🔴 تاريخ وأدب وفن اليمن 🔴
✅ www.telegram.me/taye5✅
📕📖📕📖📕📖📕📖📕📖
#تحفةالزمن في تأريخ اليمن،، للمؤرخ العلامة الحسين بن عبدالرحمن #الأهدل
المشهور ب #تاريخ_الأهدل
( 178 )
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
#الأهدل ؛ نقلا عن #الجندي في كتابه #السلوك ؛
#علماء_وفقهاء_اليمن
قال #الجندي؛
فقهاء وعلماء #تعز عاصمة الدولة #المظفرية مصر اليمن ودار ملوك بني #رسول ...
ومن فقهاء #تعز
#محمد_بن_عباس #السامعي
وهو من #أشعوب #سامع جبل بناحية #الدملؤة ..
كان محمد السامعي هذا فقيهاً صالحاً ورعاً زاهداً ...
أخذ الفقه والعلم عن إبن البابا وكذلك عن الأشرقي وتفقه أيضاً ب محمد بن علي - القاضي الرياحي الحميري - وغيرهم ...
وكان في شبابه محمياً من المعاصي ؟! بحيث راودته إمرأة عن نفسه فلم يجئ منه عليا -
/ يهتم الجندي بالحكايات التي تخرجه عن منهجية المؤرخ فمثل هذه الحادثة وان ذكرها الناس لا تكفي لان نقرر أنه محمياً من المعاصي فربما كان خجلاً أو فوجئ أو خشي الله لفداحة جرم الزنا فلم يفعل وكثير يمكن أن يحدث لهم هذا وهم غير محميين من المعاصي ، /
وكان كثيراً مايرى - في منامه - رسول الله- اللهم صل وسلم عليه وعلى آله ..
فلما تفقه درّس بالمدرسة #الوزيرية وتفقه وتعلم على يده جمع كثير خرج منهم نحو خمسة عشر مدرساً - كان المدرس هو من فاق أقرانه وتميز عنهم وألمّ بالعلم والفقه يجاز له أن يدرس لذا خصهم بالذكر هنا - منهم ؛ عثمان الشرعبي ، وعبدالرزاق - عبدالرزاق بن محمد الجبرتي - وغيرهما ،،
ثم يذكر كرامة له رواها #عثمان - عثمان بن علي بن سعيد بن شاوح ذكرناه أمس وذكرنا روايته لكرامات #الرميمة وهنا الجندي إستخدم كلمة أخبر عنه وهذا يعني رواية شفوية وهي دايما غير موثوقه لانها غير موثقة -
قال كان محمد ابن عباس السامعي إذا صلى مع #الإمام - يعني أن محمد هذا مأموماً بإمام المسجد وليس هو الإمام - في مسجد الجند يَسمع - مشكوله هو يسمع وليس الراوي ولم يقل قال لي محمد ابن عباس او قرأت قوله - في الهوى - السماء فوق رأسه -تكبير جماعة يصلون بصلاته - بصلاته هو وليس بصلاة الإمام والجماعه هنا اما ملائكة أو من الجان لم يشر لهم ،،، ومن الرواية نعرف الإضطراب ومن الفقه لم يروى أنه عرف هذا عند محمد رسول الله ولا أبوبكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي وهم خير الخلق وخير العباد ،، ثم هو مأموم وهو يصلي خلف إمام فكيف هم يأتمون به هو فصلاتهم باطلة ان حدثت وانظر كيف حدد وصرح أنه مؤتماً وفي مسجد الجند وأنه هو الذي يسمع ، وهذه من مبالغات وتهويمات المتصوفة لولعهم برواية الكرامات/
ثم يروي عنه الجندي مباشرة بقوله قال - هو قال ذلك - أنه دعى الله عند الحجر الأسود أن يعصمه من الفتوى والقضاء ثم رأيت النبي عليه الصلاة والسلام في حلقه ناوله رجل مسأله في ورقه .. وبيده صلى الله عليه وسلم جزء من #المهذب وهو ينظر تارة للجزء - المهذب - وتارة للمسأله فعجبت وإستيقضت ولم أكره بعدها الفتوى إقتداء به عليه الصلاة والسلام ، وعصمني الله من القضاء
/ هذه كبيرة في حقه عليه الصلاة والسلام فهو هاهنا حسب هذه الرؤيا يعتمد ويرجع ويأخذ من كتاب #المهذب في فقه الشافعي الذي ألفه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي وهو مرجع علماء الشافعية في الأحكام والفتوى فهل الشيرازي والشافعي أعلم وأحكم من رسول الله في الفتوى ؟؟!! هم هنا يقصدون تلميع ورفع مصدرهم وأساسهم المهذب ولكنهم تجنوا على رسول الله عليه الصلاة والسلام دون فهم .. ومثل هذه القصص كثيرة وهي لاتجوز ولا تجوز حتى روايتها ،، //
توفى الفقيه محمد بن عباس السامعي سنة 689هج رحمه الله تعالى ...
ومنهم ؛
#أحمد_بن_علي #الشعبي #الأشرقي ..
وإليه تنسب المدرسة #الأشرقية في مغربة #تعز ..
وهو من ذرية الفقيه سالم من #ذي_أشرق ،،
تفقه بالإمام إسماعيل الحضرمي
وبه هو وعلى يده تفقه محمد بن عباس السامعي ، وجماعه من أهل تعز ،،
وروى عن شيخه إسماعيل الحضرمي أنه قال ؛
( إعطوا العلم كلكم - كل جهدك وكل همك - يعطكم بعضه - ستفوزون ببعض العلم - فإن أعطيتموه بعضكم لم تظفروا بشيئ منه ) وانا كنت أقتات بالعُصّارة - بقية عصر السمم عجينة سوداء فيها بقية دهن ومذاق السمسم - وكنت أتتبع سرج المساجد كلما إنطفئ سراج مسجد رحت للآخر حتى إذا لم أجد سراجا نمت ..
وتوفى رحمه الله على التدريس بمدرسته #الأشرقية ..
ولم يذكر الجندي تاريخ وفاته ..
وخلفه أخوه سليمان ، كان حافظاً للبيان وأخذه عنه عدة فقها من أهل تعز ،
وللفقيه أحمد بن علي الأشرقي ولد تفقه .. ثم صحب الصوفيه وغلب عليه المجون ، ولي قضاء بعض البوادي ، فقتل هناك ولم يعرف قاتله وذلك سنة 699هج تقريبا ...
•••••√••••••••••••••••••••••••••••••√•••
قناة #تاريخ وأدب وفن اليمن 🇾🇪
@taye5 🇾🇪 @taye5 🇾🇪
•••••••••••••••••
✅ www.telegram.me/taye5✅
📕📖📕📖📕📖📕📖📕📖
#تحفةالزمن في تأريخ اليمن،، للمؤرخ العلامة الحسين بن عبدالرحمن #الأهدل
المشهور ب #تاريخ_الأهدل
( 178 )
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
#الأهدل ؛ نقلا عن #الجندي في كتابه #السلوك ؛
#علماء_وفقهاء_اليمن
قال #الجندي؛
فقهاء وعلماء #تعز عاصمة الدولة #المظفرية مصر اليمن ودار ملوك بني #رسول ...
ومن فقهاء #تعز
#محمد_بن_عباس #السامعي
وهو من #أشعوب #سامع جبل بناحية #الدملؤة ..
كان محمد السامعي هذا فقيهاً صالحاً ورعاً زاهداً ...
أخذ الفقه والعلم عن إبن البابا وكذلك عن الأشرقي وتفقه أيضاً ب محمد بن علي - القاضي الرياحي الحميري - وغيرهم ...
وكان في شبابه محمياً من المعاصي ؟! بحيث راودته إمرأة عن نفسه فلم يجئ منه عليا -
/ يهتم الجندي بالحكايات التي تخرجه عن منهجية المؤرخ فمثل هذه الحادثة وان ذكرها الناس لا تكفي لان نقرر أنه محمياً من المعاصي فربما كان خجلاً أو فوجئ أو خشي الله لفداحة جرم الزنا فلم يفعل وكثير يمكن أن يحدث لهم هذا وهم غير محميين من المعاصي ، /
وكان كثيراً مايرى - في منامه - رسول الله- اللهم صل وسلم عليه وعلى آله ..
فلما تفقه درّس بالمدرسة #الوزيرية وتفقه وتعلم على يده جمع كثير خرج منهم نحو خمسة عشر مدرساً - كان المدرس هو من فاق أقرانه وتميز عنهم وألمّ بالعلم والفقه يجاز له أن يدرس لذا خصهم بالذكر هنا - منهم ؛ عثمان الشرعبي ، وعبدالرزاق - عبدالرزاق بن محمد الجبرتي - وغيرهما ،،
ثم يذكر كرامة له رواها #عثمان - عثمان بن علي بن سعيد بن شاوح ذكرناه أمس وذكرنا روايته لكرامات #الرميمة وهنا الجندي إستخدم كلمة أخبر عنه وهذا يعني رواية شفوية وهي دايما غير موثوقه لانها غير موثقة -
قال كان محمد ابن عباس السامعي إذا صلى مع #الإمام - يعني أن محمد هذا مأموماً بإمام المسجد وليس هو الإمام - في مسجد الجند يَسمع - مشكوله هو يسمع وليس الراوي ولم يقل قال لي محمد ابن عباس او قرأت قوله - في الهوى - السماء فوق رأسه -تكبير جماعة يصلون بصلاته - بصلاته هو وليس بصلاة الإمام والجماعه هنا اما ملائكة أو من الجان لم يشر لهم ،،، ومن الرواية نعرف الإضطراب ومن الفقه لم يروى أنه عرف هذا عند محمد رسول الله ولا أبوبكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي وهم خير الخلق وخير العباد ،، ثم هو مأموم وهو يصلي خلف إمام فكيف هم يأتمون به هو فصلاتهم باطلة ان حدثت وانظر كيف حدد وصرح أنه مؤتماً وفي مسجد الجند وأنه هو الذي يسمع ، وهذه من مبالغات وتهويمات المتصوفة لولعهم برواية الكرامات/
ثم يروي عنه الجندي مباشرة بقوله قال - هو قال ذلك - أنه دعى الله عند الحجر الأسود أن يعصمه من الفتوى والقضاء ثم رأيت النبي عليه الصلاة والسلام في حلقه ناوله رجل مسأله في ورقه .. وبيده صلى الله عليه وسلم جزء من #المهذب وهو ينظر تارة للجزء - المهذب - وتارة للمسأله فعجبت وإستيقضت ولم أكره بعدها الفتوى إقتداء به عليه الصلاة والسلام ، وعصمني الله من القضاء
/ هذه كبيرة في حقه عليه الصلاة والسلام فهو هاهنا حسب هذه الرؤيا يعتمد ويرجع ويأخذ من كتاب #المهذب في فقه الشافعي الذي ألفه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي وهو مرجع علماء الشافعية في الأحكام والفتوى فهل الشيرازي والشافعي أعلم وأحكم من رسول الله في الفتوى ؟؟!! هم هنا يقصدون تلميع ورفع مصدرهم وأساسهم المهذب ولكنهم تجنوا على رسول الله عليه الصلاة والسلام دون فهم .. ومثل هذه القصص كثيرة وهي لاتجوز ولا تجوز حتى روايتها ،، //
توفى الفقيه محمد بن عباس السامعي سنة 689هج رحمه الله تعالى ...
ومنهم ؛
#أحمد_بن_علي #الشعبي #الأشرقي ..
وإليه تنسب المدرسة #الأشرقية في مغربة #تعز ..
وهو من ذرية الفقيه سالم من #ذي_أشرق ،،
تفقه بالإمام إسماعيل الحضرمي
وبه هو وعلى يده تفقه محمد بن عباس السامعي ، وجماعه من أهل تعز ،،
وروى عن شيخه إسماعيل الحضرمي أنه قال ؛
( إعطوا العلم كلكم - كل جهدك وكل همك - يعطكم بعضه - ستفوزون ببعض العلم - فإن أعطيتموه بعضكم لم تظفروا بشيئ منه ) وانا كنت أقتات بالعُصّارة - بقية عصر السمم عجينة سوداء فيها بقية دهن ومذاق السمسم - وكنت أتتبع سرج المساجد كلما إنطفئ سراج مسجد رحت للآخر حتى إذا لم أجد سراجا نمت ..
وتوفى رحمه الله على التدريس بمدرسته #الأشرقية ..
ولم يذكر الجندي تاريخ وفاته ..
وخلفه أخوه سليمان ، كان حافظاً للبيان وأخذه عنه عدة فقها من أهل تعز ،
وللفقيه أحمد بن علي الأشرقي ولد تفقه .. ثم صحب الصوفيه وغلب عليه المجون ، ولي قضاء بعض البوادي ، فقتل هناك ولم يعرف قاتله وذلك سنة 699هج تقريبا ...
•••••√••••••••••••••••••••••••••••••√•••
قناة #تاريخ وأدب وفن اليمن 🇾🇪
@taye5 🇾🇪 @taye5 🇾🇪
•••••••••••••••••
لقد عكست هذه المؤتمرات رغبة القوى التقليدية بمختلف تلاوينها، في كبح جِماح الثورة، وإفراغ النظام الجمهوري من مضامينه الديمقراطية والتقدمية، وتبنّي مشاريع أخرى تقف على الضدّ من فكرة "الجمهورية" وتطلّعات الثورة، وتمهيد الطريق أمام انقلاب 5 نوفمبر 1967 الرجعي، وتصفية القيادات الوطنية في الجيش الجمهوري في أحداث مارس وأغسطس 1968 الدامية، وإحكام السيطرة على السلطة، وحظر الحريات السياسية والنقابية، وصولًا إلى عقد المصالحة مع المَلكيين في 1970 برعاية المملكة العربية السعودية.
إنّ هذه المساعي التقويضية لثورة 26 سبتمبر ونظامها الجمهوري قد قادت بالضرورة إلى تقويض إمكانية تشكّل الهُوية الوطنية بمضامين ديمقراطية حداثية وبآفاق قومية، واستبدالها بمشاريع هوياتية صغيرة تلبي مصالح النخب التقليدية، وأبرز تلك المشاريع: مشروع الدولة الإسلامية، مشروع الأطراف المعنية، مشروع الذَّات اليمنية.
أولًا: مشروع الدولة الإسلامية
كما سبقت الإشارة، ظهر هذا المشروع إلى العَلَن أثناء عقد مؤتمر الطائف بالسعودية في أغسطس 1965، والذي جمع ثلاثة أطراف هي: اليمين الجمهوري، والمَلكيين، و"القوة الثالثة" بزعامة إبراهيم آل الوزير، ورأى هذا الطرف الأخير أنّ مشروع "الدولة الإسلامية" هو الصيغة الملائمة لليمن كحل وسط بين الجمهورية والمَلكية، وقد أسفر المؤتمر عن إعلان "ميثاق السلام" الذي وضع محددات عامة تحصر إدارة الدولة بين النخب التقليدية و"أبناء الذوات"، واستبعاد الشعب وقُواه الجديدة منها.
ثانيًا: مشروع الأطراف المعنية
"الأطراف المعنية في اليمن" هو عنوان كُتيّب أصدره الشهيد محمد أحمد نعمان عام 1965، والكتاب هو رد على مساعي القوى التقليدية في صنعاء للانفراد بالسلطة، وانتقد "النعمان الابن" ما أسمّاه "التسلُّط الزيدي" على "أبناء الشوافع" تحت عباءة الجمهورية، واتّهم قادة القبائل بأنهم يريدون استبدال "الهاشمية الإمامية" بـ"القحطانية"، داعيًا لتوسيع السلطة لتشمل كافة الأطراف المعنية في كافة المناطق اليمنية.
يصف د. أبو بكر السقاف فكرة "الأطراف المعنية" بأنها تزييف للصراع الاجتماعي في اليمن، وتقترح معالجة للصراع في صيغة المجلس الجمهوري الذي يُراعَى فيه تمثيل "الأطراف المعنية"، والتناوب على عرش الجمهورية، وهي أفضل صيغة ممكنة ومقبولة لدى الأطراف، ما يعني في الواقع التأسيس لسلطنة جديدة على أنقاض الإمامة.
وهكذا شكّلت فكرة "الأطراف المعنية" الصيغة المُحببة للنّخب التقليدية في مختلف مناطق اليمن، فمن خلالها تتقاسم كعكعة السلطة والثروة، وتستبعد المجتمع والناس.
ثالثًا: مشروع الذَّات اليمنية
قام هذا المشروع على أوهام النّزعة القُطرية اليمنية في مواجهة البُعد القومي للثورة، ومن أبزر دُعاة هذا المشروع، الثلاثي التقليدي: الزبيري والنعمان والإرياني. وقد دعا هذا التيار إلى الوقوف ضد التدخلات الخارجية في الشأن اليمني، وترك اليمنيين يقررون مصيرهم، ظاهريًّا تبدو هذه الدّعوة مُحِقَّة ومنطقية، وفي الواقع لم تكن هذه الدّعوة سوى غطاء أيديولوجي لمواجهة الدور المصري المُساند لثورة 26 سبتمبر.
وما يؤكّد صحة هذا الاستنتاج أنّ هذا التيار قد قام بالتنسيق السياسي مع السعودية، وممارسة الضغوط على حكومة الثورة وعلى المصريين، وصولًا إلى خروج القوات المصرية من اليمن، وتهيئة المناخ لعقد صفقة سياسية شوهاء مع الجانب الملكي في اتفاقية جدة عام 1970، وهي الاتفاقية التي جمعت بقايا المَلكيين والجمهوريين المحافظين في صيغة سلّطوية هجينة، هي "الجملوكية"!
في المجمل: تكشف هذه المشاريع الصغيرة عن زيف ادّعاءات النّخب التقليدية مناهضتَها للنظام الإمامي وانحيازها للنظام الجمهوري، فقد كان شغلها الشاغل هو وِراثة النظام البائد دون السماح بإحداث تغيير فعلي في واقع الناس. إنها صِيغ سياسية تحايُلية مُضادّة للهُوية الوطنية بمضامينها الديمقراطية الحداثية؛ لأنّها تقوم على استبدال متسلّط قديم بمتسلّط جديد، حاكاها ببراعة أخّاذة الأديب المصري يوسف إدريس في مسرحية "الفرافير"، وقد ظلّت هذه "الفرافير" السياسية تُكرر نفسها بأشكال مختلفة طوال 60 عامًا من عمر الثورة المجيدة.
•••
عيبان #السامعي
إنّ هذه المساعي التقويضية لثورة 26 سبتمبر ونظامها الجمهوري قد قادت بالضرورة إلى تقويض إمكانية تشكّل الهُوية الوطنية بمضامين ديمقراطية حداثية وبآفاق قومية، واستبدالها بمشاريع هوياتية صغيرة تلبي مصالح النخب التقليدية، وأبرز تلك المشاريع: مشروع الدولة الإسلامية، مشروع الأطراف المعنية، مشروع الذَّات اليمنية.
أولًا: مشروع الدولة الإسلامية
كما سبقت الإشارة، ظهر هذا المشروع إلى العَلَن أثناء عقد مؤتمر الطائف بالسعودية في أغسطس 1965، والذي جمع ثلاثة أطراف هي: اليمين الجمهوري، والمَلكيين، و"القوة الثالثة" بزعامة إبراهيم آل الوزير، ورأى هذا الطرف الأخير أنّ مشروع "الدولة الإسلامية" هو الصيغة الملائمة لليمن كحل وسط بين الجمهورية والمَلكية، وقد أسفر المؤتمر عن إعلان "ميثاق السلام" الذي وضع محددات عامة تحصر إدارة الدولة بين النخب التقليدية و"أبناء الذوات"، واستبعاد الشعب وقُواه الجديدة منها.
ثانيًا: مشروع الأطراف المعنية
"الأطراف المعنية في اليمن" هو عنوان كُتيّب أصدره الشهيد محمد أحمد نعمان عام 1965، والكتاب هو رد على مساعي القوى التقليدية في صنعاء للانفراد بالسلطة، وانتقد "النعمان الابن" ما أسمّاه "التسلُّط الزيدي" على "أبناء الشوافع" تحت عباءة الجمهورية، واتّهم قادة القبائل بأنهم يريدون استبدال "الهاشمية الإمامية" بـ"القحطانية"، داعيًا لتوسيع السلطة لتشمل كافة الأطراف المعنية في كافة المناطق اليمنية.
