#التاريخ
بين إهمال السوق واستدعاء السياسة !!
#مدى
د. أحمد #السري
كاتب9 أغسطس 2026
التاريخ تخصصٌ يعيش على هامش السوق، لكنه في صدارة الوعي. تلك مفارقةٌ تبدو للوهلة الأولى عصيةً على الفهم؛ ففي عالم تحكمه قوانين العرض والطلب، يبدو التاريخ من أقل التخصصات جدوى في الحسابات الاقتصادية، وأضعفها حضوراً في سوق العمل. ومع ذلك، لا يكاد يخلو نقاش سياسي أو ثقافي أو فكري من استدعائه، وكأن المجتمع يستغني عنه في حياته اليومية، ثم يعود إليه كلما واجه سؤالاً يتعلق بهويته أو مستقبله.
لعل هذه المفارقة هي التي تجعل التاريخ من أكثر التخصصات تعرضاً للتهميش الأكاديمي، وأكثرها حضوراً حين تتصارع الأمم على ذاكرتها وشرعيتها. فالسوق يهمله لأنه لا يدر أرباحاً مباشرة، بينما تستدعيه السياسة لأنه يمنح الشرعية، ويصوغ الذاكرة، ويؤثر في الوعي.
ولم يعد تراجع أقسام التاريخ في كثير من الجامعات العربية، مقابل التوسع في التخصصات التطبيقية، مجرد خيار أكاديمي، بل أصبح انعكاساً لتحول أعمق في فلسفة المعرفة، حيث تُقاس قيمة العلم بقدرته على خدمة الاقتصاد أكثر من قدرته على فهم الإنسان. وإذ يُسأل خريج التاريخ عن مستقبله المهني، نادراً ما يجد جواباً مطمئناً، بينما تقدم تخصصات أخرى نفسها بوصفها الطريق الأقصر إلى الوظيفة والدخل.
غير أن تراجع قيمة التاريخ في السوق لا يعني تراجع حضوره في المجتمع. فالمفارقة أن الاهتمام به يزداد اتساعاً، خصوصاً مع المنصات الرقمية التي فتحت المجال أمام آلاف الحسابات والقنوات والبرامج التي تتناول الماضي بلغة سهلة وجذابة. واستعادت فئات واسعة شهيتها لمعرفة تاريخها، وكأنها تبحث في الماضي عما يعينها على فهم حاضرها.
غير أن هذه العودة ليست خالية من المخاطر. فالمعلومة التاريخية، حين تُتداول خارج فضاء البحث العلمي، قد تتحول بسرعة إلى مسلّمات تشكل الوعي الجمعي وتعيد رسم الهوية. ويزداد الأمر خطورة مع بروز قراءات تاريخية تتجاوز معايير البحث التاريخي، فتقلب مسارات كبرى وتعيد تفسيرها أو توطينها جغرافياً وفق دوافع أيديولوجية أو سياسية، قد يكتشفها المتخصص بسهولة، بينما تبدو للمتابع العام حقائق لا تقبل الجدل. وعندئذ لا يعود الصراع على الماضي وحده، بل يمتد إلى تشكيل صورة الإنسان عن نفسه وعن مجتمعه وعن الآخر.
وهكذا يتمرد التاريخ على كونه مجرد رفاهية معرفية، ليصبح أحد أهم الموارد الاستراتيجية في صناعة الوعي، وإضعافه أو الاستهتار بجدواه لا يفضي إلى فراغ، بل يتيح لأقلام أخرى أن تملأ ذلك الفراغ بسرديات لا تخضع غالبًا لمعايير البحث العلمي بقدر ما تخضع لموازين القوة والمصلحة.
ولهذا، يفرض التاريخ نفسه موضوعاُ للحوار كلما احتدم النقاش حول السياسة أو الهوية أو الدين أو الدولة، ليس لأن الماضي أهم من الحاضر، بل لأن الشرعية كثيرًا ما تُبنى على رواية للماضي. فالدول تستدعي تاريخها، والحركات السياسية تستحضر بداياتها، والجماعات المختلفة تعود إلى أحداث المؤسسة الأولى لتبرير مواقفها الراهنة. ولهذا تبدو كثير من الصراعات المعاصرة، في عمقها، صراعاً بين روايات مختلفة للماضي أكثر من كونها خلافاً حول الحاضر وحده.
