#محمد_عبدالله_العرشي
بسم الله الرحمن الرحيم
من أعلام #محافظة_عدن
البروفيسور #محمد_عبده_غانم
ابن #عدن الذي تماهى في حب مدينة #صنعاء
مقدمة:
يسرني أن أكتب عن #عدن عن علم من أعلامها، علمٌ له شموح كشموخ جبل شمسان،
وهو البروفيسور الدكتور ؛
محمد عبده #غانم
الذي أحب مدينة عدن وتماهى في عشق مدينة صنعاء، فتغنى في حبها بأجمل القصائد، ومن قصائده التي وصف فيها مدينة صنعاء، قصيدة عصماء وردت في الأعمال الكاملة له والتي أصدرته وزارة الثقافة والسياحة ضمن إصدارات صنعاء عاصمة الثقافة العربية 2004م أورد منها هذه الأبيات:
صنعاء يا مهد المباهج في السهول وفي الجبال
يا روعة السفح الوريف يمده ثبج الأعالي
(نُقُمٌ) تتوجه الغمائم بالمهابة والجلال
لما أطل بحاجبيه على المشارف والتلال
والجدول الثرَّارُ صفق بالبرود من الزلال
والروضة الغناء ترقص بالخميل وبالدوالي
والزهر يفهق بالعبير على الأماليد الطوال
والطير يهتف في البكور وفي الأصائل بالأمالي
و(المفرج) الريان يخفق بالندي من الغوالي
والمزهر الرنان من أيام زلزل أو دلال
واللحن (للعنسي) في كلماته آي المقال
و(الأنسي) وقد أجاب فجاء بالسحر الحلال
وأعاد ما قد كان (للمَزَّاحِ) من سبق المجال
و(الكوكباني) الكبير بفنه الفذ النوال
فن (الحميني) و(الموشح) حين يخطر في إختيال
فتميس لليمن الكريمة فيه آيات الكمال
د. محمد عبده غانم (1912م – 1993م)
ولد محمد عبده غانم في عدن عام 1912م وتوفي في صنعاء عام 1994م. وقد تخرج من الجامعة الأميركية ببيروت في مجال الآداب، بمرتبة الشرف الأولى عام 1936م واحتل المرتبة الأولى على دفعته، وهو أول خريج جامعي يمني، كما يقال أنه أول خريج جامعي من جامعة متخصصة في الجزيرة العربية. وفي عام 1937م حصل على شهادة في التعليم من الجامعة نفسها، ثم حصل على دبلوم المعلمين من لندن عام 1948م، وحصل على الدكتوراه في فلسفة الآداب من جامعة لندن عام 1963م عن أطروحته عن شعر الغناء الصنعاني. ثم عمل في حقل التربية والتعليم، وتدرج في سلم التعليم حتى صار مديراً للمعارف في عدن، ثم عمل مدرساً (بروفيسور) في جامعة الخرطوم، وجامعة صنعاء التي أنهى خدماته فيها عميداً للدراسات العليا ومستشاراً لرئيس جامعة صنعاء.. وعميداً لكلية التربية في جامعة صنعاء، له العديد من الإصدارات من الدواوين الشعرية والنثرية إضافة إلى أعماله المسرحية، ومن أعماله: "على الشاطىء المسحور" 1946م ويعتبر هو أول دواوينه، "موج وصخر" 1962 ، "حتى يطلع الفجر" 1970، "الموجة السادسة" 1985، وصدرت له : "الأعمال الكاملة".
أشاد به الكثير من الأدباء والمفكرين اليمنيين والعرب، فقد قال عنه د. عبدالعزيز المقالح في إضاءة كتبها في الأعمال الكاملة للدكتور/ محمد عبده غانم: (اعترف – منذ البداية – أنني أغدو ضعيفاً، وقلمي يغدو أضعف مني وذلك كلما اقتربت من أي انتاج أدبي لأحد شاعرين أحس نحوهما أكثر من غيرهما من شعراء اليمن بتقدير خاص، واحترام نابع من أعماق النفس. والشاعران هما الأستاذ الشهيد محمد محمود الزبيري، والأستاذ الدكتور محمد عبده غانم. أما الأول فلنضاله الكبير ولظله الوارف على حياتنا الثقافية وعلى حياتنا الوطنية، وأما الثاني فلنضاله الواضح على حياتنا الثقافية أيضاً، ولجهده الواسع في مجال التربية، حيث أن يكون جهاده، في أن يصنع رعيلاً من المجاهدين في كل مجال...)، ويعتبر الدكتور غانم أول جامعي في الجزيرة العربية، فقد تخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1936م. وكان قد بدأ في هذه الجامعة بدراسة الطب، ثم تحول إلى الدراسات الأدبية..
ونلاحظ أن الدكتور محمد ممتلئاً بأحاسيس ملتهبة، ونلاحظ هذه الأحاسيس في ثنايا سطور كتاباته الشعرية والنثرية المختلفة، فنراه يفتتن ويُسحر بالشاطئ فتُولِد أحاسيسه واهاجيسه الشعري أبياتاً وقصائد تتغنى وتتغزل بالشاطئ، ويذكر أصدقائه أنه كان يعشق شاطئ صيرة وشاطئ جولد مور الذي كان كثير التردد عليه هو وأصدقائه، ولا أخفيكم سراً أن الدكتور محمد كان يهوى الرسم ورسم ما يهواه ويعشقه فكان يرسم جبل صيرة بالألوان المائية، بل أنه كان ينتمي إلى نادٍ للرسم..
من حبه لمدينة صنعاءحقق مؤلفات عن الشعر الغنائي الصنعاني
كان الأديب الكبير والشاعر المبدع الدكتور/ محمد عيده غانم، متذوقاً للشعر اليمني ككل، متغلغلاً في أنواعه بمختلف تسمياته وأنواعه وأصنافه، فلم يأخذه تأليفه للشعر أو النثر أو المسرحيات الشعرية عن متعة قراءة شعر غيره من الشعراء وأدبهم، ولأنه أحب اليمن وطنه، وأحب صنعاء وشعرها وأهلها وكل شيء فيها، فقد تذوق الشعر الصنعاني وتمتع وهام به، فتجاوز كل درجات العشق التي وصل إليها أكبر العشاق، فلم يكتف بالتغني بها في قصائده بل ذهب إلى تحقيق كل ما يتعلق بها من أدب وشعر، ومن تحقيقاته ديوان (صنعاء حوت كل فن) للشاعر الكبير/ أحمد بن حسين المفتي..
بسم الله الرحمن الرحيم
من أعلام #محافظة_عدن
البروفيسور #محمد_عبده_غانم
ابن #عدن الذي تماهى في حب مدينة #صنعاء
مقدمة:
يسرني أن أكتب عن #عدن عن علم من أعلامها، علمٌ له شموح كشموخ جبل شمسان،
وهو البروفيسور الدكتور ؛
محمد عبده #غانم
الذي أحب مدينة عدن وتماهى في عشق مدينة صنعاء، فتغنى في حبها بأجمل القصائد، ومن قصائده التي وصف فيها مدينة صنعاء، قصيدة عصماء وردت في الأعمال الكاملة له والتي أصدرته وزارة الثقافة والسياحة ضمن إصدارات صنعاء عاصمة الثقافة العربية 2004م أورد منها هذه الأبيات:
صنعاء يا مهد المباهج في السهول وفي الجبال
يا روعة السفح الوريف يمده ثبج الأعالي
(نُقُمٌ) تتوجه الغمائم بالمهابة والجلال
لما أطل بحاجبيه على المشارف والتلال
والجدول الثرَّارُ صفق بالبرود من الزلال
والروضة الغناء ترقص بالخميل وبالدوالي
والزهر يفهق بالعبير على الأماليد الطوال
والطير يهتف في البكور وفي الأصائل بالأمالي
و(المفرج) الريان يخفق بالندي من الغوالي
والمزهر الرنان من أيام زلزل أو دلال
واللحن (للعنسي) في كلماته آي المقال
و(الأنسي) وقد أجاب فجاء بالسحر الحلال
وأعاد ما قد كان (للمَزَّاحِ) من سبق المجال
و(الكوكباني) الكبير بفنه الفذ النوال
فن (الحميني) و(الموشح) حين يخطر في إختيال
فتميس لليمن الكريمة فيه آيات الكمال
د. محمد عبده غانم (1912م – 1993م)
ولد محمد عبده غانم في عدن عام 1912م وتوفي في صنعاء عام 1994م. وقد تخرج من الجامعة الأميركية ببيروت في مجال الآداب، بمرتبة الشرف الأولى عام 1936م واحتل المرتبة الأولى على دفعته، وهو أول خريج جامعي يمني، كما يقال أنه أول خريج جامعي من جامعة متخصصة في الجزيرة العربية. وفي عام 1937م حصل على شهادة في التعليم من الجامعة نفسها، ثم حصل على دبلوم المعلمين من لندن عام 1948م، وحصل على الدكتوراه في فلسفة الآداب من جامعة لندن عام 1963م عن أطروحته عن شعر الغناء الصنعاني. ثم عمل في حقل التربية والتعليم، وتدرج في سلم التعليم حتى صار مديراً للمعارف في عدن، ثم عمل مدرساً (بروفيسور) في جامعة الخرطوم، وجامعة صنعاء التي أنهى خدماته فيها عميداً للدراسات العليا ومستشاراً لرئيس جامعة صنعاء.. وعميداً لكلية التربية في جامعة صنعاء، له العديد من الإصدارات من الدواوين الشعرية والنثرية إضافة إلى أعماله المسرحية، ومن أعماله: "على الشاطىء المسحور" 1946م ويعتبر هو أول دواوينه، "موج وصخر" 1962 ، "حتى يطلع الفجر" 1970، "الموجة السادسة" 1985، وصدرت له : "الأعمال الكاملة".