يصف د. أبو بكر السقاف فكرة "الأطراف المعنية" بأنها تزييف للصراع الاجتماعي في اليمن، وتقترح معالجة للصراع في صيغة المجلس الجمهوري الذي يُراعَى فيه تمثيل "الأطراف المعنية"، والتناوب على عرش الجمهورية، وهي أفضل صيغة ممكنة ومقبولة لدى الأطراف، ما يعني في الواقع التأسيس لسلطنة جديدة على أنقاض الإمامة.
وهكذا شكّلت فكرة "الأطراف المعنية" الصيغة المُحببة للنّخب التقليدية في مختلف مناطق اليمن، فمن خلالها تتقاسم كعكعة السلطة والثروة، وتستبعد المجتمع والناس.
ثالثًا: مشروع الذَّات اليمنية
قام هذا المشروع على أوهام النّزعة القُطرية اليمنية في مواجهة البُعد القومي للثورة، ومن أبزر دُعاة هذا المشروع، الثلاثي التقليدي: الزبيري والنعمان والإرياني. وقد دعا هذا التيار إلى الوقوف ضد التدخلات الخارجية في الشأن اليمني، وترك اليمنيين يقررون مصيرهم، ظاهريًّا تبدو هذه الدّعوة مُحِقَّة ومنطقية، وفي الواقع لم تكن هذه الدّعوة سوى غطاء أيديولوجي لمواجهة الدور المصري المُساند لثورة 26 سبتمبر.
وما يؤكّد صحة هذا الاستنتاج أنّ هذا التيار قد قام بالتنسيق السياسي مع السعودية، وممارسة الضغوط على حكومة الثورة وعلى المصريين، وصولًا إلى خروج القوات المصرية من اليمن، وتهيئة المناخ لعقد صفقة سياسية شوهاء مع الجانب الملكي في اتفاقية جدة عام 1970، وهي الاتفاقية التي جمعت بقايا المَلكيين والجمهوريين المحافظين في صيغة سلّطوية هجينة، هي "الجملوكية"!
في المجمل: تكشف هذه المشاريع الصغيرة عن زيف ادّعاءات النّخب التقليدية مناهضتَها للنظام الإمامي وانحيازها للنظام الجمهوري، فقد كان شغلها الشاغل هو وِراثة النظام البائد دون السماح بإحداث تغيير فعلي في واقع الناس. إنها صِيغ سياسية تحايُلية مُضادّة للهُوية الوطنية بمضامينها الديمقراطية الحداثية؛ لأنّها تقوم على استبدال متسلّط قديم بمتسلّط جديد، حاكاها ببراعة أخّاذة الأديب المصري يوسف إدريس في مسرحية "الفرافير"، وقد ظلّت هذه "الفرافير" السياسية تُكرر نفسها بأشكال مختلفة طوال 60 عامًا من عمر الثورة المجيدة.
•••
عيبان #السامعي
#الشاعر و #الباحث و #المؤرخ و #الأديب
عبد الرحمن طيب #بعكر #الحضرمي #التهامي
اعداد؛؛
تيسير محمد #السامعي
السيرة والموقف :
لقد ودعت الساحة الأدبية والتاريخية والفكرية العربية والإسلامية علماً من أعلامها البارزين من ذوي الفكر الثاقب والإبداع المتجدد ، إنه الأستاذ عبد الرحدمن طيب بعكر الحضرمي الذي أفنى عمره بحثاً وتنقيباً ، وتأليفاً ، وهذه الصفحات سوف تتكفل برصد بعض الملامح في حياة وفكر وثقافة هذا الرجل الموسوعي رخمه الله .
نسبه:
هو : عبد الرحمن طيب علي بعكر بن العزي محمد بن محمد بن عبد الفتاح الحضرمي.
ولد سنة 1364هـ الموافق 1944م وتوفي في يوم الخميس 29 ذي الحجة 1427هـ الموافق 18 يناير 2007م
ينتسب إلى أسرة من أصول حضرمية , انتقلت وعاشت في تهامة مدينة " حيس" محافظة الحديدة.
لما بلغ عبد الرحمن بعكر أشدهُ تلقى علي يد أبيه ومشائخ القرآن مبادئ دروسه بالإملاء والخط
والحساب وحفظ متون الزُبد في فروع الشافعية وملحة الإعراب في النحو ، والرحبية في الفرائض ، وعقيدة العوام في العقيدة ثم كانت ملازمته لأستاذه أحمد قاسم دهمش من أسرة كريمة في خولان ، وعلي يده تفتحت ذهنيته ، وأخذ في حب اللغة مفردات وقواعد ، ورافقه بعد انتقاله من حيس إلى زبيد حيث واصل دراسته في مدرسة الفوز وهناك تعرف على الشخصية الثانية ذات الأثر المستمر في تثقيفه وصقل مواهبه وهو الأستاذ الشاعر الناثر - الخطيب المربي عبد الله محمد عطية ، وقد تواصل الود بينهما حتى وفاته وتعرف على شيخ زاهد متواضع وهو الأستاذ / دبوان العديني ، فأخذ عنه في النحو والفرائض والفقه ، واتفق له أن رأى مفتى الشافعية بزبيد العلامة العامل الزاهد محمد سليمان الأهدل .
وحول شخصيته الأدبية - ومؤهلاته الذاتية يقول د/عبد الولي الشميري : (( ما أندر وأقل الأقلام العربية حرفاً الإسلامية ولاءً ، وأندر من ذلك أن تجد من يجمع بين الموهبة الخصبة والثقافة الواسعة ، والهدف النبيل ، ولقد أجدبت الساحة من هذا النوع تماماً إلا من أعلام يعدون بالأصابع بل وأقل من الأصابع ، وكنت أرمق بإعجاب كبير وإحساس مرهف كل حرف خطه قلم لأدبائنا الكبار الإسلاميين مثل الأميري والعظم .. ومن على شاكلتهم بيد أني ترصدت في الأفق . بزوغ كوكب جديد في سماء الأدب يحي الله بقلمه في ربوع اليمن الميمون ما أماته أصحاب الأقلام الحمراء من عبَّاد المادة والفرج والغرائز حتى لاح وميض متلألئ جذاب يشرق في ثنايا مدينة حيس المتواضعة من لواء الحديدة مشعلُُ فذ ، وهو عبد الرحمن بعكر ))[1] وهنا نرى أن الشميري يقرنه بالأميري والعظم شاعرية أو تماثل وتقارب فى الرؤى الفكرية
ان حياة بعكر الادبية يمكن تفسيمها الى ثلاث مراحلة هى
أ/ مرحلة التأسيس :
وفيها تلقى علومه ومعارفه على أيدي مشايخه في حيس وصنعاء وزبيد ، وتميزت بالتحصيل المتنوع في العلوم التراثية ، حيث حفظ المتون في النحو والفرائض والفقه .... وقد شكلت هذه المعارف أرضية أقام عليها الناقد ثقافته في مراحل لاحقة .
ب/ مرحلة الانطلاق :
حيث عاصر الناقد أحداثاً مهمة في حياة الشعب وبدأ يتخلص من أساليب التلقي التقليدي للعلوم التراثية ، وبدأت الثقافة العصرية تستهويه ، وقد رافقت هذه المرحلة سني التوثب والطموح الفوَّار، هنا بدأ بعكر يصوغ ثقافته النظرية ويحاول إنزالها على هيئة مؤسسية تتلاءم والروح الجديدة فشرع في تأسيس الأندية ، والإسهام في تبنى المشروعات التعليمية والخدمية ، وكان يتطلع إلى غدٍ مشرق يخيم عليه العدل والسلام ، وكانت له اهتماماته السياسية وقد فاتشته عما إذا كان يحمل انتماءً سياسياً ، فأفصح لي بأنه كان معجباً بشعار " العدل " الذي ترفعه الاشتراكية ، ولم يكن يعتنقها كأيدلوجية وفلسفة ، فلما تبين له زيف ادعائها العدل عدل عنها .
/ مرحلة التكوين المنهجي :
عندما بلغ بعكر الثلاثين من عمره ، مرَّ بأهم وأخطر منعطف في حياته - من وجهة نظر الباحث - وهو إصابته في بصره إذ تحول التوثب المنطلق راسياً إلى همود من ورائه توثب آخر ، حتى كان " عماه " بمثابة محطة حاولت الذاكرة فيها ، استعادة مكوناتها في المرحلة
مؤلفاته
إن قدرة المرء على التأليف في أكثر من فرع من فروع المعرفة لتدل على موسوعية ثقافته، وسعة إطلاعه ، وقد كان للناقد بعكر حظ وفير من غزارة المادة العلمية المتنوعة ، مكنته من العزف على أكثر من وتر ، والتغريد على أكثر من غصن ، ومما ألفه
أولاً : الكتب المطبوعة وأهمها : -
1- أشذاء من الأدب اليمني : كتيب صغير الحجم ، إلا أنه يحتوى على مقالات متفرقة ومهمة أبرزها : مقال حول الأدب الإسلامي ، وقد شارك بهذا البحث في مؤتمر الأدب الإسلامي " بجامعة عين شمس " وقد صدرت الطبعة الأولى منه عام 1997م .
عبد الرحمن طيب #بعكر #الحضرمي #التهامي
اعداد؛؛
تيسير محمد #السامعي
السيرة والموقف :
لقد ودعت الساحة الأدبية والتاريخية والفكرية العربية والإسلامية علماً من أعلامها البارزين من ذوي الفكر الثاقب والإبداع المتجدد ، إنه الأستاذ عبد الرحدمن طيب بعكر الحضرمي الذي أفنى عمره بحثاً وتنقيباً ، وتأليفاً ، وهذه الصفحات سوف تتكفل برصد بعض الملامح في حياة وفكر وثقافة هذا الرجل الموسوعي رخمه الله .
نسبه:
هو : عبد الرحمن طيب علي بعكر بن العزي محمد بن محمد بن عبد الفتاح الحضرمي.
ولد سنة 1364هـ الموافق 1944م وتوفي في يوم الخميس 29 ذي الحجة 1427هـ الموافق 18 يناير 2007م
ينتسب إلى أسرة من أصول حضرمية , انتقلت وعاشت في تهامة مدينة " حيس" محافظة الحديدة.
لما بلغ عبد الرحمن بعكر أشدهُ تلقى علي يد أبيه ومشائخ القرآن مبادئ دروسه بالإملاء والخط
والحساب وحفظ متون الزُبد في فروع الشافعية وملحة الإعراب في النحو ، والرحبية في الفرائض ، وعقيدة العوام في العقيدة ثم كانت ملازمته لأستاذه أحمد قاسم دهمش من أسرة كريمة في خولان ، وعلي يده تفتحت ذهنيته ، وأخذ في حب اللغة مفردات وقواعد ، ورافقه بعد انتقاله من حيس إلى زبيد حيث واصل دراسته في مدرسة الفوز وهناك تعرف على الشخصية الثانية ذات الأثر المستمر في تثقيفه وصقل مواهبه وهو الأستاذ الشاعر الناثر - الخطيب المربي عبد الله محمد عطية ، وقد تواصل الود بينهما حتى وفاته وتعرف على شيخ زاهد متواضع وهو الأستاذ / دبوان العديني ، فأخذ عنه في النحو والفرائض والفقه ، واتفق له أن رأى مفتى الشافعية بزبيد العلامة العامل الزاهد محمد سليمان الأهدل .
وحول شخصيته الأدبية - ومؤهلاته الذاتية يقول د/عبد الولي الشميري : (( ما أندر وأقل الأقلام العربية حرفاً الإسلامية ولاءً ، وأندر من ذلك أن تجد من يجمع بين الموهبة الخصبة والثقافة الواسعة ، والهدف النبيل ، ولقد أجدبت الساحة من هذا النوع تماماً إلا من أعلام يعدون بالأصابع بل وأقل من الأصابع ، وكنت أرمق بإعجاب كبير وإحساس مرهف كل حرف خطه قلم لأدبائنا الكبار الإسلاميين مثل الأميري والعظم .. ومن على شاكلتهم بيد أني ترصدت في الأفق . بزوغ كوكب جديد في سماء الأدب يحي الله بقلمه في ربوع اليمن الميمون ما أماته أصحاب الأقلام الحمراء من عبَّاد المادة والفرج والغرائز حتى لاح وميض متلألئ جذاب يشرق في ثنايا مدينة حيس المتواضعة من لواء الحديدة مشعلُُ فذ ، وهو عبد الرحمن بعكر ))[1] وهنا نرى أن الشميري يقرنه بالأميري والعظم شاعرية أو تماثل وتقارب فى الرؤى الفكرية
ان حياة بعكر الادبية يمكن تفسيمها الى ثلاث مراحلة هى
أ/ مرحلة التأسيس :
وفيها تلقى علومه ومعارفه على أيدي مشايخه في حيس وصنعاء وزبيد ، وتميزت بالتحصيل المتنوع في العلوم التراثية ، حيث حفظ المتون في النحو والفرائض والفقه .... وقد شكلت هذه المعارف أرضية أقام عليها الناقد ثقافته في مراحل لاحقة .
ب/ مرحلة الانطلاق :
حيث عاصر الناقد أحداثاً مهمة في حياة الشعب وبدأ يتخلص من أساليب التلقي التقليدي للعلوم التراثية ، وبدأت الثقافة العصرية تستهويه ، وقد رافقت هذه المرحلة سني التوثب والطموح الفوَّار، هنا بدأ بعكر يصوغ ثقافته النظرية ويحاول إنزالها على هيئة مؤسسية تتلاءم والروح الجديدة فشرع في تأسيس الأندية ، والإسهام في تبنى المشروعات التعليمية والخدمية ، وكان يتطلع إلى غدٍ مشرق يخيم عليه العدل والسلام ، وكانت له اهتماماته السياسية وقد فاتشته عما إذا كان يحمل انتماءً سياسياً ، فأفصح لي بأنه كان معجباً بشعار " العدل " الذي ترفعه الاشتراكية ، ولم يكن يعتنقها كأيدلوجية وفلسفة ، فلما تبين له زيف ادعائها العدل عدل عنها .
/ مرحلة التكوين المنهجي :
عندما بلغ بعكر الثلاثين من عمره ، مرَّ بأهم وأخطر منعطف في حياته - من وجهة نظر الباحث - وهو إصابته في بصره إذ تحول التوثب المنطلق راسياً إلى همود من ورائه توثب آخر ، حتى كان " عماه " بمثابة محطة حاولت الذاكرة فيها ، استعادة مكوناتها في المرحلة
مؤلفاته
إن قدرة المرء على التأليف في أكثر من فرع من فروع المعرفة لتدل على موسوعية ثقافته، وسعة إطلاعه ، وقد كان للناقد بعكر حظ وفير من غزارة المادة العلمية المتنوعة ، مكنته من العزف على أكثر من وتر ، والتغريد على أكثر من غصن ، ومما ألفه
أولاً : الكتب المطبوعة وأهمها : -
1- أشذاء من الأدب اليمني : كتيب صغير الحجم ، إلا أنه يحتوى على مقالات متفرقة ومهمة أبرزها : مقال حول الأدب الإسلامي ، وقد شارك بهذا البحث في مؤتمر الأدب الإسلامي " بجامعة عين شمس " وقد صدرت الطبعة الأولى منه عام 1997م .
اليمن_تاريخ_وثقافة:
جبل الرَّب #السامعي!
#توفيق_السامعي
ثمة شيء ساحر كان يناجيني منذ زمن بعيد.. منذ زمن الطفولة وبواكير الأحداث الأولى التي طرقت الذهن لإدراكها وصناعة المعرفة، لتعرفنا بما يدور من حولنا.
كأن شيئاً غير عادي يأخذ بتلابيب قلبي نحو قمة ذلك الجبل الأعلى التي لا ترى من مكاني بفعل حجب الرؤيا من جبل قريب ودونه في العلو والذي كان اسمه لافتاً للانتباه عاصفاً للذهن ومُثَوِّراً للأفكار.. اسمه جبل "المُتْخَلي" نسبة للرجل العابد الذي اختلى بالعبادة، و"عَرْعَرْ" نسبة لشجر العَرْعَر البخوري (الفِرْوِشْ) القديم الذي كان يكسو الجبل في ذات زمن بعيد، وهو الجبل الذي يقسم مديرية سامع إلى قسمين؛ أعلى وأسفل، فارداً جناحيه يلف بهما عُزَل "حوراء" و"بُكْيان" و"الخضراء"، وتربض عند قدميه منطقتا "سربيت" و"حَنْوَبْ" شرقاً وجنوباً وغربا، أما شمالاً فعُزَل بني أحمد والجبل والضياء التي يعلوها جبل الرب!
تسمية الجبل غريبة بعض الشيء، لكن تفسيرها يعني الشيء الكثير.
تقول الذاكرة الشعبية إن رجلاً صالحاً عابداً من أبناء المنطقة اعتزل القرية واختلى بنفسه في قمة الجبل للعبادة والتنسك، أو رجل عابد في زمن الديانة اليهودية؛ فأسفله قرى متعددة لليهود، وإن قلنا أيام المسيحية وهرباً من اليهود فلن نجافي الحقيقة، وثمة دليل مادي يمكنه تفسير هذا الأمر.
هناك شيءٌ ما خلف قمة ذلك الجبل يشدني كما لو كان يلقي بجاذبيته الجبلية ليأخذني نحوه بهدوء، لكنه هدوء عاصف، قد حرك كل أحاجي الأفكار ومتاهات الخيالات التي لا تنقطع.
فجأة وكل ذلك الخيال يصبح حقيقة ماثلة للعيان، حينما أصر والدي –يحفظه الله- على شد الرحال نحو ذلك المجهول لي مكاناً المعلوم ذهناً وخيالاً، في يوم صائفٍ وبديعٍ نحو العمل وطلب الرزق السيّار، وليعرفني على المكان الذي لطالما حدثني عنه بشغف لا ينقطع.
في صيف 1986م شددنا الرحال أنا ووالدي، ذلك البائع المتجول الذي يعشق مهنته وحياته حتى الثمالة، ويكسب رزقه من لب لباب الرزق الحلال، نحو مناطق سامع الأعلى، لنصعد ذات يومٍ إلى قمة ذلك الجبل وقلوبنا تخفق شوقاً وتَصَعُّداً نحو القمة التي كان يحدثني عنها في أن الزائر للقمة يرى من عليائِها سواحل مدينة عدن في الجو الصافي والبديع بعد يوم ماطر.
وصلنا تلك القمة والشوق يحدونا إليها لتقع عيناي على بقايا أساسٍ لبناء موغل في القدم كانت أسطورته تملأ الآفاق، ووالدي يحدثنيها بأسلوب شيق وجاذب كأنها من حكايا ألف ليلة وليلة.
تقول الأسطورة إن ذلك المكان والبناء بقايا حصن ودرب لصاحبه وحاكمه سيف عُبادي الذي كان ربما معاصراً للدولة الرسولية أو الطاهرية، والذي التصق اسمه وفعله وأسطورته بزاجل (مهجل) شعبي يقول:
واعْمَر عُبادي
دَرْب الخَرايِب
واعمر عُبادي
دربَ الدّوايِر
والدرب هو الحصن، في الثقافة الشعبية اليمنية، والخرايب قرية أسفل الحصن نسب إليها.
تدور الأسطورة حول معركة حدثت في زمن سيف عبادي هذا، وأنه كان يرتجز شعراً لتحفيز حصانه والطيران به من قمة ذلك الجبل والحصن التي يصل ارتفاعها إلى 2770 متراً على مستوى سطح البحر إلى وادي ومنطقة الشَّعُوبة أسفل ذلك الجبل غرباً بالقرب من سوق الأحد حالياً.
تقول بعض أبيات الرجز هذه:
جُهَيمان ذي المعروف
مع شَلَّتِ الصفوف
مع الزامل المَرْدُوف تسمع صهيلها
في حسنها الموصوف
في حربها تطوف
راس العدو مقطوف وانا خيالها
(جهيمان: إسم الحصان، شَلَّت الصفوف: نهضة صفوف رجال الحرب، الزامل المردوف: زامل الحرب المحفز المصاحب للتعبئة وللحرب..البقية معروفة المعنى)..
قمة هذا الجبل هي ثاني أعلى قمة بعد قمة جبل صبر المنيف، الحاكم على كل محافظة تعز؛ مدينة وريفاً.
أخذ المكان بشغاف قلبي، وتعلق بي وتعلقت به في زيارات متعددة، وخاصة أيام دراستي الجامعية، وبعدها في أبحاثي الميدانية، وصعدته هذه المرة وثمة معلوماتٍ وقراءات متعددة كنت قد تزودت بها وملأت ذاكرتي.