وفي هذه الأحوال - وهي تتكرر- ينتقل التاريخ من موطنه الطبيعي، بوصفه مجالًا للبحث العلمي، إلى ميدان الصراع السياسي، حيث يُكره على تقديم شهادته لهذا الطرف أو ذاك، أو يُنتقى منه ما يخدم الغاية، ويُهمَل ما يعارضها، وتُقرأ الوقائع بمنطق الانتصار لا بمنطق الفهم. وعند هذه النقطة تتجلى إحدى صور العلاقة بين المعرفة والسلطة التي أشار إليها ميشيل فوكو؛ إذ لا تكتفي السلطة بإدارة الواقع، بل تسعى أيضاً إلى إدارة الرواية التي يُفهم بها ذلك الواقع، فتغدو المعرفة نفسها جزءاً من شبكة السلطة.
ومع ذلك، يبقى التاريخ حاضراً، والتساؤل عن صحته قائماً، لأن الإنسان كائن تاريخي أصلاً. فهو لا يولد في فراغ، بل وسط بيئة اجتماعية عميقة الجذور، فيرث لغةً وديناً وقوانين ومؤسسات وذاكرةً جماعية، ويجد نفسه منتمياً إلى قصة بدأت قبل ميلاده وستستمر بعد رحيله. ولأن الحاضر لا يستطيع أن يفسر نفسه بنفسه، ولا يمكن فهم أسئلة الدولة أو العدالة أو التنمية أو المساواة بمعزل عن المسار التاريخي الذي أفضى إليها، تتألق أهمية التاريخ ثانية، فلا يكون مجرد سجل للوقائع، بل مساراً زمنياً أنتج هويةً وثقافةً، وصار الوعاء الذي تتقاطع فيه السياسة والفلسفة والاجتماع والقانون، وتتشكل داخله صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم.
بين إهمال السوق واستدعاء السياسة !!
#مدى
د. أحمد #السري
كاتب9 أغسطس 2026
التاريخ تخصصٌ يعيش على هامش السوق، لكنه في صدارة الوعي. تلك مفارقةٌ تبدو للوهلة الأولى عصيةً على الفهم؛ ففي عالم تحكمه قوانين العرض والطلب، يبدو التاريخ من أقل التخصصات جدوى في الحسابات الاقتصادية، وأضعفها حضوراً في سوق العمل. ومع ذلك، لا يكاد يخلو نقاش سياسي أو ثقافي أو فكري من استدعائه، وكأن المجتمع يستغني عنه في حياته اليومية، ثم يعود إليه كلما واجه سؤالاً يتعلق بهويته أو مستقبله.
لعل هذه المفارقة هي التي تجعل التاريخ من أكثر التخصصات تعرضاً للتهميش الأكاديمي، وأكثرها حضوراً حين تتصارع الأمم على ذاكرتها وشرعيتها. فالسوق يهمله لأنه لا يدر أرباحاً مباشرة، بينما تستدعيه السياسة لأنه يمنح الشرعية، ويصوغ الذاكرة، ويؤثر في الوعي.
ولم يعد تراجع أقسام التاريخ في كثير من الجامعات العربية، مقابل التوسع في التخصصات التطبيقية، مجرد خيار أكاديمي، بل أصبح انعكاساً لتحول أعمق في فلسفة المعرفة، حيث تُقاس قيمة العلم بقدرته على خدمة الاقتصاد أكثر من قدرته على فهم الإنسان. وإذ يُسأل خريج التاريخ عن مستقبله المهني، نادراً ما يجد جواباً مطمئناً، بينما تقدم تخصصات أخرى نفسها بوصفها الطريق الأقصر إلى الوظيفة والدخل.
غير أن تراجع قيمة التاريخ في السوق لا يعني تراجع حضوره في المجتمع. فالمفارقة أن الاهتمام به يزداد اتساعاً، خصوصاً مع المنصات الرقمية التي فتحت المجال أمام آلاف الحسابات والقنوات والبرامج التي تتناول الماضي بلغة سهلة وجذابة. واستعادت فئات واسعة شهيتها لمعرفة تاريخها، وكأنها تبحث في الماضي عما يعينها على فهم حاضرها.
غير أن هذه العودة ليست خالية من المخاطر. فالمعلومة التاريخية، حين تُتداول خارج فضاء البحث العلمي، قد تتحول بسرعة إلى مسلّمات تشكل الوعي الجمعي وتعيد رسم الهوية. ويزداد الأمر خطورة مع بروز قراءات تاريخية تتجاوز معايير البحث التاريخي، فتقلب مسارات كبرى وتعيد تفسيرها أو توطينها جغرافياً وفق دوافع أيديولوجية أو سياسية، قد يكتشفها المتخصص بسهولة، بينما تبدو للمتابع العام حقائق لا تقبل الجدل. وعندئذ لا يعود الصراع على الماضي وحده، بل يمتد إلى تشكيل صورة الإنسان عن نفسه وعن مجتمعه وعن الآخر.
