ثورة 26سبتمبر والعمائم التي صارت كوافي
(شهادة الراحل حسين محمد #السفاري) (*)
محمد عبدالوهاب #الشيباني
في إحدى عصاري تموز من العام 1962، طُلب مني الحضور إلى مقر الاتحاد اليمني في حافة القاضي للتشاور بموضوع ما، وعند وصولي وجدت عبده محمد الحروي، وعبدالرحمن محمد سعيد، والشيخ قاسم بجاش الذين وصلوا في الغالب من تعز، ومعهم إخبارية مهمة من عبدالغني، مطهر تقول إن الثورة يتم التحضير لها بشكل جادّ، وعلى أعضاء الاتحاد اليمني في عدن والقاهرة الاستعداد لدعمها ماديًّا وبالفدائيين إن تطلب الأمر.
بعد شهرين من لقائنا ذاك، سمع العالم كله خبر الثورة السبتمبرية العظيمة، وقيام الجمهورية العربية اليمنية على أنقاض المملكة المتوكلية المتهالكة، أما الوعود الكبيرة التي قدّمها خطاب الثورة في التغيير والمساواة والديمقراطية والرفاه الاقتصادي والاجتماعي، فقد كانت الملهمة لألوف الشبان من العمّال في المقاهي، والدكاكين، والشركات، والأساطية (عمّال البناء)، والطلاب، للالتحاق بركب الثورة وندائها الإنسانيّ والأخلاقي.
وهذا النداء عشته بكل جوارحي، ولم يمنعني عن تلبيته لشهرين كاملين سوى ارتباطي بأعمال والدي التجارية، غير أني في أواخر نوفمبر اتخذت القرار الأصوب والأصعب، وهو تركي لسيارة خاصة بالمجموعة جوار مطعم التركي في القطيع، وإرسال مفاتيحها لنعمان مع شخص تشيكي كان برفقتي حين كنا نجول لتفقد تسويق منتجات الشركة التي يمثلها، والتي كنا نستورد منها أمواس الحلاقة ومواد كهربائية مختلفة.
ذهبت بعدها مباشرة إلى بيت التاجر علي حسن الوجيه، الذي كانت تربطه بوالدي علاقة ممتازة، حيث كان منها يتم تجهيز فدائيِّي الثورة والراغبين في الالتحاق بالتشكيلات العسكرية الوليدة مثل الحرس الوطني. وجدت في البيت وقتها عشرات الراغبين في السفر إلى تعز وصنعاء، ومنهم حسن السحولي الذي ترافقت معه وآخرين بسيارة لاند روفر حديثة عن طريق الراهدة بعد سنوات طويلة. وبعد أن صار سفيرًا، ذكّرني بالتعب الشديد الذي ألمّ به في رحلة الصعود إلى تعز، وكنت مستشاره الطبي طيلة الطريق، حيث أُسعِف إلى المستشفى فور وصولنا.
في الطريق، كنّا نشاهد الكثير من "البوابير" العتيقة والشاحنات المتوسطة وهي محملة بعشرات المتطوعين المتقدين بالحماس وهم في طريقهم إلى تعز للانضمام للحرس الوطني. تركوا أعمالهم وأشغالهم ومدارسهم في عدن ليلتحقوا بركب الثورة، وكان منظرًا جليلًا يؤثّر في كل من يراه، أما هتافهم المجلجل (ثورة ثورة يا سلال.. وحدة وحدة يا سلال)، فقد كان يأخذنا إلى مدى أبعد من الحماس.
وصلت، بعد رحلة شاقة ولذيذة أيضًا، إلى دار الضيافة، وكان موقع الدار -بما أصبح يسمى اليوم بالمجمع الحكومي- بالقرب من البريد، وهو الآن مقر الإدارات المالية للمحافظة، حيث كان يعج بعشرات الوجوه من القادة والسياسيين، ومنهم اللواء محمد قائد سيف القباطي (البليط) عضو مجلس قيادة الثورة الذي ما أن رآني حتى رحّب بي بحرارة، ثم سألني عمّا جاء بي إلى تعز، فقلت له إن بخاطري الحصول على منحة لدراسة الطيران المدني. فقال لي: "إنّ هذا الأمر صعب الآن، ولكن يمكن للقيادة الاستفادة منك في بعض الأعمال، نظرًا لخبرتك ولغتك الإنجليزية". كان ما لفت انتباهي أنّ كثيرًا من ساكني دار الضيافة قد بدؤُوا بتغيير عماتهم التقليدية (العمائم) بالكوافي، في تعبير صريح عن ولوجهم إلى مرحلة جديدة.