أشاد به الكثير من الأدباء والمفكرين اليمنيين والعرب، فقد قال عنه د. عبدالعزيز المقالح في إضاءة كتبها في الأعمال الكاملة للدكتور/ محمد عبده غانم: (اعترف – منذ البداية – أنني أغدو ضعيفاً، وقلمي يغدو أضعف مني وذلك كلما اقتربت من أي انتاج أدبي لأحد شاعرين أحس نحوهما أكثر من غيرهما من شعراء اليمن بتقدير خاص، واحترام نابع من أعماق النفس. والشاعران هما الأستاذ الشهيد محمد محمود الزبيري، والأستاذ الدكتور محمد عبده غانم. أما الأول فلنضاله الكبير ولظله الوارف على حياتنا الثقافية وعلى حياتنا الوطنية، وأما الثاني فلنضاله الواضح على حياتنا الثقافية أيضاً، ولجهده الواسع في مجال التربية، حيث أن يكون جهاده، في أن يصنع رعيلاً من المجاهدين في كل مجال...)، ويعتبر الدكتور غانم أول جامعي في الجزيرة العربية، فقد تخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1936م. وكان قد بدأ في هذه الجامعة بدراسة الطب، ثم تحول إلى الدراسات الأدبية..
ونلاحظ أن الدكتور محمد ممتلئاً بأحاسيس ملتهبة، ونلاحظ هذه الأحاسيس في ثنايا سطور كتاباته الشعرية والنثرية المختلفة، فنراه يفتتن ويُسحر بالشاطئ فتُولِد أحاسيسه واهاجيسه الشعري أبياتاً وقصائد تتغنى وتتغزل بالشاطئ، ويذكر أصدقائه أنه كان يعشق شاطئ صيرة وشاطئ جولد مور الذي كان كثير التردد عليه هو وأصدقائه، ولا أخفيكم سراً أن الدكتور محمد كان يهوى الرسم ورسم ما يهواه ويعشقه فكان يرسم جبل صيرة بالألوان المائية، بل أنه كان ينتمي إلى نادٍ للرسم..
من حبه لمدينة صنعاءحقق مؤلفات عن الشعر الغنائي الصنعاني
كان الأديب الكبير والشاعر المبدع الدكتور/ محمد عيده غانم، متذوقاً للشعر اليمني ككل، متغلغلاً في أنواعه بمختلف تسمياته وأنواعه وأصنافه، فلم يأخذه تأليفه للشعر أو النثر أو المسرحيات الشعرية عن متعة قراءة شعر غيره من الشعراء وأدبهم، ولأنه أحب اليمن وطنه، وأحب صنعاء وشعرها وأهلها وكل شيء فيها، فقد تذوق الشعر الصنعاني وتمتع وهام به، فتجاوز كل درجات العشق التي وصل إليها أكبر العشاق، فلم يكتف بالتغني بها في قصائده بل ذهب إلى تحقيق كل ما يتعلق بها من أدب وشعر، ومن تحقيقاته ديوان (صنعاء حوت كل فن) للشاعر الكبير/ أحمد بن حسين المفتي..
ولابد لأي محقق أن يعجب بما سيحققه من مصنف أدبي أو تاريخي، وعند الإطلاع على قصائد هذا الديوان نجده يحتوي على الكثير من القصائد الرائعة التي جذبت وسبت المحقق د. محمد عبده غانم، نورد من هذه القصائد القصيدة الرابعة في الديوان، والتي تتكون من (35) بيتاً، منها:
يقرب الله لي بالعافية والسلامة
وصل الحبيب الأغن
من حاز كل المحاسن والحلا والوسامة
وكل معنى حسن
ونسأله الله تعالى عودنا من تهامة
إلى سفح صنعا اليمن
لأنّ صنعاء سقاها الله فيض الغمامه
منزل حوى كلّ فن
وكذا القصيدة الثامنة.. تتكون من (20) بيتاً، منها:
حبّ صنعاء لقلبي قد سحر
وأراني الدجى فيها سنى
الصغير من كواكبها قمر
وهديل الحمام فيها غُنا
إنما الطل فيها كالمطر
والقناعه بها رأس الغنى
لا أقول أن لي فيها وطر
ما حوى سور صنعا لي منى
والقصيدة الخامسة عشرة من الديوان، تتكون من (23)بيتاً، منها:
من ذاق طعم الهوى هانت عليه العظايم
وذلّ له واحتكم
ومن تولَّع بحب الناهدات النواعم
صيَّر وجوده عدم
كيف الخلاص من عيون العين والحب حاكم
والقلب لحمه ودم
لكنّ ذلّ الهوى عزّه وذا شيء لازم
ادخل إذا لك قَسم
وكذا القصيدة السادسة عشرة.. تتكون من (26) بيتاً، منها:
الله لا غيبك يا قاسي القلب عنَّا
ولا عرفت البعاد
ولا امتحن طرفك الساجي بما امتحنَّا
من البكا والسهاد
وما دعينا لكم إلا بما قد عرفنا
في الحبّ حكم الفساد
وإلا فما أحَّد حَمَلْ في حبَّكم ما حملنا
وهام في كلّ واد
وحقق الدكتور محمد عبده غانم ديوان القاضي أحمد بن عبدالرحمن الآنسي المسمى (زمان الصبا)، وبه قصائد تفتن القارئ البسيط من أول وهلة فما بالك بأستاذ الشعر ودكتور الأدب/ غانم، ونورد منه بعض القصائد وعدد من أبياتها على النحو التالي:
القصيدة الأولى في الديوان، وتتكون من (24) بيتاً، منها:
الدهر بالقرب قد أسفر
وطالما قد مضى حالِك
وكلّ من في الوجود أنور
بوجه محبوبي المالك
والكون بالاجتماع أزهر
والحمد لله على ذلك
وكذا، القصيدة السابعة تتكون من (17) بيت.. منها:
قال المعنّى لِمِه يا خل روحي فِدا لَك
شاروح في عشقتك
والحال أني مُولَّع بك وعاشق جمالك
والروح في قبضتك
لِمَه لِمَه شاتحاربني بهذا مطالك
والهجر يا عَيْبَتَك
وكذا، القصيدة الثامنة.. تتكون من (24) بيتاً، منها:
أهلاً بسيدي وسيد الناس
أهلاً بسيدي وسيد أهلي
اهلين يا منتهى الأنفاس
اهلين يا منتهى سؤلي
شرّفتني يا قُضيب الآس
يا راعي القِلشةَ المَجلي
جِي فوق عيني وفوق الراس
ما هُو على القاع يا خلّي
د. محمد عبده غانم شاعراً مبدعاً
أصدر الدكتور محمد عبده غانم ديوانه الأول بعنوان "على الشاطئ المسحور" عام 1946م، وكان يقصد بالشاطئ المسحور هي شواطئ عدن الجميلة، فشاعرنا تغنى في كثير من قصائده بعدن وبشواطئها الجميلة، سواءً في هذا الديوان أو في دواوينه الأخرى، كما أن مسرحياته لم تخلو من ذكر عدن والأحداث التاريخية التي جرت فيها..
كما أن أشعار الدكتور غانم يشهد لها الجميع أنها مليئة بالرومانسية، وقد شهد له الأستاذ الدكتور عبدالعزيز المقالح أنه كان أول من أدخل الرومانسية في الشعر اليمني..
