اليمن_تاريخ_وثقافة
#نوفمبر_المجيد قول مالم ولا يقال في احداث ثورتي #الجنوب. و. #الشمال الشهيد عمر #الجاوي متـى بدأ جاد الله عمر العمل السياسي؟ بعد الثورة مباشرة بدأ نشاط حركة القوميين العرب والبعث ينتشر بين الشباب والجيل الجديد، حيث أخذ بعض زملائنا في المدرسة من المتقدّمين…
هنا وفي العنوان خطأ
وهو الإسم
#جارالله_عمر
وليس
عمر #الجاوي
لكن تشابه اسميهما وتشابه نظالهما وتوجهاتهما جعل اسميهما يمتزحان
وهو الإسم
#جارالله_عمر
وليس
عمر #الجاوي
لكن تشابه اسميهما وتشابه نظالهما وتوجهاتهما جعل اسميهما يمتزحان
من مذكرات #جارالله_عمر
كيف جاء جارالله عمر إلى الدنيا؟
أنا من مواليد عام ١٩٤٢ وقد عثرت على هذا التاريخ في مصحف تركه والدي، رحمه الله، في المنزل، وكتب بالسنة الهجرية، ومن خلال وصيته تلك، فقد ولدتُ قبل وفاته بـستة أشهر، حيث أصيب بمرض مفاجئ.
كان والدي معلّماً في كتّاب القرية التي ولدتُ فيها، وهي تسمّى كُهال، تابعة لناحية النادرة بمحافظة إب، بالإضافة إلى القرية المجاورة، وقد كان لديه وجاهة اجتماعية هامّة، حيث كان يقدّم الرعاية إلى أناس آخرين في المنطقة، بخاصة ممّن تحلّ بهم النكبات أو ممّن يريدون أن يتزّوجوا وغيرها، حتى إنه عندما توفّي خلّف وراءه ديوناً كثيرة، على الرغم من رهنه جزءاً من الأراضي الزراعية التي كانت بحوزته، وكانت هذه الديون عبئاً على والدتي التي تكفّلت برعايتنا أنا وأختي التي تكبرني بالعمر.
«أريدك أن تكون مثل أبيك»
قبل أن يُتوفّى والدي، رحمه الله، استدعى والدتي، واسمها سعديه بنت صالح سعد الفقيه، وقال لها إنه يشعر بأنّ موته يدنو بسرعة، وطلب منها رعايتي، فقد كنت الابن الوحيد إلى جانب أختي الكبيرة والوحيدة، وقال لها إنّه يرجوها ألّا تتزوّج برجل آخر بعد موته. وقد وفت أمي بذلك، على الرغم من أنّ عمرها لم يكن يتجاوز حينها الـ٢٧ عاماً، وكابدت المشقّات في سبيل تنشئتنا بطريقة صحيحة أختي وأنا، حيث اتّجهت إلى احتراف التطريز والخياطة وتربية البقر والدجاج وبيعها لكي تسدّد ديون والدي التي تركها لنا بعد وفاته.
كان طموحي أن أصبح قاضياً أو حاكماً، مثل هؤلاء الذين يتعلّمون في صنعاء أو ذمار، لكنّ والدتي كانت تعارض ذلك، لأنّها لا تريد أن تفارقنيخلال السنوات السبع الأولى من حياتي ألحقتني والدتي في كُتّاب القرية، وفي نحو عامين أو ثلاثة أكملت القرآن وتعلّمت الخطّ وكافّة المستلزمات البسيطة التي كان يقتضيها مكتب الكتّاب المتواضع. وقد كانت والدتي تزرع في ذاكرتي ووجداني حقيقة مهمّة وتكرّرها لي كلّ يوم، وهي أنّ والدي كان متعلّماً، وكان يعلّم الناس القراءة والكتابة، وتحثّني على قراءة الأوراق التي خلّفها لنا في المنزل، وتقول لي: «انظر لقد كان خطّه جميلاً، وأريدك أن تكون مثله».
وكانت تقدّمه لي باعتباره رجلاً شجاعاً وتقيّاً وصادقاً يحترمه الجميع، وحينما كنت أرتكب خطأ ما كانت تنبّهني إلى أنّ «هذا الأمر لا يناسب اسم والدك»، وكان هذا يكفي لردعي عن القيام ببعض الأخطاء والتصرفات المشروعة بحكم سنّ الطفولة. حاولت أن أشارك خالي وعمّي في مهنة الزراعة إلى جانب رعي الأبقار والأغنام، لكنّني لم أنجح في ذلك، ربّما لبُنيتي الصغيرة وجهدي القليل، وربّما لأنّني لم أكن مقْبلاً على ذلك بكلّ جوارحي.
حينئذ تعلّقت بهاجس الانتقال إلى مكان آخر للدراسة، وكان طموحي أن أصبح قاضياً أو حاكماً، مثل هؤلاء الذين يتعلّمون في صنعاء أو ذمار، لكنّ والدتي كانت تعارض ذلك، لأنّها لا تريد أن تفارقني، لكنْ عندما بلغ عمري نحو الرابعة عشرة انتقلت إلى قرية للجلوب، وهي قرية كبيرة لي أصدقاء فيها، وكان مستوى التعليم فيها أعلى نسبيّاً ممّا كان عليه الوضع في كتاب قريتي الصغيرة، وقد قضيت فيها عامأً كاملاً، حيث تعلّمت خلال هذا العام تجويد القرآن وإتقانه، بالإضافة إلى الخط والحساب وغيره.
أن تكون متعلّماً
بعد ذلك عدت إلى القرية، ولاحظت أنّ شباباً من عائلة بيت الطيب في القرية المجاورة لنا كانوا قد ذهبوا إلى مدينة ذمار للتعلم وعادوا إلى المنطقة وهم يرتدون الملابس البيضاء النظيفة، والناس يلتفّون من حولهم، حيث لفتوا انتباه الناس بأنّهم أصبحوا متعلّمين، وكان من بينهم الأخ عبد الواسع الطيّب، وهو ضابط متقاعد حالياً، فذهبت إليه، وقلت له إنّني أريد أن أذهب معك إلى مدينة ذمار للدراسة. وقد رحّب الطيب بالفكرة، وأخذني معه إلى مدينة ذمار، وكان عمري حينها ١٦ عاماً تقريباً، وهناك سكنت في منزله، حيث كان هناك عدد من الراغبين في الدراسة في المدرسة الشمسيّة.
والدتي بالطبع لم توافق على ذهابي إلى ذمار إلّا على مضض. غير أنّني أقنعتها بأنّه إذا لم تسمح لي بالذهاب بصورة علنيّة وشرعيّة فإنّني سأفعل ذلك بدون موافقتها، فاضطرت للموافقة، وجهّزتني بما يلزم من الدقيق والسمن والحطب، وتولّى خالي وأحد أقاربنا نقلي مع بهيمة تحمل مؤونتي إلى ذمار.
المشكلة الكبرى التي واجهتني هي أنّني دخلت المدرسة الشمسية في ذمار وأنا كبير في السن، حيث كنت قد تجاوزت السادسة عشرة وكانت المناهج في المدرسة كثيفة، في الفقه وعلوم اللغة والمنطق، وكل هذه المتون كان لها ملحقات لا بدّ من حفظها، وقد وجدت نفسي متأخراً عن طلاّب كانوا يصغرونني سناً، ولكنّهم كانوا قد قطعوا شوطاً كبيراً في مضمار هذه المتون أو الملخّصات، وانتقلوا إلى قراءة الشروح ولهذا كان عليّ المذاكرة نهاراً وليلاً للّحاق بهم.
في العام التالي، أقنعتُ ابن عمي، واسمه ناجي عمر، بمغادرة القرية والالتحاق بالمدرسة الشمسيّة في ذمار، وكان والده حينها يرفض ذلك، لكنّنا تآمرنا عليه، وقمنا بترتيب ف
كيف جاء جارالله عمر إلى الدنيا؟
أنا من مواليد عام ١٩٤٢ وقد عثرت على هذا التاريخ في مصحف تركه والدي، رحمه الله، في المنزل، وكتب بالسنة الهجرية، ومن خلال وصيته تلك، فقد ولدتُ قبل وفاته بـستة أشهر، حيث أصيب بمرض مفاجئ.
كان والدي معلّماً في كتّاب القرية التي ولدتُ فيها، وهي تسمّى كُهال، تابعة لناحية النادرة بمحافظة إب، بالإضافة إلى القرية المجاورة، وقد كان لديه وجاهة اجتماعية هامّة، حيث كان يقدّم الرعاية إلى أناس آخرين في المنطقة، بخاصة ممّن تحلّ بهم النكبات أو ممّن يريدون أن يتزّوجوا وغيرها، حتى إنه عندما توفّي خلّف وراءه ديوناً كثيرة، على الرغم من رهنه جزءاً من الأراضي الزراعية التي كانت بحوزته، وكانت هذه الديون عبئاً على والدتي التي تكفّلت برعايتنا أنا وأختي التي تكبرني بالعمر.
«أريدك أن تكون مثل أبيك»
قبل أن يُتوفّى والدي، رحمه الله، استدعى والدتي، واسمها سعديه بنت صالح سعد الفقيه، وقال لها إنه يشعر بأنّ موته يدنو بسرعة، وطلب منها رعايتي، فقد كنت الابن الوحيد إلى جانب أختي الكبيرة والوحيدة، وقال لها إنّه يرجوها ألّا تتزوّج برجل آخر بعد موته. وقد وفت أمي بذلك، على الرغم من أنّ عمرها لم يكن يتجاوز حينها الـ٢٧ عاماً، وكابدت المشقّات في سبيل تنشئتنا بطريقة صحيحة أختي وأنا، حيث اتّجهت إلى احتراف التطريز والخياطة وتربية البقر والدجاج وبيعها لكي تسدّد ديون والدي التي تركها لنا بعد وفاته.
كان طموحي أن أصبح قاضياً أو حاكماً، مثل هؤلاء الذين يتعلّمون في صنعاء أو ذمار، لكنّ والدتي كانت تعارض ذلك، لأنّها لا تريد أن تفارقنيخلال السنوات السبع الأولى من حياتي ألحقتني والدتي في كُتّاب القرية، وفي نحو عامين أو ثلاثة أكملت القرآن وتعلّمت الخطّ وكافّة المستلزمات البسيطة التي كان يقتضيها مكتب الكتّاب المتواضع. وقد كانت والدتي تزرع في ذاكرتي ووجداني حقيقة مهمّة وتكرّرها لي كلّ يوم، وهي أنّ والدي كان متعلّماً، وكان يعلّم الناس القراءة والكتابة، وتحثّني على قراءة الأوراق التي خلّفها لنا في المنزل، وتقول لي: «انظر لقد كان خطّه جميلاً، وأريدك أن تكون مثله».
وكانت تقدّمه لي باعتباره رجلاً شجاعاً وتقيّاً وصادقاً يحترمه الجميع، وحينما كنت أرتكب خطأ ما كانت تنبّهني إلى أنّ «هذا الأمر لا يناسب اسم والدك»، وكان هذا يكفي لردعي عن القيام ببعض الأخطاء والتصرفات المشروعة بحكم سنّ الطفولة. حاولت أن أشارك خالي وعمّي في مهنة الزراعة إلى جانب رعي الأبقار والأغنام، لكنّني لم أنجح في ذلك، ربّما لبُنيتي الصغيرة وجهدي القليل، وربّما لأنّني لم أكن مقْبلاً على ذلك بكلّ جوارحي.
حينئذ تعلّقت بهاجس الانتقال إلى مكان آخر للدراسة، وكان طموحي أن أصبح قاضياً أو حاكماً، مثل هؤلاء الذين يتعلّمون في صنعاء أو ذمار، لكنّ والدتي كانت تعارض ذلك، لأنّها لا تريد أن تفارقني، لكنْ عندما بلغ عمري نحو الرابعة عشرة انتقلت إلى قرية للجلوب، وهي قرية كبيرة لي أصدقاء فيها، وكان مستوى التعليم فيها أعلى نسبيّاً ممّا كان عليه الوضع في كتاب قريتي الصغيرة، وقد قضيت فيها عامأً كاملاً، حيث تعلّمت خلال هذا العام تجويد القرآن وإتقانه، بالإضافة إلى الخط والحساب وغيره.
أن تكون متعلّماً
بعد ذلك عدت إلى القرية، ولاحظت أنّ شباباً من عائلة بيت الطيب في القرية المجاورة لنا كانوا قد ذهبوا إلى مدينة ذمار للتعلم وعادوا إلى المنطقة وهم يرتدون الملابس البيضاء النظيفة، والناس يلتفّون من حولهم، حيث لفتوا انتباه الناس بأنّهم أصبحوا متعلّمين، وكان من بينهم الأخ عبد الواسع الطيّب، وهو ضابط متقاعد حالياً، فذهبت إليه، وقلت له إنّني أريد أن أذهب معك إلى مدينة ذمار للدراسة. وقد رحّب الطيب بالفكرة، وأخذني معه إلى مدينة ذمار، وكان عمري حينها ١٦ عاماً تقريباً، وهناك سكنت في منزله، حيث كان هناك عدد من الراغبين في الدراسة في المدرسة الشمسيّة.
والدتي بالطبع لم توافق على ذهابي إلى ذمار إلّا على مضض. غير أنّني أقنعتها بأنّه إذا لم تسمح لي بالذهاب بصورة علنيّة وشرعيّة فإنّني سأفعل ذلك بدون موافقتها، فاضطرت للموافقة، وجهّزتني بما يلزم من الدقيق والسمن والحطب، وتولّى خالي وأحد أقاربنا نقلي مع بهيمة تحمل مؤونتي إلى ذمار.