كانت تعز تكتسب وقتها حيوية واضحة، ليس لأنّ المدينة أخذت بالتوسع، ولظهور مبانٍ جديدة ومحلات تجارية عصرية على خط الإسفلت الوحيد بين المدينة القديمة ومنطقة العُرضي، ولم تعُد بتلك الصورة حينما كنت فيها قبل سنوات أربع هاربًا من والدي، وإنما لتلك الروح الوثابة في الناس وانحيازهم الواضح للثورة والجمهورية، واستعدادهم الكبير في التضحية من أجلها.
بعد يومين، أخذني محمد قائد سيف البليط إلى القيادة التي كانت بالقرب من مقام العرضي. أما أول عمل تسلمته فيها فهو مكتب الاتصال والتنسيق، وكانت مهمة هذا المكتب إرسال واستقبال الشفرات، التي ترِد أو ترسل للقيادة، ومنها تلك التي كانت ترسل لقيادة المؤتمر العمالي بعدن أو تستقبل منه بشأن تجهيز وإرسال المتطوعين والفدائيين إلى تعز. وبالمقابل، كنّا نجهز العديد من المتطوعين لإرسال الرسائل والشفرات إلى عدن بطريقة التهريب عن طريق ماوية والحشا، حتى لا يتم الإيقاع بهم في النقاط والمواقع الإنجليزية على خط الراهدة بعدن. بعدها بفترة وجيزة وصل إلى تعز صديقي القديم محمد علي الأكوع، الذي عاد منذ فترة قصيرة من القاهرة، للمشاركة في الدفاع عن الجمهورية، وتم توزيعه إلى تعز ليكون نائبًا لقائدها أحمد الآنسي، لمعرفته بالمدينة التي هرب منها بعد فشل انقلاب 1955 إلى عدن.
(شهادة الراحل حسين محمد #السفاري) (*)
محمد عبدالوهاب #الشيباني
في إحدى عصاري تموز من العام 1962، طُلب مني الحضور إلى مقر الاتحاد اليمني في حافة القاضي للتشاور بموضوع ما، وعند وصولي وجدت عبده محمد الحروي، وعبدالرحمن محمد سعيد، والشيخ قاسم بجاش الذين وصلوا في الغالب من تعز، ومعهم إخبارية مهمة من عبدالغني، مطهر تقول إن الثورة يتم التحضير لها بشكل جادّ، وعلى أعضاء الاتحاد اليمني في عدن والقاهرة الاستعداد لدعمها ماديًّا وبالفدائيين إن تطلب الأمر.
بعد شهرين من لقائنا ذاك، سمع العالم كله خبر الثورة السبتمبرية العظيمة، وقيام الجمهورية العربية اليمنية على أنقاض المملكة المتوكلية المتهالكة، أما الوعود الكبيرة التي قدّمها خطاب الثورة في التغيير والمساواة والديمقراطية والرفاه الاقتصادي والاجتماعي، فقد كانت الملهمة لألوف الشبان من العمّال في المقاهي، والدكاكين، والشركات، والأساطية (عمّال البناء)، والطلاب، للالتحاق بركب الثورة وندائها الإنسانيّ والأخلاقي.
وهذا النداء عشته بكل جوارحي، ولم يمنعني عن تلبيته لشهرين كاملين سوى ارتباطي بأعمال والدي التجارية، غير أني في أواخر نوفمبر اتخذت القرار الأصوب والأصعب، وهو تركي لسيارة خاصة بالمجموعة جوار مطعم التركي في القطيع، وإرسال مفاتيحها لنعمان مع شخص تشيكي كان برفقتي حين كنا نجول لتفقد تسويق منتجات الشركة التي يمثلها، والتي كنا نستورد منها أمواس الحلاقة ومواد كهربائية مختلفة.
ذهبت بعدها مباشرة إلى بيت التاجر علي حسن الوجيه، الذي كانت تربطه بوالدي علاقة ممتازة، حيث كان منها يتم تجهيز فدائيِّي الثورة والراغبين في الالتحاق بالتشكيلات العسكرية الوليدة مثل الحرس الوطني. وجدت في البيت وقتها عشرات الراغبين في السفر إلى تعز وصنعاء، ومنهم حسن السحولي الذي ترافقت معه وآخرين بسيارة لاند روفر حديثة عن طريق الراهدة بعد سنوات طويلة. وبعد أن صار سفيرًا، ذكّرني بالتعب الشديد الذي ألمّ به في رحلة الصعود إلى تعز، وكنت مستشاره الطبي طيلة الطريق، حيث أُسعِف إلى المستشفى فور وصولنا.
