اليمن_تاريخ_وثقافة
15.3K subscribers
153K photos
361 videos
2.29K files
25.6K links
#اليمن_تاريخ_وثقافة ننشر ملخصات عن تاريخ وثقافة اليمن الواحد الموحد @taye5
Download Telegram
كنت أحد عسكريي ذلك اللواء، وتربطني علاقات جيدة ببعض الضباط المحترمين هناك إلا قائد اللواء الذي كان يتعامل معنا بعنصرية مناطقية مقيتة وحزبية متعصبة، ويتهمنا بمناصرة الاشتراكي حينها، ولذلك خرجت الكتيبتان الأولى والثانية من اللواء مسلحة تسليحاً كاملاً، في حين منع عني أي تسليح وصادر مرتباتي ومرتبات آخرين فضلاً عن مصادرة رتبي العسكرية ومنعي من مواصلة الدراسة الجامعية، كل ذلك بتهمة انتسابنا للاشتراكي ومناصرة الحزب كوننا من محافظة #تعز التي لم يستطع العسكر/الشمال هضمها يوماً حتى منذ عهد الإمامة، وحاولت معه مراراً وتكراراً لتسليحي والدفاع عن نفسي في حالة انفجار الحرب، فأصر على عدم التسليح، ووجه باعتقالي حينها لولا تدخل بعض الضباط لحل الموضوع.

ليلة انفجار الحرب دخلت خيمة الضباط بشكل مفاجئ نظراً لعلاقتي الودية بهم ففوجئت ببعض الضباط يرفعون تقريراً للقيادة على أن الحرب توشك أن تنفجر الليلة أو غداً في المعسكر، وبينما لم أكن مسلحاً وأنا أرى رأي العين قيام الحرب التي كنت أتحدث عنها منذ عام 1992 وأنا أفكر في مآلات وأسباب تلك الحرب أنها صراع عبثي على المناصب والغنائم والسلطة بين صالح والبيض؛ الاشتراكي وحلفائه والمؤتمر وحلفائه، وأننا كعسكريين نقدم وقوداً لذلك العبث والصراع، بينما نحن أكثر الناس معاناة وخذلاناً، فانسحبت إلى #صنعاء، واستأذنت بحجة إيقاف الدراسة، وقد كنت وزملاء آخرين أساساً نتجنب هذه الحرب وجاء عدم التسليح حجة تصب في صالحنا، وفي اليوم التالي علمنا بانفجار المعركة بين اللواءين وقت تناول وجبة الغداء ظهراً.

هناك محطة واحدة وهامة لا يتذكرها الناس، وكانت أهم سبب للحرب؛ فقد بدأت قوات الحزب #الاشتراكي في الجنوب هجوماً على قوات #العمالقة في محافظة #أبين التي كانت بقيادة العميد علي بن علي #الجائفي، وقيام الحزب بترحيل الضباط #الشماليين من معسكري صلاح الدين في #عدن و #العند في لحج الذين كانوا يأخذون دورات عسكرية تأهيليلة ومضايقتهم قبل خطاب صالح يوم ٢٧ أبريل ١٩٩٤ الذي قال عنه البيض إنه خطاب إعلان الحرب، بينهم زملاء كثر.

بدأت الصراعات والأزمات بين قوات الاشتراكي وقوات العمالقة الشمالية من 20 فبراير 1994؛ أي قبل اندلاع الحرب الشاملة بثلاثة أشهر، وبعد توقيع وثيقةالعهد والاتفاق بشهر كامل، وكل طرف من الحزبين الحاكمين يروي رواية حول تلك الصراعات؛ فالاشتراكي يقول إن قوات العمالقة حاصرت مؤسسات الدولة في #أبين وهي البادئة بالاشتباكات، والمؤتمر في صنعاء يقول إن العمالقة تعرضوا لهجوم وحصار من الاشتراكي بعد تغيير رئيس الوزراء حيدر العطاس بشكل انفرادي من معتكفه في عدن محافظ أبين الشمالي المؤتمري يحيى الراعي، وهو ما اعتبروه تغيير القيادات الشمالية تمهيداً لـ"جَنْوَبَة" كل المؤسسات، والسعي لفك الارتباط. وبالتالي تم إلغاء القرار من #صنعاء، وعلى إثرها تحرك العمالقة لمساندته.

في حين وصل الصراع ذروته بين العمالقة وألوية الاشتراكي في أبين و #البيضاء في 21 أبريل؛ أي قبل صدام عمران بأكثر من أسبوع، وقبل خطاب صالح في ميدان السبعين، في 21 أبريل 1994، وهذا يصحح اعتبار أن الحرب بدأت شرارتها في #عمران؛ فقد كان التوسع في الحرب هناك لتكون حرباً شاملة بعد مقدمات العمالقة وغيرها.