ولم يقتصر شعر الشاعر الكبير د. محمد عبده غانم التغزل والهيام والمدح للحيبب وللأماكن، بل أنه في قصيدة بعنوان (القلم العدني) وهذا العنوان هو اسم صحيفة تصدر من عدن.. وعدد أبياتها (23)بيتاً، نورد منها:
انفثِ السحرَ يا قلم
وانثر النورَ في الظلم
فيكَ سرٌّ مقدسٌ
ينفخ الروح في الرمم
لك فينا رسالةٌ
تبلغ الأخرس الأصم
هاتِ حدِّث عن العلا
وعن النبلِ والشمَم
وعن الصدق والحجى
وعن الفضل والكرم
عالم الحق والفضا
ئلِ كم فيه من نِعَم
وهنا قصيدة أخرى بعنوان (في رحاب أروى)، وأروى هنا المقصود بها السيدة بنت أحمد الصليحي، وهذه قصيدة كبيرة تتكون من (45)بيتاً، نورد منها الأبيات التالية:
هنا كنتِ في جبلة تحكمين
وفي صولةٍ تبهر العالمين
تعيدين بلقيس في مجدها
ومن مثلها بالمعالي قمين
أقامتُ على مأربٍ جنتين
فذات الشمال وذات اليمين
تغنيهما الطير لحن النسيم
على نفحة الفلّ والياسمين
وتهديهما وارفات الكروم
روائع من عبقر الملهمين
تذوب العناقيد في كأسهم
فتضرمها شعلة لا تمين
وكانوا إذا أنشدوا قبلها
نشيد الهوى عن هداها عمين
وكان الشاعر الكبير د. محمد عبده غانم أحد الطامحين إلى الوحدة بين شطري اليمن والمنادين بضرورة عودة اليمن واحداً، وهذه قصيدة بعنوان (في سبيل الوحدة اليمنية) ومن العنوان يتبين أن هذه القصيدة كتبها شاعرنا قبل قيام الوحدة عام 1990م، وهذا نابع من رقة مشاعره وأحاسيسه الوطنية التي جعلته يتوق إلى الوحدة اليمنية، وهذه القصيدة تتكون من (28)بيتاً، منها:
الأهل أهلي والبلادُ بلادي
يقرب الله لي بالعافية والسلامة
وصل الحبيب الأغن
من حاز كل المحاسن والحلا والوسامة
وكل معنى حسن
ونسأله الله تعالى عودنا من تهامة
إلى سفح صنعا اليمن
لأنّ صنعاء سقاها الله فيض الغمامه
منزل حوى كلّ فن
وكذا القصيدة الثامنة.. تتكون من (20) بيتاً، منها:
حبّ صنعاء لقلبي قد سحر
وأراني الدجى فيها سنى
الصغير من كواكبها قمر
وهديل الحمام فيها غُنا
إنما الطل فيها كالمطر
والقناعه بها رأس الغنى
لا أقول أن لي فيها وطر
ما حوى سور صنعا لي منى
والقصيدة الخامسة عشرة من الديوان، تتكون من (23)بيتاً، منها:
من ذاق طعم الهوى هانت عليه العظايم
وذلّ له واحتكم
ومن تولَّع بحب الناهدات النواعم
صيَّر وجوده عدم
كيف الخلاص من عيون العين والحب حاكم
والقلب لحمه ودم
لكنّ ذلّ الهوى عزّه وذا شيء لازم
ادخل إذا لك قَسم
وكذا القصيدة السادسة عشرة.. تتكون من (26) بيتاً، منها:
الله لا غيبك يا قاسي القلب عنَّا
ولا عرفت البعاد
ولا امتحن طرفك الساجي بما امتحنَّا
من البكا والسهاد
وما دعينا لكم إلا بما قد عرفنا
في الحبّ حكم الفساد
وإلا فما أحَّد حَمَلْ في حبَّكم ما حملنا
وهام في كلّ واد
وحقق الدكتور محمد عبده غانم ديوان القاضي أحمد بن عبدالرحمن الآنسي المسمى (زمان الصبا)، وبه قصائد تفتن القارئ البسيط من أول وهلة فما بالك بأستاذ الشعر ودكتور الأدب/ غانم، ونورد منه بعض القصائد وعدد من أبياتها على النحو التالي:
القصيدة الأولى في الديوان، وتتكون من (24) بيتاً، منها:
الدهر بالقرب قد أسفر
وطالما قد مضى حالِك
وكلّ من في الوجود أنور
بوجه محبوبي المالك
والكون بالاجتماع أزهر
والحمد لله على ذلك
وكذا، القصيدة السابعة تتكون من (17) بيت.. منها:
قال المعنّى لِمِه يا خل روحي فِدا لَك
شاروح في عشقتك
والحال أني مُولَّع بك وعاشق جمالك
والروح في قبضتك
لِمَه لِمَه شاتحاربني بهذا مطالك
والهجر يا عَيْبَتَك
وكذا، القصيدة الثامنة.. تتكون من (24) بيتاً، منها:
أهلاً بسيدي وسيد الناس
أهلاً بسيدي وسيد أهلي
اهلين يا منتهى الأنفاس
اهلين يا منتهى سؤلي
شرّفتني يا قُضيب الآس
يا راعي القِلشةَ المَجلي
جِي فوق عيني وفوق الراس
ما هُو على القاع يا خلّي
د. محمد عبده غانم شاعراً مبدعاً
أصدر الدكتور محمد عبده غانم ديوانه الأول بعنوان "على الشاطئ المسحور" عام 1946م، وكان يقصد بالشاطئ المسحور هي شواطئ عدن الجميلة، فشاعرنا تغنى في كثير من قصائده بعدن وبشواطئها الجميلة، سواءً في هذا الديوان أو في دواوينه الأخرى، كما أن مسرحياته لم تخلو من ذكر عدن والأحداث التاريخية التي جرت فيها..
كما أن أشعار الدكتور غانم يشهد لها الجميع أنها مليئة بالرومانسية، وقد شهد له الأستاذ الدكتور عبدالعزيز المقالح أنه كان أول من أدخل الرومانسية في الشعر اليمني..
ولم يقتصر شعر الشاعر الكبير د. محمد عبده غانم التغزل والهيام والمدح للحيبب وللأماكن، بل أنه في قصيدة بعنوان (القلم العدني) وهذا العنوان هو اسم صحيفة تصدر من عدن.. وعدد أبياتها (23)بيتاً، نورد منها:
انفثِ السحرَ يا قلم
وانثر النورَ في الظلم
فيكَ سرٌّ مقدسٌ
ينفخ الروح في الرمم
لك فينا رسالةٌ
تبلغ الأخرس الأصم
هاتِ حدِّث عن العلا
وعن النبلِ والشمَم
وعن الصدق والحجى
وعن الفضل والكرم
عالم الحق والفضا
ئلِ كم فيه من نِعَم
وهنا قصيدة أخرى بعنوان (في رحاب أروى)، وأروى هنا المقصود بها السيدة بنت أحمد الصليحي، وهذه قصيدة كبيرة تتكون من (45)بيتاً، نورد منها الأبيات التالية:
هنا كنتِ في جبلة تحكمين
وفي صولةٍ تبهر العالمين
تعيدين بلقيس في مجدها
ومن مثلها بالمعالي قمين
أقامتُ على مأربٍ جنتين
فذات الشمال وذات اليمين
تغنيهما الطير لحن النسيم
على نفحة الفلّ والياسمين
وتهديهما وارفات الكروم
روائع من عبقر الملهمين
تذوب العناقيد في كأسهم
فتضرمها شعلة لا تمين
وكانوا إذا أنشدوا قبلها
نشيد الهوى عن هداها عمين
وكان الشاعر الكبير د. محمد عبده غانم أحد الطامحين إلى الوحدة بين شطري اليمن والمنادين بضرورة عودة اليمن واحداً، وهذه قصيدة بعنوان (في سبيل الوحدة اليمنية) ومن العنوان يتبين أن هذه القصيدة كتبها شاعرنا قبل قيام الوحدة عام 1990م، وهذا نابع من رقة مشاعره وأحاسيسه الوطنية التي جعلته يتوق إلى الوحدة اليمنية، وهذه القصيدة تتكون من (28)بيتاً، منها:
الأهل أهلي والبلادُ بلادي
يمنيَّةٌ في حاضرٍ أو بادي
لا فرق بين "عبادل" و "عواذل"
و"بكيل" في التاريخ والميلاد
أو بين "شمسان" الأشمّ وصنوه
ردفان أو ضوران في الأطواد
أو بين واد سال من "ورزان" في
"تبن" وآخر في "بنا" ميَّادِ
حييت يا وطني الحبيب ولم تزل
وطن الكرام الصيد من شداد
ولأن شاعرنا من أبناء هذا الشعب، وعاش بين أفراده، يتألم كما يتألمون، ويفرح لفرحهم، ويحزن لأبسط سوء يمسهم، فقد أرخ ليومٍ مشؤوم في تاريخ اليمن عامة وتاريخ عدن خاصة، وهو تاريخ دخول البريطانيين واحتلالهم لعدن.. فكتب قصيدته وعنونها بتاريخ هذا اليوم (19 يناير 1839م)، وقد أسهب وزاد في أبياتها حتى وصلت إلى (50) بيتاً، ونحن هنا لضيق المجال المحدد لنا، نورد منها الأبيات التالية:
في عصر هذا اليوم حل بداري
جيشُ الطغاة وطغمةُ الأشرارِ
زعموا بأن لهم لدينا مركباً
نهبتهُ أيدي البدو ذات نهارِ
قد سار في عرض البحار محمّلاً
بنفائس الأعلاق من "ملبار"
حتى رمتهُ على سواحل "أبين"
أمواجُ يمٍّ صاخبٍ فوّارِ
وكذلك شأنُ الظالمين فإنهم
يستمرئون الظلمَ بالأعذارِ
ولم يخلُ أدب وشعر الدكتور محمد عبده غانم من الأناشيد الحماسية والثورية والوطنية، ونورد بعضاً منها والتي وردت في أعماله الكاملة، ومنها (نشيد سل بنا الميدان)، نورد منه الأتي:
سَلْ بِنا الميدانَ فالميدانُ أدرى بالرجالْ
نَحْن أبطالُ الحسيني قد خرجنا للنزالْ