في الطريق، كنّا نشاهد الكثير من "البوابير" العتيقة والشاحنات المتوسطة وهي محملة بعشرات المتطوعين المتقدين بالحماس وهم في طريقهم إلى تعز للانضمام للحرس الوطني. تركوا أعمالهم وأشغالهم ومدارسهم في عدن ليلتحقوا بركب الثورة، وكان منظرًا جليلًا يؤثّر في كل من يراه، أما هتافهم المجلجل (ثورة ثورة يا سلال.. وحدة وحدة يا سلال)، فقد كان يأخذنا إلى مدى أبعد من الحماس.
وصلت، بعد رحلة شاقة ولذيذة أيضًا، إلى دار الضيافة، وكان موقع الدار -بما أصبح يسمى اليوم بالمجمع الحكومي- بالقرب من البريد، وهو الآن مقر الإدارات المالية للمحافظة، حيث كان يعج بعشرات الوجوه من القادة والسياسيين، ومنهم اللواء محمد قائد سيف القباطي (البليط) عضو مجلس قيادة الثورة الذي ما أن رآني حتى رحّب بي بحرارة، ثم سألني عمّا جاء بي إلى تعز، فقلت له إن بخاطري الحصول على منحة لدراسة الطيران المدني. فقال لي: "إنّ هذا الأمر صعب الآن، ولكن يمكن للقيادة الاستفادة منك في بعض الأعمال، نظرًا لخبرتك ولغتك الإنجليزية". كان ما لفت انتباهي أنّ كثيرًا من ساكني دار الضيافة قد بدؤُوا بتغيير عماتهم التقليدية (العمائم) بالكوافي، في تعبير صريح عن ولوجهم إلى مرحلة جديدة.
كانت تعز تكتسب وقتها حيوية واضحة، ليس لأنّ المدينة أخذت بالتوسع، ولظهور مبانٍ جديدة ومحلات تجارية عصرية على خط الإسفلت الوحيد بين المدينة القديمة ومنطقة العُرضي، ولم تعُد بتلك الصورة حينما كنت فيها قبل سنوات أربع هاربًا من والدي، وإنما لتلك الروح الوثابة في الناس وانحيازهم الواضح للثورة والجمهورية، واستعدادهم الكبير في التضحية من أجلها.
بعد يومين، أخذني محمد قائد سيف البليط إلى القيادة التي كانت بالقرب من مقام العرضي. أما أول عمل تسلمته فيها فهو مكتب الاتصال والتنسيق، وكانت مهمة هذا المكتب إرسال واستقبال الشفرات، التي ترِد أو ترسل للقيادة، ومنها تلك التي كانت ترسل لقيادة المؤتمر العمالي بعدن أو تستقبل منه بشأن تجهيز وإرسال المتطوعين والفدائيين إلى تعز. وبالمقابل، كنّا نجهز العديد من المتطوعين لإرسال الرسائل والشفرات إلى عدن بطريقة التهريب عن طريق ماوية والحشا، حتى لا يتم الإيقاع بهم في النقاط والمواقع الإنجليزية على خط الراهدة بعدن. بعدها بفترة وجيزة وصل إلى تعز صديقي القديم محمد علي الأكوع، الذي عاد منذ فترة قصيرة من القاهرة، للمشاركة في الدفاع عن الجمهورية، وتم توزيعه إلى تعز ليكون نائبًا لقائدها أحمد الآنسي، لمعرفته بالمدينة التي هرب منها بعد فشل انقلاب 1955 إلى عدن.