بينما كنت أقلب الكتب التاريخية عن محافظة تعز في تلك المكتبة العملاقة؛ مكتبة كلية الآداب بجامعة صنعاء، التي لم أر قبلها مكتبة بحجمها عام 1994م، وكانت جديدة علي، وقعت عيناي على كتاب قديم دون غلاف لمؤلف مجهول لم يظهر اسمه مطلقاً على الكتاب، وهناك بعض الكتب مؤلفها مجهولو الهوية، لكنها ثرية معلوماتياً ويمكن للباحث المحقق معرفة زمنها.
قرأت عن دور ذلك الحصن والمكان الذي استنجد به ملك الدولة الطاهرية عامر بن عبدالوهاب الطاهري، وربما أحد ملوك الدولة الرسولية المتأخرين قبل نهايتها في قمة ضعفها، بعد أن سقطت مدينة تعز بيد خصومه الانقلابيين من أسرته، ولما لجأ إليه حشد خلفه الناس من تلك المناطق التي كانت تسمى "الشعوبة" و"الأشعوب"، وهي أشعوب السكاسك، كما عند المؤرخين، وكوّن جيشاً لا بأس به ثم صعد بذلك الجيش إلى رأس جبل صبر ثم انحدر به نحو حصن تعز قبل أن تطلق عليه تسمية (قلعة القاهرة)، واستطاع استرجاع مدينة تعز من أيدي الانقلابيين.
جبل الرَّب #السامعي!
#توفيق_السامعي
ثمة شيء ساحر كان يناجيني منذ زمن بعيد.. منذ زمن الطفولة وبواكير الأحداث الأولى التي طرقت الذهن لإدراكها وصناعة المعرفة، لتعرفنا بما يدور من حولنا.
كأن شيئاً غير عادي يأخذ بتلابيب قلبي نحو قمة ذلك الجبل الأعلى التي لا ترى من مكاني بفعل حجب الرؤيا من جبل قريب ودونه في العلو والذي كان اسمه لافتاً للانتباه عاصفاً للذهن ومُثَوِّراً للأفكار.. اسمه جبل "المُتْخَلي" نسبة للرجل العابد الذي اختلى بالعبادة، و"عَرْعَرْ" نسبة لشجر العَرْعَر البخوري (الفِرْوِشْ) القديم الذي كان يكسو الجبل في ذات زمن بعيد، وهو الجبل الذي يقسم مديرية سامع إلى قسمين؛ أعلى وأسفل، فارداً جناحيه يلف بهما عُزَل "حوراء" و"بُكْيان" و"الخضراء"، وتربض عند قدميه منطقتا "سربيت" و"حَنْوَبْ" شرقاً وجنوباً وغربا، أما شمالاً فعُزَل بني أحمد والجبل والضياء التي يعلوها جبل الرب!
تسمية الجبل غريبة بعض الشيء، لكن تفسيرها يعني الشيء الكثير.
تقول الذاكرة الشعبية إن رجلاً صالحاً عابداً من أبناء المنطقة اعتزل القرية واختلى بنفسه في قمة الجبل للعبادة والتنسك، أو رجل عابد في زمن الديانة اليهودية؛ فأسفله قرى متعددة لليهود، وإن قلنا أيام المسيحية وهرباً من اليهود فلن نجافي الحقيقة، وثمة دليل مادي يمكنه تفسير هذا الأمر.
هناك شيءٌ ما خلف قمة ذلك الجبل يشدني كما لو كان يلقي بجاذبيته الجبلية ليأخذني نحوه بهدوء، لكنه هدوء عاصف، قد حرك كل أحاجي الأفكار ومتاهات الخيالات التي لا تنقطع.
فجأة وكل ذلك الخيال يصبح حقيقة ماثلة للعيان، حينما أصر والدي –يحفظه الله- على شد الرحال نحو ذلك المجهول لي مكاناً المعلوم ذهناً وخيالاً، في يوم صائفٍ وبديعٍ نحو العمل وطلب الرزق السيّار، وليعرفني على المكان الذي لطالما حدثني عنه بشغف لا ينقطع.
في صيف 1986م شددنا الرحال أنا ووالدي، ذلك البائع المتجول الذي يعشق مهنته وحياته حتى الثمالة، ويكسب رزقه من لب لباب الرزق الحلال، نحو مناطق سامع الأعلى، لنصعد ذات يومٍ إلى قمة ذلك الجبل وقلوبنا تخفق شوقاً وتَصَعُّداً نحو القمة التي كان يحدثني عنها في أن الزائر للقمة يرى من عليائِها سواحل مدينة عدن في الجو الصافي والبديع بعد يوم ماطر.
وصلنا تلك القمة والشوق يحدونا إليها لتقع عيناي على بقايا أساسٍ لبناء موغل في القدم كانت أسطورته تملأ الآفاق، ووالدي يحدثنيها بأسلوب شيق وجاذب كأنها من حكايا ألف ليلة وليلة.
تقول الأسطورة إن ذلك المكان والبناء بقايا حصن ودرب لصاحبه وحاكمه سيف عُبادي الذي كان ربما معاصراً للدولة الرسولية أو الطاهرية، والذي التصق اسمه وفعله وأسطورته بزاجل (مهجل) شعبي يقول:
واعْمَر عُبادي
دَرْب الخَرايِب
واعمر عُبادي
دربَ الدّوايِر
والدرب هو الحصن، في الثقافة الشعبية اليمنية، والخرايب قرية أسفل الحصن نسب إليها.
تدور الأسطورة حول معركة حدثت في زمن سيف عبادي هذا، وأنه كان يرتجز شعراً لتحفيز حصانه والطيران به من قمة ذلك الجبل والحصن التي يصل ارتفاعها إلى 2770 متراً على مستوى سطح البحر إلى وادي ومنطقة الشَّعُوبة أسفل ذلك الجبل غرباً بالقرب من سوق الأحد حالياً.
تقول بعض أبيات الرجز هذه:
جُهَيمان ذي المعروف
مع شَلَّتِ الصفوف
مع الزامل المَرْدُوف تسمع صهيلها
في حسنها الموصوف
في حربها تطوف
راس العدو مقطوف وانا خيالها
(جهيمان: إسم الحصان، شَلَّت الصفوف: نهضة صفوف رجال الحرب، الزامل المردوف: زامل الحرب المحفز المصاحب للتعبئة وللحرب..البقية معروفة المعنى)..
قمة هذا الجبل هي ثاني أعلى قمة بعد قمة جبل صبر المنيف، الحاكم على كل محافظة تعز؛ مدينة وريفاً.
أخذ المكان بشغاف قلبي، وتعلق بي وتعلقت به في زيارات متعددة، وخاصة أيام دراستي الجامعية، وبعدها في أبحاثي الميدانية، وصعدته هذه المرة وثمة معلوماتٍ وقراءات متعددة كنت قد تزودت بها وملأت ذاكرتي.
بينما كنت أقلب الكتب التاريخية عن محافظة تعز في تلك المكتبة العملاقة؛ مكتبة كلية الآداب بجامعة صنعاء، التي لم أر قبلها مكتبة بحجمها عام 1994م، وكانت جديدة علي، وقعت عيناي على كتاب قديم دون غلاف لمؤلف مجهول لم يظهر اسمه مطلقاً على الكتاب، وهناك بعض الكتب مؤلفها مجهولو الهوية، لكنها ثرية معلوماتياً ويمكن للباحث المحقق معرفة زمنها.
قرأت عن دور ذلك الحصن والمكان الذي استنجد به ملك الدولة الطاهرية عامر بن عبدالوهاب الطاهري، وربما أحد ملوك الدولة الرسولية المتأخرين قبل نهايتها في قمة ضعفها، بعد أن سقطت مدينة تعز بيد خصومه الانقلابيين من أسرته، ولما لجأ إليه حشد خلفه الناس من تلك المناطق التي كانت تسمى "الشعوبة" و"الأشعوب"، وهي أشعوب السكاسك، كما عند المؤرخين، وكوّن جيشاً لا بأس به ثم صعد بذلك الجيش إلى رأس جبل صبر ثم انحدر به نحو حصن تعز قبل أن تطلق عليه تسمية (قلعة القاهرة)، واستطاع استرجاع مدينة تعز من أيدي الانقلابيين.
جبل الرَّب #السامعي!
يقول بعض الأكاديميين، وعلى رأسهم أستاذي المرحوم الدكتور طه أبو زيد، المتخصص في أدب وتاريخ الدولة الرسولية، والمرحوم القيل مطهر الإرياني، والأكوعان، وغيرهم: إن هذا الكتاب كان من تأليف الملك الأشرف إسماعيل ملك الدولة الرسولية، صاحب المدرسة الأشرفية الكبرى، لكن من خلال قراءتي المتعددة له لا أظن أنه عائد إليه لعدة أسباب على رأسها أنه ذكر بعد الدولة الرسولية شذرات من بدايات الدولة الطاهرية، التي أتت بعده بحوالي ستين عاماً.
المهم، أن هذا الكتاب حيّر عقلي، وأتمنى إيجاده ولو بعشرة أضعاف سعره للقراءة المتفحصة مجدداً فيه ومعرفة مصادره، ويمكننا التعرف على مؤلفه، والاحتفاظ به كنسخة نادرة ومرجعية خاصة بنا نحن أبناء سامع وصبر والأشعوب تحديداً.
بعد ذلك الكتاب كانت المفاجأة الأكبر بالنسبة لي، ومن خلال دراستنا للغة اليمنية القديمة، عرفت حينها أن تسمية "سامع" بمعنى (شاهِد)، وأنه اسم إلهٍ من الآلهات اليمنية القديمة، وحديثاً تعرفنا على نقش يؤكد هذه التسمية والمعلومة أنه إله قديم، عبر مكيال حبوب مصنوع من البرونز من قراءة الباحث المتخصص في دراسة المسند اليمني علي ناصر صوال.
تقول قراءة النص للمسند في المكيال/الصواع:
و د د ت/ ذ ت/ ق ي ن ن/ أ ق ن ي ت/ س م ع م
ع د ي/ ر أ س ن/ذ..../ل و ف ي/ أ ث م ر ه م و/
(ودادة القينانية أهدت الإله سامع هذا المكيال لكي يمنحها الثمار الوافرة).
عدم معرفة مكان لقى هذا المكيال/ الصواع بالضبط يفتح المجال لتأويلات كثيرة ودراسات متعددة أيضاً.
كانت التسمية لمنطقة "سَرَّ بيت" بالنسبة لي ملفتة للانتباه، تخبئ في ثناياها الكثير من المعلومات، وكان أول سؤال تساءلته: نعرف أن الاسم مركب من كلمتين في اللغة اليمنية القديمة (سِرْ) وهو الوادي، والوادي معلوم وموجود، ولكن (البيت) مجهول؛ فأي بيت يقصد؟
كذلك نعلم أن (البيت) اسم معبد في اللغة اليمنية القديمة، ولكن أي بيت هو؟ أهو بيت الله الحرام بمكة؟ أم بيت آخر؟ فقد حُفِر في الذاكرة الشعبية المحلية وكرستها الصوفية أن الوادي وقفٌ على بيت الله الحرام بمكة، ولذلك ينسبون الوادي إليها!
بدأت البحث مجدداً حول الأمر، بالإضافة إلى المعلومات السابقة التي ربطنا بعضها ببعض، وعدنا إلى ترجمة النقش الخاص بنعيم/ة في منطقة "سربيت" أعلى، فوجدنا أنها تذكر البيت في أعلى قمة الجبل، والوادي الذي نعرفه تابع لها، فكانت معلومات بالنسبة لنا كباحثين لا تساويها أموال الدنيا.
وأخيراً عرفنا أن البيت المقصود هو ذلك الذي يسميه الناس في ذاكرتهم الشعبية ومصادرهم التاريخية بحصن عبادي، وأن الأساس الباقي فيه هو أساس البيت؛ ذلك البيت الذي يمثل معبد الرب/الإله في قمة الجبل.
هناك قراءة لنقش نعيم في "سربيت"، الذي صار من الصعب قراءته بدقة، للباحث في نقوش سامع وقدس الدكتور بشير القدسي يقول النقش، بحسب الدكتور بشير:
بعون وتوجيه [.....] [أنـ]عم بنت قشعة من "بني عرق" التي تنتمي إلى ذي معافر[ن] قصره يافع وأربيان حفرت وسوّت وبنت واستصلحت شق ورصف وإنجاز [....] النقيل المسمى "ونب" من أسفله وحتى أعلاه وذلك من باب [محفد] ذي العشة بوادي القصر [الأصل هنا البيت وليس القصر] وامتد النقيل حتى فناء [قصره] [بيته] [....] وذلك بعون سيدهم [إله] المطر الكائن في منطقة النعرة بجبل ونب [.أ.ب رم] جزءاً من بيته بني عرق و[ع.] حفر الآبار مع مداخلها (أبواب) لوقت الجفاف [م.بم/وهر.ت]. جنوب [....] كل أحرمم وهعجزم الذي بقرب (وأضاف) ونقب وحفر مقبرة [..نم] بجبل أيون (جبل العنب)، ستفزنت [...] بيته بني عرق، وبرعاية ومساعدة سيدهم كليب بن يشمر يهحمد ذو معافر، ونفذ كتابة هذه السطور إل شرح أشوع.
مع أن بعض الكلمات تحتاج إلى شيء من التدقيق والمراجعة لمعرفة أصولها واتفاقها مع التسميات واللهجات المحلية، وعدم التدقيق فيها عائد إلى ضآلة وتلف النقش نفسه.
أكاد أجزم أن فاضل الربيعي لو تَعرَّف على هذه المعلومات لطار بها فرحاً ربما أكثر منا، ولوظفها ذلك التوظيف التوراتي لديه.
فاضل الربيعي ألمح في إحدى مقابلاته المتلفزة إلى منطقة حوراء في سامع أنها المعبر الذي عبر منه إبراهيم الخليل من منطقة الضالع إلى منطقة القدس (قدس)، وأنها هي (حوران) بحسب مخيلته، وما يذهب إليه من آراء لم تقنع أياً من الباحثين الآثاريين، وهو في كثيرٍ منها يخبط خبطَ عشواء كهذه الجزئية مثلاً، فكيف لو عرف بمعلومة جبل الرب هذا؟!
في فترة من فترات الدول اليمنية القديمة كانت تعمد بعض الدول إلى بناء المعابد في أعلى قمم الجبال حفاظاً عليها من التدمير أثناء الصراعات والحروب والغزو، ومنها هذا البيت، وبيت "المُتْخلي" القريب منه على الجبل الآخر، ولهذا الأخير قصة أخرى.
ولأن اليمنيين القدماء كانوا يعبدون الكواكب فلربما بنوا معابدهم على قمم الجبال ليكونوا أكثر قرباً منها، أو تجلياً لمعرفة المزيد منها وتأثيراتها والنظر إليها بوضوح تام من قمم الجبال.
يقول بعض الأكاديميين، وعلى رأسهم أستاذي المرحوم الدكتور طه أبو زيد، المتخصص في أدب وتاريخ الدولة الرسولية، والمرحوم القيل مطهر الإرياني، والأكوعان، وغيرهم: إن هذا الكتاب كان من تأليف الملك الأشرف إسماعيل ملك الدولة الرسولية، صاحب المدرسة الأشرفية الكبرى، لكن من خلال قراءتي المتعددة له لا أظن أنه عائد إليه لعدة أسباب على رأسها أنه ذكر بعد الدولة الرسولية شذرات من بدايات الدولة الطاهرية، التي أتت بعده بحوالي ستين عاماً.
المهم، أن هذا الكتاب حيّر عقلي، وأتمنى إيجاده ولو بعشرة أضعاف سعره للقراءة المتفحصة مجدداً فيه ومعرفة مصادره، ويمكننا التعرف على مؤلفه، والاحتفاظ به كنسخة نادرة ومرجعية خاصة بنا نحن أبناء سامع وصبر والأشعوب تحديداً.
بعد ذلك الكتاب كانت المفاجأة الأكبر بالنسبة لي، ومن خلال دراستنا للغة اليمنية القديمة، عرفت حينها أن تسمية "سامع" بمعنى (شاهِد)، وأنه اسم إلهٍ من الآلهات اليمنية القديمة، وحديثاً تعرفنا على نقش يؤكد هذه التسمية والمعلومة أنه إله قديم، عبر مكيال حبوب مصنوع من البرونز من قراءة الباحث المتخصص في دراسة المسند اليمني علي ناصر صوال.
تقول قراءة النص للمسند في المكيال/الصواع:
و د د ت/ ذ ت/ ق ي ن ن/ أ ق ن ي ت/ س م ع م
ع د ي/ ر أ س ن/ذ..../ل و ف ي/ أ ث م ر ه م و/
(ودادة القينانية أهدت الإله سامع هذا المكيال لكي يمنحها الثمار الوافرة).
عدم معرفة مكان لقى هذا المكيال/ الصواع بالضبط يفتح المجال لتأويلات كثيرة ودراسات متعددة أيضاً.
كانت التسمية لمنطقة "سَرَّ بيت" بالنسبة لي ملفتة للانتباه، تخبئ في ثناياها الكثير من المعلومات، وكان أول سؤال تساءلته: نعرف أن الاسم مركب من كلمتين في اللغة اليمنية القديمة (سِرْ) وهو الوادي، والوادي معلوم وموجود، ولكن (البيت) مجهول؛ فأي بيت يقصد؟
كذلك نعلم أن (البيت) اسم معبد في اللغة اليمنية القديمة، ولكن أي بيت هو؟ أهو بيت الله الحرام بمكة؟ أم بيت آخر؟ فقد حُفِر في الذاكرة الشعبية المحلية وكرستها الصوفية أن الوادي وقفٌ على بيت الله الحرام بمكة، ولذلك ينسبون الوادي إليها!
بدأت البحث مجدداً حول الأمر، بالإضافة إلى المعلومات السابقة التي ربطنا بعضها ببعض، وعدنا إلى ترجمة النقش الخاص بنعيم/ة في منطقة "سربيت" أعلى، فوجدنا أنها تذكر البيت في أعلى قمة الجبل، والوادي الذي نعرفه تابع لها، فكانت معلومات بالنسبة لنا كباحثين لا تساويها أموال الدنيا.
وأخيراً عرفنا أن البيت المقصود هو ذلك الذي يسميه الناس في ذاكرتهم الشعبية ومصادرهم التاريخية بحصن عبادي، وأن الأساس الباقي فيه هو أساس البيت؛ ذلك البيت الذي يمثل معبد الرب/الإله في قمة الجبل.
هناك قراءة لنقش نعيم في "سربيت"، الذي صار من الصعب قراءته بدقة، للباحث في نقوش سامع وقدس الدكتور بشير القدسي يقول النقش، بحسب الدكتور بشير:
بعون وتوجيه [.....] [أنـ]عم بنت قشعة من "بني عرق" التي تنتمي إلى ذي معافر[ن] قصره يافع وأربيان حفرت وسوّت وبنت واستصلحت شق ورصف وإنجاز [....] النقيل المسمى "ونب" من أسفله وحتى أعلاه وذلك من باب [محفد] ذي العشة بوادي القصر [الأصل هنا البيت وليس القصر] وامتد النقيل حتى فناء [قصره] [بيته] [....] وذلك بعون سيدهم [إله] المطر الكائن في منطقة النعرة بجبل ونب [.أ.ب رم] جزءاً من بيته بني عرق و[ع.] حفر الآبار مع مداخلها (أبواب) لوقت الجفاف [م.بم/وهر.ت]. جنوب [....] كل أحرمم وهعجزم الذي بقرب (وأضاف) ونقب وحفر مقبرة [..نم] بجبل أيون (جبل العنب)، ستفزنت [...] بيته بني عرق، وبرعاية ومساعدة سيدهم كليب بن يشمر يهحمد ذو معافر، ونفذ كتابة هذه السطور إل شرح أشوع.
مع أن بعض الكلمات تحتاج إلى شيء من التدقيق والمراجعة لمعرفة أصولها واتفاقها مع التسميات واللهجات المحلية، وعدم التدقيق فيها عائد إلى ضآلة وتلف النقش نفسه.
أكاد أجزم أن فاضل الربيعي لو تَعرَّف على هذه المعلومات لطار بها فرحاً ربما أكثر منا، ولوظفها ذلك التوظيف التوراتي لديه.
فاضل الربيعي ألمح في إحدى مقابلاته المتلفزة إلى منطقة حوراء في سامع أنها المعبر الذي عبر منه إبراهيم الخليل من منطقة الضالع إلى منطقة القدس (قدس)، وأنها هي (حوران) بحسب مخيلته، وما يذهب إليه من آراء لم تقنع أياً من الباحثين الآثاريين، وهو في كثيرٍ منها يخبط خبطَ عشواء كهذه الجزئية مثلاً، فكيف لو عرف بمعلومة جبل الرب هذا؟!