كالسيول الجارفات
والرعود القاصفات
لا نبالي إن ألمَّ الخَطْبُ أو ضاق المجالْ
سَل بِنا الميدانَ يُنْبئْكَ بصوتٍ رائعْ
بهجوم الصاعقات
ودفاعِ الراسيات
ونشيد أخر بعنوان (نشيد ديار اليمن) يتكون من (12) بيتاً، نورد منه الأبيات التالية:
دياري، دياري، ديار اليمن
ومن سفح صنعاء حتى عدن
وهبنا لك الروحَ قبل البدن
وقلَّت لك الروحُ منا ثمن
دياري، دياري، ديار اليمن
وهنا نشيد أخر عن حبه الآزلي (عدن)، التي قل أن ينساها في قصيدة من قصائده، بعنوان (نشيد عدن)، نورد منها الأبيات التالية:
عدن قد وهبتنا
للعلا والمكرمات
وثباتاً منحتنا
كالجبال الراسخات
لا فرق بين "عبادل" و "عواذل"
و"بكيل" في التاريخ والميلاد
أو بين "شمسان" الأشمّ وصنوه
ردفان أو ضوران في الأطواد
أو بين واد سال من "ورزان" في
"تبن" وآخر في "بنا" ميَّادِ
حييت يا وطني الحبيب ولم تزل
وطن الكرام الصيد من شداد
ولأن شاعرنا من أبناء هذا الشعب، وعاش بين أفراده، يتألم كما يتألمون، ويفرح لفرحهم، ويحزن لأبسط سوء يمسهم، فقد أرخ ليومٍ مشؤوم في تاريخ اليمن عامة وتاريخ عدن خاصة، وهو تاريخ دخول البريطانيين واحتلالهم لعدن.. فكتب قصيدته وعنونها بتاريخ هذا اليوم (19 يناير 1839م)، وقد أسهب وزاد في أبياتها حتى وصلت إلى (50) بيتاً، ونحن هنا لضيق المجال المحدد لنا، نورد منها الأبيات التالية:
في عصر هذا اليوم حل بداري
جيشُ الطغاة وطغمةُ الأشرارِ
زعموا بأن لهم لدينا مركباً
نهبتهُ أيدي البدو ذات نهارِ
قد سار في عرض البحار محمّلاً
بنفائس الأعلاق من "ملبار"
حتى رمتهُ على سواحل "أبين"
أمواجُ يمٍّ صاخبٍ فوّارِ
وكذلك شأنُ الظالمين فإنهم
يستمرئون الظلمَ بالأعذارِ
ولم يخلُ أدب وشعر الدكتور محمد عبده غانم من الأناشيد الحماسية والثورية والوطنية، ونورد بعضاً منها والتي وردت في أعماله الكاملة، ومنها (نشيد سل بنا الميدان)، نورد منه الأتي:
سَلْ بِنا الميدانَ فالميدانُ أدرى بالرجالْ
نَحْن أبطالُ الحسيني قد خرجنا للنزالْ
كالسيول الجارفات
والرعود القاصفات
لا نبالي إن ألمَّ الخَطْبُ أو ضاق المجالْ
سَل بِنا الميدانَ يُنْبئْكَ بصوتٍ رائعْ
بهجوم الصاعقات
ودفاعِ الراسيات
ونشيد أخر بعنوان (نشيد ديار اليمن) يتكون من (12) بيتاً، نورد منه الأبيات التالية:
دياري، دياري، ديار اليمن
ومن سفح صنعاء حتى عدن
وهبنا لك الروحَ قبل البدن
وقلَّت لك الروحُ منا ثمن
دياري، دياري، ديار اليمن
وهنا نشيد أخر عن حبه الآزلي (عدن)، التي قل أن ينساها في قصيدة من قصائده، بعنوان (نشيد عدن)، نورد منها الأبيات التالية:
عدن قد وهبتنا
للعلا والمكرمات
وثباتاً منحتنا
كالجبال الراسخات
#بلقيس
ملكة #سبأ بين الجدل التاريخي والتدوين الأسطوري.. دراسة تحليلية في ضوء النص القرآني
#توفيق_السامعي
تسمية (بلقيس)
لقد ذكر القرآن الكريم، وكذلك كتب العهد القديم والجديد، قصة ملكة سبأ مع النبي سليمان مجرداً من أية تسمية؛ بل ذكرها بالصفة (ملكة سبأ)، وليس (بلقيس)، ولم يُعثَر - حتى اليوم- على هذا الإسم ولا الملكة في أي من النقوش سواء كانت مسندية أو غيرها من الكتابات المختلفة، ولذلك فإن هذا الإسم من اجتهادات الرواة الإخباريين في كتبهم الكلاسيكية التي تورد الغث والسمين، دون تمحيص وتثبت وتحليل للأحداث والوقائع والأسماء، والتواريخ، أو حتى عن من نقلوا عنهم، سواء بالتواتر الروائي أو بالتدوين.
ومن خلال تتبع هذه المصادر فإنه لم يتم التعرف -حتى الآن- عن أول من أطلق عليها هذا الإسم والذي صار معمماً في كل المصادر التاريخية، مع أن الكتب السماوية لم تذكرها بالإسم بل بالمكانة والصفة (ملكة سبأ)، والفعل (فعل زيارة سليمان).
إذ "لم تذكر التوراة اسم هذه الملكة، ولا اسم العاصمة أو الأرض التي كانت تقيم بها"( ).
تعتبر النقوش المسندية اليوم هي أم الدلائل على حقيقة أية قصة أو تسمية، ولا يوجد هذا الإسم حتى اليوم.
فاسم "بلقيس" كلمة منقولة "عن العبرية Peligesh المأخوذ عن اليونانية ويعني: الجارية أو المحظية"( ).
"والهمداني هو من أعطى اسمها بعداً يمنياً، وفي هذا يقول: إن بلقيس واسمها بلقمه بنت الشرح بن ذي جدن بن إليشرح بن الحارث بن قيس صيفي"( ).
حتى هنا نجد أن الهمداني يخلط بين الأسماء اليمنية والعربية الشمالية؛ فالحارث وقيس لم يعرفا كاسمين يمنيين في الزمن السبئي الأول، إلا قبل الإسلام بقليل عند اختلاط العرب بعضهم ببعض.
فهذا الإسم (بلقيس) أساساً لا يتوافق مع التسميات اليمنية القديمة؛ إذ لا نجد اسماً لامرأة أو رجلاً انتهى بحرف السين إلا الضمير الغائب عند المعينيين والحضرميين والقتبانيين والأوسانيين؛ كأن يقول مثلاً: حقسو (حقه).
ودأبت بعد ذلك كل كتب المؤرخين، ومن بعدهم الباحثون المحدثون، يذكرون هذه التسمية دون أن يمحصوها ويعيدوها إلى الأصل، وإذا ما كشفت نقوش مستقبلية عن هذه القصة سيتبين كل شيء منها وحقيقتها. ومثلما لم يمحصوا أصل تسميتها والتأكد منها وقصتها بشكل عام، كذلك ألفوا أسطورة ولادتها من أم "جنية"!
ولاشك أن لذلك علاقة بلقائها بسليمان -عليه السلام- ومعرفة ضخامة ملكه، يبدو أن قصتها ألفت تأليفاً بعد ذلك اللقاء، وربطت بتلك الزيارة، فكان ملهماً للرواة الإخباريين أن يربطوا قصة ولادتها بالجن، وأن نصفها الآخر كان من الجن ليضفي لها نوعاً من الرهبة والهيبة يجعلها في مكانة عليا بين قومها حتى يسلموا بحكم امرأة لهم؛ أي تاريخ مصطنع وليس حقيقة، أصطنع بعد تلك الزيارة بأجيال وليس قبلها أو أثناء ولادتها.
أما وإن البحث هنا يناقش أمر هذه الملكة العظيمة وملكها الأعظم فعلينا أن نعرج على تسمية (بلقيس) عند الإخباريين العرب، وكيف تعمم هذا الإسم، واستنتاجنا حول هذه التسمية.
فقد حير إسم (بلقيس) اللغويين والمؤرخين كونه لم يرد في أي من النصوص التاريخية للنقوش المسندية.
وهنا سنضطر أن نورد بعضاً من هذه الآراء، كما ورد في كتاب (بلقيس امرأة الألغاز وشيطانة الجنس – زياد منى)، الذي شمل كل التعريفات والآراء لهذا الإسم سواء عند الإخباريين العرب أو المؤرخين اليونانيين، أو ما جاء منها عند المؤرخين اليهود في العهد القديم، وكذا عند المستشرقين في العصر الحديث.
1- سجل سبط بن الجوزي (توفي سنة 1257م) في مؤلفه (كتاب مرآة الزمان في تاريخ الأعيان) أن "بلقيس لقب لها واسمها بلقمه بنت الهدهاد بن شرحبيل"( ).
2- وقام ابن سعيد (ت 1286م أو 1274م) بالإشارة إليها في مؤلفه (كتاب نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب) على نحو "بلقيس بنت الهدهاد"( ).
3- وسجل الفيروز أبادي (توفي 1414م) في معجمه (القاموس المحيط) تحت باب الهمزة التالي:
"سبأ بلدة بلقيس، ولقب يشجب بن يعرب واسمه عبد شمس يجمع قبائل اليمن عامة"( ).
4- وسجل المسعودي (توفي سنة 957م) في مؤلفه (مروج الذهب) "اسمها على نحو بلقيس بنت الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو الرائش"( ).
5- أما ابن خلدون (توفي سنة 1406م) فيسجل في مؤلفه (كتاب العِبَر) – نقلاً عن المسعودي- أن اسم بلقيس يلقمه بنت إليشرح بن الحرث بن قيس. ولكننا نجد أنه يسجل – نقلاً عن أبي الحسن الجرجاني عن آخرين القول: "حتى نشأت بلقيس بنت إليشرح بن ذي جدن بن إليشرح بن الحرث بن قيس بن صيفي فقتلته غيلة، ثم ملكت"( ).
