيَّب
والخصر لا هب الشمال انقطب نخشى عليه لا هب لزْيَب
العيز مركب في خضير الحدب ساري وخلق الله تعجب
أفخاذ بيضاء صبّهن الله صب ما بينهن قفل الملولب
(3) القصيدة الثالثة لبو معجب يحيى عمر
يقول بو معجب تعجّب يَلّذي ما لك بصر
من عشقة البيض الغواني ما تجي الاّ بالعسر
العشق ما هو بالعمايم ولا بتصفيد العُصَر
ولا لِمِن ينقُش جبينه قال وشوفونا نضر
ما عشق إلا بالسياسة واللبابة والبصر
إلا لمن صرصر وقد صر الدراهم في المصر
داكي ومستامن ولا عندي من الفتنة خبر
الاّ وأنا بخيّل لي هو فوق مهره قد عبر
يلِعِّب المهرة وقدَّامه ثلاثتشعر نفر
يلفت إلى أصحابه بعانه قال ده يحيى عمر
حطوا عليه الدرسخانه لا تفكونه حذر
وقلت أنا يا سيدي من بعد ما جرى مني ضهر
لا تفتح الباب المغلّق وانتِ من لك به بصر
قال الهلي قلبه زجاجه وانما قلبك حجر
باحط صدري فوق صدرك خُشْخُشُه والا انكسر
أما الضابط البريطاني المستعرب روبيرت #سارجانت فيبيّن، في الفصل الأول من كتابه: (شعر ونثر من #حضرموت، 1953)، الأهمية الكبيرة التي يكتسبها الشعر في حضرموت، ويرى أنه من أبرز مظاهر الحياة، إذ أنه ينظم ويردد في مختلف الأنشطة والاحتفالات الشعبية.
#يحيى_عمر..
عازف القيثار ( #المقنبس)
وتأثير المرحلة #الحضرمية في حياته
------------
الإشـارات المكتوبة عن الشاعر والفنان الشهير يحيى عمـر اليافعي في المصادر المكتوبة قليلة جداً , لكنها مع ذلك تفصح عن حقيقة هذا الشاعر والملحن والمطرب الذي أجاد العزف والغناء , حيث نعرف أنه كان متمكناً من العزف على آلة القنبوس , يؤكد ذلك ما أورده دي. سي. فلوت D.C.Phillott ( ) الذي جمع بعض الحكايات عنه ونشرت في مجلة "جمعية الدراسات الآسيوية" في البنغال (كلكتا 1907 م) تحت عنوان "بعض القصص الشعبية من حضرموت وبها (قصة يحيى عمر عازف القيثار) أي المقنبس( ) هكذا" وقد نقل ما رواه أحد الحضارم بقوله: " إن يحيى عمر كان في #صنعاء ثم عزم على الذهاب على #الهند فوصل إلى برودا Baroda حيث تزوج هناك ولم يمكث مع زوجته أكثر من خمسة عشر يوماً ثم طلقها وغادر تلك المنطقة إلى #هندستان ومن هناك قصد إلى #كلكتا ومنها إلى
" #مدراس" وبعد غياب دام ستة عشر عاماً عاد أدراجه إلى #برودا وعاش هناك في الحي العربي " ويستطرد الحضرمي في حكايته حتى يأتي على ذكر زواج يحيى عمر بإحدى الفتيات هناك فيقول:" لقد كان من عادته ألاَّ ينام حتى يقضي وقتاً في العزف والغناء، وكثيراً ما يكرر اسمه (يحيى عمر) في قصائده الغنائية ومن هنا علمت الفتاة أن يحيى عمر ليس إلاَّ والدها فأخبرته بذلك فاصطحبها إلى بلاده حيث زوجها على أحد أفراد قبيلته " ويقال إن هذه القصة( ) حدثت بالفعل. بيد أن سرجنت يعتبر هذا المقال مغلوط جداً إذ إن النصوص لا يمكن الاعتماد على صحتها، كما أن الترجمة غالباً ما تكون خاطئة، إلاَّ أن المادة نفسها لا تخلو من القيمة والاطلاع على موضوع سابق لهذا الموضوع، انظر نفس المجلة (أي مجلة جمعية الدراسات الآسيوية) لعام 1906م( ).
ونجد أن ليحيى عمر مكانة خاصة في الذاكرة الشعبية الحضرمية، لا تقل عن مكانته في مسقط رأسه، ولا غرابة أن يعتبره البعض #حضرمياً، فالمستشرق لاندبرج يعتبره أحد فحول الشعر في حضرموت، كما جاء الحديث عن (يحيى عمر عازف القيثار المقنبس) في مجلة (الجمعية الآسيوية) ، ويعتبره صلاح البكري" أحد مشاهير الشعر الشعبي في #حضرموت " فضلاً عمّا تختزنه عنه الذاكرة الشعبية الحضرمية من حكايات، كل ذلك يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن "المرحلة الحضرمية" كانت من أخصب مراحل حياته الشعرية والفنية، بل والشخصية، حيث يروى أنه آثر البقاء في حضرموت وسكن بقرية (السحيل) شرق سيئون وتزوج وخلف ثلاثة أبناء عاشوا هناك حتى سنة 1264هـ، ثم نزحوا إلى جهة غير معروفة.