في فترة من فترات الدول اليمنية القديمة كانت تعمد بعض الدول إلى بناء المعابد في أعلى قمم الجبال حفاظاً عليها من التدمير أثناء الصراعات والحروب والغزو، ومنها هذا البيت، وبيت "المُتْخلي" القريب منه على الجبل الآخر، ولهذا الأخير قصة أخرى.
ولأن اليمنيين القدماء كانوا يعبدون الكواكب فلربما بنوا معابدهم على قمم الجبال ليكونوا أكثر قرباً منها، أو تجلياً لمعرفة المزيد منها وتأثيراتها والنظر إليها بوضوح تام من قمم الجبال.
#الجند..
معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس!
توفيق #السامعي
في سلسلة حلقات عن منطقة الجند؛ قلب اليمن ومعجزة النبوة المقدسة، سنمضي في التركيز وتسليط الضوء والبحث على هذا المكان المنسي من الوطن رغم أهميته الجغرافية والتاريخية الثقافية والسياسية والدينية لإعادة الاعتبار إليه وليأخذ حقه من البحث والتوضيح، وهي دعوة للباحثين الميدانيين أن يفتحوا عيونهم على المدينة ويوظفوا جهودهم وعلمهم لإثراء معلوماتها التاريخية.
الجند قلب اليمن
هل ركزت يوماً على موقع الجند في الخارطة وتساءلت عنها، وتفكرت فيها؛ موقعاً، وتضاريس، وتاريخاً وأحداثاً دينية وسياسية وعسكرية وثقافية، لتكتشف كل ما وراء ذلك؟!
بل لماذا حدد النبي -صلى الله عليه وسلم- المكان لمعاذ بن جبل وأوصاه بها على مبرك ناقته كما فعلت في اختيار مكان المسجد النبوي في المدينة المنورة؟!
تعالوا أخبركم بما وراء ذلك وتفاصيله المختلفة..
بتقليب الخارطة الجغرافية في موقع "جوجل إيرث" لتبحث عن موقع الجند في الخارطة اليمنية وربطها ببعث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- إليها ليتخذ منها مركزاً للدعوة الإسلامية في اليمن تدرك أهمية تلك الأبعاد من ذلك البعث كعملية إحيائية لتاريخ وفاعلية المنطقة بشكل عام، لما لها من أهمية استراتيجية عبر التاريخ، ولو كنت حاكماً نافذاً لاتخذت من الجند عاصمة اليمن الجديدة.
الباسط بين يديه الخارطة العامة لليمن ويتأمل فيها بدقة يدرك أهمية الجند الجغرافية؛ إذ هي تقع في وسط الزاوية الجنوبية الغربية للخارطة اليمنية؛ سواء الخارطة الجغرافية أو السياسية التاريخية للدول؛ فهي بمثابة القلب للخارطة اليمنية شماله وجنوبه وغربه؛ فهي موقع القلب من الجسد في الدولة اليمنية، ولا شك أنها ستكون قلب اليمن النابض بعد تلك الرسالة والحراك الديني والثقافي والعلمي والسياسي والتاريخي، وقد أسس فيها عاصمة الإسلام الأولى في اليمن.
فبقياس المسافات بينها وبين المراكز اليمنية التي تم الانطلاق لحكمها وولاية معاذ بن جبل عليها، تكاد تكون المسافات الجوية بينها متساوية؛ فبينها وبين عدن 130 كيلو متراً، وبينها وبين زنجبار 134 كيلو، وبينها وبين ميناء ذو باب 130 كيلو، وبينها وبين زبيد مقر أبي موسى الأشعري 108 كيلومترات، وبينها وبين يافع 115 كيلو متراً، وكل هذه المناطق هي حدود إقليم الجند وولاية معاذ الخاصة وحركة الجند فيها، أما العامة فقد كان ولاة اليمن يرجعون إليه من شتى بقاعهم.
الجند: بفتح الجيم والنون يطلق على نفس المخلاف وعلى المدينة، نسبة إلى الجند بن شهر؛ بطن من المعافر، وكانت أحد أمهات مدن اليمن النجدية، وأحد أسواق العرب المشهورة في الجاهلية والإسلام، وأول مدينة باليمن أسس فيها مسجد على التقوى فيه يذكر اسم الله في الإسلام على يد الصحابي العظيم معاذ بن جبل الأنصاري. وقد ذكرتها العرب قبل الإسلام، قال الراجز:
كلفني حبي إغناءَ الولد
والخوف أن يفتقروا إلى أحد
تنقلاً من بلد إلى بلد
يوماً بصنعاء ويوماً بالجند
كانت الجند "إحدى المدن لعصور ما قبل الإسلام بعد اندثارها، والتي كانت إحدى المحطات الهامة للقوافل التجارية.
وقد كان للجند سور على أربعة أبواب منها: باب السلام وباب الحديد، واعتماداً على الوقائع الأثرية في محيط مدينة الجند تؤكد أنها قد خضعت للدولة القتبانية. أما أبو الحسن الهمداني فيرجع اسم المدينة إلى الجند ابن شهر؛ بطن من بطون حمير.
وفي كتاب «تاريخ اليمن» لعمارة الحكمي: وكانت إحدى أمهات مدن اليمن النجدية وأحد أسواق العرب المشهورة في الجاهلية والإسلام.
وقد ذكرها الهمداني في الصفة فقال: "أول مدن اليمن التي سمت نجدها الجند، من أرض السكاسك، ومسجده يعد من المساجد الشريفة كان اختطه معاذ بن جبل، ولا يزال به مجاورة، وإليه زوار، وجميع ما ذكرنا من قرى تهامة اليمانية فإنها تنسب في داوين الخلفاء إلى عمل الجند".
مثلت الجند عبر التاريخ سوق التقاء وبداية انطلاقة التجارة العالمية القديمة؛ كونها تقع عند نقطة تقاطع لقوافل التجارة القادمة من موانئ عدن وذو باب والمخا كما توضحه الخارطة أيضاً، ثم تتجه شمالاً وشرقاً نحو عاصمتي الدولتين سبأ في مارب قديماً وظفار حمير مؤخراً، ثم الالتقاء بالقوافل القادمة من ميناء قنا بشبوة في مارب والاتجاه بعد ذلك نحو طريق اللبان في وسط الجزيرة وغربها وصولاً إلى غزة ومن ثم آسيا الوسطى.
لم يكن دور الجند فقط هذه الوظيفة التجارية؛ فقد كانت سياسياً عاصمة دولة السكاسك اليمنية التي لا يعرف عنها الكثير من الناس، والتي كانت تضم تعز ولحج وإب والضالع وجزءاً من ذمار، ناهيك عن أن تكون مركزاً دينياً وثقافياً وملتقى الأدب والشعر في المرحلة الجاهلية كما كان سوق عكاظ في الجزيرة العربية شمال الطائف.
معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس!
توفيق #السامعي
في سلسلة حلقات عن منطقة الجند؛ قلب اليمن ومعجزة النبوة المقدسة، سنمضي في التركيز وتسليط الضوء والبحث على هذا المكان المنسي من الوطن رغم أهميته الجغرافية والتاريخية الثقافية والسياسية والدينية لإعادة الاعتبار إليه وليأخذ حقه من البحث والتوضيح، وهي دعوة للباحثين الميدانيين أن يفتحوا عيونهم على المدينة ويوظفوا جهودهم وعلمهم لإثراء معلوماتها التاريخية.
الجند قلب اليمن
هل ركزت يوماً على موقع الجند في الخارطة وتساءلت عنها، وتفكرت فيها؛ موقعاً، وتضاريس، وتاريخاً وأحداثاً دينية وسياسية وعسكرية وثقافية، لتكتشف كل ما وراء ذلك؟!
بل لماذا حدد النبي -صلى الله عليه وسلم- المكان لمعاذ بن جبل وأوصاه بها على مبرك ناقته كما فعلت في اختيار مكان المسجد النبوي في المدينة المنورة؟!
تعالوا أخبركم بما وراء ذلك وتفاصيله المختلفة..
بتقليب الخارطة الجغرافية في موقع "جوجل إيرث" لتبحث عن موقع الجند في الخارطة اليمنية وربطها ببعث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- إليها ليتخذ منها مركزاً للدعوة الإسلامية في اليمن تدرك أهمية تلك الأبعاد من ذلك البعث كعملية إحيائية لتاريخ وفاعلية المنطقة بشكل عام، لما لها من أهمية استراتيجية عبر التاريخ، ولو كنت حاكماً نافذاً لاتخذت من الجند عاصمة اليمن الجديدة.
الباسط بين يديه الخارطة العامة لليمن ويتأمل فيها بدقة يدرك أهمية الجند الجغرافية؛ إذ هي تقع في وسط الزاوية الجنوبية الغربية للخارطة اليمنية؛ سواء الخارطة الجغرافية أو السياسية التاريخية للدول؛ فهي بمثابة القلب للخارطة اليمنية شماله وجنوبه وغربه؛ فهي موقع القلب من الجسد في الدولة اليمنية، ولا شك أنها ستكون قلب اليمن النابض بعد تلك الرسالة والحراك الديني والثقافي والعلمي والسياسي والتاريخي، وقد أسس فيها عاصمة الإسلام الأولى في اليمن.
فبقياس المسافات بينها وبين المراكز اليمنية التي تم الانطلاق لحكمها وولاية معاذ بن جبل عليها، تكاد تكون المسافات الجوية بينها متساوية؛ فبينها وبين عدن 130 كيلو متراً، وبينها وبين زنجبار 134 كيلو، وبينها وبين ميناء ذو باب 130 كيلو، وبينها وبين زبيد مقر أبي موسى الأشعري 108 كيلومترات، وبينها وبين يافع 115 كيلو متراً، وكل هذه المناطق هي حدود إقليم الجند وولاية معاذ الخاصة وحركة الجند فيها، أما العامة فقد كان ولاة اليمن يرجعون إليه من شتى بقاعهم.
الجند: بفتح الجيم والنون يطلق على نفس المخلاف وعلى المدينة، نسبة إلى الجند بن شهر؛ بطن من المعافر، وكانت أحد أمهات مدن اليمن النجدية، وأحد أسواق العرب المشهورة في الجاهلية والإسلام، وأول مدينة باليمن أسس فيها مسجد على التقوى فيه يذكر اسم الله في الإسلام على يد الصحابي العظيم معاذ بن جبل الأنصاري. وقد ذكرتها العرب قبل الإسلام، قال الراجز:
كلفني حبي إغناءَ الولد
والخوف أن يفتقروا إلى أحد
تنقلاً من بلد إلى بلد
يوماً بصنعاء ويوماً بالجند
كانت الجند "إحدى المدن لعصور ما قبل الإسلام بعد اندثارها، والتي كانت إحدى المحطات الهامة للقوافل التجارية.
وقد كان للجند سور على أربعة أبواب منها: باب السلام وباب الحديد، واعتماداً على الوقائع الأثرية في محيط مدينة الجند تؤكد أنها قد خضعت للدولة القتبانية. أما أبو الحسن الهمداني فيرجع اسم المدينة إلى الجند ابن شهر؛ بطن من بطون حمير.
وفي كتاب «تاريخ اليمن» لعمارة الحكمي: وكانت إحدى أمهات مدن اليمن النجدية وأحد أسواق العرب المشهورة في الجاهلية والإسلام.
وقد ذكرها الهمداني في الصفة فقال: "أول مدن اليمن التي سمت نجدها الجند، من أرض السكاسك، ومسجده يعد من المساجد الشريفة كان اختطه معاذ بن جبل، ولا يزال به مجاورة، وإليه زوار، وجميع ما ذكرنا من قرى تهامة اليمانية فإنها تنسب في داوين الخلفاء إلى عمل الجند".
مثلت الجند عبر التاريخ سوق التقاء وبداية انطلاقة التجارة العالمية القديمة؛ كونها تقع عند نقطة تقاطع لقوافل التجارة القادمة من موانئ عدن وذو باب والمخا كما توضحه الخارطة أيضاً، ثم تتجه شمالاً وشرقاً نحو عاصمتي الدولتين سبأ في مارب قديماً وظفار حمير مؤخراً، ثم الالتقاء بالقوافل القادمة من ميناء قنا بشبوة في مارب والاتجاه بعد ذلك نحو طريق اللبان في وسط الجزيرة وغربها وصولاً إلى غزة ومن ثم آسيا الوسطى.
لم يكن دور الجند فقط هذه الوظيفة التجارية؛ فقد كانت سياسياً عاصمة دولة السكاسك اليمنية التي لا يعرف عنها الكثير من الناس، والتي كانت تضم تعز ولحج وإب والضالع وجزءاً من ذمار، ناهيك عن أن تكون مركزاً دينياً وثقافياً وملتقى الأدب والشعر في المرحلة الجاهلية كما كان سوق عكاظ في الجزيرة العربية شمال الطائف.
2⃣
#الجند.. معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس!
توفيق #السامعي
الجند معبد جامع لديانات مختلفة
لا شك أن الجند كان معبداً قديماً للديانات القديمة، ومنها اليهودية والمسيحية، وقبلها القتبانية والأوسانية والسكاسك وغيرها، فقد كانت مركزاً للديانات المختلفة؛ منها ما هو مدون كاليهودية والمسيحية، ومنها غير مدون لما تكشف عنه العلوم الآثارية بعد، ولا يستبعد وجود أنبياء للمنطقة لا نعلم عنهم شيئاً بعد؛ وكانت إلى جوار مدينة سَوْرَق (بفتح السين وسكون الواو وفتح الراء وسكون القاف) من ماوية التي يوجد فيها الكثير من النقوش الحميرية، وخاصة نقوش يوسف أسأر أثأرن الملقب بذي نواس الحميري، والذي شهد مخلاف الجند في عهده أحداثاً هامة معه، خاصة في حروبه مع الأحباش، وهو كما نعلم جميعاً معتنق للديانة اليهودية التي ورثها عن آبائه وخاصة التوحيدية التي ذكرت في كثير من النقوش الحميرية باسم (رحمن ذي سماوي).
تتوزع بالقرب من الجند جبال شاهقة فيها معابد دينية مختلفة، وذات مسميات ودلالات دينية، وعلى رأسها المعبد الذي يسمى البيت رأس جبل سامع الشاهق، والذي يسكن بجواره بقايا الرهاويين أيضاً، وهناك الجبل الآخر الذي تسمى قمته بـ"قمة المتخلي"، وقد تناولنا تفاصيله في حلقات سابقة بعنوان (جبل الرب السامعي)، حتى إن سامع اسمه لآلهة قديمة بمعنى شاهد، وفي قمة جبل "سَوْرَق" يوجد أيضاً معبد قديم.
كما يوجد في أعلى جبل صب شرقاً قرية تسمى "صنمات" بفتح الصاد وكسر النون، ولا يخفى دلالتها، وكذلك "عَبَدان" شرقي صبر وغربي خدير بمعنى العابد، بينما توجد منطقة "قدس" في الحجرية وما تحمله من دلالة دينية أيضاً، وفيها أيضاً قرى "حَمَدان" بمعنى الحامد، وهكذا غيرها..
وذكر المؤرخ مطهر الإرياني، في نقاش مع الكاتب، أن هذه المعابد المتفرقة في قمم الجبال كانت للتعبد الثانوي بينما يجمعها المعبد في الجند الذي يقام في مكانه اليوم جامع الجند.
تعالوا بناً أيضاً لتحليل الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي الذي كان يهيمن على المنطقة آن ذاك..
كان مركز الجند هو الوحدة السياسية والاجتماعية الشاملة والباقية من الدول اليمنية المختلفة التي تهيمن على معظم الجغرافيا اليمنية السهلية والساحلية وبعض الجبلية من عدن وأبين جنوباً وحتى عسير غرباً وبداية الهضبة الشمالية شمالاً (فوق نقيل سمارة الذي كان يسمى نقيل صيد)، بينما كانت صنعاء مشتتة بعد قضاء الأسود العنسي على وحدتها السياسية المتمثل ببقية الفرس الحكام من أبناء باذان، في حين لم يبسط أولئكم سيطرتهم على الجند التي كان لها العديد من المراكز الحضارية وقتها ومنها مدينة الجوة التاريخية، التي هي باعتقادي عاصمة أوسان الثانية.
والجند قاع فسيح؛ أفسح وأوسع مكاناً وانبساطاً من جغرافية مدينة تعز، ويحوي أرضاً زراعية خصبة، ويحوي حوضاً مائياً غنياً، ويصلح لأن يكون المدينة الجديدة لتعز لاستيعاب التوسع السكاني والعمراني المنفجر في محافظة تعز.
كان القيل الحارث بن عبد كلال هو المسيطر على مدينة الجوة التي هي عاصمة المعافر والجند حينها، كما ذكر ذلك الهمداني في الصفة، فقال: أما الجوة من عمل المعافر فالرأس فيها والسلطان عليها آل ذي المغلس الهمداني ثم المراني من ولد عمير ذي مران قيل همدان الذي كتب إليه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ؛ إذ لا نعلم رسالة أخرى غير تلك التي وجهها النبي -صلى الله عليه وسلم- للحارث بن عبد كلال أثناء منقلبه من غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة، كما في السير المختلفة، وكذلك زرعة ذو يزن الرهاوي، وقد يكون هذا الأخير هو المسيطر على الجؤة وقاعدة ملكه لاعتبارات الموقع والتواجد الأسري القبلي فيها.
وقد كان الحارث ملكاً وشاعراً وصاحب مكارم وبيان، ورب سيف وسنان. كان من عظماء أقيال حمير ومشاهيرهم في الجاهلية وصدر الإسلام.
كتب النبي –صلى الله عليه وسلم- إليه وأخيه وأمر رسوله أن يقرأ عليهما (لم يكن الذين كفروا)..إلخ.
ولما وفد الحارث على النبي –صلى الله عليه وسلم- اعتنقه وأفرش له رداءه، وقال قبل أن يدخل عليه: يدخل عليكم من هذا الفج رجل كريم الجدين، صبيح الخدين. وكان النبي –صلى الله عليه وسلم- أرسل إلى الحارث بن عبد كلال المهاجر [بن أبي أمية كما قال المؤرخ محمد الأكوع] فأسلم وكتب إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- شعراً يقول فيه:
ودينك دين الحق فيه طهارة *** وأنت بما فيه من الحق آمر
وابن الأثير يذكره أن مقر ملكه في نجران، وهو أمر بعيد كل البعد عن الحقيقة لاعتبار أن أصحاب نجران موضحين في كتب النبي ووفوده من بني الحارث بن كعب، والفرح يذكره في "حصن حب" في سمارة، بينما رسالة النبي واضحة يستوصيه بمعاذ وإعطائه الصدقة، ومعاذ لم يكن إلا في الجند!
ونجران من المعلوم أن من أرسل إليها خالد بن الوليد أولاً، ثم علي بن أبي طالب ثانياً لتخميس الأخماس وقبض الصدقة لا للفتح والولاية.
#الجند.. معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس!
توفيق #السامعي
الجند معبد جامع لديانات مختلفة
لا شك أن الجند كان معبداً قديماً للديانات القديمة، ومنها اليهودية والمسيحية، وقبلها القتبانية والأوسانية والسكاسك وغيرها، فقد كانت مركزاً للديانات المختلفة؛ منها ما هو مدون كاليهودية والمسيحية، ومنها غير مدون لما تكشف عنه العلوم الآثارية بعد، ولا يستبعد وجود أنبياء للمنطقة لا نعلم عنهم شيئاً بعد؛ وكانت إلى جوار مدينة سَوْرَق (بفتح السين وسكون الواو وفتح الراء وسكون القاف) من ماوية التي يوجد فيها الكثير من النقوش الحميرية، وخاصة نقوش يوسف أسأر أثأرن الملقب بذي نواس الحميري، والذي شهد مخلاف الجند في عهده أحداثاً هامة معه، خاصة في حروبه مع الأحباش، وهو كما نعلم جميعاً معتنق للديانة اليهودية التي ورثها عن آبائه وخاصة التوحيدية التي ذكرت في كثير من النقوش الحميرية باسم (رحمن ذي سماوي).