المشكلة الكبرى التي واجهتني هي أنّني دخلت المدرسة الشمسية في ذمار وأنا كبير في السن، حيث كنت قد تجاوزت السادسة عشرة وكانت المناهج في المدرسة كثيفة، في الفقه وعلوم اللغة والمنطق، وكل هذه المتون كان لها ملحقات لا بدّ من حفظها، وقد وجدت نفسي متأخراً عن طلاّب كانوا يصغرونني سناً، ولكنّهم كانوا قد قطعوا شوطاً كبيراً في مضمار هذه المتون أو الملخّصات، وانتقلوا إلى قراءة الشروح ولهذا كان عليّ المذاكرة نهاراً وليلاً للّحاق بهم.
في العام التالي، أقنعتُ ابن عمي، واسمه ناجي عمر، بمغادرة القرية والالتحاق بالمدرسة الشمسيّة في ذمار، وكان والده حينها يرفض ذلك، لكنّنا تآمرنا عليه، وقمنا بترتيب ف
من مذكرات #جارالله_عمر
أحداث ١٣ يناير ١٩٨٦ المأساويّة
تعود جذور أزمة كانون الثاني / يناير ١٩٨٦ إلى الأحداث والصّراعات السّابقة التي كانت تخلّف ضحايا ويتولّد عنها منتصرون ومهزومون ولا تعالج في الانشقاقات والصراعات بعودة ديموقراطية لذلك ترتّبت عليها مخالفات نفسيّة واجتماعيّة وحزبيّة كبيرة.
نموّ الاستقطاب
عندما خرج عبد الفتاح إسماعيل من السّلطة انقسمت المجموعة الحاكمة بين قطبين رئيسيَن: الأمين العامّ ورئيس مجلس الرئاسة علي ناصر محمّد من ناحية، ونائبه علي أحمد ناصر عنتر من ناحية أخرى. ويعود الخلاف برأيي إلى نقطتين رئيستين. الأولى: كيفيّة إدارة الصلاحيّات والسلطة، بالإضافة إلى حالةٍ من انعدام الثّقة بين الطّرفين. وفي مجرى النّزاع نُحّي علي عنتر بصفته وزيراً للدّفاع لكنّه ظلّ مؤثّراً في الجيش والأمن. والنّقطة الثّانية: تمثّلت في الاختلاف الإيديولوجيّ حيث تكوّن تيّارٌ يساريّ داخل الحزب يعارض سياسة الانفتاح الداخليّة والخارجيّة التي كان يمارسها الرئيس علي ناصر محمّد على اعتبار أنّ هذه السياسة قد أدّتْ إلى فتْح المجال أمام عودة البرجوازيّة وأثّرت في الطّهارة الثوريّة لمناضلي الحزب.
إلى جانب هذين السّببين أسبابٌ فرعيّةٌ، منها خوف كلّ طرفٍ من الآخر، ومن أنّ تَوسّع نفوذ الواحد سوف يكون بالضّرورة على حساب الآخر. ويُضاف إلى هذا ضغط المتطلّبات الحياتيّة على النّاس وعدم تحقيق الطّموحات والإصلاحات الاشتراكيّة واليساريّة الموعودة. ولعب الحصار الخارجيّ دوره، إلى جانب التّبايُن في السياسة تجاه الشمال، هل تكون سياسةً تثويريّة أم سياسةَ تصالُحٍ أم تهادن؟ وهل يتعيّن على الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ أن يقف إلى جانب فرع الحزب في الشمال والجبهة أم لا؟
تطوّرت الأزمة تدريجيّاً وأخذ كلّ طرفٍ يعمل على توسيع نفوذه في الحزب والجيش ويسعى إلى تقليص نفوذ الطرف الآخر. في البدء كانت الأزمة محصورةً في عدد ضيّق من الافراد، ثمّ أخذت تخرج إلى العلن وانتشرتْ في الصحافة الخارجيّة. هنا اتّسع نطاق التدخّل من الخارج سواءٌ من البلاد العربية أو من الكتلة السّوفياتيّة أو الأحزاب الشيوعيّة. وبعض المتدخّلين كان يحاول حلّ الأزمة فيما بعضه الآخر ينحاز إلى هذا الطرف أو ذاك. بسبب غياب تقاليد ديمقراطيّة داخل الحزب لحلّ الخلافات بوسائل سلميّة، وغياب التعدّدية الحزبيّة بدأ كلّ طرفٍ يفكّر بكسب ولاء الجيش والقوّات المسلّحة، وانتقل الصراع إلى داخل الجيش والأمن. طبعاً نحن في المكتب السياسيّ لحزب الوحدة الشعبيّة (حوشي)، تَوزّع معظمنا في المراحل الأولى على الطّرفين ولكنّني وقفْت على حياد مع بعض الإخوان في المرحلة الأولى. لم نساند أيّ طرفٍ وكنّا نحاول حلّ الأزمة سلميّاً. ومن بين الحياديّين جارالله عمر، الأمين العامّ لـ«حوشي»، ويحيى الشامي وأحمد علي السلامي، عضوان في المكتب السّياسي. أمّا بقيّة الإخوة فقد توزّعوا بين الكتلتين المتنازعتيْن. وكان في قيادة الجنوب شخصٌ محايدٌ كنّا ننسّق معه هو صالح مصلح قاسم وزير الدّفاع الذي كان مصرّاً على الحياد حفاظاً على وحدة الجيش. لكنّ الهجوم تواصل علينا من الطّرفين فجميع الأطراف غير راضين عن موقفنا إذ يصفوننا بالمتردّدين والجبناء إلخ.
وكان من الواضح أنّ مَوازين القوى متأرجحة. هناك محافظات تؤيّد علي ناصر ومحافظات أخرى تؤيّد علي عنتر. فعدن في معظمها إلى جانب علي ناصر محمّد وكذلك محافظة أبين. والعديد من قادة الفصائل الحزبيّة السّابقة التي توحّدت مع الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ يقفون إلى جانب علي ناصر محمّد. وكانت محافظة شبوة إلى جانب علي ناصر في معظمها. وحضرموت مقسّمة بين الطّرفين حسب انقسام القيادات. فعلي سالم البيض مع علي عنتر وهو صاحب النّفوذ الأوّل في المحافظة لكنّ حيدر أبو بكر العطّاس، وهو أيضاً من حضرموت، قبل أن يعيّن رئيساً للوزراء، كان موقفُه مثل موقف صالح مصلح وموقفنا نحن، موقفاً غير منحاز، لأنّه كان يدرك حجم المخاطر في المراحل الأولى من الصّراع. وكان إلى جانب علي عنتر من حضرموت صالح منصّر السييلي وكان معه قادة حضرميّون. وكان أنصار عبد الفتّاح إسماعيل يراقبون الصّراع بارتياحٍ في البداية، إلى أنْ تغيّر الموقف. اشتغل علي عنتر داخل الجيش، وله نفوذٌ سابق فيه فانحاز معظم قادة الجيش إلى جانبه، خصوصاً سلاح الطّيَران والدّروع. العام ١٩٨٥ اعتمدت جماعة علي عنتر تكتيكاً جديداً هو الاتصال بعبد الفتّاح إسماعيل في المنفى وبأنصاره في الدّاخل. زار علي عنتر عبدَ الفتّاح إثر زيارة له إلى موسكو وطلب منه العودة إلى عدن. ولدى عودة علي عنتر إلى عدن طرح موضوع زيارته علي عبد الفتّاح على المكتب السياسيّ واللجنة المركزيّة مقترِحاً عودة عبد الفتّاح. الأغلبيّة أيّدتْ عودة عبد الفتّاح بمن فيهم نحن الذين كنّا محايدين، لاعتقادنا بأنّ عودته تؤدّي إلى خَلق توازنٍ في البلاد، وهو لديه رغبة في العودة من المنفى.
أحداث ١٣ يناير ١٩٨٦ المأساويّة
تعود جذور أزمة كانون الثاني / يناير ١٩٨٦ إلى الأحداث والصّراعات السّابقة التي كانت تخلّف ضحايا ويتولّد عنها منتصرون ومهزومون ولا تعالج في الانشقاقات والصراعات بعودة ديموقراطية لذلك ترتّبت عليها مخالفات نفسيّة واجتماعيّة وحزبيّة كبيرة.
نموّ الاستقطاب
عندما خرج عبد الفتاح إسماعيل من السّلطة انقسمت المجموعة الحاكمة بين قطبين رئيسيَن: الأمين العامّ ورئيس مجلس الرئاسة علي ناصر محمّد من ناحية، ونائبه علي أحمد ناصر عنتر من ناحية أخرى. ويعود الخلاف برأيي إلى نقطتين رئيستين. الأولى: كيفيّة إدارة الصلاحيّات والسلطة، بالإضافة إلى حالةٍ من انعدام الثّقة بين الطّرفين. وفي مجرى النّزاع نُحّي علي عنتر بصفته وزيراً للدّفاع لكنّه ظلّ مؤثّراً في الجيش والأمن. والنّقطة الثّانية: تمثّلت في الاختلاف الإيديولوجيّ حيث تكوّن تيّارٌ يساريّ داخل الحزب يعارض سياسة الانفتاح الداخليّة والخارجيّة التي كان يمارسها الرئيس علي ناصر محمّد على اعتبار أنّ هذه السياسة قد أدّتْ إلى فتْح المجال أمام عودة البرجوازيّة وأثّرت في الطّهارة الثوريّة لمناضلي الحزب.
إلى جانب هذين السّببين أسبابٌ فرعيّةٌ، منها خوف كلّ طرفٍ من الآخر، ومن أنّ تَوسّع نفوذ الواحد سوف يكون بالضّرورة على حساب الآخر. ويُضاف إلى هذا ضغط المتطلّبات الحياتيّة على النّاس وعدم تحقيق الطّموحات والإصلاحات الاشتراكيّة واليساريّة الموعودة. ولعب الحصار الخارجيّ دوره، إلى جانب التّبايُن في السياسة تجاه الشمال، هل تكون سياسةً تثويريّة أم سياسةَ تصالُحٍ أم تهادن؟ وهل يتعيّن على الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ أن يقف إلى جانب فرع الحزب في الشمال والجبهة أم لا؟
تطوّرت الأزمة تدريجيّاً وأخذ كلّ طرفٍ يعمل على توسيع نفوذه في الحزب والجيش ويسعى إلى تقليص نفوذ الطرف الآخر. في البدء كانت الأزمة محصورةً في عدد ضيّق من الافراد، ثمّ أخذت تخرج إلى العلن وانتشرتْ في الصحافة الخارجيّة. هنا اتّسع نطاق التدخّل من الخارج سواءٌ من البلاد العربية أو من الكتلة السّوفياتيّة أو الأحزاب الشيوعيّة. وبعض المتدخّلين كان يحاول حلّ الأزمة فيما بعضه الآخر ينحاز إلى هذا الطرف أو ذاك. بسبب غياب تقاليد ديمقراطيّة داخل الحزب لحلّ الخلافات بوسائل سلميّة، وغياب التعدّدية الحزبيّة بدأ كلّ طرفٍ يفكّر بكسب ولاء الجيش والقوّات المسلّحة، وانتقل الصراع إلى داخل الجيش والأمن. طبعاً نحن في المكتب السياسيّ لحزب الوحدة الشعبيّة (حوشي)، تَوزّع معظمنا في المراحل الأولى على الطّرفين ولكنّني وقفْت على حياد مع بعض الإخوان في المرحلة الأولى. لم نساند أيّ طرفٍ وكنّا نحاول حلّ الأزمة سلميّاً. ومن بين الحياديّين جارالله عمر، الأمين العامّ لـ«حوشي»، ويحيى الشامي وأحمد علي السلامي، عضوان في المكتب السّياسي. أمّا بقيّة الإخوة فقد توزّعوا بين الكتلتين المتنازعتيْن. وكان في قيادة الجنوب شخصٌ محايدٌ كنّا ننسّق معه هو صالح مصلح قاسم وزير الدّفاع الذي كان مصرّاً على الحياد حفاظاً على وحدة الجيش. لكنّ الهجوم تواصل علينا من الطّرفين فجميع الأطراف غير راضين عن موقفنا إذ يصفوننا بالمتردّدين والجبناء إلخ.
وكان من الواضح أنّ مَوازين القوى متأرجحة. هناك محافظات تؤيّد علي ناصر ومحافظات أخرى تؤيّد علي عنتر. فعدن في معظمها إلى جانب علي ناصر محمّد وكذلك محافظة أبين. والعديد من قادة الفصائل الحزبيّة السّابقة التي توحّدت مع الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ يقفون إلى جانب علي ناصر محمّد. وكانت محافظة شبوة إلى جانب علي ناصر في معظمها. وحضرموت مقسّمة بين الطّرفين حسب انقسام القيادات. فعلي سالم البيض مع علي عنتر وهو صاحب النّفوذ الأوّل في المحافظة لكنّ حيدر أبو بكر العطّاس، وهو أيضاً من حضرموت، قبل أن يعيّن رئيساً للوزراء، كان موقفُه مثل موقف صالح مصلح وموقفنا نحن، موقفاً غير منحاز، لأنّه كان يدرك حجم المخاطر في المراحل الأولى من الصّراع. وكان إلى جانب علي عنتر من حضرموت صالح منصّر السييلي وكان معه قادة حضرميّون. وكان أنصار عبد الفتّاح إسماعيل يراقبون الصّراع بارتياحٍ في البداية، إلى أنْ تغيّر الموقف. اشتغل علي عنتر داخل الجيش، وله نفوذٌ سابق فيه فانحاز معظم قادة الجيش إلى جانبه، خصوصاً سلاح الطّيَران والدّروع. العام ١٩٨٥ اعتمدت جماعة علي عنتر تكتيكاً جديداً هو الاتصال بعبد الفتّاح إسماعيل في المنفى وبأنصاره في الدّاخل. زار علي عنتر عبدَ الفتّاح إثر زيارة له إلى موسكو وطلب منه العودة إلى عدن. ولدى عودة علي عنتر إلى عدن طرح موضوع زيارته علي عبد الفتّاح على المكتب السياسيّ واللجنة المركزيّة مقترِحاً عودة عبد الفتّاح. الأغلبيّة أيّدتْ عودة عبد الفتّاح بمن فيهم نحن الذين كنّا محايدين، لاعتقادنا بأنّ عودته تؤدّي إلى خَلق توازنٍ في البلاد، وهو لديه رغبة في العودة من المنفى.