في #أبين قامت قوات من اللواء العشرين الجنوبي، لقطع الإمدادات عن قوات العمالقة المتمركزة في محافظة أبين، وكذا منع تحركاتها والاعتداء عليها ومحاصرتها، مما أدى إلى استخدام طائرات عمودية شمالية، في نقل الإمدادات لتلك القوات، بينما كان #الاشتراكي يحرك قواته في البيضاء و #كرش من محافظة لحج باتجاه #تعز، وإغلاق منطقة الشريجة الحدودية السابقة بين الشطرين، وكذلك في #قعطبة.

سيلاحظ القارئ أن هناك قوات جنوبية في ذمار وصنعاء وعمران والبيضاء وخولان، وقوات شمالية في أبين وبعضها في لحج وسيقول: كيف تحدثت عن عدم دمج الجيش وهذه الوحدات في الشمال والجنوب؟!
نعم كانت هذه المعسكرات شمالاً وجنوباً موجودة لا على أساس أنها معسكرات واحدة ومدمجة قواتها وأسلحتها؛ فقد كانت تتموضع في مناطقها فقط، أما القرار والعنصر البشري والتسليحي والمرجعية غير مدمجة، وكل جهة تتبع الدولة السابقة، ولم يتم دمجها إلا بعد حرب صيف 1994 نتيجة انهزام الاشتراكي وفوز الشرعية حينها.

مع بدء الحرب بين الطرفين انضم لقوات صالح ومحسن المعسكرات التابعة لعلي ناصر محمد وأنصاره بقيادة المقدم حينها عبد ربه منصور #هادي وعبدالله علي #عليوة وأحمد #الحسني وآخرين، والتي تم تهجيرها بعد انقلاب يناير 86 ونزحت إلى الشمال، والتي كانت تستوطن مناطقنا في #خدير و #سامع من محافظة تعز، وكذلك البيضاء وقعطبة، بعد ذلك رفعت إلى صنعاء وما حولها بموجب تفاهمات قيادة الاشتراكي وعلي صالح قبل اتفاقية الوحدة، وتم توزيع بعضها على المعسكرات الشمالية، وكذلك بقية القوات التي خرجت عن طريق البيضاء ومارب بعد أحداث يناير، ناهيك عن تجنيد المزيد من مناطق أبين وشبوة.
أحياناً لا يدرك السياسيون كيف تكون بعض خطاباتهم وقراراتهم مدمرة للجيوش ولمشاريعها ولحماسها وتكون سبباً للانتكاسات المختلفة التي تعجل بالهزيمة ودمار الأوطان والشعوب، في حين تكون هناك بعض الخطابات ملهمة للجيوش تبحث الروح فيها وتجعلها تركب الخطوب والأهوال للتعجيل بالنصر وتحقيق المشاريع المختلفة.

هناك سبب #أخلاقي كبير لانتصار الشرعية في تلك الحرب وخذلان #الاشتراكي و #الانفصاليين فيها؛ فأزعم أن هذه الحرب خيضت من الشرعية بكثير من الأخلاق لولا ما شابها وما صاحبها من عمليات #النهب لدى كثير من المرضى قيادات عسكرية وقبلية التي ألفت الفود والغنيمة على حساب كل المبادئ والقيم، واتخاذ وسيلة الفيد والغنيمة كما هو حال القبائل الشمالية في كل حرب وزمن وغزو، ومع ذلك كان هناك كثير من الأخلاق؛ فلم يُقتل جريح، ولم يُصفَّ أسير، ولم يتم الغدر بأحد، ولم يُقصف بيت لمواطن، ولم يتم التشريد لمواطنين مسالمين كما في بقية الحروب وخاصة حروب اليوم مع الإرهاب الحوثي. بل كان العفو العام عقب كل معركة، وعقب كل سقوط معسكر، مما عكس انطباعاً إيجابياً حينها عند الجنوبيين.

هذا الجانب افتقره الطرف الآخر حينها، فقصف #المدن بأحدث الصواريخ حينها وهي صواريخ اسكود التي لا يمتلكها الشمال؛ وجهت للمستشفى الجمهوري بصنعاء وبعض المناطق الآهلة بالسكان وخاصة منطقة قاع العلفي المكتظ بالمساكن والسكان.