6- ويعرف ابن حزم (توفي سنة 1064م) بلقيس بأنها "بلقيس بنت إيلي أشرح بن ذي جدد بن إيلي أشرح بن الحارث بن قيس بن صيفي، وهم من التبابعة، وهم من بني حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ...إلخ"( ).
ملكة #سبأ بين الجدل التاريخي والتدوين الأسطوري.. دراسة تحليلية في ضوء النص القرآني
#توفيق_السامعي
تسمية (بلقيس)
لقد ذكر القرآن الكريم، وكذلك كتب العهد القديم والجديد، قصة ملكة سبأ مع النبي سليمان مجرداً من أية تسمية؛ بل ذكرها بالصفة (ملكة سبأ)، وليس (بلقيس)، ولم يُعثَر - حتى اليوم- على هذا الإسم ولا الملكة في أي من النقوش سواء كانت مسندية أو غيرها من الكتابات المختلفة، ولذلك فإن هذا الإسم من اجتهادات الرواة الإخباريين في كتبهم الكلاسيكية التي تورد الغث والسمين، دون تمحيص وتثبت وتحليل للأحداث والوقائع والأسماء، والتواريخ، أو حتى عن من نقلوا عنهم، سواء بالتواتر الروائي أو بالتدوين.
ومن خلال تتبع هذه المصادر فإنه لم يتم التعرف -حتى الآن- عن أول من أطلق عليها هذا الإسم والذي صار معمماً في كل المصادر التاريخية، مع أن الكتب السماوية لم تذكرها بالإسم بل بالمكانة والصفة (ملكة سبأ)، والفعل (فعل زيارة سليمان).
إذ "لم تذكر التوراة اسم هذه الملكة، ولا اسم العاصمة أو الأرض التي كانت تقيم بها"( ).
تعتبر النقوش المسندية اليوم هي أم الدلائل على حقيقة أية قصة أو تسمية، ولا يوجد هذا الإسم حتى اليوم.
فاسم "بلقيس" كلمة منقولة "عن العبرية Peligesh المأخوذ عن اليونانية ويعني: الجارية أو المحظية"( ).
"والهمداني هو من أعطى اسمها بعداً يمنياً، وفي هذا يقول: إن بلقيس واسمها بلقمه بنت الشرح بن ذي جدن بن إليشرح بن الحارث بن قيس صيفي"( ).
حتى هنا نجد أن الهمداني يخلط بين الأسماء اليمنية والعربية الشمالية؛ فالحارث وقيس لم يعرفا كاسمين يمنيين في الزمن السبئي الأول، إلا قبل الإسلام بقليل عند اختلاط العرب بعضهم ببعض.
فهذا الإسم (بلقيس) أساساً لا يتوافق مع التسميات اليمنية القديمة؛ إذ لا نجد اسماً لامرأة أو رجلاً انتهى بحرف السين إلا الضمير الغائب عند المعينيين والحضرميين والقتبانيين والأوسانيين؛ كأن يقول مثلاً: حقسو (حقه).
ودأبت بعد ذلك كل كتب المؤرخين، ومن بعدهم الباحثون المحدثون، يذكرون هذه التسمية دون أن يمحصوها ويعيدوها إلى الأصل، وإذا ما كشفت نقوش مستقبلية عن هذه القصة سيتبين كل شيء منها وحقيقتها. ومثلما لم يمحصوا أصل تسميتها والتأكد منها وقصتها بشكل عام، كذلك ألفوا أسطورة ولادتها من أم "جنية"!
ولاشك أن لذلك علاقة بلقائها بسليمان -عليه السلام- ومعرفة ضخامة ملكه، يبدو أن قصتها ألفت تأليفاً بعد ذلك اللقاء، وربطت بتلك الزيارة، فكان ملهماً للرواة الإخباريين أن يربطوا قصة ولادتها بالجن، وأن نصفها الآخر كان من الجن ليضفي لها نوعاً من الرهبة والهيبة يجعلها في مكانة عليا بين قومها حتى يسلموا بحكم امرأة لهم؛ أي تاريخ مصطنع وليس حقيقة، أصطنع بعد تلك الزيارة بأجيال وليس قبلها أو أثناء ولادتها.
أما وإن البحث هنا يناقش أمر هذه الملكة العظيمة وملكها الأعظم فعلينا أن نعرج على تسمية (بلقيس) عند الإخباريين العرب، وكيف تعمم هذا الإسم، واستنتاجنا حول هذه التسمية.
فقد حير إسم (بلقيس) اللغويين والمؤرخين كونه لم يرد في أي من النصوص التاريخية للنقوش المسندية.
وهنا سنضطر أن نورد بعضاً من هذه الآراء، كما ورد في كتاب (بلقيس امرأة الألغاز وشيطانة الجنس – زياد منى)، الذي شمل كل التعريفات والآراء لهذا الإسم سواء عند الإخباريين العرب أو المؤرخين اليونانيين، أو ما جاء منها عند المؤرخين اليهود في العهد القديم، وكذا عند المستشرقين في العصر الحديث.
1- سجل سبط بن الجوزي (توفي سنة 1257م) في مؤلفه (كتاب مرآة الزمان في تاريخ الأعيان) أن "بلقيس لقب لها واسمها بلقمه بنت الهدهاد بن شرحبيل"( ).
2- وقام ابن سعيد (ت 1286م أو 1274م) بالإشارة إليها في مؤلفه (كتاب نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب) على نحو "بلقيس بنت الهدهاد"( ).
3- وسجل الفيروز أبادي (توفي 1414م) في معجمه (القاموس المحيط) تحت باب الهمزة التالي:
"سبأ بلدة بلقيس، ولقب يشجب بن يعرب واسمه عبد شمس يجمع قبائل اليمن عامة"( ).
4- وسجل المسعودي (توفي سنة 957م) في مؤلفه (مروج الذهب) "اسمها على نحو بلقيس بنت الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو الرائش"( ).
5- أما ابن خلدون (توفي سنة 1406م) فيسجل في مؤلفه (كتاب العِبَر) – نقلاً عن المسعودي- أن اسم بلقيس يلقمه بنت إليشرح بن الحرث بن قيس. ولكننا نجد أنه يسجل – نقلاً عن أبي الحسن الجرجاني عن آخرين القول: "حتى نشأت بلقيس بنت إليشرح بن ذي جدن بن إليشرح بن الحرث بن قيس بن صيفي فقتلته غيلة، ثم ملكت"( ).
6- ويعرف ابن حزم (توفي سنة 1064م) بلقيس بأنها "بلقيس بنت إيلي أشرح بن ذي جدد بن إيلي أشرح بن الحارث بن قيس بن صيفي، وهم من التبابعة، وهم من بني حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ...إلخ"( ).
7- وفي كتاب الإكليل يطلق الهمداني (توفي سنة945م) على بلقيس اسم بلقمة والقمة، علماً بأن الإسم يرد في الكتب 1و 2 و 8 و10 من المؤلف. ونراه يقول في مجال الحديث عن والد بلقيس أن اسمه: "الهدهاد بن شرحبيل بن الحارث بن الرايش، وهو اسم قد يخفف إلى هداد وهدّاد"( ).
إذن: عرّف الإخباريون العرب بلقيس – ملكة سبأ بعدة أسماء هي: بلقمه، بلقمة، يلقمه، يلمقة، القمة، والمقه...إلخ. ولم نجد غير نشوان الحميري يعطي تفسيراً للإسم. برأينا أن قول العرب إن اسم الملكة أي من الأسماء المذكورة آنفاً يعني بأن اسمها ليس بلقيس، ونرى أنه صفة ليس إلا. فلو كان اسمها فعلاً بلقيس لما نشأت الحاجة إلى إطلاق أسماء أخرى عليها"( ).
وحيث إن الإخباريين العرب حاروا في تسمية بلقيس فقد انسحبت حيرتهم على المستشرقين من بعدهم وذهبوا للاستنتاجات والقياسات المختلفة التي لا يخلو بعضها من التعسف، كما يقول منى، والذي ذهب يستعرض بعض آرائهم كالتالي:
1- رجح المستشرق و. مونتغومري وات أن الإسم مأخوذ من المفردة اليونانية ((Pallakis بمعنى: (عشيقة) عبر لغة التوراة، أي: الكنعانية التوراتية المسماة خطأ بـ"العبرية"، حيث سجل الإسم بصيغة "فلجش/فلجس"، ويحرك، وفق الرأي التقليدي السائد على نحو "Palegish". أما المستشرق ألندورف فقد اتفق مع هذا الرأي، لكن دون أن يحسم رأيه في المسألة. وشارك هذا الرأي العالم العربي نبيه أمين فارس.
2- سجل المستشرق الألماني شتاينشنايدر رأيه في النصف الأول من القرن الماضي أن الإسم بلقيس تحوير ناتج عن إدغام المفردتين "ملكة" و"سبأ" –(م ل ك ت س ب ء)، أي بإسقاط حرفي الميم والباء، وقلب الهمزة إلى باء والكاف إلى قاف، ثم حدوث قلب استبدال جديد للأحرف!
وعلى الرغم من أن القلب والإبدال هما من صميم منهجية البحث في هذا العلم، إلا أننا لا نجد أي مبرر لحدوثه في هذه الحالة. كما إننا لم نجد أي شرح مقبول لإمكانية ورود حالة إسقاط حرفين ساكنين هما الميم والباء من الإسم.