من مذكرات #جارالله_عمر
الوحدة اليمنية قبل النفط
ظهر النفط، المسيّل خصوصاً، بكمّيّات تجاريّة في الجنوب. والجنوب على وشك أن يصبح دولةً نفطيّة ينتج أكثر من الشمال. وقد بادرت الدول الخليجيّة، السعوديّة خصوصاً، للانفتاح على الجنوب وتقديم المساعدات له. وأذكر عرضاً غير رسميّ بأنْ يسدّد المغتربون في الخليج وتحديداً في السعوديّة ديونَ عدن.
هل كان هناك تنافسٌ في هذا المجال بين السعوديّة والجنوب تحديداً؟ كلّا لم يكن هناك تنافس لأّن الجنوب الجديد يمكن أن يقوم بدورٍ لا تستطيع السعوديّة القيام به، والسعوديّة أرادتْ إقامة علاقة مع الجنوب خصوصاً أنّها لم تنجح في علاقةٍ أقامتْها مع الشمال لأنّ القبائل كانوا يأخذون منها الأموال ويخدعونها. أراد السعوديّون منفذاً تجاريّاً على البحر العربيّ. كان بإمكان عدن أن تكون ذلك المنفذ حيث عدن مدينة حديثة ومعاصرة، والسّعوديون يعيشون في كبت ويبحثون عن متنفّس، كان بإمكان عدن أن تكون منطقةً سياحيّة ومنفذاً إلى العالم والعصر.
خضع الأمر للنّقاش داخل الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ، وكان الحديث عمّا نريد من الدولة في الجنوب. وأذكر أنّ علي البيض وآخرين قالوا بصريح العبارة: ينبغي أن نسرع بإقامة الوحدة اليمنيّة قبل أن نصبح دولةً نفطيّة. كانت هذه نقطةً مهمّة جدّاً. حمل علي سالم البيض هذا الرّأي الّذي وافقناه فيه فقد أردنا أن تقوم دولة الوحدة قبل أن يصبح الجنوب دولةً نفطيّة، فالشعب في الجنوب وكثيرٌ من الناس سيعارضون قيام الوحدة وسيرغبون في أن تكون عدن والجنوب واحدة مثل الدّول الخليجيّة الصغيرة، أيْ بلداً يبلغ عدد سكّانه مليوناً ونصف المليون أو مليونين ويملك ثروةً نفطيّةً لكنّه لا يملك سكّاناً. يمكن أن يعيش هؤلاء في رفاهية، لكنّ هذه الأمور لا تبني مشروعاً أو وطناً أو دولةً أو نهضة.
ثمّ إنّ مشكلة هذا المشروع أنّه صغير وقد رغبنا بمشروع كبير. قد يقول البعض إنّنا حالمون وخياليّون وقد يقول آخرون إنّ دولة لوكسمبورغ صغيرة لكن سكّانها سعداء، أو سويسرا أو النّرويج أو سنغافورة إلخ. لكنّ هذا ما دار في أذهاننا يومها، وكنتُ واحداً من الذين فكّروا فيه. لكنْ أذكر أنّ علي سالم البيض طرَح هذه الفكرة وهو لا يستطيع التّحدّث الآن كما أنّه ليس مرتاحاً منّي ولا إليّ ولا تعجبه أفكاري. وعلى الرّغم من ذلك أريد قول الحقيقة. قال علي سالم البيض إنّه إذا ظهر النفط فربّما يصبح هناك دولة صغيرة تزدهر مؤقّتاً، لكن ليس المستقبل لهذه الكيانات الصغيرة بل هو لمشروعٍ كبير. وبرأيي، المشروع الكبير الذي يمكن أن يستمرّ ليس اليمن الحالي، فحتى اليمن الحالي صغير يتعدّد ويتطوّر، المهمّ أنّ فكرة الوحدة مرتبطة بالتنمية والتطوّر والمشروع التوحيديّ العربيّ، أي أنّ المشروع التوحيديّ العربي موجودٌ في أعماقنا وثقافتنا وجذورنا وطفولتنا. وبناءً على هذه الخلفيّة كان الجنوب مستعدّاً وجاهزاً ولكن بآراءَ مختلفة.
الوحدة بجلسةٍ واحدة
وفي تشرين الثاني / نوفمبر من العام ١٩٨٩ زار الرئيس علي عبد الله صالح عدن حاملاً مشروعاً لتوحيد اليمن على أساس فيدراليّ أي توحيد القوّات المسلّحة للشّطرين وتوحيد الشخصيّة الدوليّة، ما يعني أن يكون هناك فيدراليّة، كيان يجمع الدّولتين أي دولة اتحاديّة.
وكان الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ قد حمل مشروع التدرّج - الكونفدراليّة بناءً علي التوصيات التي تتضمّنها وثيقةُ الإصلاح الاقتصاديّ والاجتماعيّ الشامل - وبعدها ننتقل إلى الوحدة. عقد علي عبد الله صالح محادثاتٍ مع علي البيض. عرض عليه الأخير الوحدةَ الكاملة على أساس الدستور الذي اقترحتْه اللّجنة الدستوريّة في العام ١٩٨١ بدلاً من الكونفدراليّة والفيدراليّة، واقترح فترةً انتقاليّةً تعلَن بعدها الدولة الموحّدة. وكانت اللّجنةُ الدستوريّة قد أنجزتْ هذا الدّستور خلال فترة حكم علي ناصر محمّد. وعلينا الاعتراف بأنّ آخرين ساهموا في صياغة هذا الدستور. وكان لبعض الشخصيّات دورٌ في تحقيق الوحدة اليمنيّة كعبد الفتاح إسماعيل ومحسن العيني والقاضي عبد الرحمن الأرياني وغيرهم، أي كلّ الشخصيّات اليمنيّة في الشمال والجنوب، وقد كان علي عبد الله صالح وعلي سالم البيض سبّاقين.
مهما يكن، اقترح البيض أن نفعّل دّستور العام ١٩٨١ الموجود في الأدراج والمتّفق عليه ونعمل به، وأن يكون هو دستور الدولة الموحّدة. وبالفعل، اتّفقنا بعد ذلك على هذا الأمر.
لماذا تخلّى علي سالم البيض عن فكرته بالتّدرّج في قيام الوحدة؟ هكذا هي طبيعته، يبدو لي أنّه أراد أن يكون صاحب الدّور الأبرز في تفعيل الدّستور قبل أن يسبقه إليه آخر. وافق علي عبد الله صالح على المقترح وهنا وقعتْ مشكلة بعدما اتّخذ علي البيض هذا القرار تلقائيّاً على الرّغم من امتلاك الحزب رأياً قد حُدّد مسبقاً.
الوحدة اليمنية قبل النفط
ظهر النفط، المسيّل خصوصاً، بكمّيّات تجاريّة في الجنوب. والجنوب على وشك أن يصبح دولةً نفطيّة ينتج أكثر من الشمال. وقد بادرت الدول الخليجيّة، السعوديّة خصوصاً، للانفتاح على الجنوب وتقديم المساعدات له. وأذكر عرضاً غير رسميّ بأنْ يسدّد المغتربون في الخليج وتحديداً في السعوديّة ديونَ عدن.
هل كان هناك تنافسٌ في هذا المجال بين السعوديّة والجنوب تحديداً؟ كلّا لم يكن هناك تنافس لأّن الجنوب الجديد يمكن أن يقوم بدورٍ لا تستطيع السعوديّة القيام به، والسعوديّة أرادتْ إقامة علاقة مع الجنوب خصوصاً أنّها لم تنجح في علاقةٍ أقامتْها مع الشمال لأنّ القبائل كانوا يأخذون منها الأموال ويخدعونها. أراد السعوديّون منفذاً تجاريّاً على البحر العربيّ. كان بإمكان عدن أن تكون ذلك المنفذ حيث عدن مدينة حديثة ومعاصرة، والسّعوديون يعيشون في كبت ويبحثون عن متنفّس، كان بإمكان عدن أن تكون منطقةً سياحيّة ومنفذاً إلى العالم والعصر.
خضع الأمر للنّقاش داخل الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ، وكان الحديث عمّا نريد من الدولة في الجنوب. وأذكر أنّ علي البيض وآخرين قالوا بصريح العبارة: ينبغي أن نسرع بإقامة الوحدة اليمنيّة قبل أن نصبح دولةً نفطيّة. كانت هذه نقطةً مهمّة جدّاً. حمل علي سالم البيض هذا الرّأي الّذي وافقناه فيه فقد أردنا أن تقوم دولة الوحدة قبل أن يصبح الجنوب دولةً نفطيّة، فالشعب في الجنوب وكثيرٌ من الناس سيعارضون قيام الوحدة وسيرغبون في أن تكون عدن والجنوب واحدة مثل الدّول الخليجيّة الصغيرة، أيْ بلداً يبلغ عدد سكّانه مليوناً ونصف المليون أو مليونين ويملك ثروةً نفطيّةً لكنّه لا يملك سكّاناً. يمكن أن يعيش هؤلاء في رفاهية، لكنّ هذه الأمور لا تبني مشروعاً أو وطناً أو دولةً أو نهضة.
ثمّ إنّ مشكلة هذا المشروع أنّه صغير وقد رغبنا بمشروع كبير. قد يقول البعض إنّنا حالمون وخياليّون وقد يقول آخرون إنّ دولة لوكسمبورغ صغيرة لكن سكّانها سعداء، أو سويسرا أو النّرويج أو سنغافورة إلخ. لكنّ هذا ما دار في أذهاننا يومها، وكنتُ واحداً من الذين فكّروا فيه. لكنْ أذكر أنّ علي سالم البيض طرَح هذه الفكرة وهو لا يستطيع التّحدّث الآن كما أنّه ليس مرتاحاً منّي ولا إليّ ولا تعجبه أفكاري. وعلى الرّغم من ذلك أريد قول الحقيقة. قال علي سالم البيض إنّه إذا ظهر النفط فربّما يصبح هناك دولة صغيرة تزدهر مؤقّتاً، لكن ليس المستقبل لهذه الكيانات الصغيرة بل هو لمشروعٍ كبير. وبرأيي، المشروع الكبير الذي يمكن أن يستمرّ ليس اليمن الحالي، فحتى اليمن الحالي صغير يتعدّد ويتطوّر، المهمّ أنّ فكرة الوحدة مرتبطة بالتنمية والتطوّر والمشروع التوحيديّ العربيّ، أي أنّ المشروع التوحيديّ العربي موجودٌ في أعماقنا وثقافتنا وجذورنا وطفولتنا. وبناءً على هذه الخلفيّة كان الجنوب مستعدّاً وجاهزاً ولكن بآراءَ مختلفة.
الوحدة بجلسةٍ واحدة
وفي تشرين الثاني / نوفمبر من العام ١٩٨٩ زار الرئيس علي عبد الله صالح عدن حاملاً مشروعاً لتوحيد اليمن على أساس فيدراليّ أي توحيد القوّات المسلّحة للشّطرين وتوحيد الشخصيّة الدوليّة، ما يعني أن يكون هناك فيدراليّة، كيان يجمع الدّولتين أي دولة اتحاديّة.
وكان الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ قد حمل مشروع التدرّج - الكونفدراليّة بناءً علي التوصيات التي تتضمّنها وثيقةُ الإصلاح الاقتصاديّ والاجتماعيّ الشامل - وبعدها ننتقل إلى الوحدة. عقد علي عبد الله صالح محادثاتٍ مع علي البيض. عرض عليه الأخير الوحدةَ الكاملة على أساس الدستور الذي اقترحتْه اللّجنة الدستوريّة في العام ١٩٨١ بدلاً من الكونفدراليّة والفيدراليّة، واقترح فترةً انتقاليّةً تعلَن بعدها الدولة الموحّدة. وكانت اللّجنةُ الدستوريّة قد أنجزتْ هذا الدّستور خلال فترة حكم علي ناصر محمّد. وعلينا الاعتراف بأنّ آخرين ساهموا في صياغة هذا الدستور. وكان لبعض الشخصيّات دورٌ في تحقيق الوحدة اليمنيّة كعبد الفتاح إسماعيل ومحسن العيني والقاضي عبد الرحمن الأرياني وغيرهم، أي كلّ الشخصيّات اليمنيّة في الشمال والجنوب، وقد كان علي عبد الله صالح وعلي سالم البيض سبّاقين.
مهما يكن، اقترح البيض أن نفعّل دّستور العام ١٩٨١ الموجود في الأدراج والمتّفق عليه ونعمل به، وأن يكون هو دستور الدولة الموحّدة. وبالفعل، اتّفقنا بعد ذلك على هذا الأمر.
لماذا تخلّى علي سالم البيض عن فكرته بالتّدرّج في قيام الوحدة؟ هكذا هي طبيعته، يبدو لي أنّه أراد أن يكون صاحب الدّور الأبرز في تفعيل الدّستور قبل أن يسبقه إليه آخر. وافق علي عبد الله صالح على المقترح وهنا وقعتْ مشكلة بعدما اتّخذ علي البيض هذا القرار تلقائيّاً على الرّغم من امتلاك الحزب رأياً قد حُدّد مسبقاً.