تتوزع بالقرب من الجند جبال شاهقة فيها معابد دينية مختلفة، وذات مسميات ودلالات دينية، وعلى رأسها المعبد الذي يسمى البيت رأس جبل سامع الشاهق، والذي يسكن بجواره بقايا الرهاويين أيضاً، وهناك الجبل الآخر الذي تسمى قمته بـ"قمة المتخلي"، وقد تناولنا تفاصيله في حلقات سابقة بعنوان (جبل الرب السامعي)، حتى إن سامع اسمه لآلهة قديمة بمعنى شاهد، وفي قمة جبل "سَوْرَق" يوجد أيضاً معبد قديم.
كما يوجد في أعلى جبل صب شرقاً قرية تسمى "صنمات" بفتح الصاد وكسر النون، ولا يخفى دلالتها، وكذلك "عَبَدان" شرقي صبر وغربي خدير بمعنى العابد، بينما توجد منطقة "قدس" في الحجرية وما تحمله من دلالة دينية أيضاً، وفيها أيضاً قرى "حَمَدان" بمعنى الحامد، وهكذا غيرها..
وذكر المؤرخ مطهر الإرياني، في نقاش مع الكاتب، أن هذه المعابد المتفرقة في قمم الجبال كانت للتعبد الثانوي بينما يجمعها المعبد في الجند الذي يقام في مكانه اليوم جامع الجند.
تعالوا بناً أيضاً لتحليل الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي الذي كان يهيمن على المنطقة آن ذاك..
كان مركز الجند هو الوحدة السياسية والاجتماعية الشاملة والباقية من الدول اليمنية المختلفة التي تهيمن على معظم الجغرافيا اليمنية السهلية والساحلية وبعض الجبلية من عدن وأبين جنوباً وحتى عسير غرباً وبداية الهضبة الشمالية شمالاً (فوق نقيل سمارة الذي كان يسمى نقيل صيد)، بينما كانت صنعاء مشتتة بعد قضاء الأسود العنسي على وحدتها السياسية المتمثل ببقية الفرس الحكام من أبناء باذان، في حين لم يبسط أولئكم سيطرتهم على الجند التي كان لها العديد من المراكز الحضارية وقتها ومنها مدينة الجوة التاريخية، التي هي باعتقادي عاصمة أوسان الثانية.
والجند قاع فسيح؛ أفسح وأوسع مكاناً وانبساطاً من جغرافية مدينة تعز، ويحوي أرضاً زراعية خصبة، ويحوي حوضاً مائياً غنياً، ويصلح لأن يكون المدينة الجديدة لتعز لاستيعاب التوسع السكاني والعمراني المنفجر في محافظة تعز.
كان القيل الحارث بن عبد كلال هو المسيطر على مدينة الجوة التي هي عاصمة المعافر والجند حينها، كما ذكر ذلك الهمداني في الصفة، فقال: أما الجوة من عمل المعافر فالرأس فيها والسلطان عليها آل ذي المغلس الهمداني ثم المراني من ولد عمير ذي مران قيل همدان الذي كتب إليه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ؛ إذ لا نعلم رسالة أخرى غير تلك التي وجهها النبي -صلى الله عليه وسلم- للحارث بن عبد كلال أثناء منقلبه من غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة، كما في السير المختلفة، وكذلك زرعة ذو يزن الرهاوي، وقد يكون هذا الأخير هو المسيطر على الجؤة وقاعدة ملكه لاعتبارات الموقع والتواجد الأسري القبلي فيها.
وقد كان الحارث ملكاً وشاعراً وصاحب مكارم وبيان، ورب سيف وسنان. كان من عظماء أقيال حمير ومشاهيرهم في الجاهلية وصدر الإسلام.
كتب النبي –صلى الله عليه وسلم- إليه وأخيه وأمر رسوله أن يقرأ عليهما (لم يكن الذين كفروا)..إلخ.
ولما وفد الحارث على النبي –صلى الله عليه وسلم- اعتنقه وأفرش له رداءه، وقال قبل أن يدخل عليه: يدخل عليكم من هذا الفج رجل كريم الجدين، صبيح الخدين. وكان النبي –صلى الله عليه وسلم- أرسل إلى الحارث بن عبد كلال المهاجر [بن أبي أمية كما قال المؤرخ محمد الأكوع] فأسلم وكتب إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- شعراً يقول فيه:
ودينك دين الحق فيه طهارة *** وأنت بما فيه من الحق آمر
وابن الأثير يذكره أن مقر ملكه في نجران، وهو أمر بعيد كل البعد عن الحقيقة لاعتبار أن أصحاب نجران موضحين في كتب النبي ووفوده من بني الحارث بن كعب، والفرح يذكره في "حصن حب" في سمارة، بينما رسالة النبي واضحة يستوصيه بمعاذ وإعطائه الصدقة، ومعاذ لم يكن إلا في الجند!
ونجران من المعلوم أن من أرسل إليها خالد بن الوليد أولاً، ثم علي بن أبي طالب ثانياً لتخميس الأخماس وقبض الصدقة لا للفتح والولاية.
3⃣
#الجند.. معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس!
توفيق #السامعي
تصحيح جمعة رجب
كانت غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة بعد عام من غزوة مؤتة، وخرج النبي –صلى الله عليه وسلم- بجيشه من المدينة في رجب، كما تقول السير والمؤرخون، وأن وقت الغزوة استمر خمسين يوماً، منها شهر كامل مسافة الطريق ذهاباً وإياباً، وعشرون يوماً مكث فيها النبي مع الجيش في تبوك؛ أي إنه عاد في أواخر شهر رمضان المبارك من ذلك العام.
وحيث إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرسل معاذاً إلى اليمن بعد عودته مباشرة من تبوك، كما تذكر رسالته إلى الحارث بن عبد كلال، فإن معاذاً لم يصل الجند في جمادى الآخرة وإقامة أول جمعة فيها في رجب من ذلك العام، كما قال الجندي في السلوك، وهو يدحض جمعة رجب التي يحج فيها اليمنيون إلى جامع الجند، إلا أنه يمكن ذلك إذا كان ظل يسير تسعة أشهر كما ذكر الجندي في رواية من الروايات أنه مر من طريق الشحر، وعليه سيكون وصوله الجند في العام العاشر الهجري وليس التاسع، بينما يذهب الأكوع محمد علي إلى أن معاذاً مر من طريق صعدة وعرج على صنعاء ورفض المكوث فيها اتباعاً لوصية وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم نزل بعد ذلك إلى الجند لتنفيذ الأمر حرفياً، فقد كان يرد على أهل صنعاء "ما هكذا أوصاني خليلي"، ومن هنا ذهب الأكوع متفرداً للقول إن مسجدي صعدة وصنعاء بناهما معاذ أيضاً على مبرك ناقة رسول الله وهو أمر لم يثبت عن معاذ نفسه وقد دحضته الروايات المختلفة ومنها رواية وبر بن يحنس أو حنش الخزاعي الذي تحدث عن أنه هو من بنى مسجد صنعاء في السنة الحادية عشرة أثناء مرض الرسول –صلى الله عليه وسلم- الذي توفي فيه.
عاصمة الدولة الإسلامية
مع وصول رسول رسول الله معاذ بن جبل إلى الجند تم إحياء المدينة، وبعث الروح فيها مجدداً، واتخذت عاصمة أولى للدولة الإسلامية في اليمن، ولم تكن مجرد مركز ديني وثقافي وإشعاع علمي فقط يتم تعليم الناس فيها الشرائع والفقه، بل كانت كذلك مقر الأمير وعاصمة الولاية؛ منها يبعث الجيوش، ويتخذ القرارات السياسية، وفيها يستقبل الوفود اليمنية المختلفة، ومنها يرسل المدد إلى المدينة المنورة، ومنها ينشر الإسلام في بقية أجزاء اليمن مما لم يدخلها الإسلام.
ومع تأسيس الجامع كمركز إشعاع للنور والتعليم واستقبال المتعلمين والمعلمين بدأ الناس ينجذبون إليها من كل مكان؛ فقد كانت الجُمَع لا تنعقد إلا في ذلك الجامع، وبدأ اليمنيون يشدون الرحال إليه حتى تناسلت المساجد بعد ذلك في كل المناطق اليمنية، وهناك رواية للجندي تقول إن معاذاً بنى مسجد صيد (مسجد نقيل سمارة) عند طلوعه من الجند إلى صنعاء لتبليغ رسالة النبي إلى أهل صنعاء وقراءتها عليهم.
ومع عودة معاذ بن جبل –رضي الله عنه- إلى المدينة المنورة بعد وفاة النبي –صلى الله عليه وسلم- ترك خلفه مدينة مزدحمة، واستخلف عليها عبدالله بن أبي ربيعة المخزومي، ثم يعلي بن أمية، ثم سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري، ثم بدأ العلماء ممن أدركوا النبي بالعودة إليها، ومن بعدهم جاء التابعون وأشهرهم طاووس بن كيسان الحميري، وعطاء بن أبي رباح، وأبو قرة صاحب السنن من رجال الحديث من أهالي الجند.
بعد ذلك كان الخلفاء الراشدون يرسلون الولاة على اليمن؛ والياً على الجند ووالياً على صنعاء، ووالياً على تهامة، ووالياً على حضرموت، ووالياً على نجران، وظلت الجند تحكم عدن وأبين ولحج والمعافر وإب وجزءاً من تهامة ويافع.
الحال الاجتماعي والثقافي في الجند
من خلال الرسائل وأحاديث النبي، والأحداث التاريخية فإن المجتمع اليمني عامة والجندي خاصة كان يتكون من ثلاثة مكونات اجتماعية وثقافية؛ اليهود، والمسيحيين، وبقية اليمنيين من غير الديانتين الذين ظلوا يعبدون الكواكب والنجوم؛ إذ لم يهيمن الدين اليهودي كلية ولا المسيحي أيضاً، لذلك بقي بقية باقية من غير الديانتين، وهذا التنوع يعكس حالة من التعايش الذي يحدث نوعاً من الإبداع الثقافي والاجتماعي والفكري، غير أن تدويناته لم تصل إلينا إلا بعض الإشارات من أن الجند كان سوقاً ثقافياً أيضاً كعكاظ يتبارى فيه الشعراء ويلقون قصائدهم فيه، غير أنه لم تصلنا من هذه الأشعار ولم يدون شيء منها أو يتم تناقلها كما هو الحال عن عكاظ.
وقد كان للنبي –صلى الله عليه وسلم- إشارة أخرى إلى ذلك الحراك العلمي والثقافي والفكري، من خلال وصيته لمعاذ: إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، يسألونك ما مفتاح الجنة؛ فقل: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له"...إلخ
فقد كانت لديهم المحاجاة والمناظرة والحراك الثقافي ومنها هذه الإشارة التي تشير إلى ذلك.
إنه من المؤكد أن تاريخ الجند لم يبدأ مع مبعث معاذ إليها؛ فقد كان مبعثه –باعتقادي- عملية إحيائية لتاريخ المنطقة من ناحية، كما سيتضح لاحقاً عند ذكر آثار الجند في الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة، وتوجس القائد العسكري صاحب البعد الاستراتيجي المدرك لأهميتها من ناحية أخرى، وتوسع الدعوة والدولة الإسلامية في الجزيرة العربية وتأمين
#الجند.. معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس!
توفيق #السامعي
تصحيح جمعة رجب
كانت غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة بعد عام من غزوة مؤتة، وخرج النبي –صلى الله عليه وسلم- بجيشه من المدينة في رجب، كما تقول السير والمؤرخون، وأن وقت الغزوة استمر خمسين يوماً، منها شهر كامل مسافة الطريق ذهاباً وإياباً، وعشرون يوماً مكث فيها النبي مع الجيش في تبوك؛ أي إنه عاد في أواخر شهر رمضان المبارك من ذلك العام.
وحيث إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرسل معاذاً إلى اليمن بعد عودته مباشرة من تبوك، كما تذكر رسالته إلى الحارث بن عبد كلال، فإن معاذاً لم يصل الجند في جمادى الآخرة وإقامة أول جمعة فيها في رجب من ذلك العام، كما قال الجندي في السلوك، وهو يدحض جمعة رجب التي يحج فيها اليمنيون إلى جامع الجند، إلا أنه يمكن ذلك إذا كان ظل يسير تسعة أشهر كما ذكر الجندي في رواية من الروايات أنه مر من طريق الشحر، وعليه سيكون وصوله الجند في العام العاشر الهجري وليس التاسع، بينما يذهب الأكوع محمد علي إلى أن معاذاً مر من طريق صعدة وعرج على صنعاء ورفض المكوث فيها اتباعاً لوصية وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم نزل بعد ذلك إلى الجند لتنفيذ الأمر حرفياً، فقد كان يرد على أهل صنعاء "ما هكذا أوصاني خليلي"، ومن هنا ذهب الأكوع متفرداً للقول إن مسجدي صعدة وصنعاء بناهما معاذ أيضاً على مبرك ناقة رسول الله وهو أمر لم يثبت عن معاذ نفسه وقد دحضته الروايات المختلفة ومنها رواية وبر بن يحنس أو حنش الخزاعي الذي تحدث عن أنه هو من بنى مسجد صنعاء في السنة الحادية عشرة أثناء مرض الرسول –صلى الله عليه وسلم- الذي توفي فيه.
عاصمة الدولة الإسلامية
مع وصول رسول رسول الله معاذ بن جبل إلى الجند تم إحياء المدينة، وبعث الروح فيها مجدداً، واتخذت عاصمة أولى للدولة الإسلامية في اليمن، ولم تكن مجرد مركز ديني وثقافي وإشعاع علمي فقط يتم تعليم الناس فيها الشرائع والفقه، بل كانت كذلك مقر الأمير وعاصمة الولاية؛ منها يبعث الجيوش، ويتخذ القرارات السياسية، وفيها يستقبل الوفود اليمنية المختلفة، ومنها يرسل المدد إلى المدينة المنورة، ومنها ينشر الإسلام في بقية أجزاء اليمن مما لم يدخلها الإسلام.
ومع تأسيس الجامع كمركز إشعاع للنور والتعليم واستقبال المتعلمين والمعلمين بدأ الناس ينجذبون إليها من كل مكان؛ فقد كانت الجُمَع لا تنعقد إلا في ذلك الجامع، وبدأ اليمنيون يشدون الرحال إليه حتى تناسلت المساجد بعد ذلك في كل المناطق اليمنية، وهناك رواية للجندي تقول إن معاذاً بنى مسجد صيد (مسجد نقيل سمارة) عند طلوعه من الجند إلى صنعاء لتبليغ رسالة النبي إلى أهل صنعاء وقراءتها عليهم.
ومع عودة معاذ بن جبل –رضي الله عنه- إلى المدينة المنورة بعد وفاة النبي –صلى الله عليه وسلم- ترك خلفه مدينة مزدحمة، واستخلف عليها عبدالله بن أبي ربيعة المخزومي، ثم يعلي بن أمية، ثم سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري، ثم بدأ العلماء ممن أدركوا النبي بالعودة إليها، ومن بعدهم جاء التابعون وأشهرهم طاووس بن كيسان الحميري، وعطاء بن أبي رباح، وأبو قرة صاحب السنن من رجال الحديث من أهالي الجند.
بعد ذلك كان الخلفاء الراشدون يرسلون الولاة على اليمن؛ والياً على الجند ووالياً على صنعاء، ووالياً على تهامة، ووالياً على حضرموت، ووالياً على نجران، وظلت الجند تحكم عدن وأبين ولحج والمعافر وإب وجزءاً من تهامة ويافع.
الحال الاجتماعي والثقافي في الجند
من خلال الرسائل وأحاديث النبي، والأحداث التاريخية فإن المجتمع اليمني عامة والجندي خاصة كان يتكون من ثلاثة مكونات اجتماعية وثقافية؛ اليهود، والمسيحيين، وبقية اليمنيين من غير الديانتين الذين ظلوا يعبدون الكواكب والنجوم؛ إذ لم يهيمن الدين اليهودي كلية ولا المسيحي أيضاً، لذلك بقي بقية باقية من غير الديانتين، وهذا التنوع يعكس حالة من التعايش الذي يحدث نوعاً من الإبداع الثقافي والاجتماعي والفكري، غير أن تدويناته لم تصل إلينا إلا بعض الإشارات من أن الجند كان سوقاً ثقافياً أيضاً كعكاظ يتبارى فيه الشعراء ويلقون قصائدهم فيه، غير أنه لم تصلنا من هذه الأشعار ولم يدون شيء منها أو يتم تناقلها كما هو الحال عن عكاظ.
وقد كان للنبي –صلى الله عليه وسلم- إشارة أخرى إلى ذلك الحراك العلمي والثقافي والفكري، من خلال وصيته لمعاذ: إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، يسألونك ما مفتاح الجنة؛ فقل: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له"...إلخ
فقد كانت لديهم المحاجاة والمناظرة والحراك الثقافي ومنها هذه الإشارة التي تشير إلى ذلك.
إنه من المؤكد أن تاريخ الجند لم يبدأ مع مبعث معاذ إليها؛ فقد كان مبعثه –باعتقادي- عملية إحيائية لتاريخ المنطقة من ناحية، كما سيتضح لاحقاً عند ذكر آثار الجند في الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة، وتوجس القائد العسكري صاحب البعد الاستراتيجي المدرك لأهميتها من ناحية أخرى، وتوسع الدعوة والدولة الإسلامية في الجزيرة العربية وتأمين
4⃣
#الجند.. معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس!
توفيق #السامعي
إهتمام النبي باليمن
مثلما ذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- للغزو بنفسه إلى شمال الجزيرة العربية لتأمين البوابة الشمالية للجزيرة والدولة الإسلامية ومواجهة الروم، كذلك اهتم بالبوابة الجنوبية وهي اليمن. فقد كان الفراغ السياسي في المنطقة، قبل شغله من قبل النبي، مشجعاً للصراع الفارسي البيزنطي للسيطرة على المنطقة وطرق تجارتها، ونجد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حقق ضربتين متزامنتين للامبراطورية البيزنطية؛ مواجهتها بشكل مباشر في الشمال (غزوة تبوك، بعد مؤتة)، وقطع يدها وتأمين المنطقة في الجنوب بتأسيس ولاية اليمن وإرسال معاذ إلى الجند، وبذلك يكون قد أمّن الجزيرة العربية كلها، مما يتيح له حاضنة شعبية كبيرة للتحرك خارجها، ولذلك كان حريصاً كل الحرص على بعث وإنفاذ جيش أسامة إلى الشام حتى وهو في لحظات حياته الأخيرة.
ومن خلال مراجعة مبعث النبي لرسله إلى الدول والملوك ما وجدنا حرصاً، ولا اهتماماً كبيراً، ولا وصايا مفصلة لرسول من رسل النبي –صلى الله عليه وسلم- مثل تلك الوصايا والحرص الذي أبداهما النبي لمعاذ وهو يبعثه إلى اليمن، وصارت تلك الوصية من أشهر وصايا النبي سواء في الرسائل والبعوث والتولية أو حتى في اتخاذها تشريعاً إسلامياً للأمة بعد موته -صلى الله عليه وسلم-، وخاصة في الأقضية، وأخذ الصدقة والتحري فيها، والرفق باليمنيين، والتعامل الحساس معهم (إياك وكرائم أموالهم.. أموال أغنيائهم ترد على فقرائهم.. إتق دعوة المظلوم)، حتى لا ينفرهم ولا يستفزهم ويكسب ودهم.
فعن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".
وكذلك الحديث: عن معاذ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين بعثه إلى اليمن قال: "كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟". قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟". قال: فبسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟". قال: أجتهد برأيي، لا آلو. قال: فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدري ثم قال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما يرضي رسول الله".
ولم يكبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ويستبشر ويفرح بإسلام قبيلة من القبائل، ولا دولة من الدول، كما فرح واستبشر بقدوم اليمنيين مسلمين وكبر حين وصله وفدهم، واعتبره نصراً وفتحاً، كما في الحديث الذي رواه ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في المدينة: "الله أكبر. جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن نقية قلوبهم، لينة طاعتهم. الإيمان يمانٍ، والفقه يمان، والحكمة يمانية".
وهناك أحاديث كثيرة، ومنها حديث أن أهل اليمن دعائم أمته، كما ورد في كتاب "الآحاد والمثاني" لابن أبي عاصم، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلَيٍّ، قال حدثنا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "دَعَائِمُ أُمَّتِي أَهْلُ الْيَمَنِ".
فهل تحققت رؤية النبي الاستراتيجية في أهل اليمن ومساهمتهم في بناء الدولة الإسلامية التي أسسها وكانوا أهم دعائمها؟!