قد يبقى الكتاب التاريخي الرصين سنوات على رفوف المكتبات، بينما تنتشر رواية عابرة في ساعات قليلة، غير أن الزمن كثيراً ما يعيد الاعتبار للبحث الجاد عندما تنقشع ضوضاء اللحظة، وتنكشف هشاشة السرديات التي صنعتها المصالح
وهكذا يتمرد التاريخ على كونه مجرد رفاهية معرفية، ليصبح أحد أهم الموارد الاستراتيجية في صناعة الوعي، وإضعافه أو الاستهتار بجدواه لا يفضي إلى فراغ، بل يتيح لأقلام أخرى أن تملأ ذلك الفراغ بسرديات لا تخضع غالبًا لمعايير البحث العلمي بقدر ما تخضع لموازين القوة والمصلحة.
ولهذا، يفرض التاريخ نفسه موضوعاُ للحوار كلما احتدم النقاش حول السياسة أو الهوية أو الدين أو الدولة، ليس لأن الماضي أهم من الحاضر، بل لأن الشرعية كثيرًا ما تُبنى على رواية للماضي. فالدول تستدعي تاريخها، والحركات السياسية تستحضر بداياتها، والجماعات المختلفة تعود إلى أحداث المؤسسة الأولى لتبرير مواقفها الراهنة. ولهذا تبدو كثير من الصراعات المعاصرة، في عمقها، صراعاً بين روايات مختلفة للماضي أكثر من كونها خلافاً حول الحاضر وحده.
وفي هذه الأحوال - وهي تتكرر- ينتقل التاريخ من موطنه الطبيعي، بوصفه مجالًا للبحث العلمي، إلى ميدان الصراع السياسي، حيث يُكره على تقديم شهادته لهذا الطرف أو ذاك، أو يُنتقى منه ما يخدم الغاية، ويُهمَل ما يعارضها، وتُقرأ الوقائع بمنطق الانتصار لا بمنطق الفهم. وعند هذه النقطة تتجلى إحدى صور العلاقة بين المعرفة والسلطة التي أشار إليها ميشيل فوكو؛ إذ لا تكتفي السلطة بإدارة الواقع، بل تسعى أيضاً إلى إدارة الرواية التي يُفهم بها ذلك الواقع، فتغدو المعرفة نفسها جزءاً من شبكة السلطة.
ومع ذلك، يبقى التاريخ حاضراً، والتساؤل عن صحته قائماً، لأن الإنسان كائن تاريخي أصلاً. فهو لا يولد في فراغ، بل وسط بيئة اجتماعية عميقة الجذور، فيرث لغةً وديناً وقوانين ومؤسسات وذاكرةً جماعية، ويجد نفسه منتمياً إلى قصة بدأت قبل ميلاده وستستمر بعد رحيله. ولأن الحاضر لا يستطيع أن يفسر نفسه بنفسه، ولا يمكن فهم أسئلة الدولة أو العدالة أو التنمية أو المساواة بمعزل عن المسار التاريخي الذي أفضى إليها، تتألق أهمية التاريخ ثانية، فلا يكون مجرد سجل للوقائع، بل مساراً زمنياً أنتج هويةً وثقافةً، وصار الوعاء الذي تتقاطع فيه السياسة والفلسفة والاجتماع والقانون، وتتشكل داخله صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم.
وهكذا يعيش التاريخ مفارقته الدائمة؛ فهو مهمل في حسابات السوق، وحاضر في معارك الوعي والهوية والسياسة.
قد يبقى الكتاب التاريخي الرصين سنوات على رفوف المكتبات، بينما تنتشر رواية عابرة في ساعات قليلة، غير أن الزمن كثيراً ما يعيد الاعتبار للبحث الجاد عندما تنقشع ضوضاء اللحظة، وتنكشف هشاشة السرديات التي صنعتها المصالح. وذلك عزاء التاريخ، وإن بعد حين، ومكمن بؤسه أيضاً.
قد يبقى الكتاب التاريخي الرصين سنوات على رفوف المكتبات، بينما تنتشر رواية عابرة في ساعات قليلة، غير أن الزمن كثيراً ما يعيد الاعتبار للبحث الجاد عندما تنقشع ضوضاء اللحظة، وتنكشف هشاشة السرديات التي صنعتها المصالح. وذلك عزاء التاريخ، وإن بعد حين، ومكمن بؤسه أيضاً.
#قصر_الكورنيش في #الحديدة...
المبنى الذي غيّر هويته أكثر من مرة
قد يظن كثيرون أن هذه القبة تعلو مسجدًا تاريخيًا...
لكن الحقيقة أنها تتوسط بهو قصر #الكورنيش، أحد أقدم المباني التاريخية المطلة على ساحل مدينة الحديدة، والذي ظل شاهدًا على تحولات اليمن السياسية والإدارية لأكثر من قرن.