من مذكرات #جارالله_عمر
الدفاع عن الجمهورية اليمنية
من السجن إلى تأسيس الحزب الديموقراطي الثوري
خرجنا من السجن واستقبلَنا الزّملاء والأصدقاء، وبعد ثلاثة أيّام غادرنا إلى القرية لزيارة الوالدة والأصدقاء. وقد استقبلنا أهالي القرية بالزّغاريد والرّماية، وكنّا أنا وابن عمّي ناجي عمر الذي كان معي في السجن، وهو الوحيد من القرية، وزملاء آخرين. ومنذ وصولنا إلى القرية راح كلّ النّاس والكثير من الأهل يقولون «صارت أعماركم كبيرة بعد ٢٧ سنة، وزملاؤكم صار لهم أولاد وأنتم لازم تتزوجوا». وبالفعل كنّا نفكّر بوجوب الزواج مهما كلّف الأمر، وبادر بعض الزّملاء والأصدقاء وجمعوا مبلغ ٦٠٠ ريال، والبعض «جاب الملابس حقّ العروسة». وهكذا في أوّل عام ١٩٧٢ «تزوّجت على زوجتي غانية»، ولم أكن أعرفها من قبل، إلّا أنّ أمّي وعمّتي هما اللتان اختارتاها لي وقد تمكّنت من التّعرف إليها قبل الزواج بأسبوعين فقط. وعندما رأيتها وجدتها صغيرة وقلت لأمّي وعمّتي بأنّها جميلة لكنّها تصغرني بأكثر من ١١ أو ١٢ سنة. فقالتا لي: «من الأفضل أن تتزوّجها لأنّها من عائلة محترمة وهي جميلة، وأحسن لك أن تتزوّجها وهي صغيرة مِن أن تتزوّجها وهي كبيرة حتى تربيّها أنت».
وهكذا تزوّجت، وكانت مناسبة الزواج جميلة جداً بالنسبة لي. كان هناك احتفالات يحضرها النساء والرجال، وكانوا يومها «يعيشون مع بعض، ما كان في حجاب ولا شيء مثل هذه الأيام: احتفالات غنائيّة وطرب وطبول ومزمار ومظاهر الفرح كانت جميلة جداً». ولكن بعد أسبوع أو أسبوعين من العرس بدأت الأمور السياسيّة والامنيّة تضطرب، وبدأت المقاومة الشعبيّة في المناطق الوسطى تعمل ضدّ كبار المشايخ الموالين للحكومة وضدّ مسؤولي الحكومة في المنطقة. لم نكد ننتهي من شهر العسل حتى بدأت الاضطرابات في البلاد. كانت المقاومة الشعبية تحتجّ على الحكومة في صنعاء لأنّها صارت مع السعوديّة، وكان يرأس الحكومة القاضي عبد الله الحجري. وكان اليسار كلّه ضدّ الحكومة مع المقاومة، وبعدما بدأت الاضطرابات جاءت الحكومة بالقاضي عبد الله الحجري، وحصل التفاهم مع السعوديّة، وتمّ عقد الصّلح مع الملكيّين عام ١٩٧٠. «احتجّينا على الصّلح عام ١٩٧٠ - ١٩٧١ إحنا كلّنا، المقاومة واليسار كلّه، كنّا ضدّ الصلح». اعتُقلنا ولمّا خرجنا من السجن أرسلوا حملة عسكرية كبيرة إلى المناطق الوسطى حيث كنت أقضي إجازتي عندما تزوّجت كما سبق أن أشرت. وكانت الحملة العسكريّة كبيرة بقيادة العميد محمد الأرياني القائد العامّ للجيش، وإبراهيم محمد الحمدي (الرئيس الحمدي لاحقا)، فيها دبابات ومدفعيّة، والهدف تصفية المقاومة الشعبيّة التي قامت كردّة فعل على أحداث آب / أغسطس ١٩٦٨. وراحوا يطاردون كلّ من ينتمي إلى الأحزاب اليساريّة ويتّهمونه بالعمالة لحكومة عدن لأنّ الخلاف كان قد استفحل بين حكومة صنعاء وعدن.
فرار خلال شهر العسل
ولمّا علمتُ أنّهم يبحثون عنّي في القرية هربت إلى صنعاء، حيث قابلت جنديّاً، لم أعد أذكر اسمه، يعمل في حراسة رئيس الوزراء القاضي عبد الله الحجري. وأخبرني الجندي أنّ هناك أمراً من رئيس الوزراء بالقبض عليّ وإيداعي السجن، فاتّصلتُ بقيادة الحزب أسألهم ماذا أعمل. فطلبوا منّي التّوجّه إلى محافظة إب والاختفاء في مدينة جبلة التي تقع بالقرب من مدينة إب، وقد وفّروا لي مكان الاختباء. وجبلة هي مدينة الأخ يحيى منصور أبو إصبع (من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني).
في تلك الأثناء صرت مدنياً ولم تعد لي علاقة بالشرطة حيث تمّ فصلي مع كلّ زملائي الذين كانوا معي في السجن. قضيت الوقت متخفّياً عند الرّفاق أتنقّل بشكل سرّيّ متنكّراً بمساعدة أعضاء الحزب. فمكثت في مدينة جبلة في منزل مدرّسٍ لم أعد أذكر اسمه لمدّة شهرين، وفّر لي الأكل والمؤن خلالها، وشهراً عند شخص آخر، وأسبوعاً هنا وأسبوعاً هناك. وفي نهاية عام ١٩٧٢ طلبتني قيادة الحزب في صنعاء للتشاور.
وكانت الحرب قد اندلعت بين الشمال والجنوب إثر حادثة بيحان التي قُتل فيها مجموعة من المشايخ على رأسهم الشيخ ناجي الغادر. أرسلتْني قيادة الحزب إلى عدن لكي أبلّغ قيادة الدولة والجبهة القوميّة بأنّ الوضع سيّئ وانّ احتمال الحرب قائم. حملتُ رسالة إلى قيادة الدولة في الجنوب نشرح فيها لهم الأوضاع هنا ونطلب رأيهم في ما نحن فيه. سلَكت سرّاً طريق جبال الحجرية في محافظة تعزّ. في عدن، قابلت رئيس الدولة سالم ربيع علي وعبد الفتاح إسماعيل وكنت على معرفة بهما من قبل حيث كان سالم ربيع في صنعاء عندما دخلنا السجن وهرب. وقابلت علي ناصر محمد، وكان وزيراً للدفاع، وشرحت لهم الأوضاع في الشمال وقلت لهم إنّ احتمال الحرب قائم. وفاجأني سالم ربيع عندما رد عليّ بأنّ الحرب الآن أفضل من بعد ذلك: «نريدهم يقومون بالحرب الآن». أدهشني أنّه كان يرحّب بالحرب ولم يكن خائفاً، مع أنّ الشمال كان أقوى.
الدفاع عن الجمهورية اليمنية
من السجن إلى تأسيس الحزب الديموقراطي الثوري
خرجنا من السجن واستقبلَنا الزّملاء والأصدقاء، وبعد ثلاثة أيّام غادرنا إلى القرية لزيارة الوالدة والأصدقاء. وقد استقبلنا أهالي القرية بالزّغاريد والرّماية، وكنّا أنا وابن عمّي ناجي عمر الذي كان معي في السجن، وهو الوحيد من القرية، وزملاء آخرين. ومنذ وصولنا إلى القرية راح كلّ النّاس والكثير من الأهل يقولون «صارت أعماركم كبيرة بعد ٢٧ سنة، وزملاؤكم صار لهم أولاد وأنتم لازم تتزوجوا». وبالفعل كنّا نفكّر بوجوب الزواج مهما كلّف الأمر، وبادر بعض الزّملاء والأصدقاء وجمعوا مبلغ ٦٠٠ ريال، والبعض «جاب الملابس حقّ العروسة». وهكذا في أوّل عام ١٩٧٢ «تزوّجت على زوجتي غانية»، ولم أكن أعرفها من قبل، إلّا أنّ أمّي وعمّتي هما اللتان اختارتاها لي وقد تمكّنت من التّعرف إليها قبل الزواج بأسبوعين فقط. وعندما رأيتها وجدتها صغيرة وقلت لأمّي وعمّتي بأنّها جميلة لكنّها تصغرني بأكثر من ١١ أو ١٢ سنة. فقالتا لي: «من الأفضل أن تتزوّجها لأنّها من عائلة محترمة وهي جميلة، وأحسن لك أن تتزوّجها وهي صغيرة مِن أن تتزوّجها وهي كبيرة حتى تربيّها أنت».
وهكذا تزوّجت، وكانت مناسبة الزواج جميلة جداً بالنسبة لي. كان هناك احتفالات يحضرها النساء والرجال، وكانوا يومها «يعيشون مع بعض، ما كان في حجاب ولا شيء مثل هذه الأيام: احتفالات غنائيّة وطرب وطبول ومزمار ومظاهر الفرح كانت جميلة جداً». ولكن بعد أسبوع أو أسبوعين من العرس بدأت الأمور السياسيّة والامنيّة تضطرب، وبدأت المقاومة الشعبيّة في المناطق الوسطى تعمل ضدّ كبار المشايخ الموالين للحكومة وضدّ مسؤولي الحكومة في المنطقة. لم نكد ننتهي من شهر العسل حتى بدأت الاضطرابات في البلاد. كانت المقاومة الشعبية تحتجّ على الحكومة في صنعاء لأنّها صارت مع السعوديّة، وكان يرأس الحكومة القاضي عبد الله الحجري. وكان اليسار كلّه ضدّ الحكومة مع المقاومة، وبعدما بدأت الاضطرابات جاءت الحكومة بالقاضي عبد الله الحجري، وحصل التفاهم مع السعوديّة، وتمّ عقد الصّلح مع الملكيّين عام ١٩٧٠. «احتجّينا على الصّلح عام ١٩٧٠ - ١٩٧١ إحنا كلّنا، المقاومة واليسار كلّه، كنّا ضدّ الصلح». اعتُقلنا ولمّا خرجنا من السجن أرسلوا حملة عسكرية كبيرة إلى المناطق الوسطى حيث كنت أقضي إجازتي عندما تزوّجت كما سبق أن أشرت. وكانت الحملة العسكريّة كبيرة بقيادة العميد محمد الأرياني القائد العامّ للجيش، وإبراهيم محمد الحمدي (الرئيس الحمدي لاحقا)، فيها دبابات ومدفعيّة، والهدف تصفية المقاومة الشعبيّة التي قامت كردّة فعل على أحداث آب / أغسطس ١٩٦٨. وراحوا يطاردون كلّ من ينتمي إلى الأحزاب اليساريّة ويتّهمونه بالعمالة لحكومة عدن لأنّ الخلاف كان قد استفحل بين حكومة صنعاء وعدن.
فرار خلال شهر العسل
ولمّا علمتُ أنّهم يبحثون عنّي في القرية هربت إلى صنعاء، حيث قابلت جنديّاً، لم أعد أذكر اسمه، يعمل في حراسة رئيس الوزراء القاضي عبد الله الحجري. وأخبرني الجندي أنّ هناك أمراً من رئيس الوزراء بالقبض عليّ وإيداعي السجن، فاتّصلتُ بقيادة الحزب أسألهم ماذا أعمل. فطلبوا منّي التّوجّه إلى محافظة إب والاختفاء في مدينة جبلة التي تقع بالقرب من مدينة إب، وقد وفّروا لي مكان الاختباء. وجبلة هي مدينة الأخ يحيى منصور أبو إصبع (من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني).
في تلك الأثناء صرت مدنياً ولم تعد لي علاقة بالشرطة حيث تمّ فصلي مع كلّ زملائي الذين كانوا معي في السجن. قضيت الوقت متخفّياً عند الرّفاق أتنقّل بشكل سرّيّ متنكّراً بمساعدة أعضاء الحزب. فمكثت في مدينة جبلة في منزل مدرّسٍ لم أعد أذكر اسمه لمدّة شهرين، وفّر لي الأكل والمؤن خلالها، وشهراً عند شخص آخر، وأسبوعاً هنا وأسبوعاً هناك. وفي نهاية عام ١٩٧٢ طلبتني قيادة الحزب في صنعاء للتشاور.
وكانت الحرب قد اندلعت بين الشمال والجنوب إثر حادثة بيحان التي قُتل فيها مجموعة من المشايخ على رأسهم الشيخ ناجي الغادر. أرسلتْني قيادة الحزب إلى عدن لكي أبلّغ قيادة الدولة والجبهة القوميّة بأنّ الوضع سيّئ وانّ احتمال الحرب قائم. حملتُ رسالة إلى قيادة الدولة في الجنوب نشرح فيها لهم الأوضاع هنا ونطلب رأيهم في ما نحن فيه. سلَكت سرّاً طريق جبال الحجرية في محافظة تعزّ. في عدن، قابلت رئيس الدولة سالم ربيع علي وعبد الفتاح إسماعيل وكنت على معرفة بهما من قبل حيث كان سالم ربيع في صنعاء عندما دخلنا السجن وهرب. وقابلت علي ناصر محمد، وكان وزيراً للدفاع، وشرحت لهم الأوضاع في الشمال وقلت لهم إنّ احتمال الحرب قائم. وفاجأني سالم ربيع عندما رد عليّ بأنّ الحرب الآن أفضل من بعد ذلك: «نريدهم يقومون بالحرب الآن». أدهشني أنّه كان يرحّب بالحرب ولم يكن خائفاً، مع أنّ الشمال كان أقوى.