#السفاري
أول مجموعة تجارية انتقلت لمدينة الحديدة من عدن
يقول حسين السفاري وهو تاجر شهير ومناضل " انتقل مجموعة تجار من عدن إلى مدينة الحديدةمنهم محمد عبدالحليم، وابراهيم عبدالجليل ومحمد سعيد السفاري وعبدالقادر أحمد علوان وغيرهم وهذه المجموعة تقريباً هي من أسست للعمل التجاري في المدينة - يقصد في الستينات من القرن العشرين الميلادي - " ثم يقول " انشأت السوق الجديد في المنطقة الواقعة بين التحرير والمطراق وباب مشرف وعملت على تموين السوق الناشئة بالسلع والمنتجات وعلى حواف السوق وحتى الساحل نشأ ما يعرف بالحي التجاري "
د #مقشر
أول مجموعة تجارية انتقلت لمدينة الحديدة من عدن
يقول حسين السفاري وهو تاجر شهير ومناضل " انتقل مجموعة تجار من عدن إلى مدينة الحديدةمنهم محمد عبدالحليم، وابراهيم عبدالجليل ومحمد سعيد السفاري وعبدالقادر أحمد علوان وغيرهم وهذه المجموعة تقريباً هي من أسست للعمل التجاري في المدينة - يقصد في الستينات من القرن العشرين الميلادي - " ثم يقول " انشأت السوق الجديد في المنطقة الواقعة بين التحرير والمطراق وباب مشرف وعملت على تموين السوق الناشئة بالسلع والمنتجات وعلى حواف السوق وحتى الساحل نشأ ما يعرف بالحي التجاري "
د #مقشر
وفيها تتلمذ على أيدي نخبة من المعلمين الأجلاء، منهم: الأديب والقاص حسين سالم #باصديق، الذي تعلم على يديه اللغة الإنجليزية والعربية، وحامد #زليخي أستاذ الجغرافية، وعمر #باناجة أستاذ اللغة العربية، ومحمد سعيد #الصائغ، وعلي عبدالعزيز نصر، وقاسم غالب، وعلي محمد #باحميش، وعلي عبدالرزاق #باذيب، محمد سعيد الصائغ،
علي عبدالكريم #الشيباني أستاذ البلاغة والأدب، والأخير كان أكثرهم تأثيرًا عليه، فقد بقي يتذكره في مقابلاته وفي أحاديثه معي. أغلب المعلمين، وخصوصًا أساتذة اللغة العربية والبلاغة والأدب، شكّلوا في وعيه الشاب أنموذجًا كاملًا لما يتوجب أن يكون عليه شاب طموح، لهذا اختار أن يكون في بداية حياته #معلمًا.
يصف تلك السنوات بأنها كانت قاسية ومنحته الجلَد، فبعد أن ينهي دوامه المدرسي كان يتوجب عليه العودة إلى دكان والده للعمل إلى جانبه، وكانت معيشته في إطار الدكان، بما فيه النوم على رصيفه، مثل أكثر الناس في تلك الفترة، يستأجرون أَسرَّة مصنوعة من جريد النخيل ليناموا عليها، وأحيانًا كثيرة يفترشون كراتين البضائع، وساعدهم في ذلك طبيعة المدينة الحارة.
كانت سنوات النصف الأول من الخمسينيات، مرحلةَ تشكُّل وعي الشاب ووجدانه ثقافيًّا بما أتاحته المدرسة من تنوع في التعليم، وما وفرته مكتبات #كريتر من مطبوعات وقصص أطفال كانت تصل من القاهرة وبيروت، وينكب عليها الشاب لقراءتها، وإلى جانب التشكل الثقافي كان #القرشي أيضًا يتشكل سياسيًّا تحت تأثير ثورة يوليو #المصرية التي كانت ملهمة كبيرة له ولأبناء جيله بفعل الراديو والجرائد.
من #جعار إلى #الأيام
في بداية الخمسينيات، كانت مدينة ( #جعار ) على ضفة وادي (بنَا)، المعروفة تاريخيًّا بـ( #خنفر )، تتشكل بصفتها حالة سكانية جديدة قوامها التنوع، فرضتها رغبة السلطة الاستعمارية في أن تكون المنطقة -وضمن مناطق أخرى في دلتا #أبين ودلتا تبن ب #لحج- مناطق لزراعة القطن، الذي أثبتت التجارب نجاح استزراعه تجاريًّا وبجودة عالية، ليكون بديلًا عن القطن المصري والهندي، الذي لم تعُد التجارة البريطانية تتحكم بزراعته وتسويقه، وتحديدًا بعد استقلال الهند في 1947، وجلاء القوات البريطانية عن مصر، ابتداء من العام 1954، وهو ما استدعى استقدام قوى عاملة فلاحية من مناطق يمنية متعددة للعمل في مساحات شاسعة تم استصلاحها لهذا الغرض، وكان الذي يدير هذا الوضع لجنة #أبين الزراعية التي تشرف عليها السلطة الاستعمارية مباشرة من #عدن.