ورغم أن القصر لا يحظى بالشهرة التي تستحقها كثير من المباني التاريخية في اليمن، فإن جدرانه تختزن قصة مدينة كانت بوابة اليمن البحرية على البحر الأحمر.
تشير الشواهد المعمارية إلى أن المبنى شُيّد على الطراز #العثماني؛ ويظهر ذلك في تخطيطه الداخلي، والقبة المركزية، والأروقة، واستخدام الآجر المحروق والجص، وهي عناصر تميز العمارة العثمانية في مدن الساحل اليمني. ويُرجّح أن إنشاؤه يعود إلى أواخر العهد العثماني في اليمن أو إلى مرحلة تطوير المدينة خلال تلك الفترة، إلا أن تاريخ بنائه الدقيق ما يزال بحاجة إلى توثيق أثري ونشر علمي.
وخلال العهد الملكي تحوّل المبنى إلى دار للضيافة، فكان يستقبل كبار الزوار والوفود الرسمية القادمة إلى الحديدة، كما كان يطل مباشرة على الميناء القديم، وأمام ساحته كانت تُقام العروض العسكرية والاحتفالات الرسمية، ليصبح إحدى واجهات الدولة في المدينة.
أما بعد قيام ثورة 26 سبتمبر، فقد دخل القصر مرحلة جديدة، إذ استُخدم مقرًا لعدد من المؤسسات الحكومية، من بينها مكتب التربية، ومحكمة الاستئناف، ومكتب #الآثار، وهو ما ساهم في الحفاظ على المبنى من الهجر، وإن كان قد أدى إلى تغييرات داخلية فرضتها الاستخدامات الإدارية المتعاقبة.
ويقع القصر في شارع الكورنيش بالقرب من الطريق المؤدي إلى باب مشرف، أحد الأبواب التاريخية لمدينة الحديدة القديمة، في موقع يجمع بين البحر والمدينة والأسوار التاريخية، وهو ما منحه أهمية عمرانية منذ إنشائه.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه اليوم أن كثيرين يمرون بجوار هذا المبنى دون أن يعرفوا أنه لم يكن مسجدًا قط، بل كان قصرًا رسميًا عاش مراحل متعددة من تاريخ اليمن، من الحكم العثماني، إلى الدولة المتوكلية، ثم الجمهورية.
إن قصر الكورنيش ليس مجرد مبنى قديم، بل صفحة معمارية تروي كيف تتغير وظائف الأبنية مع تغير الدول، بينما تبقى حجارتها شاهدة على الزمن.
هل سبق أن شاهدت هذا القصر من الداخل؟
#قصر_الكورنيش #الحديدة #قصر_تاريخي
المبنى الذي غيّر هويته أكثر من مرة
قد يظن كثيرون أن هذه القبة تعلو مسجدًا تاريخيًا...
لكن الحقيقة أنها تتوسط بهو قصر #الكورنيش، أحد أقدم المباني التاريخية المطلة على ساحل مدينة الحديدة، والذي ظل شاهدًا على تحولات اليمن السياسية والإدارية لأكثر من قرن.
ورغم أن القصر لا يحظى بالشهرة التي تستحقها كثير من المباني التاريخية في اليمن، فإن جدرانه تختزن قصة مدينة كانت بوابة اليمن البحرية على البحر الأحمر.
تشير الشواهد المعمارية إلى أن المبنى شُيّد على الطراز #العثماني؛ ويظهر ذلك في تخطيطه الداخلي، والقبة المركزية، والأروقة، واستخدام الآجر المحروق والجص، وهي عناصر تميز العمارة العثمانية في مدن الساحل اليمني. ويُرجّح أن إنشاؤه يعود إلى أواخر العهد العثماني في اليمن أو إلى مرحلة تطوير المدينة خلال تلك الفترة، إلا أن تاريخ بنائه الدقيق ما يزال بحاجة إلى توثيق أثري ونشر علمي.
وخلال العهد الملكي تحوّل المبنى إلى دار للضيافة، فكان يستقبل كبار الزوار والوفود الرسمية القادمة إلى الحديدة، كما كان يطل مباشرة على الميناء القديم، وأمام ساحته كانت تُقام العروض العسكرية والاحتفالات الرسمية، ليصبح إحدى واجهات الدولة في المدينة.
أما بعد قيام ثورة 26 سبتمبر، فقد دخل القصر مرحلة جديدة، إذ استُخدم مقرًا لعدد من المؤسسات الحكومية، من بينها مكتب التربية، ومحكمة الاستئناف، ومكتب #الآثار، وهو ما ساهم في الحفاظ على المبنى من الهجر، وإن كان قد أدى إلى تغييرات داخلية فرضتها الاستخدامات الإدارية المتعاقبة.