فالثابت أن يحيى عمر قد مكث في حضرموت ردحاً من الزمن، ومنها كانت انطلاقته الفنية والشعرية بعد مسقط رأسه يافع ثم رحلته إلى الهند عبر مدن ومراسي عديدة نستشف أسماءها من أشعاره: صنعاء، عُمان، البحرين، فارس، الهند.. إلخ ، ولا شك أن صلته بحضرموت لم تنقطع بسفره منها، والأرجح أنه تردد عليها في مواسم عودته من الهند إلى مسقط رأسه والعكس.
وتقدم لنا أشعاره مؤشرات عن تلك " المرحلة الحضرمية " من حياته، التي نجده فيها متنقلاً كالطير من فنن إلى فنن، لا يستقر به مكان، لكن سيئون فتنته، كما فتنت أكثر من شاعر قبله وبعده، وسيئون هي درة مدن حضرموت وتشتهر بعذوبة مائها حتى أن قائلهم يقول (سيئون والماء ولا سمن البقر في شبام) وفي اعتدال هوائها وكثرة صفائها ولأهلها ميل إلى الأنس، ولين طباع وملاحة نسائها، حتى جاء في أمثالهم (مصباه في سيئون، خير من حرمه في مَدُوْدَهْ) والمصباه هي الأثافي إزاء المنصة التي كانت تطبخ الملاح عليها القهوة( ). فكيف سيكون حال شاعرنا رقيق المشاعر وهو يعايش هذا الجمال الآسر الذي فتنه حد الجنون:
يا ريت أنا عبدك المملوك وأنته لي السيد
شوفك بعيني الوحيد
بل أنت سيدي وسيد الكل يا ظبي عيديد
احكم على ما تريد
ولا تعذب ولد يافع بكثر التهاديد
لو كنت شاجع وجيد
ولا شك أن تلك الظباء في شعب عيديد هي التي قصدها الشاعر العاشق أيضاً في قصيدة أخرى له يقول فيها:
العشق سنّه وعندي فرض يا اهل الودادي
ما دام قلبي يهيم
يا من جعيده على امتانه طرايح وغادي
كمثل ليلاً بهـيم
والعنق عنق الظباء ما يستعف بالبوادي
يرعى نواحي تريم( )
أما مدينة المكلا فنجد اسمها حاضراً في قصيدة أخرى ليحيى عمر حيث يأتي ذكرها إلى جانب بندر عدن في قوله:
يحيى عمر قال والجوف امتلا
من ذا ومن ذا ومن هذا وذاك
بندر عدن والمكلا قسم ذا
والسلطنه حُكمها من تحت ذاك
أو قوله في قصيدة أخر:
يا ناس عقلي مضيَّع عند ذا
واسْهَرْتْ نومي عَطش من فِقْدْ ذاك
بندر عدن و المكلا قِسْمْ ذا
والقلب كِنَّهْ مُعَلَّق عند ذاك
عازف القيثار ( #المقنبس)
وتأثير المرحلة #الحضرمية في حياته
------------
الإشـارات المكتوبة عن الشاعر والفنان الشهير يحيى عمـر اليافعي في المصادر المكتوبة قليلة جداً , لكنها مع ذلك تفصح عن حقيقة هذا الشاعر والملحن والمطرب الذي أجاد العزف والغناء , حيث نعرف أنه كان متمكناً من العزف على آلة القنبوس , يؤكد ذلك ما أورده دي. سي. فلوت D.C.Phillott ( ) الذي جمع بعض الحكايات عنه ونشرت في مجلة "جمعية الدراسات الآسيوية" في البنغال (كلكتا 1907 م) تحت عنوان "بعض القصص الشعبية من حضرموت وبها (قصة يحيى عمر عازف القيثار) أي المقنبس( ) هكذا" وقد نقل ما رواه أحد الحضارم بقوله: " إن يحيى عمر كان في #صنعاء ثم عزم على الذهاب على #الهند فوصل إلى برودا Baroda حيث تزوج هناك ولم يمكث مع زوجته أكثر من خمسة عشر يوماً ثم طلقها وغادر تلك المنطقة إلى #هندستان ومن هناك قصد إلى #كلكتا ومنها إلى
" #مدراس" وبعد غياب دام ستة عشر عاماً عاد أدراجه إلى #برودا وعاش هناك في الحي العربي " ويستطرد الحضرمي في حكايته حتى يأتي على ذكر زواج يحيى عمر بإحدى الفتيات هناك فيقول:" لقد كان من عادته ألاَّ ينام حتى يقضي وقتاً في العزف والغناء، وكثيراً ما يكرر اسمه (يحيى عمر) في قصائده الغنائية ومن هنا علمت الفتاة أن يحيى عمر ليس إلاَّ والدها فأخبرته بذلك فاصطحبها إلى بلاده حيث زوجها على أحد أفراد قبيلته " ويقال إن هذه القصة( ) حدثت بالفعل. بيد أن سرجنت يعتبر هذا المقال مغلوط جداً إذ إن النصوص لا يمكن الاعتماد على صحتها، كما أن الترجمة غالباً ما تكون خاطئة، إلاَّ أن المادة نفسها لا تخلو من القيمة والاطلاع على موضوع سابق لهذا الموضوع، انظر نفس المجلة (أي مجلة جمعية الدراسات الآسيوية) لعام 1906م( ).