#الوحدة_اليمنية
مذكّرات #جارالله_عمر
التعدديّة، أم النفط، أم الوحدة الفوريّة؟
الوحدة قبل النفط
ظهر النفط، المسيّل خصوصاً، بكمّيّات تجاريّة في الجنوب. والجنوب على وشك أن يصبح دولةً نفطيّة ينتج أكثر من الشمال. وقد بادرت الدول الخليجيّة، السعوديّة خصوصاً، للانفتاح على الجنوب وتقديم المساعدات له. وأذكر عرضاً غير رسميّ بأنْ يسدّد المغتربون في الخليج وتحديداً في السعوديّة ديونَ عدن.
هل كان هناك تنافسٌ في هذا المجال بين السعوديّة والجنوب تحديداً؟ كلّا لم يكن هناك تنافس لأّن الجنوب الجديد يمكن أن يقوم بدورٍ لا تستطيع السعوديّة القيام به، والسعوديّة أرادتْ إقامة علاقة مع الجنوب خصوصاً أنّها لم تنجح في علاقةٍ أقامتْها مع الشمال لأنّ القبائل كانوا يأخذون منها الأموال ويخدعونها. أراد السعوديّون منفذاً تجاريّاً على البحر العربيّ. كان بإمكان عدن أن تكون ذلك المنفذ حيث عدن مدينة حديثة ومعاصرة، والسّعوديون يعيشون في كبت ويبحثون عن متنفّس، كان بإمكان عدن أن تكون منطقةً سياحيّة ومنفذاً إلى العالم والعصر.
خضع الأمر للنّقاش داخل الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ، وكان الحديث عمّا نريد من الدولة في الجنوب. وأذكر أنّ علي البيض وآخرين قالوا بصريح العبارة: ينبغي أن نسرع بإقامة الوحدة اليمنيّة قبل أن نصبح دولةً نفطيّة. كانت هذه نقطةً مهمّة جدّاً. حمل علي سالم البيض هذا الرّأي الّذي وافقناه فيه فقد أردنا أن تقوم دولة الوحدة قبل أن يصبح الجنوب دولةً نفطيّة، فالشعب في الجنوب وكثيرٌ من الناس سيعارضون قيام الوحدة وسيرغبون في أن تكون عدن والجنوب واحدة مثل الدّول الخليجيّة الصغيرة، أيْ بلداً يبلغ عدد سكّانه مليوناً ونصف المليون أو مليونين ويملك ثروةً نفطيّةً لكنّه لا يملك سكّاناً. يمكن أن يعيش هؤلاء في رفاهية، لكنّ هذه الأمور لا تبني مشروعاً أو وطناً أو دولةً أو نهضة.
ثمّ إنّ مشكلة هذا المشروع أنّه صغير وقد رغبنا بمشروع كبير. قد يقول البعض إنّنا حالمون وخياليّون وقد يقول آخرون إنّ دولة لوكسمبورغ صغيرة لكن سكّانها سعداء، أو سويسرا أو النّرويج أو سنغافورة إلخ. لكنّ هذا ما دار في أذهاننا يومها، وكنتُ واحداً من الذين فكّروا فيه. لكنْ أذكر أنّ علي سالم البيض طرَح هذه الفكرة وهو لا يستطيع التّحدّث الآن كما أنّه ليس مرتاحاً منّي ولا إليّ ولا تعجبه أفكاري. وعلى الرّغم من ذلك أريد قول الحقيقة. قال علي سالم البيض إنّه إذا ظهر النفط فربّما يصبح هناك دولة صغيرة تزدهر مؤقّتاً، لكن ليس المستقبل لهذه الكيانات الصغيرة بل هو لمشروعٍ كبير. وبرأيي، المشروع الكبير الذي يمكن أن يستمرّ ليس اليمن الحالي، فحتى اليمن الحالي صغير يتعدّد ويتطوّر، المهمّ أنّ فكرة الوحدة مرتبطة بالتنمية والتطوّر والمشروع التوحيديّ العربيّ، أي أنّ المشروع التوحيديّ العربي موجودٌ في أعماقنا وثقافتنا وجذورنا وطفولتنا. وبناءً على هذه الخلفيّة كان الجنوب مستعدّاً وجاهزاً ولكن بآراءَ مختلفة.
الوحدة بجلسةٍ واحدة
وفي تشرين الثاني / نوفمبر من العام ١٩٨٩ زار الرئيس علي عبد الله صالح عدن حاملاً مشروعاً لتوحيد اليمن على أساس فيدراليّ أي توحيد القوّات المسلّحة للشّطرين وتوحيد الشخصيّة الدوليّة، ما يعني أن يكون هناك فيدراليّة، كيان يجمع الدّولتين أي دولة اتحاديّة.
وكان الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ قد حمل مشروع التدرّج - الكونفدراليّة بناءً علي التوصيات التي تتضمّنها وثيقةُ الإصلاح الاقتصاديّ والاجتماعيّ الشامل - وبعدها ننتقل إلى الوحدة. عقد علي عبد الله صالح محادثاتٍ مع علي البيض. عرض عليه الأخير الوحدةَ الكاملة على أساس الدستور الذي اقترحتْه اللّجنة الدستوريّة في العام ١٩٨١ بدلاً من الكونفدراليّة والفيدراليّة، واقترح فترةً انتقاليّةً تعلَن بعدها الدولة الموحّدة. وكانت اللّجنةُ الدستوريّة قد أنجزتْ هذا الدّستور خلال فترة حكم علي ناصر محمّد. وعلينا الاعتراف بأنّ آخرين ساهموا في صياغة هذا الدستور. وكان لبعض الشخصيّات دورٌ في تحقيق الوحدة اليمنيّة كعبد الفتاح إسماعيل ومحسن العيني والقاضي عبد الرحمن الأرياني وغيرهم، أي كلّ الشخصيّات اليمنيّة في الشمال والجنوب، وقد كان علي عبد الله صالح وعلي سالم البيض سبّاقين.
مهما يكن، اقترح البيض أن نفعّل دّستور العام ١٩٨١ الموجود في الأدراج والمتّفق عليه ونعمل به، وأن يكون هو دستور الدولة الموحّدة. وبالفعل، اتّفقنا بعد ذلك على هذا الأمر.
لماذا تخلّى علي سالم البيض عن فكرته بالتّدرّج في قيام الوحدة؟ هكذا هي طبيعته، يبدو لي أنّه أراد أن يكون صاحب الدّور الأبرز في تفعيل الدّستور قبل أن يسبقه إليه آخر. وافق علي عبد الله صالح على المقترح وهنا وقعتْ مشكلة بعدما اتّخذ علي البيض هذا القرار تلقائيّاً على الرّغم من امتلاك الحزب رأياً قد حُدّد مسبقاً.
مذكّرات #جارالله_عمر
التعدديّة، أم النفط، أم الوحدة الفوريّة؟
الوحدة قبل النفط
ظهر النفط، المسيّل خصوصاً، بكمّيّات تجاريّة في الجنوب. والجنوب على وشك أن يصبح دولةً نفطيّة ينتج أكثر من الشمال. وقد بادرت الدول الخليجيّة، السعوديّة خصوصاً، للانفتاح على الجنوب وتقديم المساعدات له. وأذكر عرضاً غير رسميّ بأنْ يسدّد المغتربون في الخليج وتحديداً في السعوديّة ديونَ عدن.
هل كان هناك تنافسٌ في هذا المجال بين السعوديّة والجنوب تحديداً؟ كلّا لم يكن هناك تنافس لأّن الجنوب الجديد يمكن أن يقوم بدورٍ لا تستطيع السعوديّة القيام به، والسعوديّة أرادتْ إقامة علاقة مع الجنوب خصوصاً أنّها لم تنجح في علاقةٍ أقامتْها مع الشمال لأنّ القبائل كانوا يأخذون منها الأموال ويخدعونها. أراد السعوديّون منفذاً تجاريّاً على البحر العربيّ. كان بإمكان عدن أن تكون ذلك المنفذ حيث عدن مدينة حديثة ومعاصرة، والسّعوديون يعيشون في كبت ويبحثون عن متنفّس، كان بإمكان عدن أن تكون منطقةً سياحيّة ومنفذاً إلى العالم والعصر.
خضع الأمر للنّقاش داخل الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ، وكان الحديث عمّا نريد من الدولة في الجنوب. وأذكر أنّ علي البيض وآخرين قالوا بصريح العبارة: ينبغي أن نسرع بإقامة الوحدة اليمنيّة قبل أن نصبح دولةً نفطيّة. كانت هذه نقطةً مهمّة جدّاً. حمل علي سالم البيض هذا الرّأي الّذي وافقناه فيه فقد أردنا أن تقوم دولة الوحدة قبل أن يصبح الجنوب دولةً نفطيّة، فالشعب في الجنوب وكثيرٌ من الناس سيعارضون قيام الوحدة وسيرغبون في أن تكون عدن والجنوب واحدة مثل الدّول الخليجيّة الصغيرة، أيْ بلداً يبلغ عدد سكّانه مليوناً ونصف المليون أو مليونين ويملك ثروةً نفطيّةً لكنّه لا يملك سكّاناً. يمكن أن يعيش هؤلاء في رفاهية، لكنّ هذه الأمور لا تبني مشروعاً أو وطناً أو دولةً أو نهضة.
ثمّ إنّ مشكلة هذا المشروع أنّه صغير وقد رغبنا بمشروع كبير. قد يقول البعض إنّنا حالمون وخياليّون وقد يقول آخرون إنّ دولة لوكسمبورغ صغيرة لكن سكّانها سعداء، أو سويسرا أو النّرويج أو سنغافورة إلخ. لكنّ هذا ما دار في أذهاننا يومها، وكنتُ واحداً من الذين فكّروا فيه. لكنْ أذكر أنّ علي سالم البيض طرَح هذه الفكرة وهو لا يستطيع التّحدّث الآن كما أنّه ليس مرتاحاً منّي ولا إليّ ولا تعجبه أفكاري. وعلى الرّغم من ذلك أريد قول الحقيقة. قال علي سالم البيض إنّه إذا ظهر النفط فربّما يصبح هناك دولة صغيرة تزدهر مؤقّتاً، لكن ليس المستقبل لهذه الكيانات الصغيرة بل هو لمشروعٍ كبير. وبرأيي، المشروع الكبير الذي يمكن أن يستمرّ ليس اليمن الحالي، فحتى اليمن الحالي صغير يتعدّد ويتطوّر، المهمّ أنّ فكرة الوحدة مرتبطة بالتنمية والتطوّر والمشروع التوحيديّ العربيّ، أي أنّ المشروع التوحيديّ العربي موجودٌ في أعماقنا وثقافتنا وجذورنا وطفولتنا. وبناءً على هذه الخلفيّة كان الجنوب مستعدّاً وجاهزاً ولكن بآراءَ مختلفة.
الوحدة بجلسةٍ واحدة
وفي تشرين الثاني / نوفمبر من العام ١٩٨٩ زار الرئيس علي عبد الله صالح عدن حاملاً مشروعاً لتوحيد اليمن على أساس فيدراليّ أي توحيد القوّات المسلّحة للشّطرين وتوحيد الشخصيّة الدوليّة، ما يعني أن يكون هناك فيدراليّة، كيان يجمع الدّولتين أي دولة اتحاديّة.
وكان الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ قد حمل مشروع التدرّج - الكونفدراليّة بناءً علي التوصيات التي تتضمّنها وثيقةُ الإصلاح الاقتصاديّ والاجتماعيّ الشامل - وبعدها ننتقل إلى الوحدة. عقد علي عبد الله صالح محادثاتٍ مع علي البيض. عرض عليه الأخير الوحدةَ الكاملة على أساس الدستور الذي اقترحتْه اللّجنة الدستوريّة في العام ١٩٨١ بدلاً من الكونفدراليّة والفيدراليّة، واقترح فترةً انتقاليّةً تعلَن بعدها الدولة الموحّدة. وكانت اللّجنةُ الدستوريّة قد أنجزتْ هذا الدّستور خلال فترة حكم علي ناصر محمّد. وعلينا الاعتراف بأنّ آخرين ساهموا في صياغة هذا الدستور. وكان لبعض الشخصيّات دورٌ في تحقيق الوحدة اليمنيّة كعبد الفتاح إسماعيل ومحسن العيني والقاضي عبد الرحمن الأرياني وغيرهم، أي كلّ الشخصيّات اليمنيّة في الشمال والجنوب، وقد كان علي عبد الله صالح وعلي سالم البيض سبّاقين.
مهما يكن، اقترح البيض أن نفعّل دّستور العام ١٩٨١ الموجود في الأدراج والمتّفق عليه ونعمل به، وأن يكون هو دستور الدولة الموحّدة. وبالفعل، اتّفقنا بعد ذلك على هذا الأمر.
لماذا تخلّى علي سالم البيض عن فكرته بالتّدرّج في قيام الوحدة؟ هكذا هي طبيعته، يبدو لي أنّه أراد أن يكون صاحب الدّور الأبرز في تفعيل الدّستور قبل أن يسبقه إليه آخر. وافق علي عبد الله صالح على المقترح وهنا وقعتْ مشكلة بعدما اتّخذ علي البيض هذا القرار تلقائيّاً على الرّغم من امتلاك الحزب رأياً قد حُدّد مسبقاً.