ويقع القصر في شارع الكورنيش بالقرب من الطريق المؤدي إلى باب مشرف، أحد الأبواب التاريخية لمدينة الحديدة القديمة، في موقع يجمع بين البحر والمدينة والأسوار التاريخية، وهو ما منحه أهمية عمرانية منذ إنشائه.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه اليوم أن كثيرين يمرون بجوار هذا المبنى دون أن يعرفوا أنه لم يكن مسجدًا قط، بل كان قصرًا رسميًا عاش مراحل متعددة من تاريخ اليمن، من الحكم العثماني، إلى الدولة المتوكلية، ثم الجمهورية.
إن قصر الكورنيش ليس مجرد مبنى قديم، بل صفحة معمارية تروي كيف تتغير وظائف الأبنية مع تغير الدول، بينما تبقى حجارتها شاهدة على الزمن.
هل سبق أن شاهدت هذا القصر من الداخل؟
#قصر_الكورنيش #الحديدة #قصر_تاريخي
#شبام #حضرموت
حكايات من الماضي
مدينتنا الحبيبة #شبام حضرموت غنية بتراثها عميقة بتاريخها شامخة ببنيانها ، فهي عروسة وادي حضرموت قيل عنها الكثير ولكن اصدق والذ الحديث عنها هو مايقوله ابناءها من واقع معيشتهم .
سميت شبام بالدمنة بما يقال عنها بأنها تقع على تلة من الدمان ومخلفات الأغنام والأبقار والأبل لكون في الماضي أستقرت قبائل بكافة مواشيها على تلك الربوه ، ويقال بأنه كان في وادي شبام ( البطحا ) معيان يجري ويقول الراوي الدليل على ذلك لو حفرت في وسط الوادي عمق قامتين ستجد من الصدف والقواقع أو مايثبت لك جريان ماء في الوادي وهذا ما ساعد على استقرار القبائل في تلك الحقبة من الزمن على تلك الربوة ،
وضلت شبام تحتضن المواشي منذ القدم حتى نهاية الثمانينات ويكتسب أهلها المعيشة حتى انه يقال بأن معظم اهالي المدينة ووجهاها كانوا يمتلكون الأبقار ويستفيدون من البانها وسمنها وكذلك للحراثة ، وكان يسكن في شبام اشخاص عرفوا بأمتلاكهم اعداد كبيرة من الأغنام ويقومون بخدمة أهل البلاد في رعي الأغنام حتى نهاية الثمانينات وأخص بالذكر هولاء مع احترامي الكامل لهم لعدم معرفة الأسم الصحيح وانما يكنوا بهذه الأسماء .
1) محمد بلاكيش
وكان مقره داخل شبام مع أغنامه خلف بيت علي حوره سابقا .
2) السيل الخشماء
وكان مقرها مع أغنامها خلف الحصن النيدي وبيت صياد على الدور .
3) الهضاض
وكان مقرها في حوش بيت مبخوت مساعد قبل ان يمتلكه مع أغنامها بجانب الوحدة الصحية حاليا .
ومن الجميل ان المذكورين أعلاه كانوا يقومون برعي أغنام أهل البلاد مقابل مبلغ زهيد على الرأس الواحد شهريا حيث كان الراعي منهم يبداء بعد صلاة الفجر بالقيام بدورة داخل البلاد ويجمع ويستلم أغنام اهل البلاد المتفق معهم وما إن تشرق الشمس الا والراعي مع الأغنام في الجروب والأراضي للرعي ويضل طوال النهار حتى قرب المغرب يعود بالأغنام الى البلاد ويوصل كل الأغنام الى اصحابها وهكذا كل يوم .
ومن العجيب إن الأغنام تتعود المسراح مع الراعي وتلتزم بنظامه وتوجيهاته وعند عوتها في المساء تنطلق وتعرف بيت صاحبها .
جميلة تلك الأيام عندما نصحوا صباحا على أصوات الأغنام في الشوارع والراعي ينادي بأخراج الغنم وكذلك أصوات الأدياك وهي تتجاوب من شارع الى شارع وأصوات الراديوهات وهي بالقرأن تبث وأصوات الشيوخ ورجال البلاد وهم يتلون القرأن بصوت عالي ومسموع في كل دار وأصوات النساء وهن في بداية أشغالهن اليومية منهن من يطحن على الرحا ومنهن من تكنس البيت ومنهن من تقراء فتح الرحمن وهي توقد التنار وهكذا يصحوا الجميع قبل ان تشرق الشمس بكل حيوية ونشاط .
ملحوظة : هذه مجرد توثيق لذكريات عشتها
بقلم أ /عبدالله عوض مصفر
أبو حـــــــافظ
حكايات من الماضي
مدينتنا الحبيبة #شبام حضرموت غنية بتراثها عميقة بتاريخها شامخة ببنيانها ، فهي عروسة وادي حضرموت قيل عنها الكثير ولكن اصدق والذ الحديث عنها هو مايقوله ابناءها من واقع معيشتهم .