ترافق مع توسع المدينة نشوءُ قطاع خدمات متنوع، ومنها قطاع التعليم، حيث افتُتِحت في المدينة مدارس حكومية تشرف عليها دائرة المعارف ل #السلطنة_الفضلية التي يمتد نفوذها على أغلب مناطق #أبين.
ولأنها كانت بحاجة إلى كادر تعليمي، فتحت باب الاستيعاب لمن يرغب من الخريجين. وقد وجدها #القرشي فرصةً مهمة لتحقيق حلمه والاستقلال بحياته بعيدًا عن سطوة الأب.
كان وقتها قد أكمل المتوسطة أو على وشك إكمالها، أما زملاؤه الآخرون، مثل حسين #السفاري وأحمد قاسم، فقد انتقلوا إلى حياة تعليمية جديدة؛ الأول في كلية عدن بدار سعد، والثاني في المعهد الفني بالمعلا.
في متوسطة #جعار، بدأ المعلم الشاب ابتداءً من العام الدراسي 1956، أول خطواته في سلم الطموح الشخصي، واختار أن يكون معلمًا للغة العربية التي اكتسب الكثير من معارفها وفنونها على أيدي أساتذته سابقي الذكر، وبدأت أيضًا محاولاته الأولى في كتابة الشعر والمقال الصحفي، وكان بعضها ينشر في الصحف العدنية المتكاثرة في تلك الفترة.
عاش متنقلًا بين #جعار و #عدن سنوات طويلة، إلى أن استقر بعدن، وعمل في #كلية_بلقيس بعد تأسيسها في العام 1961، وإقامته الدائمة في عدن منحته فرصة كبيرة للانخراط في العمل #الصحفي، الذي كان بوابته الكبيرة إليه شغفه الأدبي.
كانت #عدن حينها، تعج بالكثير من الصحف الأهلية والحزبية والنقابية التي تعكس الحراك المتنوع في المستعمرة #البريطانية، فوجد ضالته في نشر مقالاته في بعضها، والعمل في أخرى، ومنها صحيفة #الأيام، التي أسسها في العام 1958 محمد علي #باشراحيل، وعمل فيها محررًا متقدمًا.
وكان لصدور الأيام في وقت متأخر نسبيًّا، أثره في خطابها #المهني، إذ استفادت من تجارب الإصدار والنشر الصحفي، ولهذا تبدت لكثيرين أنها كانت تقدم خطابًا صحافيًّا مهنيًّا رغم عدم وضوح موقفها السياسي في وقتٍ كانت فيه التجاذبات في أشدّها بين أطراف ثلاثة؛ هي التيار #العدني الذي يبحث عن استقلال ذاتي للمدينة بمعزل عن محيطها الجنوبي واليمني، وتيار #الرابطة الذي يعمل داخل مشروع الذات الجنوبية المنفصلة عن محيطها اليمني، وتيار #الجبهة_الوطنية المتحدة الذي أخذ على عاتقه التصدي للنزعتين، وعبّر عن انتمائه ل #اليمن_الكبير بمواقفه المنددة بالسياسة الاستعمارية التي تحظر مشاركة غير #العدنيين في انتخابات المجلس التشريعي، التي حظيت بدعم صريح من الجمعية العدنية، وموارب من حزب #الرابطة.
علي عبدالكريم #الشيباني أستاذ البلاغة والأدب، والأخير كان أكثرهم تأثيرًا عليه، فقد بقي يتذكره في مقابلاته وفي أحاديثه معي. أغلب المعلمين، وخصوصًا أساتذة اللغة العربية والبلاغة والأدب، شكّلوا في وعيه الشاب أنموذجًا كاملًا لما يتوجب أن يكون عليه شاب طموح، لهذا اختار أن يكون في بداية حياته #معلمًا.
يصف تلك السنوات بأنها كانت قاسية ومنحته الجلَد، فبعد أن ينهي دوامه المدرسي كان يتوجب عليه العودة إلى دكان والده للعمل إلى جانبه، وكانت معيشته في إطار الدكان، بما فيه النوم على رصيفه، مثل أكثر الناس في تلك الفترة، يستأجرون أَسرَّة مصنوعة من جريد النخيل ليناموا عليها، وأحيانًا كثيرة يفترشون كراتين البضائع، وساعدهم في ذلك طبيعة المدينة الحارة.