ونجد أن ليحيى عمر مكانة خاصة في الذاكرة الشعبية الحضرمية، لا تقل عن مكانته في مسقط رأسه، ولا غرابة أن يعتبره البعض #حضرمياً، فالمستشرق لاندبرج يعتبره أحد فحول الشعر في حضرموت، كما جاء الحديث عن (يحيى عمر عازف القيثار المقنبس) في مجلة (الجمعية الآسيوية) ، ويعتبره صلاح البكري" أحد مشاهير الشعر الشعبي في #حضرموت " فضلاً عمّا تختزنه عنه الذاكرة الشعبية الحضرمية من حكايات، كل ذلك يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن "المرحلة الحضرمية" كانت من أخصب مراحل حياته الشعرية والفنية، بل والشخصية، حيث يروى أنه آثر البقاء في حضرموت وسكن بقرية (السحيل) شرق سيئون وتزوج وخلف ثلاثة أبناء عاشوا هناك حتى سنة 1264هـ، ثم نزحوا إلى جهة غير معروفة.
فالثابت أن يحيى عمر قد مكث في حضرموت ردحاً من الزمن، ومنها كانت انطلاقته الفنية والشعرية بعد مسقط رأسه يافع ثم رحلته إلى الهند عبر مدن ومراسي عديدة نستشف أسماءها من أشعاره: صنعاء، عُمان، البحرين، فارس، الهند.. إلخ ، ولا شك أن صلته بحضرموت لم تنقطع بسفره منها، والأرجح أنه تردد عليها في مواسم عودته من الهند إلى مسقط رأسه والعكس.
وتقدم لنا أشعاره مؤشرات عن تلك " المرحلة الحضرمية " من حياته، التي نجده فيها متنقلاً كالطير من فنن إلى فنن، لا يستقر به مكان، لكن سيئون فتنته، كما فتنت أكثر من شاعر قبله وبعده، وسيئون هي درة مدن حضرموت وتشتهر بعذوبة مائها حتى أن قائلهم يقول (سيئون والماء ولا سمن البقر في شبام) وفي اعتدال هوائها وكثرة صفائها ولأهلها ميل إلى الأنس، ولين طباع وملاحة نسائها، حتى جاء في أمثالهم (مصباه في سيئون، خير من حرمه في مَدُوْدَهْ) والمصباه هي الأثافي إزاء المنصة التي كانت تطبخ الملاح عليها القهوة( ). فكيف سيكون حال شاعرنا رقيق المشاعر وهو يعايش هذا الجمال الآسر الذي فتنه حد الجنون:
يا ريت أنا عبدك المملوك وأنته لي السيد
شوفك بعيني الوحيد
بل أنت سيدي وسيد الكل يا ظبي عيديد
احكم على ما تريد
ولا تعذب ولد يافع بكثر التهاديد
لو كنت شاجع وجيد
ولا شك أن تلك الظباء في شعب عيديد هي التي قصدها الشاعر العاشق أيضاً في قصيدة أخرى له يقول فيها:
العشق سنّه وعندي فرض يا اهل الودادي
ما دام قلبي يهيم
يا من جعيده على امتانه طرايح وغادي
كمثل ليلاً بهـيم
والعنق عنق الظباء ما يستعف بالبوادي
يرعى نواحي تريم( )
أما مدينة المكلا فنجد اسمها حاضراً في قصيدة أخرى ليحيى عمر حيث يأتي ذكرها إلى جانب بندر عدن في قوله:
يحيى عمر قال والجوف امتلا
من ذا ومن ذا ومن هذا وذاك
بندر عدن والمكلا قسم ذا
والسلطنه حُكمها من تحت ذاك
أو قوله في قصيدة أخر:
يا ناس عقلي مضيَّع عند ذا
واسْهَرْتْ نومي عَطش من فِقْدْ ذاك
بندر عدن و المكلا قِسْمْ ذا
والقلب كِنَّهْ مُعَلَّق عند ذاك