3- طرح المستشرق الفرنسي دوساسي رأيه بأن بلقيس تصحيف للاسم Nikaulis (نقوليس/ نكوليس) الذي يرد في مؤلفات المؤرخ اليهودي أو السوري يوسفوس فلافيوس، وقد شارك هذا الرأي المستشرق الفرنسي رينان.
إن هذا الرأي يفترض - دون أي دليل- أن التسمية انتقلت إلى العرب كتابياً فقط، وعبر مصدر واحد مما أدى إلى حدوث اختلاط في الأمر عند نقل الإسم؛ أي بحدوث عملية تصحيف، حيث سجل حرف الباء نوناً. ونظراً لعدم وجود لأية أدلة أو حتى مؤشرات تدعم هذا الاجتهاد، نقول إنه من الصحيح إهماله.
4- المستشرق الألماني غستاف روش سجل رأيه الخاص في المقالة المشار إليه أدناه، والتي لا تزال أفضل بحث في الموضوع، بأن أصل الإسم هو المفردة اليونانية Pallaxis، Pallkes ، لكنه وعلى عكس غيره من العلماء دعم رأيه بالقول بأنه انتقل إلى العرب، وإلى اليمن تحديداً، عبر التجارة البحرية مع مصر، وهو مثبت تاريخياً منذ السيطرة الرومانية على الإقليم.
5- كان للمستشرق الفرنسي درامي رأي مختلف تماماً، وطرحه قرب نهاية القرن الماضي، وعبر عن اعتقاده بأن الإسم بَلقيس أو بِلقيس دمج لكلمة "بل وكيس"، بمعنى (صاحبة الكنز/ صاحبة الكيس – حرفياً العشيقة)، ومن ثم عملية قلب لحرف الكاف إلى قاف( ).
وهناك الكثير من هذه الآراء المضطربة للمستشرقين، التي عرضها زياد منى في كتابه (بلقيس امرأة الألغاز وشيطانة الجنس)، والتي تجافي القياس العربي وقواعد الاستنباط والتحليل اللغوي، فضلاً عن مخالفته خصائص خط المسند، أحيل القارئ إليه لمزيد من التفاصيل، ناهيك عن تنزيه القرآن لها من الشُّبه والعشق والحظوة السلبية.
أما نسبتها من قبل الهمداني لشخص اسمه الهدهاد فهو – برأيي- يبدو مرتبطاً بقصة الهدهد الذي أثر في القصة برمتها، وكان وسيلة كشف هذه الملكة والمملكة، ولا يوجد شخص اسمه الهدهاد من الأساس، وهو عبارة عن استنباط واجتهاد من الهمداني لمحاولة الإحاطة بالقصة لا أكثر.
إذن: عرّف الإخباريون العرب بلقيس – ملكة سبأ بعدة أسماء هي: بلقمه، بلقمة، يلقمه، يلمقة، القمة، والمقه...إلخ. ولم نجد غير نشوان الحميري يعطي تفسيراً للإسم. برأينا أن قول العرب إن اسم الملكة أي من الأسماء المذكورة آنفاً يعني بأن اسمها ليس بلقيس، ونرى أنه صفة ليس إلا. فلو كان اسمها فعلاً بلقيس لما نشأت الحاجة إلى إطلاق أسماء أخرى عليها"( ).
وحيث إن الإخباريين العرب حاروا في تسمية بلقيس فقد انسحبت حيرتهم على المستشرقين من بعدهم وذهبوا للاستنتاجات والقياسات المختلفة التي لا يخلو بعضها من التعسف، كما يقول منى، والذي ذهب يستعرض بعض آرائهم كالتالي:
1- رجح المستشرق و. مونتغومري وات أن الإسم مأخوذ من المفردة اليونانية ((Pallakis بمعنى: (عشيقة) عبر لغة التوراة، أي: الكنعانية التوراتية المسماة خطأ بـ"العبرية"، حيث سجل الإسم بصيغة "فلجش/فلجس"، ويحرك، وفق الرأي التقليدي السائد على نحو "Palegish". أما المستشرق ألندورف فقد اتفق مع هذا الرأي، لكن دون أن يحسم رأيه في المسألة. وشارك هذا الرأي العالم العربي نبيه أمين فارس.
2- سجل المستشرق الألماني شتاينشنايدر رأيه في النصف الأول من القرن الماضي أن الإسم بلقيس تحوير ناتج عن إدغام المفردتين "ملكة" و"سبأ" –(م ل ك ت س ب ء)، أي بإسقاط حرفي الميم والباء، وقلب الهمزة إلى باء والكاف إلى قاف، ثم حدوث قلب استبدال جديد للأحرف!
وعلى الرغم من أن القلب والإبدال هما من صميم منهجية البحث في هذا العلم، إلا أننا لا نجد أي مبرر لحدوثه في هذه الحالة. كما إننا لم نجد أي شرح مقبول لإمكانية ورود حالة إسقاط حرفين ساكنين هما الميم والباء من الإسم.
3- طرح المستشرق الفرنسي دوساسي رأيه بأن بلقيس تصحيف للاسم Nikaulis (نقوليس/ نكوليس) الذي يرد في مؤلفات المؤرخ اليهودي أو السوري يوسفوس فلافيوس، وقد شارك هذا الرأي المستشرق الفرنسي رينان.
إن هذا الرأي يفترض - دون أي دليل- أن التسمية انتقلت إلى العرب كتابياً فقط، وعبر مصدر واحد مما أدى إلى حدوث اختلاط في الأمر عند نقل الإسم؛ أي بحدوث عملية تصحيف، حيث سجل حرف الباء نوناً. ونظراً لعدم وجود لأية أدلة أو حتى مؤشرات تدعم هذا الاجتهاد، نقول إنه من الصحيح إهماله.
4- المستشرق الألماني غستاف روش سجل رأيه الخاص في المقالة المشار إليه أدناه، والتي لا تزال أفضل بحث في الموضوع، بأن أصل الإسم هو المفردة اليونانية Pallaxis، Pallkes ، لكنه وعلى عكس غيره من العلماء دعم رأيه بالقول بأنه انتقل إلى العرب، وإلى اليمن تحديداً، عبر التجارة البحرية مع مصر، وهو مثبت تاريخياً منذ السيطرة الرومانية على الإقليم.
5- كان للمستشرق الفرنسي درامي رأي مختلف تماماً، وطرحه قرب نهاية القرن الماضي، وعبر عن اعتقاده بأن الإسم بَلقيس أو بِلقيس دمج لكلمة "بل وكيس"، بمعنى (صاحبة الكنز/ صاحبة الكيس – حرفياً العشيقة)، ومن ثم عملية قلب لحرف الكاف إلى قاف( ).
وهناك الكثير من هذه الآراء المضطربة للمستشرقين، التي عرضها زياد منى في كتابه (بلقيس امرأة الألغاز وشيطانة الجنس)، والتي تجافي القياس العربي وقواعد الاستنباط والتحليل اللغوي، فضلاً عن مخالفته خصائص خط المسند، أحيل القارئ إليه لمزيد من التفاصيل، ناهيك عن تنزيه القرآن لها من الشُّبه والعشق والحظوة السلبية.
أما نسبتها من قبل الهمداني لشخص اسمه الهدهاد فهو – برأيي- يبدو مرتبطاً بقصة الهدهد الذي أثر في القصة برمتها، وكان وسيلة كشف هذه الملكة والمملكة، ولا يوجد شخص اسمه الهدهاد من الأساس، وهو عبارة عن استنباط واجتهاد من الهمداني لمحاولة الإحاطة بالقصة لا أكثر.
كوت #القفل (حصن #الغويزي)
يُعد “كوت القفل” أحد أبرز المعالم التاريخية ذات الطابع العسكري في مدينة المكلا، ويرتبط تشييده بمرحلة مبكرة من تشكل السلطة المحلية في الساحل الحضرمي خلال عهد الإمارة الكسادية .
تشير الروايات التاريخية إلى أن هذا الحصن شُيّد عام 1716م تقريباً، في موقع استراتيجي عند المدخل الشمالي الشرقي للمدينة، فوق صخرة مرتفعة تطل على الطرق المؤدية إلى المكلا ومداخلها القديمة، ما جعله نقطة مراقبة وسيطرة على الحركة القادمة إلى المدينة .
وقد ارتبط الموقع قبل تشييد الحصن بنفوذ قبلي محلي، حيث كانت قبيلة آل باوادي تتولى الإشراف على هذا المدخل، وتُمارس دوراً تنظيمياً في تحصيل الرسوم (العشور) من القوافل والقبائل المارة نحو المدينة، وهو ما يعكس طبيعة الإدارة التقليدية للمعابر التجارية قبل بروز السلطة المركزية المنظمة .
ومع انتقال النفوذ إلى الإمارة الكسادية، أعيد توظيف الموقع ضمن منظومة دفاعية أكثر تنظيماً، حيث أُنشئ كوت القفل ليكون نقطة حراسة ومراقبة عسكرية، إضافة إلى دوره في ضبط مداخل المدينة وتأمينها، بما يعكس التحول من إدارة قبلية للمعابر إلى تحصين عمراني ذي طابع سلطوي .
وبذلك يمثل الحصن مرحلة انتقال مهمة في تاريخ العمران السياسي لمدينة المكلا، حيث يجمع بين الوظيفة الأمنية والدلالة التاريخية المرتبطة بتشكل السلطة في الساحل الحضرمي ..