كانت سنوات النصف الأول من الخمسينيات، مرحلةَ تشكُّل وعي الشاب ووجدانه ثقافيًّا بما أتاحته المدرسة من تنوع في التعليم، وما وفرته مكتبات #كريتر من مطبوعات وقصص أطفال كانت تصل من القاهرة وبيروت، وينكب عليها الشاب لقراءتها، وإلى جانب التشكل الثقافي كان #القرشي أيضًا يتشكل سياسيًّا تحت تأثير ثورة يوليو #المصرية التي كانت ملهمة كبيرة له ولأبناء جيله بفعل الراديو والجرائد.
من #جعار إلى #الأيام
في بداية الخمسينيات، كانت مدينة ( #جعار ) على ضفة وادي (بنَا)، المعروفة تاريخيًّا بـ( #خنفر )، تتشكل بصفتها حالة سكانية جديدة قوامها التنوع، فرضتها رغبة السلطة الاستعمارية في أن تكون المنطقة -وضمن مناطق أخرى في دلتا #أبين ودلتا تبن ب #لحج- مناطق لزراعة القطن، الذي أثبتت التجارب نجاح استزراعه تجاريًّا وبجودة عالية، ليكون بديلًا عن القطن المصري والهندي، الذي لم تعُد التجارة البريطانية تتحكم بزراعته وتسويقه، وتحديدًا بعد استقلال الهند في 1947، وجلاء القوات البريطانية عن مصر، ابتداء من العام 1954، وهو ما استدعى استقدام قوى عاملة فلاحية من مناطق يمنية متعددة للعمل في مساحات شاسعة تم استصلاحها لهذا الغرض، وكان الذي يدير هذا الوضع لجنة #أبين الزراعية التي تشرف عليها السلطة الاستعمارية مباشرة من #عدن.
ترافق مع توسع المدينة نشوءُ قطاع خدمات متنوع، ومنها قطاع التعليم، حيث افتُتِحت في المدينة مدارس حكومية تشرف عليها دائرة المعارف ل #السلطنة_الفضلية التي يمتد نفوذها على أغلب مناطق #أبين.
ولأنها كانت بحاجة إلى كادر تعليمي، فتحت باب الاستيعاب لمن يرغب من الخريجين. وقد وجدها #القرشي فرصةً مهمة لتحقيق حلمه والاستقلال بحياته بعيدًا عن سطوة الأب.
كان وقتها قد أكمل المتوسطة أو على وشك إكمالها، أما زملاؤه الآخرون، مثل حسين #السفاري وأحمد قاسم، فقد انتقلوا إلى حياة تعليمية جديدة؛ الأول في كلية عدن بدار سعد، والثاني في المعهد الفني بالمعلا.
في متوسطة #جعار، بدأ المعلم الشاب ابتداءً من العام الدراسي 1956، أول خطواته في سلم الطموح الشخصي، واختار أن يكون معلمًا للغة العربية التي اكتسب الكثير من معارفها وفنونها على أيدي أساتذته سابقي الذكر، وبدأت أيضًا محاولاته الأولى في كتابة الشعر والمقال الصحفي، وكان بعضها ينشر في الصحف العدنية المتكاثرة في تلك الفترة.
عاش متنقلًا بين #جعار و #عدن سنوات طويلة، إلى أن استقر بعدن، وعمل في #كلية_بلقيس بعد تأسيسها في العام 1961، وإقامته الدائمة في عدن منحته فرصة كبيرة للانخراط في العمل #الصحفي، الذي كان بوابته الكبيرة إليه شغفه الأدبي.
كانت #عدن حينها، تعج بالكثير من الصحف الأهلية والحزبية والنقابية التي تعكس الحراك المتنوع في المستعمرة #البريطانية، فوجد ضالته في نشر مقالاته في بعضها، والعمل في أخرى، ومنها صحيفة #الأيام، التي أسسها في العام 1958 محمد علي #باشراحيل، وعمل فيها محررًا متقدمًا.