سميت شبام بالدمنة بما يقال عنها بأنها تقع على تلة من الدمان ومخلفات الأغنام والأبقار والأبل لكون في الماضي أستقرت قبائل بكافة مواشيها على تلك الربوه ، ويقال بأنه كان في وادي شبام ( البطحا ) معيان يجري ويقول الراوي الدليل على ذلك لو حفرت في وسط الوادي عمق قامتين ستجد من الصدف والقواقع أو مايثبت لك جريان ماء في الوادي وهذا ما ساعد على استقرار القبائل في تلك الحقبة من الزمن على تلك الربوة ،
وضلت شبام تحتضن المواشي منذ القدم حتى نهاية الثمانينات ويكتسب أهلها المعيشة حتى انه يقال بأن معظم اهالي المدينة ووجهاها كانوا يمتلكون الأبقار ويستفيدون من البانها وسمنها وكذلك للحراثة ، وكان يسكن في شبام اشخاص عرفوا بأمتلاكهم اعداد كبيرة من الأغنام ويقومون بخدمة أهل البلاد في رعي الأغنام حتى نهاية الثمانينات وأخص بالذكر هولاء مع احترامي الكامل لهم لعدم معرفة الأسم الصحيح وانما يكنوا بهذه الأسماء .
1) محمد بلاكيش
وكان مقره داخل شبام مع أغنامه خلف بيت علي حوره سابقا .
2) السيل الخشماء
وكان مقرها مع أغنامها خلف الحصن النيدي وبيت صياد على الدور .
3) الهضاض
وكان مقرها في حوش بيت مبخوت مساعد قبل ان يمتلكه مع أغنامها بجانب الوحدة الصحية حاليا .
ومن الجميل ان المذكورين أعلاه كانوا يقومون برعي أغنام أهل البلاد مقابل مبلغ زهيد على الرأس الواحد شهريا حيث كان الراعي منهم يبداء بعد صلاة الفجر بالقيام بدورة داخل البلاد ويجمع ويستلم أغنام اهل البلاد المتفق معهم وما إن تشرق الشمس الا والراعي مع الأغنام في الجروب والأراضي للرعي ويضل طوال النهار حتى قرب المغرب يعود بالأغنام الى البلاد ويوصل كل الأغنام الى اصحابها وهكذا كل يوم .
ومن العجيب إن الأغنام تتعود المسراح مع الراعي وتلتزم بنظامه وتوجيهاته وعند عوتها في المساء تنطلق وتعرف بيت صاحبها .
جميلة تلك الأيام عندما نصحوا صباحا على أصوات الأغنام في الشوارع والراعي ينادي بأخراج الغنم وكذلك أصوات الأدياك وهي تتجاوب من شارع الى شارع وأصوات الراديوهات وهي بالقرأن تبث وأصوات الشيوخ ورجال البلاد وهم يتلون القرأن بصوت عالي ومسموع في كل دار وأصوات النساء وهن في بداية أشغالهن اليومية منهن من يطحن على الرحا ومنهن من تكنس البيت ومنهن من تقراء فتح الرحمن وهي توقد التنار وهكذا يصحوا الجميع قبل ان تشرق الشمس بكل حيوية ونشاط .
ملحوظة : هذه مجرد توثيق لذكريات عشتها
بقلم أ /عبدالله عوض مصفر
أبو حـــــــافظ
الفريد من موروث #يافع التليد
#النّدَّاف
رحلة في ذاكرة " #النِّدّافة" كاحد المهن اليافعية القديمة التي سادت ثم بادت)
عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابو نصر اليافعي
رحلة في مهنة قد يكون الأغلب لم يسمع عنها من قبل ، ولكن نجزم ان من عاش في بيئة يافع ولهج لسانه بلهجتها لابد انه سمع كلمة الندف والندافة كمفردة تعبر عن الضرب بالعصاء ، او حين يهدد الوالدان طفلهم الشقي بندفه، او حين يقال ان فلان ندف فلان اي ضربه بعصاء ، بل وان لم تشاهد النساء كيف كانين يضربن فرشان البِجاد والفريقة والفروة بالصميل لتنضيفها ، فمن المؤكد انك شاهدتهن يضربن سوى جوادر العُطب القطنية القديمة او الاسفنجية الحديثة وسجاد الموكيت بالعصيان لتنضيفها من الغبار العالق بها ، وهذه هي اصل مهنة الندافة .