لا شك في ذلك، من خلال قراءة دور اليمنيين في كل الأحداث التاريخية للدولة الإسلامية مع كل الدول؛ سواء الخلافة الراشدة، أو الدولة الأموية، أو الدولة العباسية، والدول بعدها إلى اليوم.
تصحيح سردية إسلام أهل اليمن
لم يكن دخول اليمنيين الإسلام مع مقدم معاذ بن جبل، أو مع أبي موسى الأشعري، أو مع خالد بن الوليد، أو مع علي بن أبي طالب –رضي الله عنهم أجمعين- كما في الروايات التاريخية التي تقدم الغث والسمين، وتضطرب رواياتها المتعددة؛ بل لقد كان إسلامهم فرادى وعلى مراحل متتالية بمجرد سماع الدعوة النبوية، حتى قبل مبعث النبي الرسل إليهم؛ فقد ذهب أبو موسى الأشعري مع سبعين من قومه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مبايعاً إياه بعد فتح خيبر في السنة السابعة للهجرة، وقد تزامن قدومه مع قدوم جعفر بن أبي طالب ومن معه من الحبشة، وجعل لهم النبي سهماً من غنيمة خيبر، ثم أرسله بعد ذلك في السنة التاسعة للهجرة مع معاذ والياً على الأشعريين ودعوة البقية للإسلام، وتعليمهم الفقه والإسلام، وهو ذات الأمر مع معاذ بن جبل الذي جاء مبعوثاً إلى الجند بعد إسلام الحارث بن عبد كلال وقومه، كما تفصل مراسلة النبي بينهما.
#الجند.. معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس!
توفيق #السامعي
إهتمام النبي باليمن
مثلما ذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- للغزو بنفسه إلى شمال الجزيرة العربية لتأمين البوابة الشمالية للجزيرة والدولة الإسلامية ومواجهة الروم، كذلك اهتم بالبوابة الجنوبية وهي اليمن. فقد كان الفراغ السياسي في المنطقة، قبل شغله من قبل النبي، مشجعاً للصراع الفارسي البيزنطي للسيطرة على المنطقة وطرق تجارتها، ونجد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حقق ضربتين متزامنتين للامبراطورية البيزنطية؛ مواجهتها بشكل مباشر في الشمال (غزوة تبوك، بعد مؤتة)، وقطع يدها وتأمين المنطقة في الجنوب بتأسيس ولاية اليمن وإرسال معاذ إلى الجند، وبذلك يكون قد أمّن الجزيرة العربية كلها، مما يتيح له حاضنة شعبية كبيرة للتحرك خارجها، ولذلك كان حريصاً كل الحرص على بعث وإنفاذ جيش أسامة إلى الشام حتى وهو في لحظات حياته الأخيرة.
ومن خلال مراجعة مبعث النبي لرسله إلى الدول والملوك ما وجدنا حرصاً، ولا اهتماماً كبيراً، ولا وصايا مفصلة لرسول من رسل النبي –صلى الله عليه وسلم- مثل تلك الوصايا والحرص الذي أبداهما النبي لمعاذ وهو يبعثه إلى اليمن، وصارت تلك الوصية من أشهر وصايا النبي سواء في الرسائل والبعوث والتولية أو حتى في اتخاذها تشريعاً إسلامياً للأمة بعد موته -صلى الله عليه وسلم-، وخاصة في الأقضية، وأخذ الصدقة والتحري فيها، والرفق باليمنيين، والتعامل الحساس معهم (إياك وكرائم أموالهم.. أموال أغنيائهم ترد على فقرائهم.. إتق دعوة المظلوم)، حتى لا ينفرهم ولا يستفزهم ويكسب ودهم.
فعن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".
وكذلك الحديث: عن معاذ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين بعثه إلى اليمن قال: "كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟". قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟". قال: فبسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟". قال: أجتهد برأيي، لا آلو. قال: فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدري ثم قال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما يرضي رسول الله".
ولم يكبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ويستبشر ويفرح بإسلام قبيلة من القبائل، ولا دولة من الدول، كما فرح واستبشر بقدوم اليمنيين مسلمين وكبر حين وصله وفدهم، واعتبره نصراً وفتحاً، كما في الحديث الذي رواه ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في المدينة: "الله أكبر. جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن نقية قلوبهم، لينة طاعتهم. الإيمان يمانٍ، والفقه يمان، والحكمة يمانية".
وهناك أحاديث كثيرة، ومنها حديث أن أهل اليمن دعائم أمته، كما ورد في كتاب "الآحاد والمثاني" لابن أبي عاصم، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلَيٍّ، قال حدثنا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "دَعَائِمُ أُمَّتِي أَهْلُ الْيَمَنِ".
فهل تحققت رؤية النبي الاستراتيجية في أهل اليمن ومساهمتهم في بناء الدولة الإسلامية التي أسسها وكانوا أهم دعائمها؟!
لا شك في ذلك، من خلال قراءة دور اليمنيين في كل الأحداث التاريخية للدولة الإسلامية مع كل الدول؛ سواء الخلافة الراشدة، أو الدولة الأموية، أو الدولة العباسية، والدول بعدها إلى اليوم.
تصحيح سردية إسلام أهل اليمن
لم يكن دخول اليمنيين الإسلام مع مقدم معاذ بن جبل، أو مع أبي موسى الأشعري، أو مع خالد بن الوليد، أو مع علي بن أبي طالب –رضي الله عنهم أجمعين- كما في الروايات التاريخية التي تقدم الغث والسمين، وتضطرب رواياتها المتعددة؛ بل لقد كان إسلامهم فرادى وعلى مراحل متتالية بمجرد سماع الدعوة النبوية، حتى قبل مبعث النبي الرسل إليهم؛ فقد ذهب أبو موسى الأشعري مع سبعين من قومه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مبايعاً إياه بعد فتح خيبر في السنة السابعة للهجرة، وقد تزامن قدومه مع قدوم جعفر بن أبي طالب ومن معه من الحبشة، وجعل لهم النبي سهماً من غنيمة خيبر، ثم أرسله بعد ذلك في السنة التاسعة للهجرة مع معاذ والياً على الأشعريين ودعوة البقية للإسلام، وتعليمهم الفقه والإسلام، وهو ذات الأمر مع معاذ بن جبل الذي جاء مبعوثاً إلى الجند بعد إسلام الحارث بن عبد كلال وقومه، كما تفصل مراسلة النبي بينهما.
5⃣
#الجند.. معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس!
توفيق #السامعي
الجند جمعت ديانات الموحدين
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- دقيقاً في تحديد المناطق والرسائل التي يرسل إليها رسله، ويدعو للاهتمام بها، ويحرص على تبليغها الدعوة لطبيعتها الدينية الخالصة وأبعادها الاستراتيجية للدولة، ومن هذه الجوانب سنعمل مقارنتين لهذا الاهتمام؛ إرساله للجند تحديداً، ومطالبته قيصر الروم الاهتمام بالأريسيين دون سائر المسيحيين وفرقهم في الدولة البيزنطية باعتبار الجهتين موحدين لا يدينون بعقيدة التثليث المعروفة عند المسيحية.
فمنطقة الجند كانت تجمع الموحدين من اليهود الذين يعتقدون بالرحمن إله السموات والأرض الوارد في النقوش الحميرية المختلفة، واعتبار أولئك اليهود بقية الحميريين الموحدين.
كذلك المسيحيين الموجودين في الجند فقد كانوا يدينون بديانة التوحيد لا يعتقدون عقيدة التثليث، وهو المذهب المتأخر الذي حاول أبرهة الحبشي المسيحي فرضه بقوة الحديد والنار على المسيحيين واليهود.
فقد كان الأحباش حتى مبعث النبي –صلى الله عليه وسلم- وخاصة نجاشي الحبشة يعتقدون عقيدة التوحيد دون التثليث، ولذلك كانوا أقرب إلى الإسلام الذي اعتنقه النجاشي، بعكس اليعاقبة المؤمنين بالتثليث وهم كاثوليك.
وقد امتلكنا دليلاً مادياً من منطقة الجند العام لمجسم مريم العذراء مع ابنها المسيح خالٍ من أية إشارة للتثليث؛ فالتثليث مذهب فرضه الرومان في القرن الثالث الميلادي وعمموه على جميع الأتباع في أرضهم، ولم يستطع أبرهة فرضه كلية في اليمن رغم استخدامه وسائل إكراه مختلفة، وبقي من بقي من المسيحيين الموحدين؛ إذا ما استثنينا رمز الصليب في بوابة قلعة القاهرة التي نعتقد أن الأحباش هم من بنوا تلك البوابة ووسعوا في القلعة أثناء احتلالهم الثاني لليمن.
أما الأريسيون فقد اهتم بهم النبي خاصة وذكرهم في رسالته إلى هرقل قيصر الروم بقوله: "أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين؛ فإن توليت فعليك إثم الأريسيين"!
والأريسيون هم الموحدون، أو باقيا الموحدين الذين كانوا يوحدون الخالق ويقولون بنبوة عيسى عليه السلام، ظهروا في القرن الثالث الميلادي على يد المؤسس الكاهن آريوس في الأسكندرية، وعرفوا بمواجهة تيار التثليث، وقد تحملوا أصناف الاضطهاد والعذاب من الرومان وخاصة القيصر قسطنطين الثاني وغيرهم حتى كادوا أن يستأصلوا من الأرض.
وهذه الفرقة في الأساس كانت جذورها التوحيدية المسيحية في نجران انتقلت إلى مصر من وقت مبكر كادت أن تنتهي حتى أحياها الكاهن أريوس.
بئر زمزم الجند
في الطرف الشمالي الشرقي لجناح الجامع توجد بئر الجامع والتي سميت "بئر زمزم"، ويبدو اسمها تيمناً بزمزم الحرم المكي، وهي ذات ماء لا ينضب، تزود الجامع بالماء عبر التاريخ.
لا يوجد على وجه الدقة تاريخ لاستحداث هذا البئر، أو بالأصح لا يوجد توثيق لاستحداثه؛ فمن المعلوم أن أي مرفق وخاصة إن كان جامعاً لا بد له من مصدر مياه للشرب أو للوضوء أو لمختلف الاستعمالات، وقد لا يكون بدعاً من القول أن حفر البئر تزامن مع بناء الجامع.
وبما أن البئر غزير الماء وفي ذات الموقع فلا بد أنها تدعم إشارة قدسية المكان كذلك شبيهة ببئر زمزم في مكة.
وهذه البئر هي التي ألقى فيها مهدي بن علي بن مهدي جثث أهل الجند من النساء والأطفال والرجال الذين قتلهم، وقد كانت تزود الجامع بالماء إلى أن جاء وزير الملكة أروى بنت أحمد الصليحي وهو المفضل بن أبي البركات وزود الجامع بالماء عبر الغيل الذي بناه وساقه من مرتفعات "خِنْوة" (بكسر الهاء وسكون النون) شمال مدينة القاعدة إلى الجند، كما يسمون أشباهه ونظراءه بالنهر الاصطناعي، وهو الفلج أيضاً، ويبدو أنه كان تعويضاً لمصادر الماء للجامع؛ لأن ماء البئر قد فسد وتعفن بتعفن جثث القتلى التي ذكرناها آنفاً.
وقد جاء في وصف هذا الغيل والساقية التي تنسب إلى الملكة أروى بنت أحمد الصليحي في أبيات شعرية لمدح المفضل وزير الملكة أروى من قبل الفقيه والشاعر والقاضي أبو بكر اليافعي:
وأجلَّ مكرمة له وفضيلةٍ
إجراؤه للغيل في الأجنادِ
شق الجبال الشُّمَّ ببأسه
وكأنما كانت ثِعابَ وِهادِ
ولقد وجدت نقشاً في جدار الجامع يذكر هذا القاضي اليافعي وأنه قام بإصلاحات وترميمات داخل الجامع نفسه.
آثار الجند
تدل الآثار المختلفة في الجند ومحيطها على أهمية كبرى للمنطقة لم يكشف عن كثير من معلوماتها؛ فالنقوش في محيط المنطقة والمدن المطمورة المدمرة، على فاعلية المنطقة تاريخياً.
شهدت المنطقة نبشاً عشوائياً كبيراً لصيادي الآثار والكنوز التي أذهل بعضها من اطلع عليها.
في عام ٢٠١٠ وصلتني معلومة عن عصابة لقيت كنزاً مذهلاً يتكون من جمال وغزلان وثيران ذهبية، إلى جانب اختام بأحجام مختلفة؛ لا يقل وزن التمثال منها عن كيلوجراماً من الذهب الخالص.
#الجند.. معجزة النبوة وقلب اليمن المقدس!
توفيق #السامعي
الجند جمعت ديانات الموحدين
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- دقيقاً في تحديد المناطق والرسائل التي يرسل إليها رسله، ويدعو للاهتمام بها، ويحرص على تبليغها الدعوة لطبيعتها الدينية الخالصة وأبعادها الاستراتيجية للدولة، ومن هذه الجوانب سنعمل مقارنتين لهذا الاهتمام؛ إرساله للجند تحديداً، ومطالبته قيصر الروم الاهتمام بالأريسيين دون سائر المسيحيين وفرقهم في الدولة البيزنطية باعتبار الجهتين موحدين لا يدينون بعقيدة التثليث المعروفة عند المسيحية.
فمنطقة الجند كانت تجمع الموحدين من اليهود الذين يعتقدون بالرحمن إله السموات والأرض الوارد في النقوش الحميرية المختلفة، واعتبار أولئك اليهود بقية الحميريين الموحدين.
كذلك المسيحيين الموجودين في الجند فقد كانوا يدينون بديانة التوحيد لا يعتقدون عقيدة التثليث، وهو المذهب المتأخر الذي حاول أبرهة الحبشي المسيحي فرضه بقوة الحديد والنار على المسيحيين واليهود.
فقد كان الأحباش حتى مبعث النبي –صلى الله عليه وسلم- وخاصة نجاشي الحبشة يعتقدون عقيدة التوحيد دون التثليث، ولذلك كانوا أقرب إلى الإسلام الذي اعتنقه النجاشي، بعكس اليعاقبة المؤمنين بالتثليث وهم كاثوليك.
وقد امتلكنا دليلاً مادياً من منطقة الجند العام لمجسم مريم العذراء مع ابنها المسيح خالٍ من أية إشارة للتثليث؛ فالتثليث مذهب فرضه الرومان في القرن الثالث الميلادي وعمموه على جميع الأتباع في أرضهم، ولم يستطع أبرهة فرضه كلية في اليمن رغم استخدامه وسائل إكراه مختلفة، وبقي من بقي من المسيحيين الموحدين؛ إذا ما استثنينا رمز الصليب في بوابة قلعة القاهرة التي نعتقد أن الأحباش هم من بنوا تلك البوابة ووسعوا في القلعة أثناء احتلالهم الثاني لليمن.
أما الأريسيون فقد اهتم بهم النبي خاصة وذكرهم في رسالته إلى هرقل قيصر الروم بقوله: "أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين؛ فإن توليت فعليك إثم الأريسيين"!
والأريسيون هم الموحدون، أو باقيا الموحدين الذين كانوا يوحدون الخالق ويقولون بنبوة عيسى عليه السلام، ظهروا في القرن الثالث الميلادي على يد المؤسس الكاهن آريوس في الأسكندرية، وعرفوا بمواجهة تيار التثليث، وقد تحملوا أصناف الاضطهاد والعذاب من الرومان وخاصة القيصر قسطنطين الثاني وغيرهم حتى كادوا أن يستأصلوا من الأرض.
وهذه الفرقة في الأساس كانت جذورها التوحيدية المسيحية في نجران انتقلت إلى مصر من وقت مبكر كادت أن تنتهي حتى أحياها الكاهن أريوس.
بئر زمزم الجند
في الطرف الشمالي الشرقي لجناح الجامع توجد بئر الجامع والتي سميت "بئر زمزم"، ويبدو اسمها تيمناً بزمزم الحرم المكي، وهي ذات ماء لا ينضب، تزود الجامع بالماء عبر التاريخ.
لا يوجد على وجه الدقة تاريخ لاستحداث هذا البئر، أو بالأصح لا يوجد توثيق لاستحداثه؛ فمن المعلوم أن أي مرفق وخاصة إن كان جامعاً لا بد له من مصدر مياه للشرب أو للوضوء أو لمختلف الاستعمالات، وقد لا يكون بدعاً من القول أن حفر البئر تزامن مع بناء الجامع.
وبما أن البئر غزير الماء وفي ذات الموقع فلا بد أنها تدعم إشارة قدسية المكان كذلك شبيهة ببئر زمزم في مكة.
وهذه البئر هي التي ألقى فيها مهدي بن علي بن مهدي جثث أهل الجند من النساء والأطفال والرجال الذين قتلهم، وقد كانت تزود الجامع بالماء إلى أن جاء وزير الملكة أروى بنت أحمد الصليحي وهو المفضل بن أبي البركات وزود الجامع بالماء عبر الغيل الذي بناه وساقه من مرتفعات "خِنْوة" (بكسر الهاء وسكون النون) شمال مدينة القاعدة إلى الجند، كما يسمون أشباهه ونظراءه بالنهر الاصطناعي، وهو الفلج أيضاً، ويبدو أنه كان تعويضاً لمصادر الماء للجامع؛ لأن ماء البئر قد فسد وتعفن بتعفن جثث القتلى التي ذكرناها آنفاً.
وقد جاء في وصف هذا الغيل والساقية التي تنسب إلى الملكة أروى بنت أحمد الصليحي في أبيات شعرية لمدح المفضل وزير الملكة أروى من قبل الفقيه والشاعر والقاضي أبو بكر اليافعي:
وأجلَّ مكرمة له وفضيلةٍ
إجراؤه للغيل في الأجنادِ
شق الجبال الشُّمَّ ببأسه
وكأنما كانت ثِعابَ وِهادِ
ولقد وجدت نقشاً في جدار الجامع يذكر هذا القاضي اليافعي وأنه قام بإصلاحات وترميمات داخل الجامع نفسه.
آثار الجند
تدل الآثار المختلفة في الجند ومحيطها على أهمية كبرى للمنطقة لم يكشف عن كثير من معلوماتها؛ فالنقوش في محيط المنطقة والمدن المطمورة المدمرة، على فاعلية المنطقة تاريخياً.
شهدت المنطقة نبشاً عشوائياً كبيراً لصيادي الآثار والكنوز التي أذهل بعضها من اطلع عليها.
في عام ٢٠١٠ وصلتني معلومة عن عصابة لقيت كنزاً مذهلاً يتكون من جمال وغزلان وثيران ذهبية، إلى جانب اختام بأحجام مختلفة؛ لا يقل وزن التمثال منها عن كيلوجراماً من الذهب الخالص.
3⃣
محرقة #الأخدود.. هل فعلها ذو نواس في اليمن؟!
توفيق #السامعي
ثالثاً: الأحباش وعقيدة التثليث
الأحباش الذين احتلوا اليمن في ذلك الوقت كانوا مسيحيين أصحاب عقيدة التثليث امتداد اليعاقبة، ولم يكونوا موحدين حتى ينتصروا للموحدين؛ فقد كان التعميم في كل الكنائس المسيحية باستئصال المسيحيين الموحدين من النساطرة ونصبوا لهم أشد أنواع العذاب من بينها الحرق وسلخ الجلود والتقطيع والصلب والتفنن في قتلهم واستئصالهم، كما جاء في معظم الكتب المسيحية التاريخية.
يذكر المؤرخ المسيحي جون دافنبورت، في كتابه "عذراً محمد والقرآن" أن الكنيسة الكاثوليكية حاكمت الموحدين بتهمة الهرطقة وأعدمت أكثر من اثني عشر مليون موحد [يبدو هذا الرقم في تاريخ المحاكمة كلها لسنوات لفرض عقيدة التثليث وليس دفعة واحدة] قبل البعثة النبوية، ولهذا فإن هذا الرقم لا يمكن أن ينكره التاريخ ولا المصادر التاريخية، ويبدو أن إشارة القرآن في سورة البروج إلى هذه الأحداث وليس إلى غيرها.
فقد كان من ضمن العقوبات على هؤلاء أنهم يوقدون لهم كراسي حديدية حتى تحمر ثم يجلسونهم عليها لتشوي مؤخراتهم ثم يرمونهم للسباع التي تمزق أجسادهم وتلتهمها التهاماً بعد ذلك!
إذاً، هل من قام بهذه المحرقة هم الأحباش باعتبارهم صليبيين يدينون بعقيدة التثليث ضد الأروسيين الموحدن وتتبعهم في كل مكان في الإمبراطورية الرومانية، بعد استيلائهم على نجران وإنهاء الدولة الحميرية، خاصة إذا ما علمنا أن إرياط كان يغزو المدن ويحرقها حرقاً ويدمرها؟!