تصوير Hamza Ba Salim
محمد عمر
يُعد “كوت القفل” أحد أبرز المعالم التاريخية ذات الطابع العسكري في مدينة المكلا، ويرتبط تشييده بمرحلة مبكرة من تشكل السلطة المحلية في الساحل الحضرمي خلال عهد الإمارة الكسادية .
تشير الروايات التاريخية إلى أن هذا الحصن شُيّد عام 1716م تقريباً، في موقع استراتيجي عند المدخل الشمالي الشرقي للمدينة، فوق صخرة مرتفعة تطل على الطرق المؤدية إلى المكلا ومداخلها القديمة، ما جعله نقطة مراقبة وسيطرة على الحركة القادمة إلى المدينة .
وقد ارتبط الموقع قبل تشييد الحصن بنفوذ قبلي محلي، حيث كانت قبيلة آل باوادي تتولى الإشراف على هذا المدخل، وتُمارس دوراً تنظيمياً في تحصيل الرسوم (العشور) من القوافل والقبائل المارة نحو المدينة، وهو ما يعكس طبيعة الإدارة التقليدية للمعابر التجارية قبل بروز السلطة المركزية المنظمة .
ومع انتقال النفوذ إلى الإمارة الكسادية، أعيد توظيف الموقع ضمن منظومة دفاعية أكثر تنظيماً، حيث أُنشئ كوت القفل ليكون نقطة حراسة ومراقبة عسكرية، إضافة إلى دوره في ضبط مداخل المدينة وتأمينها، بما يعكس التحول من إدارة قبلية للمعابر إلى تحصين عمراني ذي طابع سلطوي .
وبذلك يمثل الحصن مرحلة انتقال مهمة في تاريخ العمران السياسي لمدينة المكلا، حيث يجمع بين الوظيفة الأمنية والدلالة التاريخية المرتبطة بتشكل السلطة في الساحل الحضرمي ..
تصوير Hamza Ba Salim
محمد عمر
من موروث #يافع التليد
معاصر " #السليط الحالي" #الجلجل #السمسم
#الشتيت ابونصر #اليافعي
بينما تتجول في أزقة " #عدن" العتيقة، أو تجوب مدن " #لحج" القمندان ، أو تذهب لتستنشق عبق مدن "ساحل #أبين" الساحر، لا بد أن يرتطم بصرك بلوحات تتزين واجهات محال #معاصر تبرق بأسماء تهز الوجدان مثل :
' - "معصرة جبال يافع"،
- "معصرة رصد للسليط الحالي "، - "معصرة لبعوس"
- "معاصر وادي يهر".
والعجيب في الأمر، أن تلك المعاصر التي تئن تحت وطأة دورانها حبات السمسم لتنزف ذهباً سائلاً، غالباً ما يملكها رجال لم تطأ أقدامهم شعاب "يافع" يوماً ولا ينتموا لجبالها !
وهنا نقول ربنا يرزقهم من واسع ابوابه .
ولكن، لماذا "يافع" تحديداً؟
وهل هذا الاستغلال التجاري للاسم محض صدفة؟،
طبعا لا بل ربما اعتراف ضمني بأن "اليافعي" هو الخبير الأول، والمتذوق الأكبر، والزبون الأوفى لهذا "السليط الحالي".
وقد نتهم بالمبالغة ان قلنا ان يافع سبقت الكثير من هؤلاء الى صنع واستخدام المعاصر.
فالباحث في تضاريس القرى اليافعية سيجد في حواضر يافع ديارا تختزن بقايا حجرية وخشبية لمعاصر غابرة، كانت حتى عقود قريبة تملأ الأجواء بصرير خشبها وأنفاس جمالها، قبل أن تطويها عجلة الحداثة وتجعلها مجرد أثرٍ بعد عين.
بل ان ارض يافغ الساحل مازالت شاهدة عن زراعة الجلجل التي مازال تطاير عرق حبيباته يملا صفحات التاريخ بحقائق يصعب نكرانها.
وهنا دعونا نستطلع احد المعاصر اليافعية التاريخية العتيدة التي وجدناها في احد جبال يافع مازالت تتحدى الزمن، لنستكشف اسرارها:
اولأً:
ماهي معصرة الجلجل ؟
ومما تتكون؟
فهي :
هندسة الفطرة: التي جعلت الخشب يستحلب سائلاً من ذهب.
نعم ؛ معصرة الجلجل ليست مجرد آلة، بل هي كائن خشبي صامت ينطق بالحكمة والهندسة. تتكون من:
1. حفرة الجذع الرئيسية التي تعددت اسمائها "#الموحسة #الزبية او #القدح او #الحوض " وهو الجذع الخشبي الضخم المجوف (الموجب) الذي حفره الوشار بعناية ليحتضن بذور السمسم كأمٍ ترعى وليدها ليستحلب منها السليط الحالي ، ويتصل به جزء حجري اسود ، وتغلف ببند حديدية للحفاظ على الخشب من التآكل .
2. #القطب يبرز في قلب حفة الموجب "المدق" ، وهو ذلك العمود الثقيل الذي يميل بزاوية مدروسة ليضغط على الحبوب في حركة لولبية لا تكل بداخل حفرة الموحسة .
3. الساعد: ويرتبط بهذا القطب "الساعد" الخشبي الطويل الذي يمتد ليعانق "الجمل"، ذلك الفنان الصبور الذي يطوف في حلقة مفرغة، معصوب العينين، وكأنه يبحث عن سؤال بلا اجابة😄، لا لشيء إلا لكي لا يصاب بالدوار، أو ربما لكي لا يرى كيف يتحول صمود حبات السمسم إلى استسلامٍ زيتيٍ قطرةً تلو قطرة.
4. الحمولة وهي الثقل الذي يوضع تهاية العمود المرتبط بالقطب والساعد ويعمل كسب قوة مقاومة لرافعة تعطي القطب قوة كافية للضغط الى اسفل مع الدوران.
ثانياً:
آلية عمل المعصرة:
1. تبدأ الطقوس بتنضيف وتنقية حبوب الجلجل الآتي من الجربة من الشوائب او اي اتربة عالقة فيه من خلال ذلاحته اي ذرية (نثره في الهواء المتحرك لتذهب الشوائب .
2. بصب "الجلجلان" (السمسم) في حفرة المعصرة،
3. ثم يُحث الجمل على المسير. بدوران غالبا ما يكون عكس عقارب الساعة حسب تركيب المعصرة و في مسار دائري، فينتقل العزم عبر الساعد إلى القطب، الذي يبدأ بهرس الحبوب ببطء شديد وتؤدة، دون حرارة كهربائية تفسد خصائص الزيت.
4. يقوم رجل المعصرة بمراقبة الحفرة فيضيف للعصير كميات قليلة مقيوسة من الماء ةالذي يتبخر بمرور الوقت نتيجة الحرارة التي تتولد من احتكاك راس مدق القطب بقاع وجوانب الحفرة الداخليه ، ومعه يبدأ الزيت بالترسب في قاع الحفرة اي "الموجب" ليخرج صافياً كدموع الفرح، ليُعبأ في قناني تحفظ سر هذه الصنعة.
قد تستغرق عمل المعصرة لاربع الى خمس ساعات لانتاج حوالي خمسة لترات من السليط الحالي .
ثالثا
أهم منتجات المعصرة ومنافعها ؛
1. السليط الحالي : إكسير الحياة والعافية الخالي من الكلسترول والدهون الضارة والغني بالفيتامينات وابرزها A وE التي يحتاجها الجسم.
ففي يافع، "السليط" (زيت السمسم) ليس مجرد مادة للطبخ، بل هو عصب المائدة وروح العافية. وله منافع لا تحصى ولكننا هنا نحصر الاتي :
1). منافع غذائية :
ظهر السليط الحالي في يافع قديما كمنافس شرس لسمن البقر البلدي فاحتل مكانة سامية في السفرة اليافعية ، فلا تكتمل هيبة "#اللحوح" اليافعي الذي سبق وافردنا له حلقة خاصة من قبل ، إلا بمسحة كريمة من هذا السليط، فلا قيمة للحوح بدونه. وأما "العصيد اليافعي" الشهير، فللسليط مكانة خاصة في فجوته سوى لمفرده او مخلوط بالسمن والعسل، وقد تجد السليط يفوح من بين عطفات الخبز المعطف اليافعي ، او طافيا من طبق فتة التمر ، او على كبنون الدخن، وحاضرا في اطباق يافعية اخرى كثيرة، لترسم لوحة من المذاق تقوي العزائم وتشد الظهر
معاصر " #السليط الحالي" #الجلجل #السمسم
#الشتيت ابونصر #اليافعي
بينما تتجول في أزقة " #عدن" العتيقة، أو تجوب مدن " #لحج" القمندان ، أو تذهب لتستنشق عبق مدن "ساحل #أبين" الساحر، لا بد أن يرتطم بصرك بلوحات تتزين واجهات محال #معاصر تبرق بأسماء تهز الوجدان مثل :
' - "معصرة جبال يافع"،
- "معصرة رصد للسليط الحالي "، - "معصرة لبعوس"
- "معاصر وادي يهر".
والعجيب في الأمر، أن تلك المعاصر التي تئن تحت وطأة دورانها حبات السمسم لتنزف ذهباً سائلاً، غالباً ما يملكها رجال لم تطأ أقدامهم شعاب "يافع" يوماً ولا ينتموا لجبالها !
وهنا نقول ربنا يرزقهم من واسع ابوابه .