فحين كانت البساطة تزيّن تفاصيل الحياة، كان لـ "النّدّاف" حكايةٌ تنبضُ بالدفء وتتضوع بعرق الكدح الحلال. برزت مهنةٌ شريفةٌ طالما كانت ركناً أساسياً في البيوت اليافعية العتيقة، ابتكرت لها وسائل تطورت مع الزمن ، فكان يسري منها صوت قوسها لتنضيف الفراش بفرد شعر صوفه، او اعادة ترتيب كتله القطنية ، ليستقبل الناس في مجالسهم وتحفهم بأسباب الراحة والهناء وتحيطهم بالنضافة.
وكما أمتهن بعض الحرفين مهن مختلفة كدباغة الجلود وخرازتها وصناعة الوقيان (فرشان واوقية الجلوس والنوم )؛ ظهر النداف كممتهن لحرفة تشبه حرفة التنجيد في يومنا هذا.
لوم يكن الندّاف مجرد حرفيٍّ يزاول فرد الفراء وصوفه ، و قَصَّ القطن ورَفْأَه، بل كان فناناً يُصغي لنداء الألياف المتلبدة.
يمتشق أدواته البسيطة الذي ابتكرها بابداعه ، والعجيبة في أثرها ومنها :
#القَوس: ذلك العود الخشبيّ المرن المربوط بوترٍ مشدودٍ بدقة متناهية.
#مِضْرَب_المندفة (المقشعة): #المندفة_الخشبية التي إذا ما لامست الوتر، أطلقت نغمات رنّانة ترنّ في أرجاء المكان (طَن.. طَن)، كأنها معزوفة شعبية تشقّ سكون الصباح.
#عصا_التنفيش . #المسلة(المخيط) . #خيوط_الخياطة: لتسوية الصوف في #الفروة و #الفريقة و #البجاد و #الخُطَّة (سبق وتناولناهن في حلقة سابقة)، أو القطن وتوزيعه بالتساوي داخل #الجودري (مرتبة فراش النوم) والأغطية ("اللُّحُف") والوسائد والمطارح، لتستعيد لينها وطراوتها بعد أن طالها التصلب والقسوة.
كانت اهتزازات قوسه تغوص في أحشاء القطن، فتعيدُ إليه روحَهُ الأولى، وتتطايرُ ذرات الغبار في شعاع الشمس الدافيء داخل الدور اليافعية كأنها نجومٌ صغيرة تسبح في الفضاء.
أصداء الندافة باللهجة اليافعية
حين دارت عجلة الزمان، وغطّت التكنولوجيا الحديثة وأقمشة الألياف والفيبر على صهيل القوس ورنين الوتر، ورحلت تلك الحرفة الجميلة واندثرت من تفاصيل اليوم، لكنها لم ترحل كلياً من الذاكرة...
فقد أبت اللهجة اليافعية الأَصِيلة إلا أن تحفظ لـ "النّداف" رقماً في سفْر كلماتها وشواهدها؛ فحين غاب قوس الندّاف واندثرت أدواره، بقيت اللفظةُ مجازاً حياً يتردد على الألسن. أصبحت "النّدافة" في لسان أهل يافع تشبيهاً بيليغاً ومستعاراً للضرب المتوالي بعصا غليظة على الظهر - كتشبيه ضرب النداف لقطنه كي يستقيم ويعتدل!
فحين ينشب خلافٌ أو يقسى الحديث، تجد التهديد اليافعي الرنان يتردد بأصداء الماضي: "شَفْنِي أَنْدَفُك!"، أو يقال في الأثر والتسامر: "فلان نَدَفَ فُلان"، ومن الطريف ماكان يوصف به الشخص ذو البنية الكبيرة في وصف ظهره وعرض منكبيه فيقال هذا ظهره سيع ظهر النداف، باعتبار ان ممتهني هذه المهنة ذي بنيات كبيرة ، فارتبط وصف كل عملاق بالنداف لتبقى المفردةُ شاهدةً على تاريخ مهنةٍ رحل أربابُها، وظلّ أثرها محفوراً في ذاكرة الجبال وعلى شفاه الأجيال.
،،،،،،،،،،،
الصورة المرفقة التقت في الخمسينات لاحد الندافيين اليُفَّع في كريتر عدن .
#النّدَّاف
رحلة في ذاكرة " #النِّدّافة" كاحد المهن اليافعية القديمة التي سادت ثم بادت)
عبدالفتاح نصر #السنيدي
#الشتيت ابو نصر اليافعي
رحلة في مهنة قد يكون الأغلب لم يسمع عنها من قبل ، ولكن نجزم ان من عاش في بيئة يافع ولهج لسانه بلهجتها لابد انه سمع كلمة الندف والندافة كمفردة تعبر عن الضرب بالعصاء ، او حين يهدد الوالدان طفلهم الشقي بندفه، او حين يقال ان فلان ندف فلان اي ضربه بعصاء ، بل وان لم تشاهد النساء كيف كانين يضربن فرشان البِجاد والفريقة والفروة بالصميل لتنضيفها ، فمن المؤكد انك شاهدتهن يضربن سوى جوادر العُطب القطنية القديمة او الاسفنجية الحديثة وسجاد الموكيت بالعصيان لتنضيفها من الغبار العالق بها ، وهذه هي اصل مهنة الندافة .