من مذكرات #جارالله_عمر
الوحدة اليمنيّة: مشاكلها ونزاعاتُها
جدليّة #الوحدة والديمقراطية
تعني الجدليّة هنا الترابطَ بين الوحدة والديمقراطية على ما كتبتُه في مقالٍ وضعتُه بدايةَ عام ١٩٨٩. هناك فرقٌ بين ذلك الوقت والآن، لكنّ المقال يقترح أنْ تقوم الوحدة على أساس الديمقراطية. وعلى الرغم من أنّني لا أريد أن أمتدحَ نفسي، ولأنّي أمتلك الإعلام، أقول إنّني أوّلُ من اقترح الديمقراطية. أزعم ذلك، لأنّني قلتُ بوجوب أن تترافق الوحدةُ مع الديمقراطية. لكنّ الكثيرَ من المسؤولين يقولون إنّ كل واحد منهم هو الذي اقترحَ ذلك، كلٌ يدّعي وصْلاً بليلاه وليلى لا تقرُّ لهم بوصْلٍ.
هذا المقال الذي كتبتُه كان أوّل مقالٍ يتحدّث عن الديمقراطيّة وعن تلازُمها مع الوحدة. كتبتُ هذا المقال في المنزل عند زوجتي غانية علي أحمد الكهالي في عدن وهي وفّرت لي الجوّ المناسب للكتابة. وكانت تقول لي: «أنت تعمل. إيش، إيش، بتكتب؟»، قلت لها: «أنا أكتب عن الديمقراطية والوحدة». قالت: «أنت تشتي [تشتهي / تريد] تعمل لنا مصيبة جديدة. مش كافي حق التعددية [مقالك عن] وما لحق بنا من مشاكل». قلتُ لها: «هذا أمر سوف يكون عظيماً». قالت: «نعم، أنا معك إذا كان كذلك». اقترحتُ في المقال مرحلةً انتقالية مُدّتها ٤ - ٥ سنوات تتم خلالها خطوات انتقالية في الشمال والجنوب وحدّدتُ جملةً من المهامّ لا بدّ من إنجازها في الشطرين، بحيث يتراجع الجنوب إلى الوراء قليلاً في مجال التأميمات والإجراءات التي شابَها التطرّف، على أن يتقدّم الشمال إلى الأمام عن طريق القيام بالعديد من الإجراءات أهمّها فرْضُ سلطة الدولة وانتشارها في المناطق التي لم تكن موجودةً فيها وتحقيق قدْرٍ معيّنٍ من النظام والقانون، إلخ. هكذا يمكن أن يلتقي الشطران في آخر المطاف.
قرأ الناس المقال، بعضهم اهتمّ به وبعضهم لم يهتمّ. لكن في مناقشات اللجنة المركزيّة كنتُ ألحّ على أن نبدأ بتحقيق الديمقراطيّة قبل الوحدة وأنا شارح الفكرة الآن أفضل: كنتُ أريد أن يحقّق الحزبُ الديمقراطيّة في الجنوب قبل الوحدة وأن يدخل الوحدةَ وهو طرفٌ فاعلٌ وقويّ ومؤثّر في تحقيقها. أريد أن أشيرَ إلى أنده في أحد اجتماعات اللجنة المركزيّة أردتُ أن يَصدر قرارٌ بهذا الاتجاه، أي أن نبدأ الوحدةَ والديمقراطية في الجنوب. لكنْ كان هناك نوعٌ من التهيّب وكانوا يقولون: لازم نعمل خطوة خطوة. كانوا متردّدين، رغم أنّهم كانوا مقتنعين. وقد استَشهدتُ ببيتٍ لشاعرٍ عربيٍّ قديم هو الشاعر دريد بن العمّه يقولُ فيه:
«محضتُكم نصحي عند مُنعرج اللِواء / ولم تستبْينوا النصحَ إلا في ضحى الغدِ».
أردتُ من ذلك أن أقولَ إنّ النصيحة لم تُقبَل، لكنّ قضايا الإصلاح السياسيّ والاقتصاديّ والتعدّديّة أصبحتْ مطروحةً على جدول الأعمال وصار الحديث يدور حول الوقت، أي متى؟ [يجب ان تتحقّق الوحدة]
نصيحة الجنرال جياب
في ٢٠ أو ٢١ أيار / مايو من العام ١٩٩٠ وقبل إعلان قيام الدولةِ اليمنيّة الموحّدة بأربعٍ وعشرين ساعة اجتمعت اللجنة المركزيّة للحزب الاشتراكي اليمنيّ في دورتها الثّامنةَ عشرة، وتمّ إخبار النّاس من خلال بيانٍ بأّننا [الاشتراكيّين اليمنيّين] لم نكن حزبيَن في يومٍ من الأيّام وأنّ حزب الوحدة الشعبية اسم شكليّ، بل اسمٌ مستعارٌ لفرع الحزب الاشتراكيّ اليمني في شمال الوطن منذ العام ١٩٧٩، أي أنّ الحزب موحّدٌ منذ ذلك الحين و«حزب الوحدة الشعبيّة» و«الجبهة الشعبيّة» كانا من قبيل التكتيك. كذلك أعلنّا أنّ لدينا قيادةً واحدة وأنّ علي سالم البيض هو الأمين العام للحزب الاشتراكيّ اليمنيّ على مستوى اليمن، شمالِه والجنوب. أمّا جار الله عمر، الذي كان سكرتير حزب الوحدة الشعبيُة، أو يحيى الشامي أو أحمد علي السلامي أو غيرهم، فهم جميعاً أعضاء في حزبٍ واحدٍ تماماً مثلما كان جاري بالضّبط في فييتنام: في الشمال الحزبُ الشيوعيّ الفييتنامي الذي يقوده هو شي مينه، وفي الجنوب جبهة وحزبٌ لكنّ الحزب الشيوعيّ الفييتنامي هو الذي قاد العمليّة برمّتها في فييتنام كلّها.
وبمناسبة ذكرى الثورة الفييتناميّة، أذكرُ أنّه خلال الكفاح المسلّح عندما كنّا نتناقش مع الإخوان في عدن حول مسألة إيقاف الحرب في الشمال أو عدم إيقافها، قابلْنا الجنرال جياب [القائد العسكريّ للثورة الفييتنامية شمالاً وجنوباً، ووزير الدفاع حينها]. أراد الجنرال إقناعنا بأنّ الظّرف في فييتنام مختلفٌ عنه في اليمن، محذّراً من أننا في حال أردنا إسقاط صنعاء انطلاقاً من عدن فإنّ عدن ليست هانوي، وصنعاء ليست سايغون، واليمن ليست فييتنام والوضع مختلف تماماً. وتابع قائلاً: «نحن كنّا نقاتل التّدخّل الأجنبيّ ونملك تجربةً طويلةً، ولدينا غابات، أمّا الحربُ عندكم فعبارة عن صراعٍ أهليّ، ثم إنّ إمكانات هانوي أقوى من إمكانات عدن، والصّين وروسيا حليفتانا، أما أنتم فهذان البلدان غير موافقَين على كفاحكم وحربكم».
الوحدة اليمنيّة: مشاكلها ونزاعاتُها
جدليّة #الوحدة والديمقراطية
تعني الجدليّة هنا الترابطَ بين الوحدة والديمقراطية على ما كتبتُه في مقالٍ وضعتُه بدايةَ عام ١٩٨٩. هناك فرقٌ بين ذلك الوقت والآن، لكنّ المقال يقترح أنْ تقوم الوحدة على أساس الديمقراطية. وعلى الرغم من أنّني لا أريد أن أمتدحَ نفسي، ولأنّي أمتلك الإعلام، أقول إنّني أوّلُ من اقترح الديمقراطية. أزعم ذلك، لأنّني قلتُ بوجوب أن تترافق الوحدةُ مع الديمقراطية. لكنّ الكثيرَ من المسؤولين يقولون إنّ كل واحد منهم هو الذي اقترحَ ذلك، كلٌ يدّعي وصْلاً بليلاه وليلى لا تقرُّ لهم بوصْلٍ.
هذا المقال الذي كتبتُه كان أوّل مقالٍ يتحدّث عن الديمقراطيّة وعن تلازُمها مع الوحدة. كتبتُ هذا المقال في المنزل عند زوجتي غانية علي أحمد الكهالي في عدن وهي وفّرت لي الجوّ المناسب للكتابة. وكانت تقول لي: «أنت تعمل. إيش، إيش، بتكتب؟»، قلت لها: «أنا أكتب عن الديمقراطية والوحدة». قالت: «أنت تشتي [تشتهي / تريد] تعمل لنا مصيبة جديدة. مش كافي حق التعددية [مقالك عن] وما لحق بنا من مشاكل». قلتُ لها: «هذا أمر سوف يكون عظيماً». قالت: «نعم، أنا معك إذا كان كذلك». اقترحتُ في المقال مرحلةً انتقالية مُدّتها ٤ - ٥ سنوات تتم خلالها خطوات انتقالية في الشمال والجنوب وحدّدتُ جملةً من المهامّ لا بدّ من إنجازها في الشطرين، بحيث يتراجع الجنوب إلى الوراء قليلاً في مجال التأميمات والإجراءات التي شابَها التطرّف، على أن يتقدّم الشمال إلى الأمام عن طريق القيام بالعديد من الإجراءات أهمّها فرْضُ سلطة الدولة وانتشارها في المناطق التي لم تكن موجودةً فيها وتحقيق قدْرٍ معيّنٍ من النظام والقانون، إلخ. هكذا يمكن أن يلتقي الشطران في آخر المطاف.
قرأ الناس المقال، بعضهم اهتمّ به وبعضهم لم يهتمّ. لكن في مناقشات اللجنة المركزيّة كنتُ ألحّ على أن نبدأ بتحقيق الديمقراطيّة قبل الوحدة وأنا شارح الفكرة الآن أفضل: كنتُ أريد أن يحقّق الحزبُ الديمقراطيّة في الجنوب قبل الوحدة وأن يدخل الوحدةَ وهو طرفٌ فاعلٌ وقويّ ومؤثّر في تحقيقها. أريد أن أشيرَ إلى أنده في أحد اجتماعات اللجنة المركزيّة أردتُ أن يَصدر قرارٌ بهذا الاتجاه، أي أن نبدأ الوحدةَ والديمقراطية في الجنوب. لكنْ كان هناك نوعٌ من التهيّب وكانوا يقولون: لازم نعمل خطوة خطوة. كانوا متردّدين، رغم أنّهم كانوا مقتنعين. وقد استَشهدتُ ببيتٍ لشاعرٍ عربيٍّ قديم هو الشاعر دريد بن العمّه يقولُ فيه:
«محضتُكم نصحي عند مُنعرج اللِواء / ولم تستبْينوا النصحَ إلا في ضحى الغدِ».
أردتُ من ذلك أن أقولَ إنّ النصيحة لم تُقبَل، لكنّ قضايا الإصلاح السياسيّ والاقتصاديّ والتعدّديّة أصبحتْ مطروحةً على جدول الأعمال وصار الحديث يدور حول الوقت، أي متى؟ [يجب ان تتحقّق الوحدة]
نصيحة الجنرال جياب
في ٢٠ أو ٢١ أيار / مايو من العام ١٩٩٠ وقبل إعلان قيام الدولةِ اليمنيّة الموحّدة بأربعٍ وعشرين ساعة اجتمعت اللجنة المركزيّة للحزب الاشتراكي اليمنيّ في دورتها الثّامنةَ عشرة، وتمّ إخبار النّاس من خلال بيانٍ بأّننا [الاشتراكيّين اليمنيّين] لم نكن حزبيَن في يومٍ من الأيّام وأنّ حزب الوحدة الشعبية اسم شكليّ، بل اسمٌ مستعارٌ لفرع الحزب الاشتراكيّ اليمني في شمال الوطن منذ العام ١٩٧٩، أي أنّ الحزب موحّدٌ منذ ذلك الحين و«حزب الوحدة الشعبيّة» و«الجبهة الشعبيّة» كانا من قبيل التكتيك. كذلك أعلنّا أنّ لدينا قيادةً واحدة وأنّ علي سالم البيض هو الأمين العام للحزب الاشتراكيّ اليمنيّ على مستوى اليمن، شمالِه والجنوب. أمّا جار الله عمر، الذي كان سكرتير حزب الوحدة الشعبيُة، أو يحيى الشامي أو أحمد علي السلامي أو غيرهم، فهم جميعاً أعضاء في حزبٍ واحدٍ تماماً مثلما كان جاري بالضّبط في فييتنام: في الشمال الحزبُ الشيوعيّ الفييتنامي الذي يقوده هو شي مينه، وفي الجنوب جبهة وحزبٌ لكنّ الحزب الشيوعيّ الفييتنامي هو الذي قاد العمليّة برمّتها في فييتنام كلّها.
وبمناسبة ذكرى الثورة الفييتناميّة، أذكرُ أنّه خلال الكفاح المسلّح عندما كنّا نتناقش مع الإخوان في عدن حول مسألة إيقاف الحرب في الشمال أو عدم إيقافها، قابلْنا الجنرال جياب [القائد العسكريّ للثورة الفييتنامية شمالاً وجنوباً، ووزير الدفاع حينها]. أراد الجنرال إقناعنا بأنّ الظّرف في فييتنام مختلفٌ عنه في اليمن، محذّراً من أننا في حال أردنا إسقاط صنعاء انطلاقاً من عدن فإنّ عدن ليست هانوي، وصنعاء ليست سايغون، واليمن ليست فييتنام والوضع مختلف تماماً. وتابع قائلاً: «نحن كنّا نقاتل التّدخّل الأجنبيّ ونملك تجربةً طويلةً، ولدينا غابات، أمّا الحربُ عندكم فعبارة عن صراعٍ أهليّ، ثم إنّ إمكانات هانوي أقوى من إمكانات عدن، والصّين وروسيا حليفتانا، أما أنتم فهذان البلدان غير موافقَين على كفاحكم وحربكم».