أما في الجبهات فقد كان يصفى بعض #الأسرى #الشماليين، ولا أنسى ولن أنسى تفاصيل لقصة مؤلمة لقائد سرية الاستطلاع الملازم #مجاهد_الجبر حينما وقع #أسيراً في منطقة الحبيلين ب #الضالع بيد قوات #الاشتراكي تم رشه بالبنزين وغرغرته بالبنزين وقاموا بإحراقه حياً على الفور، وقبره هناك في منطقة الحبيلين في حبيل جبر على جانب الطريق يشاهده كل مسافر بين الضالع وصنعاء!

لم تكن هذه حادثة فردية ولا قصة أسطورية، ولا رواية متناقلة أو مؤلفة؛ فقد كان هذا الضابط الشاب حينها قائدي في سرية الاستطلاع في لواء المدفعية، وابنه اليوم زميل لنا في وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، والقصة عرفها القاصي والداني في أنحاء اليمن حينها.

بل إن هناك قصة أشد إيلاماً منها وإن كانت مشابهة لها، إلا أن ألمها هو أن صاحبها كان يتم التضييق عليه من قبل قيادة اللواء في صنعاء ومتهم بولائه للحزب الاشتراكي، صحيح أن ميوله كانت اشتراكية ومغرم بها وبالجنوبيين باعتباره من المنطقة الوسطى التي شهدت جبهات مختلفة للاشتراكي ضد صنعاء، لكن عند الحرب واتضاح الراية ونية وخطاب الانفصال لعلي سالم البيض دفع الجميع للالتحاق بالجبهات للقتال والحفاظ على الوحدة.

هذا الضابط اسمه عبدالواحد العاطفي من منطقة القفر في إب، وكان مهمشاً طيلة عسكريته وإن كان برتبة رائد دون تسليم أي عمل له، بينما ضباط برتب ملازم أول أو نقيب يتولون قيادة عمل إما قادة كتائب أو سرايا، وكنا أصدقاء نسكن سوياً في غرفة واحدة في صنعاء.
في تلك الحرب ذهب ذلك الضابط للاستطلاع في بعض المواقع، ووقع أسيراً كما وقع من قبل الملازم مجاهد الجبر، وعلى الرغم من إيضاحه لهم أنه متعاطف معهم وأنه اشتراكي مثلهم إلا أنهم رفضوا تأمينه وقاموا بصب البنزين عليه وإشعال جسده بالنار وهو حي، وكانت نهايته مأساوية وغبن على غبن؛ أن يؤتى من قبل من يواليهم ولا يؤمنوه؛ فهم لم يصدقوه على كل حال، وكان الانتقام والتنكيل سيد الموقف!

في هذه الحرب لمع نجم القائد فيصل رجب ميدانياً، وبطولاته كانت حديث كل عسكري حينها.

أما أخطاء قوات الشرعية لبعض قادتها ولا تعمم على الجميع؛ فقد كانت هناك نماذج متعددة، فهي العنصرية لدى بعض مكونات الجيش. ففي تلك الحرب كان هناك قادة عنصريون شماليون يعاملون أبناء تعز وإب والجنوبيين بكثير من الريبة والشك القاتل الدائم، والنظر إليهم على أنهم عملاء أنهم واقفون إلى جانب الحزب الاشتراكي اليمني وإلى جانب عدن في تلك الحرب، فكان بعض القادة لا يتحرك في البر إلا والضباط من تعز على يمينه وعلى شماله ومن أمامه، وحينما تم سؤاله عن ذلك قال: لا نأمنكم أصحاب تعز، أنتم مع الاشتراكي وقد تغدرون بنا، وسنتحدث عن تفاصيل هذه الجزئية في حلقة تالية وخاصة!

في الانتخابات النيابية التي جرت في أبريل 1993 صحيح أن صالح استخدم المعسكرات للتصويت، وكذا المال العام، والمناصب والهبات والأعطيات، وكذلك فعل الاشتراكي في الجنوب مع الفارق الهائل في التعداد السكاني بين شريكي الوحدة الذي لعب دوراً كبيراً غي حسم الانتخابات لصالح المؤتمر والإصلاح ضد الاشتراكي، إلا أن كثيراً من الزملاء العسكريين عناداً بتلك الحملات العنصرية والتوجسات والريبة، نسقوا في تلك الانتخابات لمرشحي الاشتراكي رغم ما لاقوه من تهديد وتعنت من قبل بعض القيادات العسكرية؛ لكن تلك الأصوات كانت تغرق وسط بحر كامل من التعداد السكاني الضخم في الشمال، وما عسى أن تكون الأصوات الجنوبية مقابل كل ذلك، وهنا انكشف الغطاء عن الاشتراكي!