وكان لصدور الأيام في وقت متأخر نسبيًّا، أثره في خطابها #المهني، إذ استفادت من تجارب الإصدار والنشر الصحفي، ولهذا تبدت لكثيرين أنها كانت تقدم خطابًا صحافيًّا مهنيًّا رغم عدم وضوح موقفها السياسي في وقتٍ كانت فيه التجاذبات في أشدّها بين أطراف ثلاثة؛ هي التيار #العدني الذي يبحث عن استقلال ذاتي للمدينة بمعزل عن محيطها الجنوبي واليمني، وتيار #الرابطة الذي يعمل داخل مشروع الذات الجنوبية المنفصلة عن محيطها اليمني، وتيار #الجبهة_الوطنية المتحدة الذي أخذ على عاتقه التصدي للنزعتين، وعبّر عن انتمائه ل #اليمن_الكبير بمواقفه المنددة بالسياسة الاستعمارية التي تحظر مشاركة غير #العدنيين في انتخابات المجلس التشريعي، التي حظيت بدعم صريح من الجمعية العدنية، وموارب من حزب #الرابطة.
#محمدعبدالوهاب #الشيباني
#السفاري
كان يقول لي الصديق المرحوم حسين محمد السفاري ان والده رجل الاعمال محمد سعيد غالب الذي كان اهم اسم تجاري في عدن ولاحقا في الحديدة وتعز وصنعاء خلال ثلاثة عقود بدأ حياته من الصفر، وتحديدا من تسويق وبيع الاقمشة النسائية والعطور في جيبوتي والشيخ سعيد وعدن في ذروة الحرب العالمية الثانية، قبل ان يستقر بعد ذلك في محل تجاري صغير في ممر العطارين بالقرب من سوق البهرة في كريتر في العام 46.
في هذا المحل بدأ ينشط في بيع مستلزمات صغيرة ومواد غذائية، ومع نهضة عدن التجارية مطلع الخمسينات خاض مغامرات كبيرة بالاقتراض من البنوك لاستيراد سلع ومنتجات مرغوبة في السوق الاستهلاكي الواثب من آسيا والهند ومصر، ثم استحوذ في السنوات اللاحقة على العديد الوكالات والعلامات التجارية (مواد غذائية وسيارات وأدوية ومستلزمات منزلية وغيرها). جعلت منه اهم تاجر وقتها
هذه الصورة القديمة والتي وجدتها في أرشيف للصور القديمة يصل عمرها الى قرابة سبعين عاما لواحدة من بضائعة في ذروة نشاطه التجاري و كانت تغطي بعض الاحتياجات المدرسة لطلاب مدارس عدن الأهليةا وهي كراريس تحمل صورة الزعيم جمال عبد الناصر والذي ذاع صيته كثيرا وتحول لزعيم الأمة الاوحد بعد عدوان 56 ( العدوان الثلاثي على مصر شنته فرنسا وبريطانيا واسرائيل) بعد تأميم قناة السويس.
#السفاري
كان يقول لي الصديق المرحوم حسين محمد السفاري ان والده رجل الاعمال محمد سعيد غالب الذي كان اهم اسم تجاري في عدن ولاحقا في الحديدة وتعز وصنعاء خلال ثلاثة عقود بدأ حياته من الصفر، وتحديدا من تسويق وبيع الاقمشة النسائية والعطور في جيبوتي والشيخ سعيد وعدن في ذروة الحرب العالمية الثانية، قبل ان يستقر بعد ذلك في محل تجاري صغير في ممر العطارين بالقرب من سوق البهرة في كريتر في العام 46.
في هذا المحل بدأ ينشط في بيع مستلزمات صغيرة ومواد غذائية، ومع نهضة عدن التجارية مطلع الخمسينات خاض مغامرات كبيرة بالاقتراض من البنوك لاستيراد سلع ومنتجات مرغوبة في السوق الاستهلاكي الواثب من آسيا والهند ومصر، ثم استحوذ في السنوات اللاحقة على العديد الوكالات والعلامات التجارية (مواد غذائية وسيارات وأدوية ومستلزمات منزلية وغيرها). جعلت منه اهم تاجر وقتها
هذه الصورة القديمة والتي وجدتها في أرشيف للصور القديمة يصل عمرها الى قرابة سبعين عاما لواحدة من بضائعة في ذروة نشاطه التجاري و كانت تغطي بعض الاحتياجات المدرسة لطلاب مدارس عدن الأهليةا وهي كراريس تحمل صورة الزعيم جمال عبد الناصر والذي ذاع صيته كثيرا وتحول لزعيم الأمة الاوحد بعد عدوان 56 ( العدوان الثلاثي على مصر شنته فرنسا وبريطانيا واسرائيل) بعد تأميم قناة السويس.