Bidayatmag
مذكرات جارالله عمر ٨ | بِدَايَات
تعني الجدليّة هنا الترابطَ بين الوحدة والديمقراطية على ما كتبتُه في مقالٍ وضعتُه بدايةَ عام ١٩٨٩. هناك فرقٌ بين ذلك الوقت والآن، لكنّ المقال يقترح أنْ تقوم الوحدة على أساس الديمقراطية.
أحداث #أغسطس 1968م صنعاء
من مذكرات #جارالله_عمر
الصراع داخل الصف الجمهوري
أحداث أغسطس/آب ١٩٦٨ هي "مأساة جمهورية"، وهي تدلّ على أنّ العنف عندما يسود المجتمع يتحوّل إلى قانون يستخدمه طرف ضد طرف آخر، ثمّ يستخدمه الطرف ضد بعضه.
كان هناك قتال وصراع بين الجمهوريين والملكيين، ثمّ كان هناك قتال وصراع داخل الصف الجمهوري وصراع داخل الصف الملكي، وأحداث أغسطس ١٩٦٨ ذات دلالة على عدم النضج السياسي وسيادة العاطفة والرغبة الثورية المتأججة في تحقيق الانتصار بالقوة، كما أنّها صراع على السلطة أيضاً، كانت معركة حصار صنعاء قد أدّت إلى بروز قوى حديثة تمثّلت في المقاومة الشعبية وفي القادة العسكريين الشباب، الذين تولّوا قيادة الوحدات العسكرية من أمثال عبد الرقيب عبد الوهاب، عبد الرقيب الحربي، علي متن جبران، محمد صالح فرحان، حمود ناجي سعيد، وقد أدّى ذلك تلقائياً إلى ما يمكن اعتباره ازدواجية في السلطة بين القوى الجديدة "المقاومة الشعبية" وبين أجهزة السلطة الأخرى المختلفة.
هذه الازدواجية كانت مدعّمة بخلفيّة فكريّة وسياسيّة، فقد كان البعث يقف في جانب وحركة القوميين العرب واليسار عموماً يقف في جانب آخر. وتداخلت في هذا الموضوع عوامل مختلفة، منها جغرافية ومذهبية. لقد كنّا نحن الضباط الصغار متحمسين، سريعي العاطفة، أقل صبراً وأكثر طموحاً، وكان الصـفّ الباقي من الضباط الكبار لا يطيقون نزق هذا الجيل الجديد، ويتوجّسون خيفةً من اندفاعاتهم، ودخلت القوى والاتجاهات السياسيّة لتخلق استقطاباً في هذا الأمر، ودخلت قضية التعامل مع الملكيين مادّة جديدة في الصراع، فقد كان السياسيون الذين في الحكم يعملون من أجل التفاهم والمصالحة مع بقايا الصف الملكي المهزوم ويمدّون صِلاتهم مع بعض المشايخ، أمثال قاسم منصر. وكانت هناك مكاتبات مع بعض هؤلاء المشايخ للعودة، مع استبعاد أسرة آل بيت حميد الدين، بالإضافة إلى اتصالات مع السعودية بغرض الوصول إلى حلّ سلميّ للمشكلة، خصوصاً بعدما حسمت معركة صنعاء، وكان الطرف الجمهوري المتشدّد، الذي تمثّله حركة القوميين العرب واليسار عموماً وصغار الضباط في الجيش والشرطة يرفضون هذه الاتصالات، ويعتبرونها عملاً معادياً للنظام الجمهوري.
نشب هذا الصراع بعدما تأكد أنّ الطرف الملكيّ قد هُزم، فصار الصراع على السلطة يتحكّم بسلوك القوى السياسية المختلفة. واشتـدّ هذا الصراع بعدما شعرت القوى التقليدية بأنّ القوى السياسيّة الجديدة صارت تهدّد بقاءها في السلطة. وجاءت قضية الدبابات السوفياتية لليمن لتثير أزمة إلى أين ستذهب، ففيما كان عبد الرقيب عبد الوهاب يريدها أن تصل إلى الأركان في صنعاء، كان الفريق حسن العمري يريد أن تبقى الدبابات تحت سيطرته. وتدخلت المقاومة الشعبية في الموضوع، لكنّ مقر المقاومة في الحديدة ضُرب من قبل سلاح المدرعات، وتلى ذلك قرار حلّ المقاومة الشعبية، وبعدها أصدر الفريق حسن العمري قراراً بإعفاء علي مثنى جبران، قائد سلاح المدفعية، وأحد أبطال معركة فك الحصار عن صنعاء من منصبه، وهنا بدأت الأمور تتّخذ منحى آخر.
كانت القوى الجديدة تريد الدفاع عن مواقعها، على اعتبار أنّها لعبت دوراً رئيسيّاً في فك الحصار، وأنّ من حقّها المشاركة في القرار السياسي، وأنّ تُستشار في كل الأمور. وكانت القوى الأخرى ترى أنّ هؤلاء شباب متطرفون وأنّ دورهم بعد الآن سيكون ضاراً ولا بد من تصفيتهم. وأعترف اليوم بأنّنا كنّا نحن الشباب حينها نفتقر إلى القدر الكافي من التجربة والحكمة والعبَر، فقد كان الكثير من الصف الآخر الذين اختلفنا معه حلفاء لنا. كما لعب الصراع الذي كان قائماً بين حركة القوميين العرب وحزب البعث دوراً كبيراً في هذه العملية.
وكما هو معروف، فقد نشبت معركة كبيرة داخل صنعاء يومي ٢٣ و٢٤ أغسطس/آب ١٩٦٨ حيث تمكنت القوى التقليدية من هزيمة القوى الجديدة، وحسمت قضية ازدواجية السلطة لصالحها. وتمّ اعتقال أعضاء حركة القوميين العرب واليسار بالإضافة إلى ممثّلي الفئات الرأسمالية، مثل أحمد شمسان، وسلام علي ثابت وآخرين، فيما أرسل عدد آخر من الضباط إلى الجزائر، وكان هذا الحسم يؤدّي إلى صراعات لاحقة. ولوحق بعد ذلك أعضاء الحزب الديمقراطي الثوري، الذي كنا شكّلناه في العام ١٩٦٨ وهرب عدد كبير من هؤلاء إلى المناطق الريفيّة وعدن.
. من كان الخاسر في هذه الأحداث الدموية؟
في اعتقادي أنّ الخاسر كان اليمن والنظام الجمهوري، لأن النظام الجمهوري أثبت أنّ الجمهوريين هؤلاء لا يستحقّونه، وأنّهم ليسوا على قدر من الرؤية والبعد الاستراتيجي، فقد كان من الأفضل أن ينظروا إلى ما يعملون بعد كل هذه الحرب من تضميد الجراح. طبعاً يمكن القول إن التفكير بالتصالح والسماح للملكيين بالعودة كانت فكرة صحيحة لأنّ هؤلاء مواطنون يمنيون وكان يجب حل القضية سلمياً، لأنّ الحلّ العسكريّ لا يمكن أن يحلّ أيّ شيء.
من مذكرات #جارالله_عمر
الصراع داخل الصف الجمهوري
أحداث أغسطس/آب ١٩٦٨ هي "مأساة جمهورية"، وهي تدلّ على أنّ العنف عندما يسود المجتمع يتحوّل إلى قانون يستخدمه طرف ضد طرف آخر، ثمّ يستخدمه الطرف ضد بعضه.
كان هناك قتال وصراع بين الجمهوريين والملكيين، ثمّ كان هناك قتال وصراع داخل الصف الجمهوري وصراع داخل الصف الملكي، وأحداث أغسطس ١٩٦٨ ذات دلالة على عدم النضج السياسي وسيادة العاطفة والرغبة الثورية المتأججة في تحقيق الانتصار بالقوة، كما أنّها صراع على السلطة أيضاً، كانت معركة حصار صنعاء قد أدّت إلى بروز قوى حديثة تمثّلت في المقاومة الشعبية وفي القادة العسكريين الشباب، الذين تولّوا قيادة الوحدات العسكرية من أمثال عبد الرقيب عبد الوهاب، عبد الرقيب الحربي، علي متن جبران، محمد صالح فرحان، حمود ناجي سعيد، وقد أدّى ذلك تلقائياً إلى ما يمكن اعتباره ازدواجية في السلطة بين القوى الجديدة "المقاومة الشعبية" وبين أجهزة السلطة الأخرى المختلفة.
هذه الازدواجية كانت مدعّمة بخلفيّة فكريّة وسياسيّة، فقد كان البعث يقف في جانب وحركة القوميين العرب واليسار عموماً يقف في جانب آخر. وتداخلت في هذا الموضوع عوامل مختلفة، منها جغرافية ومذهبية. لقد كنّا نحن الضباط الصغار متحمسين، سريعي العاطفة، أقل صبراً وأكثر طموحاً، وكان الصـفّ الباقي من الضباط الكبار لا يطيقون نزق هذا الجيل الجديد، ويتوجّسون خيفةً من اندفاعاتهم، ودخلت القوى والاتجاهات السياسيّة لتخلق استقطاباً في هذا الأمر، ودخلت قضية التعامل مع الملكيين مادّة جديدة في الصراع، فقد كان السياسيون الذين في الحكم يعملون من أجل التفاهم والمصالحة مع بقايا الصف الملكي المهزوم ويمدّون صِلاتهم مع بعض المشايخ، أمثال قاسم منصر. وكانت هناك مكاتبات مع بعض هؤلاء المشايخ للعودة، مع استبعاد أسرة آل بيت حميد الدين، بالإضافة إلى اتصالات مع السعودية بغرض الوصول إلى حلّ سلميّ للمشكلة، خصوصاً بعدما حسمت معركة صنعاء، وكان الطرف الجمهوري المتشدّد، الذي تمثّله حركة القوميين العرب واليسار عموماً وصغار الضباط في الجيش والشرطة يرفضون هذه الاتصالات، ويعتبرونها عملاً معادياً للنظام الجمهوري.
نشب هذا الصراع بعدما تأكد أنّ الطرف الملكيّ قد هُزم، فصار الصراع على السلطة يتحكّم بسلوك القوى السياسية المختلفة. واشتـدّ هذا الصراع بعدما شعرت القوى التقليدية بأنّ القوى السياسيّة الجديدة صارت تهدّد بقاءها في السلطة. وجاءت قضية الدبابات السوفياتية لليمن لتثير أزمة إلى أين ستذهب، ففيما كان عبد الرقيب عبد الوهاب يريدها أن تصل إلى الأركان في صنعاء، كان الفريق حسن العمري يريد أن تبقى الدبابات تحت سيطرته. وتدخلت المقاومة الشعبية في الموضوع، لكنّ مقر المقاومة في الحديدة ضُرب من قبل سلاح المدرعات، وتلى ذلك قرار حلّ المقاومة الشعبية، وبعدها أصدر الفريق حسن العمري قراراً بإعفاء علي مثنى جبران، قائد سلاح المدفعية، وأحد أبطال معركة فك الحصار عن صنعاء من منصبه، وهنا بدأت الأمور تتّخذ منحى آخر.
كانت القوى الجديدة تريد الدفاع عن مواقعها، على اعتبار أنّها لعبت دوراً رئيسيّاً في فك الحصار، وأنّ من حقّها المشاركة في القرار السياسي، وأنّ تُستشار في كل الأمور. وكانت القوى الأخرى ترى أنّ هؤلاء شباب متطرفون وأنّ دورهم بعد الآن سيكون ضاراً ولا بد من تصفيتهم. وأعترف اليوم بأنّنا كنّا نحن الشباب حينها نفتقر إلى القدر الكافي من التجربة والحكمة والعبَر، فقد كان الكثير من الصف الآخر الذين اختلفنا معه حلفاء لنا. كما لعب الصراع الذي كان قائماً بين حركة القوميين العرب وحزب البعث دوراً كبيراً في هذه العملية.
وكما هو معروف، فقد نشبت معركة كبيرة داخل صنعاء يومي ٢٣ و٢٤ أغسطس/آب ١٩٦٨ حيث تمكنت القوى التقليدية من هزيمة القوى الجديدة، وحسمت قضية ازدواجية السلطة لصالحها. وتمّ اعتقال أعضاء حركة القوميين العرب واليسار بالإضافة إلى ممثّلي الفئات الرأسمالية، مثل أحمد شمسان، وسلام علي ثابت وآخرين، فيما أرسل عدد آخر من الضباط إلى الجزائر، وكان هذا الحسم يؤدّي إلى صراعات لاحقة. ولوحق بعد ذلك أعضاء الحزب الديمقراطي الثوري، الذي كنا شكّلناه في العام ١٩٦٨ وهرب عدد كبير من هؤلاء إلى المناطق الريفيّة وعدن.
. من كان الخاسر في هذه الأحداث الدموية؟
في اعتقادي أنّ الخاسر كان اليمن والنظام الجمهوري، لأن النظام الجمهوري أثبت أنّ الجمهوريين هؤلاء لا يستحقّونه، وأنّهم ليسوا على قدر من الرؤية والبعد الاستراتيجي، فقد كان من الأفضل أن ينظروا إلى ما يعملون بعد كل هذه الحرب من تضميد الجراح. طبعاً يمكن القول إن التفكير بالتصالح والسماح للملكيين بالعودة كانت فكرة صحيحة لأنّ هؤلاء مواطنون يمنيون وكان يجب حل القضية سلمياً، لأنّ الحلّ العسكريّ لا يمكن أن يحلّ أيّ شيء.