فالفعل الجماعي مثبت في النص القرآني (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ)..
أما ذو نواس فقد كان موحداً يهودياً، ولا يمكن لموحد أن يقتل موحداً، وهو القاسم المشترك بين الديانات، وكان أول اهتمام من النبي –صلى الله عليه وسلم- تجاه هؤلاء الموحدين برسالته إلى هرقل يحمله إثمهم.
رابعاً: ذو نواس والجريمة
من يراجع تاريخ ذي نواس الحميري وأحداثه ونقوشه فقد كان يدون كل أحداثه بالنقوش المسندية، كما هو حال كل الملوك اليمنيين، ولم يذكر في أي منها أنه قام بعمل أخدود وإحراق المسيحيين فيه باستثناء كنيسة ظفار التي ذكرها في نقوشه المختلفة، وكانت ظفار مسرح الأحداث الكبيرة، والجغرافية الجنوبية الغربية في تعز من قبائل شمير والركب والمعافر والمخاء وباب المندب كانت تدور فيها معظم الأحداث الكبيرة والفاصلة وليس نجران التي كانت آخر معقل يصل إليها المحتلون وتصل إليها الجيوش، أما المناطق الغربية الجنوبية المذكورة فقد كانت البوابة التي يدخل منها الأحباش.
حتى المسيحيون السريان، وهم من الأرثوذوكس، يقولون - في كتبهم- إن المسيحيين الحميريين تعرضوا للاضطهاد ثلاث مرات؛ مرة سنة 480 في عهد ملك اسمه فيروز، والثانية سنة 518 وهذه في عهد بوسطينوس الأول وهذا كان في بلاد الروم، وهذا العصر كان زمن ذي نواس وقت إرسال الحملة الحبشية الثالثة الكبرى بقيادة أرياط وأبرهة، ثم الثالثة في عهد الملك مسروق الذي قالوا إنه تهود واضطهد المسيحيين بشدة، وذكر تاريخه سنة 523 قبل مقتل ذي نواس بعامين، ويبدو هذا الاسم توهم منهم؛ فلم يكن قد ولد بعد، وهذا معروف من المفترض أن مسروق أخو سيف بن ذي يزن لأمه وآخر ملوك الحبشة الذي قتله وهرز وسيف بن ذين يزن في حملة التحرير، يعني سنة 565.
خامساً: مصدر الرواية
قالوا إنهم وثقوا الحادثة عن وثائق سريانية معاصرة للحدث وشاهدة عليه، وهذه الوثائق تتحدث عن أن هؤلاء المسيحيين لم يكونوا موحدين بل معتنقين لعقيدة التثليث، وربما لأن الرواة لها مسيحيون صليبيون أرثوذكس، وهذا زعيم المسيحيين أو ملكهم في نجران يعترف بربوبية المسيح لا بنبوته، وتوهموا باسم ذي نواس، وهذا مخالف للقصة القرآنية وغيرها التي توحي بأنهم مؤمنون موحدون.. جاء في كتاب "الشهداء الحميريون" في حوار على لسان كبيرهم الحارث بن كعب مع (ذي نواس) أو (المضطهد) كما يطلقون عليه في الوثائق: "والآن تعرض علي في شيخوختي الكفر بالمسيح إلهي والتهود مثلك، وقد لا أعيش ساعة واحدة أو يوماً واحداً بعد كفري؟!
أفتريد أن تجعلني في شيخوختي غريباً عن المسيح ربي؟!
بالحقيقة إنك لم تتكلم كملك، ولم تفعل كملك" (ص29).
ثم يذكر أنه صليبي مؤمن بالصليب: حاشا لي أن أكفر بالمسيح الإله الذي آمنت به منذ صباي واعتمدت باسمه، بل أسجد لصليبه، وأموت من أجله.
حقاً إنني مغتبط إذ أهلني المسيح في شيخوختي أن أموت من أجله...
وقد أكثر لي المسيح ربي في هذا العالم بنين وأحفاداً وعشيرة، وبقوته انتصرت في حروب كثيرة، وفي هذه أيضاً سأنتصر بقوة الصليب"(ص30). فحتى لو افترضنا صحة الوثيقة هذه فهذا يكشف أن الرجل كان مقدم حرب، فمع من خاض الحروب إذا كانوا قالوا إنهم لا يحاربون وإنما يتعبدون بسلام، وأنهم يتبعون تعاليم المسيح (إذا ضربك في خدك فوجه له الخد الآخر..)!
محرقة #الأخدود.. هل فعلها ذو نواس في اليمن؟!
توفيق #السامعي
ثالثاً: الأحباش وعقيدة التثليث
الأحباش الذين احتلوا اليمن في ذلك الوقت كانوا مسيحيين أصحاب عقيدة التثليث امتداد اليعاقبة، ولم يكونوا موحدين حتى ينتصروا للموحدين؛ فقد كان التعميم في كل الكنائس المسيحية باستئصال المسيحيين الموحدين من النساطرة ونصبوا لهم أشد أنواع العذاب من بينها الحرق وسلخ الجلود والتقطيع والصلب والتفنن في قتلهم واستئصالهم، كما جاء في معظم الكتب المسيحية التاريخية.
يذكر المؤرخ المسيحي جون دافنبورت، في كتابه "عذراً محمد والقرآن" أن الكنيسة الكاثوليكية حاكمت الموحدين بتهمة الهرطقة وأعدمت أكثر من اثني عشر مليون موحد [يبدو هذا الرقم في تاريخ المحاكمة كلها لسنوات لفرض عقيدة التثليث وليس دفعة واحدة] قبل البعثة النبوية، ولهذا فإن هذا الرقم لا يمكن أن ينكره التاريخ ولا المصادر التاريخية، ويبدو أن إشارة القرآن في سورة البروج إلى هذه الأحداث وليس إلى غيرها.
فقد كان من ضمن العقوبات على هؤلاء أنهم يوقدون لهم كراسي حديدية حتى تحمر ثم يجلسونهم عليها لتشوي مؤخراتهم ثم يرمونهم للسباع التي تمزق أجسادهم وتلتهمها التهاماً بعد ذلك!
إذاً، هل من قام بهذه المحرقة هم الأحباش باعتبارهم صليبيين يدينون بعقيدة التثليث ضد الأروسيين الموحدن وتتبعهم في كل مكان في الإمبراطورية الرومانية، بعد استيلائهم على نجران وإنهاء الدولة الحميرية، خاصة إذا ما علمنا أن إرياط كان يغزو المدن ويحرقها حرقاً ويدمرها؟!
فالفعل الجماعي مثبت في النص القرآني (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ)..
أما ذو نواس فقد كان موحداً يهودياً، ولا يمكن لموحد أن يقتل موحداً، وهو القاسم المشترك بين الديانات، وكان أول اهتمام من النبي –صلى الله عليه وسلم- تجاه هؤلاء الموحدين برسالته إلى هرقل يحمله إثمهم.
رابعاً: ذو نواس والجريمة
من يراجع تاريخ ذي نواس الحميري وأحداثه ونقوشه فقد كان يدون كل أحداثه بالنقوش المسندية، كما هو حال كل الملوك اليمنيين، ولم يذكر في أي منها أنه قام بعمل أخدود وإحراق المسيحيين فيه باستثناء كنيسة ظفار التي ذكرها في نقوشه المختلفة، وكانت ظفار مسرح الأحداث الكبيرة، والجغرافية الجنوبية الغربية في تعز من قبائل شمير والركب والمعافر والمخاء وباب المندب كانت تدور فيها معظم الأحداث الكبيرة والفاصلة وليس نجران التي كانت آخر معقل يصل إليها المحتلون وتصل إليها الجيوش، أما المناطق الغربية الجنوبية المذكورة فقد كانت البوابة التي يدخل منها الأحباش.
حتى المسيحيون السريان، وهم من الأرثوذوكس، يقولون - في كتبهم- إن المسيحيين الحميريين تعرضوا للاضطهاد ثلاث مرات؛ مرة سنة 480 في عهد ملك اسمه فيروز، والثانية سنة 518 وهذه في عهد بوسطينوس الأول وهذا كان في بلاد الروم، وهذا العصر كان زمن ذي نواس وقت إرسال الحملة الحبشية الثالثة الكبرى بقيادة أرياط وأبرهة، ثم الثالثة في عهد الملك مسروق الذي قالوا إنه تهود واضطهد المسيحيين بشدة، وذكر تاريخه سنة 523 قبل مقتل ذي نواس بعامين، ويبدو هذا الاسم توهم منهم؛ فلم يكن قد ولد بعد، وهذا معروف من المفترض أن مسروق أخو سيف بن ذي يزن لأمه وآخر ملوك الحبشة الذي قتله وهرز وسيف بن ذين يزن في حملة التحرير، يعني سنة 565.
خامساً: مصدر الرواية
قالوا إنهم وثقوا الحادثة عن وثائق سريانية معاصرة للحدث وشاهدة عليه، وهذه الوثائق تتحدث عن أن هؤلاء المسيحيين لم يكونوا موحدين بل معتنقين لعقيدة التثليث، وربما لأن الرواة لها مسيحيون صليبيون أرثوذكس، وهذا زعيم المسيحيين أو ملكهم في نجران يعترف بربوبية المسيح لا بنبوته، وتوهموا باسم ذي نواس، وهذا مخالف للقصة القرآنية وغيرها التي توحي بأنهم مؤمنون موحدون.. جاء في كتاب "الشهداء الحميريون" في حوار على لسان كبيرهم الحارث بن كعب مع (ذي نواس) أو (المضطهد) كما يطلقون عليه في الوثائق: "والآن تعرض علي في شيخوختي الكفر بالمسيح إلهي والتهود مثلك، وقد لا أعيش ساعة واحدة أو يوماً واحداً بعد كفري؟!
أفتريد أن تجعلني في شيخوختي غريباً عن المسيح ربي؟!
بالحقيقة إنك لم تتكلم كملك، ولم تفعل كملك" (ص29).
ثم يذكر أنه صليبي مؤمن بالصليب: حاشا لي أن أكفر بالمسيح الإله الذي آمنت به منذ صباي واعتمدت باسمه، بل أسجد لصليبه، وأموت من أجله.
حقاً إنني مغتبط إذ أهلني المسيح في شيخوختي أن أموت من أجله...
وقد أكثر لي المسيح ربي في هذا العالم بنين وأحفاداً وعشيرة، وبقوته انتصرت في حروب كثيرة، وفي هذه أيضاً سأنتصر بقوة الصليب"(ص30). فحتى لو افترضنا صحة الوثيقة هذه فهذا يكشف أن الرجل كان مقدم حرب، فمع من خاض الحروب إذا كانوا قالوا إنهم لا يحاربون وإنما يتعبدون بسلام، وأنهم يتبعون تعاليم المسيح (إذا ضربك في خدك فوجه له الخد الآخر..)!
4⃣
محرقة #الأخدود.. هل فعلها ذو نواس في اليمن؟!
توفيق #السامعي
سادساً: هل كانت حرقاً أم ذبحاً؟
يذكر ذلك الكتاب القصة بكاملها وأن الجميع قتلوا بالسيف، ورميت جثثهم في الوادي، ولم يذكر الحرق ولا الأخدود إلا حرق الكنيسة، وهذا بخلاف ما ذكره القرآن الكريم عن الحادثة بأنها أخدود ناري.
تقول الرواية: "أدخل اليهود إلى الكنيسة جميع عظامهم وكوموها بعضها فوق بعض في وسط الكنيسة، ثم أدخلوا القسوس والشماسة والأفودياقونين والقراء والنذراء والنذيرات والشبان والشابات...وملأوا الكنيسة كلها من أولها إلى آخرها؛ بلغ عددهم الألفين على ما نقل لنا الذين وفدوا من نجران، ثم جاؤوا بالحطب ووضعوه حول الكنيسة ثم أضرموا فيه النار. أحرقت الكنيسة ومن فيها جميعاً"(ص31). فهل كان في ذلك العهد توجد كنيسة تتسع لكل هذا العدد، بينما مباني مواقع نجران الأثرية لا تشي بربع هذه المساحة الاستيعابية؟!
حتى باعترافهم في هذا الكتاب فقد كان الملك الحميري يطلب منهم فقط أن يعترفوا بأن المسيح بشر وليس إلهاً، ويريدهم أن يبصقوا في الصليب، إذاً فمن يكون الموحد هو أم هم؟!
لقد حرفوا الكتب المقدسة التوراة والإنجيل، أفلن يحرفوا الروايات التاريخية؟!
أظن أن أغلب ما ورد في الكتاب المذكور هو حديث الصياغة؛ إذ يغلب عليه الطابع الإنشائي الأدبي، أورد فيه كثيراً من المصطلحات والأيام الحديثة التي لم تكن تستخدم في ذلك الزمن؛ فأسماء الأيام الحالية لم تكن قد عرفت حتى ذلك التاريخ وبنفس الترتيب، وقدي يكون غير الكثير من الحقائق خاصة في الجانب العقدي لنفس الطائفة.
سابعاً: إسقاط الجريمة
لكن لا يمكن إسقاطها على نجران وذي نواس الذي يؤمن بالرحمن إله السموات والأرض ثم يحرق حتى الأطفال، باستثناء حادثة حرق كنائس ظفار المذكورة الوحيدة في النقوش!
فكل النقوش التي أُثرت عن ذي نواس، والتي لم يترك شاردة ولا واردة من حروبه وتحركاته إلا ودونها بالنقوش، لم تتطرق البتة إلى الأخدود والإحراق، وهي حادثة كبيرة وسيكون لها صداها الواسع في ذلك الزمن بطبيعة الحال، وبالتالي لا يمكننا القول أنه فعل ذلك هروباً من التجريم فلا يوجد منظمات حقوق إنسان ولا محاكم دولية يهرب منها، فقد كان يدون كل معاركه بما في ذلك ذكر إحراق كنائس ظفار.
سألت أستاذ الآثار والنقوش اليمنية في جامعة صنعاء وقسم الآثار بجامعة حائل بالمملكة العربية السعودية، الدكتور محمد الحاج، الذي نقب وشرح كل نقوش نجران تقريباً، ومعه كتاب عن تلك النقوش، إن كان هناك أية إشارة ولو بكلمة للأخدود المزعوم هناك، أو المحرقة في كل ما مر عليه من النقوش، فأفاد أنه لا توجد أية إشارة أو كلمة لذلك، وهذا يجعلنا نعيد النظر في أن الأخدود كان في نجران على يد يوسف أسأر أثأرن (ذي نواس عند الإخباريين)، وقد يكون من قام بهذا الفعل الإجرامي ملك آخر في موضع آخر من الجزيرة العربية أو الشام!
لأول مرة يذكر ذو يزن بالإسم هنا، وأنه كان قائداً وقيلاً للملك ذي نواس، وهو من صلب بعض هؤلاء المسيحيين، ويسمونه ذي يزن الصالب. جاء في الوثيقة المذكورة في الكتاب ص67: "فلم يكتف الصالب ذو يزن بهذا الجواب الموحد، لكنه كالباشق الضاري الذي إذا جاع جلس عند مدخل عش الحمام الوديعة لينقض على التي تخرج منه، جلس هو خارج باب الدارة، وألقى بالصليب قدامه وأمر أن تخرج الشريفات واحدة فواحدة ويتقدمن إليه...".
ويذكر أن ذا يزن كان متوحشاً بقتل النساء والأطفال، وأمر بإلقاء أشلاء الجميع في الخندق خارج أسوار المدينة ومن ثم طمروا بالتراب، وهنا لأول مرة يذكر الخندق، في غير الوثائق الأولى التي أوردها المؤلف من قبل!
ثامناً: الجريمة كدافع لاحتلال اليمن
لا بد من تذكير القارئ الكريم أن تدخل الأحباش لم يكن بسبب المحرقة البتة، ولا دافعاً دينياً؛ فقد بدأ تدخلهم في اليمن قبل حادثة المحرقة بأكثر من خمسمائة عام؛ منذ القرن ألأول الميلادي، أو الثاني على بعض الروايات لعمر النقوش، من أيام الملك الحميري الأول علهان نهفان لذي عقد اتفاقية دفاع مشترك مع الحبشة بعد أن نصب نفسه ملكاً على سبأ في مارب، وخاف من تحالف سبأي ضده فلجأ إلى ملك الحبشة بعقد تلك الاتفاقية.
حاولت الأدبيات السريانية وكذلك المسيحية بشكل عام اختلاق المبرر الأخلاقي لغزو اليمن بهذه القصة، وتأليب الدولة البيزنطية على اليمن لاحتلالها وإدخالها تحت النفوذ البيزنطي، لقطع الطريق التجاري أمام فارس وخاصة تجارة الحرير بين الهند والصين الذي يعبر عبر اليمن وصولاً إلى آسيا.
كانت بيزنطة وفارس قد وقعتا صلحاً دائماً على عدم الاقتتال وتفرغ الجانبين لمواجهة الصراعات الداخلية وبناء الدولتين، ولم يكن في صالحهما الدخول في صراع في تلك الآونة، وقام كل منهما فيما بعد بما يشبه تحريك الأذرع لهما في المنطقة وقيام حرب بالوكالة دون الصدام المباشر، فقد كان الجانب الديني ذريعة ظاهرية فقط للتدخل، وهذا ما أشار إليه مؤرخ الإمبراطور البيزنطي "بروكوبيوس" في كتابه "تاريخ الحروب والقصة السرية لمحكمة جستنيان"،
محرقة #الأخدود.. هل فعلها ذو نواس في اليمن؟!
توفيق #السامعي
سادساً: هل كانت حرقاً أم ذبحاً؟
يذكر ذلك الكتاب القصة بكاملها وأن الجميع قتلوا بالسيف، ورميت جثثهم في الوادي، ولم يذكر الحرق ولا الأخدود إلا حرق الكنيسة، وهذا بخلاف ما ذكره القرآن الكريم عن الحادثة بأنها أخدود ناري.
تقول الرواية: "أدخل اليهود إلى الكنيسة جميع عظامهم وكوموها بعضها فوق بعض في وسط الكنيسة، ثم أدخلوا القسوس والشماسة والأفودياقونين والقراء والنذراء والنذيرات والشبان والشابات...وملأوا الكنيسة كلها من أولها إلى آخرها؛ بلغ عددهم الألفين على ما نقل لنا الذين وفدوا من نجران، ثم جاؤوا بالحطب ووضعوه حول الكنيسة ثم أضرموا فيه النار. أحرقت الكنيسة ومن فيها جميعاً"(ص31). فهل كان في ذلك العهد توجد كنيسة تتسع لكل هذا العدد، بينما مباني مواقع نجران الأثرية لا تشي بربع هذه المساحة الاستيعابية؟!
حتى باعترافهم في هذا الكتاب فقد كان الملك الحميري يطلب منهم فقط أن يعترفوا بأن المسيح بشر وليس إلهاً، ويريدهم أن يبصقوا في الصليب، إذاً فمن يكون الموحد هو أم هم؟!
لقد حرفوا الكتب المقدسة التوراة والإنجيل، أفلن يحرفوا الروايات التاريخية؟!
أظن أن أغلب ما ورد في الكتاب المذكور هو حديث الصياغة؛ إذ يغلب عليه الطابع الإنشائي الأدبي، أورد فيه كثيراً من المصطلحات والأيام الحديثة التي لم تكن تستخدم في ذلك الزمن؛ فأسماء الأيام الحالية لم تكن قد عرفت حتى ذلك التاريخ وبنفس الترتيب، وقدي يكون غير الكثير من الحقائق خاصة في الجانب العقدي لنفس الطائفة.
سابعاً: إسقاط الجريمة
لكن لا يمكن إسقاطها على نجران وذي نواس الذي يؤمن بالرحمن إله السموات والأرض ثم يحرق حتى الأطفال، باستثناء حادثة حرق كنائس ظفار المذكورة الوحيدة في النقوش!
فكل النقوش التي أُثرت عن ذي نواس، والتي لم يترك شاردة ولا واردة من حروبه وتحركاته إلا ودونها بالنقوش، لم تتطرق البتة إلى الأخدود والإحراق، وهي حادثة كبيرة وسيكون لها صداها الواسع في ذلك الزمن بطبيعة الحال، وبالتالي لا يمكننا القول أنه فعل ذلك هروباً من التجريم فلا يوجد منظمات حقوق إنسان ولا محاكم دولية يهرب منها، فقد كان يدون كل معاركه بما في ذلك ذكر إحراق كنائس ظفار.