فحين كانت البساطة تزيّن تفاصيل الحياة، كان لـ "النّدّاف" حكايةٌ تنبضُ بالدفء وتتضوع بعرق الكدح الحلال. برزت مهنةٌ شريفةٌ طالما كانت ركناً أساسياً في البيوت اليافعية العتيقة، ابتكرت لها وسائل تطورت مع الزمن ، فكان يسري منها صوت قوسها لتنضيف الفراش بفرد شعر صوفه، او اعادة ترتيب كتله القطنية ، ليستقبل الناس في مجالسهم وتحفهم بأسباب الراحة والهناء وتحيطهم بالنضافة.
وكما أمتهن بعض الحرفين مهن مختلفة كدباغة الجلود وخرازتها وصناعة الوقيان (فرشان واوقية الجلوس والنوم )؛ ظهر النداف كممتهن لحرفة تشبه حرفة التنجيد في يومنا هذا.
لوم يكن الندّاف مجرد حرفيٍّ يزاول فرد الفراء وصوفه ، و قَصَّ القطن ورَفْأَه، بل كان فناناً يُصغي لنداء الألياف المتلبدة.
يمتشق أدواته البسيطة الذي ابتكرها بابداعه ، والعجيبة في أثرها ومنها :
#القَوس: ذلك العود الخشبيّ المرن المربوط بوترٍ مشدودٍ بدقة متناهية.
#مِضْرَب_المندفة (المقشعة): #المندفة_الخشبية التي إذا ما لامست الوتر، أطلقت نغمات رنّانة ترنّ في أرجاء المكان (طَن.. طَن)، كأنها معزوفة شعبية تشقّ سكون الصباح.
#عصا_التنفيش . #المسلة(المخيط) . #خيوط_الخياطة: لتسوية الصوف في #الفروة و #الفريقة و #البجاد و #الخُطَّة (سبق وتناولناهن في حلقة سابقة)، أو القطن وتوزيعه بالتساوي داخل #الجودري (مرتبة فراش النوم) والأغطية ("اللُّحُف") والوسائد والمطارح، لتستعيد لينها وطراوتها بعد أن طالها التصلب والقسوة.
كانت اهتزازات قوسه تغوص في أحشاء القطن، فتعيدُ إليه روحَهُ الأولى، وتتطايرُ ذرات الغبار في شعاع الشمس الدافيء داخل الدور اليافعية كأنها نجومٌ صغيرة تسبح في الفضاء.
أصداء الندافة باللهجة اليافعية
حين دارت عجلة الزمان، وغطّت التكنولوجيا الحديثة وأقمشة الألياف والفيبر على صهيل القوس ورنين الوتر، ورحلت تلك الحرفة الجميلة واندثرت من تفاصيل اليوم، لكنها لم ترحل كلياً من الذاكرة...
فقد أبت اللهجة اليافعية الأَصِيلة إلا أن تحفظ لـ "النّداف" رقماً في سفْر كلماتها وشواهدها؛ فحين غاب قوس الندّاف واندثرت أدواره، بقيت اللفظةُ مجازاً حياً يتردد على الألسن. أصبحت "النّدافة" في لسان أهل يافع تشبيهاً بيليغاً ومستعاراً للضرب المتوالي بعصا غليظة على الظهر - كتشبيه ضرب النداف لقطنه كي يستقيم ويعتدل!
فحين ينشب خلافٌ أو يقسى الحديث، تجد التهديد اليافعي الرنان يتردد بأصداء الماضي: "شَفْنِي أَنْدَفُك!"، أو يقال في الأثر والتسامر: "فلان نَدَفَ فُلان"، ومن الطريف ماكان يوصف به الشخص ذو البنية الكبيرة في وصف ظهره وعرض منكبيه فيقال هذا ظهره سيع ظهر النداف، باعتبار ان ممتهني هذه المهنة ذي بنيات كبيرة ، فارتبط وصف كل عملاق بالنداف لتبقى المفردةُ شاهدةً على تاريخ مهنةٍ رحل أربابُها، وظلّ أثرها محفوراً في ذاكرة الجبال وعلى شفاه الأجيال.
،،،،،،،،،،،
الصورة المرفقة التقت في الخمسينات لاحد الندافيين اليُفَّع في كريتر عدن .