صورة نادرة تظهر فيها المدرسة الشمسية بمحافظة #ذمار التي تأسست سنة 974ه وتخرج منها الشاعر الكبير #عبدالله البردوني والاستاذ #جارالله عمر والقاضي #محمد علي الاكوع
Promoting the civilization of Yemen and highlighting its landmarks to the world is the best weapon to combat vulgar and ridiculous content. Who agrees with me!! Researcher Dr. Basma Muhammad
#Dr_Basma_Mohammad #Yemen
Promoting the civilization of Yemen and highlighting its landmarks to the world is the best weapon to combat vulgar and ridiculous content. Who agrees with me!! Researcher Dr. Basma Muhammad
#Dr_Basma_Mohammad #Yemen
من مذكّرات #جارالله عمر
#الوحدة_اليمنية
التعدديّة، أم النفط، أم الوحدة الفوريّة ؟!
الوحدة قبل النفط
ظهر النفط، المسيّل خصوصاً، بكمّيّات تجاريّة في الجنوب. والجنوب على وشك أن يصبح دولةً نفطيّة ينتج أكثر من الشمال. وقد بادرت الدول الخليجيّة، السعوديّة خصوصاً، للانفتاح على الجنوب وتقديم المساعدات له. وأذكر عرضاً غير رسميّ بأنْ يسدّد المغتربون في الخليج وتحديداً في السعوديّة ديونَ عدن.
هل كان هناك تنافسٌ في هذا المجال بين السعوديّة والجنوب تحديداً؟ كلّا لم يكن هناك تنافس لأّن الجنوب الجديد يمكن أن يقوم بدورٍ لا تستطيع السعوديّة القيام به، والسعوديّة أرادتْ إقامة علاقة مع الجنوب خصوصاً أنّها لم تنجح في علاقةٍ أقامتْها مع الشمال لأنّ القبائل كانوا يأخذون منها الأموال ويخدعونها. أراد السعوديّون منفذاً تجاريّاً على البحر العربيّ. كان بإمكان عدن أن تكون ذلك المنفذ حيث عدن مدينة حديثة ومعاصرة، والسّعوديون يعيشون في كبت ويبحثون عن متنفّس، كان بإمكان عدن أن تكون منطقةً سياحيّة ومنفذاً إلى العالم والعصر.
خضع الأمر للنّقاش داخل الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ، وكان الحديث عمّا نريد من الدولة في الجنوب. وأذكر أنّ علي البيض وآخرين قالوا بصريح العبارة: ينبغي أن نسرع بإقامة الوحدة اليمنيّة قبل أن نصبح دولةً نفطيّة. كانت هذه نقطةً مهمّة جدّاً. حمل علي سالم البيض هذا الرّأي الّذي وافقناه فيه فقد أردنا أن تقوم دولة الوحدة قبل أن يصبح الجنوب دولةً نفطيّة، فالشعب في الجنوب وكثيرٌ من الناس سيعارضون قيام الوحدة وسيرغبون في أن تكون عدن والجنوب واحدة مثل الدّول الخليجيّة الصغيرة، أيْ بلداً يبلغ عدد سكّانه مليوناً ونصف المليون أو مليونين ويملك ثروةً نفطيّةً لكنّه لا يملك سكّاناً. يمكن أن يعيش هؤلاء في رفاهية، لكنّ هذه الأمور لا تبني مشروعاً أو وطناً أو دولةً أو نهضة.
ثمّ إنّ مشكلة هذا المشروع أنّه صغير وقد رغبنا بمشروع كبير. قد يقول البعض إنّنا حالمون وخياليّون وقد يقول آخرون إنّ دولة لوكسمبورغ صغيرة لكن سكّانها سعداء، أو سويسرا أو النّرويج أو سنغافورة إلخ. لكنّ هذا ما دار في أذهاننا يومها، وكنتُ واحداً من الذين فكّروا فيه. لكنْ أذكر أنّ علي سالم البيض طرَح هذه الفكرة وهو لا يستطيع التّحدّث الآن كما أنّه ليس مرتاحاً منّي ولا إليّ ولا تعجبه أفكاري. وعلى الرّغم من ذلك أريد قول الحقيقة. قال علي سالم البيض إنّه إذا ظهر النفط فربّما يصبح هناك دولة صغيرة تزدهر مؤقّتاً، لكن ليس المستقبل لهذه الكيانات الصغيرة بل هو لمشروعٍ كبير. وبرأيي، المشروع الكبير الذي يمكن أن يستمرّ ليس اليمن الحالي، فحتى اليمن الحالي صغير يتعدّد ويتطوّر، المهمّ أنّ فكرة الوحدة مرتبطة بالتنمية والتطوّر والمشروع التوحيديّ العربيّ، أي أنّ المشروع التوحيديّ العربي موجودٌ في أعماقنا وثقافتنا وجذورنا وطفولتنا. وبناءً على هذه الخلفيّة كان الجنوب مستعدّاً وجاهزاً ولكن بآراءَ مختلفة.
#الوحدة بجلسةٍ واحدة ؛
وفي تشرين الثاني / نوفمبر من العام ١٩٨٩ زار الرئيس علي عبد الله صالح عدن حاملاً مشروعاً لتوحيد اليمن على أساس فيدراليّ أي توحيد القوّات المسلّحة للشّطرين وتوحيد الشخصيّة الدوليّة، ما يعني أن يكون هناك فيدراليّة، كيان يجمع الدّولتين أي دولة اتحاديّة.
وكان الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ قد حمل مشروع التدرّج - الكونفدراليّة بناءً علي التوصيات التي تتضمّنها وثيقةُ الإصلاح الاقتصاديّ والاجتماعيّ الشامل - وبعدها ننتقل إلى الوحدة. عقد علي عبد الله صالح محادثاتٍ مع علي البيض. عرض عليه الأخير الوحدةَ الكاملة على أساس الدستور الذي اقترحتْه اللّجنة الدستوريّة في العام ١٩٨١ بدلاً من الكونفدراليّة والفيدراليّة، واقترح فترةً انتقاليّةً تعلَن بعدها الدولة الموحّدة. وكانت اللّجنةُ الدستوريّة قد أنجزتْ هذا الدّستور خلال فترة حكم علي ناصر محمّد. وعلينا الاعتراف بأنّ آخرين ساهموا في صياغة هذا الدستور. وكان لبعض الشخصيّات دورٌ في تحقيق الوحدة اليمنيّة كعبد الفتاح إسماعيل ومحسن العيني والقاضي عبد الرحمن الأرياني وغيرهم، أي كلّ الشخصيّات اليمنيّة في الشمال والجنوب، وقد كان علي عبد الله صالح وعلي سالم البيض سبّاقين.
مهما يكن، اقترح البيض أن نفعّل دّستور العام ١٩٨١ الموجود في الأدراج والمتّفق عليه ونعمل به، وأن يكون هو دستور الدولة الموحّدة. وبالفعل، اتّفقنا بعد ذلك على هذا الأمر.
لماذا تخلّى علي سالم البيض عن فكرته بالتّدرّج في قيام الوحدة؟ هكذا هي طبيعته، يبدو لي أنّه أراد أن يكون صاحب الدّور الأبرز في تفعيل الدّستور قبل أن يسبقه إليه آخر. وافق علي عبد الله صالح على المقترح وهنا وقعتْ مشكلة بعدما اتّخذ علي البيض هذا القرار تلقائيّاً على الرّغم من امتلاك الحزب رأياً قد حُدّد مسبقاً.
#الوحدة_اليمنية
التعدديّة، أم النفط، أم الوحدة الفوريّة ؟!
الوحدة قبل النفط
ظهر النفط، المسيّل خصوصاً، بكمّيّات تجاريّة في الجنوب. والجنوب على وشك أن يصبح دولةً نفطيّة ينتج أكثر من الشمال. وقد بادرت الدول الخليجيّة، السعوديّة خصوصاً، للانفتاح على الجنوب وتقديم المساعدات له. وأذكر عرضاً غير رسميّ بأنْ يسدّد المغتربون في الخليج وتحديداً في السعوديّة ديونَ عدن.
هل كان هناك تنافسٌ في هذا المجال بين السعوديّة والجنوب تحديداً؟ كلّا لم يكن هناك تنافس لأّن الجنوب الجديد يمكن أن يقوم بدورٍ لا تستطيع السعوديّة القيام به، والسعوديّة أرادتْ إقامة علاقة مع الجنوب خصوصاً أنّها لم تنجح في علاقةٍ أقامتْها مع الشمال لأنّ القبائل كانوا يأخذون منها الأموال ويخدعونها. أراد السعوديّون منفذاً تجاريّاً على البحر العربيّ. كان بإمكان عدن أن تكون ذلك المنفذ حيث عدن مدينة حديثة ومعاصرة، والسّعوديون يعيشون في كبت ويبحثون عن متنفّس، كان بإمكان عدن أن تكون منطقةً سياحيّة ومنفذاً إلى العالم والعصر.
خضع الأمر للنّقاش داخل الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ، وكان الحديث عمّا نريد من الدولة في الجنوب. وأذكر أنّ علي البيض وآخرين قالوا بصريح العبارة: ينبغي أن نسرع بإقامة الوحدة اليمنيّة قبل أن نصبح دولةً نفطيّة. كانت هذه نقطةً مهمّة جدّاً. حمل علي سالم البيض هذا الرّأي الّذي وافقناه فيه فقد أردنا أن تقوم دولة الوحدة قبل أن يصبح الجنوب دولةً نفطيّة، فالشعب في الجنوب وكثيرٌ من الناس سيعارضون قيام الوحدة وسيرغبون في أن تكون عدن والجنوب واحدة مثل الدّول الخليجيّة الصغيرة، أيْ بلداً يبلغ عدد سكّانه مليوناً ونصف المليون أو مليونين ويملك ثروةً نفطيّةً لكنّه لا يملك سكّاناً. يمكن أن يعيش هؤلاء في رفاهية، لكنّ هذه الأمور لا تبني مشروعاً أو وطناً أو دولةً أو نهضة.
ثمّ إنّ مشكلة هذا المشروع أنّه صغير وقد رغبنا بمشروع كبير. قد يقول البعض إنّنا حالمون وخياليّون وقد يقول آخرون إنّ دولة لوكسمبورغ صغيرة لكن سكّانها سعداء، أو سويسرا أو النّرويج أو سنغافورة إلخ. لكنّ هذا ما دار في أذهاننا يومها، وكنتُ واحداً من الذين فكّروا فيه. لكنْ أذكر أنّ علي سالم البيض طرَح هذه الفكرة وهو لا يستطيع التّحدّث الآن كما أنّه ليس مرتاحاً منّي ولا إليّ ولا تعجبه أفكاري. وعلى الرّغم من ذلك أريد قول الحقيقة. قال علي سالم البيض إنّه إذا ظهر النفط فربّما يصبح هناك دولة صغيرة تزدهر مؤقّتاً، لكن ليس المستقبل لهذه الكيانات الصغيرة بل هو لمشروعٍ كبير. وبرأيي، المشروع الكبير الذي يمكن أن يستمرّ ليس اليمن الحالي، فحتى اليمن الحالي صغير يتعدّد ويتطوّر، المهمّ أنّ فكرة الوحدة مرتبطة بالتنمية والتطوّر والمشروع التوحيديّ العربيّ، أي أنّ المشروع التوحيديّ العربي موجودٌ في أعماقنا وثقافتنا وجذورنا وطفولتنا. وبناءً على هذه الخلفيّة كان الجنوب مستعدّاً وجاهزاً ولكن بآراءَ مختلفة.
#الوحدة بجلسةٍ واحدة ؛
وفي تشرين الثاني / نوفمبر من العام ١٩٨٩ زار الرئيس علي عبد الله صالح عدن حاملاً مشروعاً لتوحيد اليمن على أساس فيدراليّ أي توحيد القوّات المسلّحة للشّطرين وتوحيد الشخصيّة الدوليّة، ما يعني أن يكون هناك فيدراليّة، كيان يجمع الدّولتين أي دولة اتحاديّة.
وكان الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ قد حمل مشروع التدرّج - الكونفدراليّة بناءً علي التوصيات التي تتضمّنها وثيقةُ الإصلاح الاقتصاديّ والاجتماعيّ الشامل - وبعدها ننتقل إلى الوحدة. عقد علي عبد الله صالح محادثاتٍ مع علي البيض. عرض عليه الأخير الوحدةَ الكاملة على أساس الدستور الذي اقترحتْه اللّجنة الدستوريّة في العام ١٩٨١ بدلاً من الكونفدراليّة والفيدراليّة، واقترح فترةً انتقاليّةً تعلَن بعدها الدولة الموحّدة. وكانت اللّجنةُ الدستوريّة قد أنجزتْ هذا الدّستور خلال فترة حكم علي ناصر محمّد. وعلينا الاعتراف بأنّ آخرين ساهموا في صياغة هذا الدستور. وكان لبعض الشخصيّات دورٌ في تحقيق الوحدة اليمنيّة كعبد الفتاح إسماعيل ومحسن العيني والقاضي عبد الرحمن الأرياني وغيرهم، أي كلّ الشخصيّات اليمنيّة في الشمال والجنوب، وقد كان علي عبد الله صالح وعلي سالم البيض سبّاقين.
مهما يكن، اقترح البيض أن نفعّل دّستور العام ١٩٨١ الموجود في الأدراج والمتّفق عليه ونعمل به، وأن يكون هو دستور الدولة الموحّدة. وبالفعل، اتّفقنا بعد ذلك على هذا الأمر.
لماذا تخلّى علي سالم البيض عن فكرته بالتّدرّج في قيام الوحدة؟ هكذا هي طبيعته، يبدو لي أنّه أراد أن يكون صاحب الدّور الأبرز في تفعيل الدّستور قبل أن يسبقه إليه آخر. وافق علي عبد الله صالح على المقترح وهنا وقعتْ مشكلة بعدما اتّخذ علي البيض هذا القرار تلقائيّاً على الرّغم من امتلاك الحزب رأياً قد حُدّد مسبقاً.