سألت أستاذ الآثار والنقوش اليمنية في جامعة صنعاء وقسم الآثار بجامعة حائل بالمملكة العربية السعودية، الدكتور محمد الحاج، الذي نقب وشرح كل نقوش نجران تقريباً، ومعه كتاب عن تلك النقوش، إن كان هناك أية إشارة ولو بكلمة للأخدود المزعوم هناك، أو المحرقة في كل ما مر عليه من النقوش، فأفاد أنه لا توجد أية إشارة أو كلمة لذلك، وهذا يجعلنا نعيد النظر في أن الأخدود كان في نجران على يد يوسف أسأر أثأرن (ذي نواس عند الإخباريين)، وقد يكون من قام بهذا الفعل الإجرامي ملك آخر في موضع آخر من الجزيرة العربية أو الشام!
لأول مرة يذكر ذو يزن بالإسم هنا، وأنه كان قائداً وقيلاً للملك ذي نواس، وهو من صلب بعض هؤلاء المسيحيين، ويسمونه ذي يزن الصالب. جاء في الوثيقة المذكورة في الكتاب ص67: "فلم يكتف الصالب ذو يزن بهذا الجواب الموحد، لكنه كالباشق الضاري الذي إذا جاع جلس عند مدخل عش الحمام الوديعة لينقض على التي تخرج منه، جلس هو خارج باب الدارة، وألقى بالصليب قدامه وأمر أن تخرج الشريفات واحدة فواحدة ويتقدمن إليه...".
ويذكر أن ذا يزن كان متوحشاً بقتل النساء والأطفال، وأمر بإلقاء أشلاء الجميع في الخندق خارج أسوار المدينة ومن ثم طمروا بالتراب، وهنا لأول مرة يذكر الخندق، في غير الوثائق الأولى التي أوردها المؤلف من قبل!
ثامناً: الجريمة كدافع لاحتلال اليمن
لا بد من تذكير القارئ الكريم أن تدخل الأحباش لم يكن بسبب المحرقة البتة، ولا دافعاً دينياً؛ فقد بدأ تدخلهم في اليمن قبل حادثة المحرقة بأكثر من خمسمائة عام؛ منذ القرن ألأول الميلادي، أو الثاني على بعض الروايات لعمر النقوش، من أيام الملك الحميري الأول علهان نهفان لذي عقد اتفاقية دفاع مشترك مع الحبشة بعد أن نصب نفسه ملكاً على سبأ في مارب، وخاف من تحالف سبأي ضده فلجأ إلى ملك الحبشة بعقد تلك الاتفاقية.
حاولت الأدبيات السريانية وكذلك المسيحية بشكل عام اختلاق المبرر الأخلاقي لغزو اليمن بهذه القصة، وتأليب الدولة البيزنطية على اليمن لاحتلالها وإدخالها تحت النفوذ البيزنطي، لقطع الطريق التجاري أمام فارس وخاصة تجارة الحرير بين الهند والصين الذي يعبر عبر اليمن وصولاً إلى آسيا.
كانت بيزنطة وفارس قد وقعتا صلحاً دائماً على عدم الاقتتال وتفرغ الجانبين لمواجهة الصراعات الداخلية وبناء الدولتين، ولم يكن في صالحهما الدخول في صراع في تلك الآونة، وقام كل منهما فيما بعد بما يشبه تحريك الأذرع لهما في المنطقة وقيام حرب بالوكالة دون الصدام المباشر، فقد كان الجانب الديني ذريعة ظاهرية فقط للتدخل، وهذا ما أشار إليه مؤرخ الإمبراطور البيزنطي "بروكوبيوس" في كتابه "تاريخ الحروب والقصة السرية لمحكمة جستنيان"،
لخزانة الدولة تمثلت في 7 مليارات دولار على الشطر الجنوبي وثلاثة مليارات دولار للشطر الشمالي في ظل عدم البحث عن موارد مالية لتغطية هذه الديون مما أدى إلى انهيار العملة الوطنية شيئاً فشيئاً، وكذلك تصاعد الأزمة السياسية بين شريكي الوحدة التي أدت في النهاية إلى حرب 1994.
تراكمت الأسباب التي أدت إلى خيبة أمل لدى الشعب اليمني وخاصة في الجنوب بعد حرب 1994 التي انهزم فيها شريك الوحدة الجنوبي، خاصة وقد تم الإبقاء على فتيل الأزمة وبذرة الحرب كامنة في عدم توحيد الجيش الذي احتفظ كل طرف بقوته أدى إلى الصدام والصراع في تلك الحرب.
الإقصاء الذي مارسه الطرف المنتصر على الطرف المنهزم أدى إلى احتقان متراكم جنوباً وصل ذروته في عام 2007 مع ظهور الحراك الجنوبي وإقصاء صالح لبقية الشركاء والأطراف والتلاعب بالأزمات وإنشاء كيانات جديدة والتلاعب معها ...، وعدم حسم الحرب معها، وتزوير الانتخابات الرئاسية عام 2006 أدى إلى تسارع الأزمات، وبدأ كثير من الجنوبيين بالدعوة إلى فك الارتباط والمناداة بالانفصال.
بدأت هذه بمطالب مشروعة لم يستجب لها نظام الرئيس علي عبدالله صالح حتى دخلت دول إقليمية ودولية لاستثمار هذا التوجه وتصاعد الأزمة مما أدى إلى مزيد من الأزمات وحالة التمزق اليوم، وضاعت أصوات العقل والحكمة أمام كل هذا الضخ والاستثمار، وتسيد الغوغاء وانكفاء العقلاء، ورحيل معظمهم.
باتت اليمن اليوم أشبه بكنتونات ممزقة تؤذن بانهيار تام إن لم يتم تدارك هذا الأمر وسيكون له تبعات كارثية ليس على اليمن وحسب بل على المنطقة برمتها خاصة مع وجود مشاريع متربصة وكيدية تمكر ليلاً ونهاراً للقضاء على المنطقة برمتها وجعلت من اليمن ساحة حرب وتصفية وانطلاقة لمشروعها التدميري في المنطقة بالنيابة عن مشاريع دولية وصهيونية.
مع أن القضية الجنوبية قضية عادلة في مطالبها وتصحيح التعامل معها، ومع أن هذه القضية قد تم معالجتها في مؤتمر الحوار الوطني، وصارت الدولة اليوم بمعظم مناصبها ومؤسساتها وإدارتها يحكمها الجنوبيون إلا أنها استخدمت كقميص عثمان توظفها فصائل تعمل لصالح أجندة خارجية لا تروق لها وحدة اليمن ولحمته وإلا لالتقى الجميع على كلمة سواء بالبحث بجدية بجميع تفاصيل هذه القضية وتصحيح مسار الوحدة، والذي صار معظم اليمنيين اليوم يشكلون رؤية واحدة بصنع يمن اتحادي جديد بصيغة نظام جديدة بعيداً حتى عن الاتفاقات السابقة.
توفيق #السامعي
تراكمت الأسباب التي أدت إلى خيبة أمل لدى الشعب اليمني وخاصة في الجنوب بعد حرب 1994 التي انهزم فيها شريك الوحدة الجنوبي، خاصة وقد تم الإبقاء على فتيل الأزمة وبذرة الحرب كامنة في عدم توحيد الجيش الذي احتفظ كل طرف بقوته أدى إلى الصدام والصراع في تلك الحرب.
الإقصاء الذي مارسه الطرف المنتصر على الطرف المنهزم أدى إلى احتقان متراكم جنوباً وصل ذروته في عام 2007 مع ظهور الحراك الجنوبي وإقصاء صالح لبقية الشركاء والأطراف والتلاعب بالأزمات وإنشاء كيانات جديدة والتلاعب معها ...، وعدم حسم الحرب معها، وتزوير الانتخابات الرئاسية عام 2006 أدى إلى تسارع الأزمات، وبدأ كثير من الجنوبيين بالدعوة إلى فك الارتباط والمناداة بالانفصال.
بدأت هذه بمطالب مشروعة لم يستجب لها نظام الرئيس علي عبدالله صالح حتى دخلت دول إقليمية ودولية لاستثمار هذا التوجه وتصاعد الأزمة مما أدى إلى مزيد من الأزمات وحالة التمزق اليوم، وضاعت أصوات العقل والحكمة أمام كل هذا الضخ والاستثمار، وتسيد الغوغاء وانكفاء العقلاء، ورحيل معظمهم.
باتت اليمن اليوم أشبه بكنتونات ممزقة تؤذن بانهيار تام إن لم يتم تدارك هذا الأمر وسيكون له تبعات كارثية ليس على اليمن وحسب بل على المنطقة برمتها خاصة مع وجود مشاريع متربصة وكيدية تمكر ليلاً ونهاراً للقضاء على المنطقة برمتها وجعلت من اليمن ساحة حرب وتصفية وانطلاقة لمشروعها التدميري في المنطقة بالنيابة عن مشاريع دولية وصهيونية.
مع أن القضية الجنوبية قضية عادلة في مطالبها وتصحيح التعامل معها، ومع أن هذه القضية قد تم معالجتها في مؤتمر الحوار الوطني، وصارت الدولة اليوم بمعظم مناصبها ومؤسساتها وإدارتها يحكمها الجنوبيون إلا أنها استخدمت كقميص عثمان توظفها فصائل تعمل لصالح أجندة خارجية لا تروق لها وحدة اليمن ولحمته وإلا لالتقى الجميع على كلمة سواء بالبحث بجدية بجميع تفاصيل هذه القضية وتصحيح مسار الوحدة، والذي صار معظم اليمنيين اليوم يشكلون رؤية واحدة بصنع يمن اتحادي جديد بصيغة نظام جديدة بعيداً حتى عن الاتفاقات السابقة.
توفيق #السامعي
2⃣
#الاستسقاء بين تشريعات الحضارة #اليمنية والإسلام
توفيق #السامعي
ملاحظات وتعليقات على النقش:
1- اللفظ "ت ع ر ب ن": يمكن تفسير (تَعَرَّبْنَ) على عدة معانٍ وأوجه، كما في اللغة وسياق النقش، ومنها: تذللت النساء بين يدي الإله المقه وتواضعن وتحببن له واستوين مع بعضهن من غير طبقية، واحتشدن مع بعضهن، وأيضاً طلبن الغيث الوفير. جاء في قاموس المعاني:
عَرِبَتِ البِئْرُ: كَثُرَ ماؤُها.
عَرِبَتِ المرأُةُ: تحبَّبَتْ إلى زوجِها.
وعُربتِ الحجرُ: سُويت. ومنها الحجر الكبيرة المسطحة على باب بئر ومذبح معبد أوام، والنقش يسميها "م ع ر ب ت ن" (مَعْربة)، كما في الصورة أدناه. ولذلك جاء اللفظ عند ذكر مواصفات الحور العين في الجنة بلفظ (عُرُباً) يعني مستويات بقرينة (أترابا) في قوله تعالى: {عُرُباً أَتْرَاباً}الواقعة37
وعِرْبايا مملكة عربية قديمة في العراق.
وعِرْباية: اسم يطلق على بادية الشام، وأيضاً هو اسم من أسماء الصحراء، كما عند بعض اللغويين. ولعله جاء من استواء الصحراء، ومنها سمي العرب عرباً على بعض الروايات، وقد جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى: {وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ}الأحزاب20
وقد جاء اللفظ بصيغة المضارع المؤكد بنون التوكيد، كما في العربية الفصحى "ت ع ر ب ن" (تعربن)، وكذلك لفظ آخر "ت ب ش ر ن" (تبشرن) و"هـ و ف ي ن" (ليوفين) بصيغة الفعل المضارع المؤكد بنون التوكيد، وهذا يعد أصلاً من أصول تكوين العربية الفصحى المتطورة عن لغة المسند. ومن هذه الصيغة في القرآن الكريم في خمسة مواضع كقوله تعالى: {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}هود111
2- اللفظ "س ف ح" في السياق بمعنى قدم قرباناً/عربوناً، وليكن الذبح والدم في عملية الاستسقاء التي وردت في النقش، ففي القواميس العربية: سفح: سَالَ، اِنْصَبَّ. سَفَحَ الْمَاءَ: سَكَبَهُ، صَبَّهُ أسَالَهُ.
سفَح الدَّمَ سفكه وأراقه. وفي الذكر الحكيم قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ}الأنعام145
سَفَحَ الدمعَ والماءَ: صَبَّهُمَا
دَمْعٌ سَفُوحٌ: أَي مسفوح.
3- اللفظ "أ س ي ط م" أسيطم: اسم مكان إحدى الحقول الزراعية، والاسم لا تزال عندنا بعض المدرجات الكبيرة والهامة والخصبة تسمى بهذا الإسم (أسيطة/وُسَيْطة) وهي صفة لمكانها وموقعها بين الحقول؛ إما من التوسط، وإما اسم للأرض المزروعة، والميم في آخر اللفظ للتنكير وكذلك للتنوين.
4- "ذ أ ب ه ي": شهر أبهي هذا الذي استسقى فيه الناس للمطر هو شهر الحج عند اليمنيين إلى معبد أوام في مارب، وهو ما تزامن فيه الحج والاستسقاء وتقديم النذر، ولذلك لم يعودوا من الاستسقاء حتى أغيثوا بالمطر.
ويكون موسم الحج في مارب غالباً في شهر (ذ أ ب هـ ي) أي: ذي أبهى، وأشارت نقوش أخرى إلى شهر آخر يسمى ( ذ ح ج ت ن) ذو الحجة، ويكون بحسب النقش JA 651 تسعة أيام.
5- اللفظ "م ح ل": ماتت الزروع، وهذا اللفظ ما يزال مستخدماً إلى اليوم في لهجاتنا اليمنية وخاصة في تعز. نقول للزروع المتهالكة والضامرة "مَحّلْ" وكذلك نستعيرها وصفاً للإنسان الذي الضعيف الهزيل والحيوان فنقول: ماحِل (ضعيف/هزيل).
وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم وحيداً في سياق المطر والغيث، وكأنه يؤاخذ به عقوبة في هذه المناسبة وهو قوله تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ}الرعد13 وفسرها المفسرون بأنه شديد المأخذ/المآخذ
وهنا ملاحظة لواضعي القاموس السبئي الجديد والمطور (هناك لجنة دولية يمنية مشتركة لوضع اللمسات الأخيرة على هذا المعجم)، ونقول لهم اعتمدوا بقايا اللهجات في تفسير النقوش؛ فهي الأساس كونها لغة أصيلة ومنطوقة.
6- اللفظ "ذ ن م": وهو لفظ من ألفاظ المطر والسقيا، ويعني هطول المطر، وليس المطر ذاته في هذا النقش، وتكرر لأكثر من ثلاث مرات، وهو لفظ لا يزال يستخدم في بعض مناطق اليمن إلى اليوم، وخاصة في بعض تعز، ولكن ينطق بالزاي (ز ن م) وليس بالذال، ولست أدري إن كان يستخدم في مناطق اليم الأخرى اليوم. وربما كان بمعنى اللفظ المستخدم إلى اليوم "زنن/زنينة" الذي هو المطر الخفيف المستمر وهو أكثر فائدة في سقي الزروع وري الأرض إن استدام.
#الاستسقاء بين تشريعات الحضارة #اليمنية والإسلام
توفيق #السامعي
ملاحظات وتعليقات على النقش:
1- اللفظ "ت ع ر ب ن": يمكن تفسير (تَعَرَّبْنَ) على عدة معانٍ وأوجه، كما في اللغة وسياق النقش، ومنها: تذللت النساء بين يدي الإله المقه وتواضعن وتحببن له واستوين مع بعضهن من غير طبقية، واحتشدن مع بعضهن، وأيضاً طلبن الغيث الوفير. جاء في قاموس المعاني:
عَرِبَتِ البِئْرُ: كَثُرَ ماؤُها.
عَرِبَتِ المرأُةُ: تحبَّبَتْ إلى زوجِها.
وعُربتِ الحجرُ: سُويت. ومنها الحجر الكبيرة المسطحة على باب بئر ومذبح معبد أوام، والنقش يسميها "م ع ر ب ت ن" (مَعْربة)، كما في الصورة أدناه. ولذلك جاء اللفظ عند ذكر مواصفات الحور العين في الجنة بلفظ (عُرُباً) يعني مستويات بقرينة (أترابا) في قوله تعالى: {عُرُباً أَتْرَاباً}الواقعة37
وعِرْبايا مملكة عربية قديمة في العراق.
وعِرْباية: اسم يطلق على بادية الشام، وأيضاً هو اسم من أسماء الصحراء، كما عند بعض اللغويين. ولعله جاء من استواء الصحراء، ومنها سمي العرب عرباً على بعض الروايات، وقد جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى: {وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ}الأحزاب20
وقد جاء اللفظ بصيغة المضارع المؤكد بنون التوكيد، كما في العربية الفصحى "ت ع ر ب ن" (تعربن)، وكذلك لفظ آخر "ت ب ش ر ن" (تبشرن) و"هـ و ف ي ن" (ليوفين) بصيغة الفعل المضارع المؤكد بنون التوكيد، وهذا يعد أصلاً من أصول تكوين العربية الفصحى المتطورة عن لغة المسند. ومن هذه الصيغة في القرآن الكريم في خمسة مواضع كقوله تعالى: {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}هود111
2- اللفظ "س ف ح" في السياق بمعنى قدم قرباناً/عربوناً، وليكن الذبح والدم في عملية الاستسقاء التي وردت في النقش، ففي القواميس العربية: سفح: سَالَ، اِنْصَبَّ. سَفَحَ الْمَاءَ: سَكَبَهُ، صَبَّهُ أسَالَهُ.
سفَح الدَّمَ سفكه وأراقه. وفي الذكر الحكيم قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ}الأنعام145
سَفَحَ الدمعَ والماءَ: صَبَّهُمَا
دَمْعٌ سَفُوحٌ: أَي مسفوح.
3- اللفظ "أ س ي ط م" أسيطم: اسم مكان إحدى الحقول الزراعية، والاسم لا تزال عندنا بعض المدرجات الكبيرة والهامة والخصبة تسمى بهذا الإسم (أسيطة/وُسَيْطة) وهي صفة لمكانها وموقعها بين الحقول؛ إما من التوسط، وإما اسم للأرض المزروعة، والميم في آخر اللفظ للتنكير وكذلك للتنوين.
4- "ذ أ ب ه ي": شهر أبهي هذا الذي استسقى فيه الناس للمطر هو شهر الحج عند اليمنيين إلى معبد أوام في مارب، وهو ما تزامن فيه الحج والاستسقاء وتقديم النذر، ولذلك لم يعودوا من الاستسقاء حتى أغيثوا بالمطر.
ويكون موسم الحج في مارب غالباً في شهر (ذ أ ب هـ ي) أي: ذي أبهى، وأشارت نقوش أخرى إلى شهر آخر يسمى ( ذ ح ج ت ن) ذو الحجة، ويكون بحسب النقش JA 651 تسعة أيام.
5- اللفظ "م ح ل": ماتت الزروع، وهذا اللفظ ما يزال مستخدماً إلى اليوم في لهجاتنا اليمنية وخاصة في تعز. نقول للزروع المتهالكة والضامرة "مَحّلْ" وكذلك نستعيرها وصفاً للإنسان الذي الضعيف الهزيل والحيوان فنقول: ماحِل (ضعيف/هزيل).
وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم وحيداً في سياق المطر والغيث، وكأنه يؤاخذ به عقوبة في هذه المناسبة وهو قوله تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ}الرعد13 وفسرها المفسرون بأنه شديد المأخذ/المآخذ
وهنا ملاحظة لواضعي القاموس السبئي الجديد والمطور (هناك لجنة دولية يمنية مشتركة لوضع اللمسات الأخيرة على هذا المعجم)، ونقول لهم اعتمدوا بقايا اللهجات في تفسير النقوش؛ فهي الأساس كونها لغة أصيلة ومنطوقة.
6- اللفظ "ذ ن م": وهو لفظ من ألفاظ المطر والسقيا، ويعني هطول المطر، وليس المطر ذاته في هذا النقش، وتكرر لأكثر من ثلاث مرات، وهو لفظ لا يزال يستخدم في بعض مناطق اليمن إلى اليوم، وخاصة في بعض تعز، ولكن ينطق بالزاي (ز ن م) وليس بالذال، ولست أدري إن كان يستخدم في مناطق اليم الأخرى اليوم. وربما كان بمعنى اللفظ المستخدم إلى اليوم "زنن/زنينة" الذي هو المطر الخفيف المستمر وهو أكثر فائدة في سقي الزروع وري الأرض إن استدام.