ولكن، لماذا "يافع" تحديداً؟
وهل هذا الاستغلال التجاري للاسم محض صدفة؟،
طبعا لا بل ربما اعتراف ضمني بأن "اليافعي" هو الخبير الأول، والمتذوق الأكبر، والزبون الأوفى لهذا "السليط الحالي".
وقد نتهم بالمبالغة ان قلنا ان يافع سبقت الكثير من هؤلاء الى صنع واستخدام المعاصر.
فالباحث في تضاريس القرى اليافعية سيجد في حواضر يافع ديارا تختزن بقايا حجرية وخشبية لمعاصر غابرة، كانت حتى عقود قريبة تملأ الأجواء بصرير خشبها وأنفاس جمالها، قبل أن تطويها عجلة الحداثة وتجعلها مجرد أثرٍ بعد عين.
بل ان ارض يافغ الساحل مازالت شاهدة عن زراعة الجلجل التي مازال تطاير عرق حبيباته يملا صفحات التاريخ بحقائق يصعب نكرانها.
وهنا دعونا نستطلع احد المعاصر اليافعية التاريخية العتيدة التي وجدناها في احد جبال يافع مازالت تتحدى الزمن، لنستكشف اسرارها:
اولأً:
ماهي معصرة الجلجل ؟
ومما تتكون؟
فهي :
هندسة الفطرة: التي جعلت الخشب يستحلب سائلاً من ذهب.
نعم ؛ معصرة الجلجل ليست مجرد آلة، بل هي كائن خشبي صامت ينطق بالحكمة والهندسة. تتكون من:
1. حفرة الجذع الرئيسية التي تعددت اسمائها "#الموحسة #الزبية او #القدح او #الحوض " وهو الجذع الخشبي الضخم المجوف (الموجب) الذي حفره الوشار بعناية ليحتضن بذور السمسم كأمٍ ترعى وليدها ليستحلب منها السليط الحالي ، ويتصل به جزء حجري اسود ، وتغلف ببند حديدية للحفاظ على الخشب من التآكل .
2. #القطب يبرز في قلب حفة الموجب "المدق" ، وهو ذلك العمود الثقيل الذي يميل بزاوية مدروسة ليضغط على الحبوب في حركة لولبية لا تكل بداخل حفرة الموحسة .
3. الساعد: ويرتبط بهذا القطب "الساعد" الخشبي الطويل الذي يمتد ليعانق "الجمل"، ذلك الفنان الصبور الذي يطوف في حلقة مفرغة، معصوب العينين، وكأنه يبحث عن سؤال بلا اجابة😄، لا لشيء إلا لكي لا يصاب بالدوار، أو ربما لكي لا يرى كيف يتحول صمود حبات السمسم إلى استسلامٍ زيتيٍ قطرةً تلو قطرة.
4. الحمولة وهي الثقل الذي يوضع تهاية العمود المرتبط بالقطب والساعد ويعمل كسب قوة مقاومة لرافعة تعطي القطب قوة كافية للضغط الى اسفل مع الدوران.
ثانياً:
آلية عمل المعصرة:
1. تبدأ الطقوس بتنضيف وتنقية حبوب الجلجل الآتي من الجربة من الشوائب او اي اتربة عالقة فيه من خلال ذلاحته اي ذرية (نثره في الهواء المتحرك لتذهب الشوائب .
2. بصب "الجلجلان" (السمسم) في حفرة المعصرة،
3. ثم يُحث الجمل على المسير. بدوران غالبا ما يكون عكس عقارب الساعة حسب تركيب المعصرة و في مسار دائري، فينتقل العزم عبر الساعد إلى القطب، الذي يبدأ بهرس الحبوب ببطء شديد وتؤدة، دون حرارة كهربائية تفسد خصائص الزيت.
4. يقوم رجل المعصرة بمراقبة الحفرة فيضيف للعصير كميات قليلة مقيوسة من الماء ةالذي يتبخر بمرور الوقت نتيجة الحرارة التي تتولد من احتكاك راس مدق القطب بقاع وجوانب الحفرة الداخليه ، ومعه يبدأ الزيت بالترسب في قاع الحفرة اي "الموجب" ليخرج صافياً كدموع الفرح، ليُعبأ في قناني تحفظ سر هذه الصنعة.
قد تستغرق عمل المعصرة لاربع الى خمس ساعات لانتاج حوالي خمسة لترات من السليط الحالي .
ثالثا
أهم منتجات المعصرة ومنافعها ؛
1. السليط الحالي : إكسير الحياة والعافية الخالي من الكلسترول والدهون الضارة والغني بالفيتامينات وابرزها A وE التي يحتاجها الجسم.
ففي يافع، "السليط" (زيت السمسم) ليس مجرد مادة للطبخ، بل هو عصب المائدة وروح العافية. وله منافع لا تحصى ولكننا هنا نحصر الاتي :
1). منافع غذائية :
ظهر السليط الحالي في يافع قديما كمنافس شرس لسمن البقر البلدي فاحتل مكانة سامية في السفرة اليافعية ، فلا تكتمل هيبة "#اللحوح" اليافعي الذي سبق وافردنا له حلقة خاصة من قبل ، إلا بمسحة كريمة من هذا السليط، فلا قيمة للحوح بدونه. وأما "العصيد اليافعي" الشهير، فللسليط مكانة خاصة في فجوته سوى لمفرده او مخلوط بالسمن والعسل، وقد تجد السليط يفوح من بين عطفات الخبز المعطف اليافعي ، او طافيا من طبق فتة التمر ، او على كبنون الدخن، وحاضرا في اطباق يافعية اخرى كثيرة، لترسم لوحة من المذاق تقوي العزائم وتشد الظهر
2). منافع وقائية وعلاجية
في الطب الشعبي: كان السليط هو "المستشفى" المصغر وحاضرا في عدة اقسام طبية مثل
أ). للمجارحة يُغلى حتى يفور ليُستخدم أثناء تطهير الجروح الكبيرة مثل إصابات الرصاص (النافرة) أو طعنات الجنابي، إذ يعمل كمعقم ومرمم للأنسجة.
ب). للجهاز الهظمي بحيث يشرب لعلاج التغلصات المعدية والمعوية ، وملين للهضم في حالات الامساك الشديد
ج). لامراض الاذن والانف للتطهير والتعقيم في حالة اسدادات الجيوب الانفية او آلآم الاذن . د). علاج لامراض الجلد : فيستخدم السليط لترطيب الجلد وازالة القشور وتغذية الانسجة كما كان يستخدم للجسم لتقوية العضلات.
ه). للعناية بالشعر
كات يُستخدم كدهان ، وللشعر كمرطب ومغذي يمنحه لمعاناً لا توفره أرقى المنتجات الحديثة.
2. "العُصّار":
الكنز الذي لا يضيع
وكأن السمسم يأبى أن يرحل دون أن يترك أثراً، فبقايا العصر التي تسمى "العُصّار" (أو الكُسب)، تعتبر كنزاً غذائياً لا يُفرط فيه. فهي الوجبة الفاخرة التي تُقدم للأبقار والأغنام لتسمينها وإدرار حليبها، مما يجعل الدورة الإنتاجية للمعصرة متكاملة، تعطي الإنسان صحةً، والحيوان قوةً.
ختاما : نقول
إن معصرة السليط، حكاية من حكايات يافع التي تأبى النسيان وان ختفت صرير صوت اخشابها ، ولم يعد الجمل سيد الموقف بها ، سيبقى السليط الحالي سيد المذاق، والتراث هو الباقي رغم أنوف المحركات الكهربائية
في الطب الشعبي: كان السليط هو "المستشفى" المصغر وحاضرا في عدة اقسام طبية مثل
أ). للمجارحة يُغلى حتى يفور ليُستخدم أثناء تطهير الجروح الكبيرة مثل إصابات الرصاص (النافرة) أو طعنات الجنابي، إذ يعمل كمعقم ومرمم للأنسجة.
ب). للجهاز الهظمي بحيث يشرب لعلاج التغلصات المعدية والمعوية ، وملين للهضم في حالات الامساك الشديد
ج). لامراض الاذن والانف للتطهير والتعقيم في حالة اسدادات الجيوب الانفية او آلآم الاذن . د). علاج لامراض الجلد : فيستخدم السليط لترطيب الجلد وازالة القشور وتغذية الانسجة كما كان يستخدم للجسم لتقوية العضلات.
ه). للعناية بالشعر
كات يُستخدم كدهان ، وللشعر كمرطب ومغذي يمنحه لمعاناً لا توفره أرقى المنتجات الحديثة.
2. "العُصّار":
الكنز الذي لا يضيع
وكأن السمسم يأبى أن يرحل دون أن يترك أثراً، فبقايا العصر التي تسمى "العُصّار" (أو الكُسب)، تعتبر كنزاً غذائياً لا يُفرط فيه. فهي الوجبة الفاخرة التي تُقدم للأبقار والأغنام لتسمينها وإدرار حليبها، مما يجعل الدورة الإنتاجية للمعصرة متكاملة، تعطي الإنسان صحةً، والحيوان قوةً.
ختاما : نقول
إن معصرة السليط، حكاية من حكايات يافع التي تأبى النسيان وان ختفت صرير صوت اخشابها ، ولم يعد الجمل سيد الموقف بها ، سيبقى السليط الحالي سيد المذاق، والتراث هو الباقي رغم أنوف المحركات الكهربائية