وتأكيدًا لذلك قال الباحث عبدالعزيز المسعودي إنَّ علامات المُعارضة ضد حكم الإمام يحيى ظهرت في المقاطرة عام 1919م؛ بعد أنْ أدت سياسته المركزية إلى نفور سُكانها، مُشيرًا إلى أنَّ الطبقة الحاكمة حينها أساءت تقييم الشعور القبلي الاستقلالي، والأزمة الاقتصادية الحادة التي تمر بها تلك المنطقة، جراء الوباء والجفاف الذي قضى على المحاصيل الزراعية، والثروة الحيوانية، مُلمحًا إلى أنَّ الإشاعة التي أطلقها عملاء الحكومة بتورط عامل قضاء الحجرية الشيخ عبدالوهاب نعمان في تلك الحركة ساعدت في تدهور تلك العلاقة.
الوثائق البريطانية ألمحت هي الأخرى لوجود حركة رفض شعبية للتواجد الإمامي في المقاطرة، دون أنْ تتعمق في ذكر تَفاصيل ذلك أكثر، وجاء في إحدى تلك الوثائق أنَّ الإمام يحيى عَين الشيخ محمد أحمد نعمان (ابن الشيخ أحمد النعمان السابق ذكر حادثة مقتله) عاملًا على تلك الناحية – أواخر سنة 1919م، وأنَّ الأخير بادر فور عودته من صنعاء بالتواصل مع مشايخ المقاطرة، عارضًا عليهم الدخول في طاعة الدولة الإمامية، وتسليم ما عليهم من مُتطلبات زكوية، وأنَّ عمه عامل قضاء الحجرية الشيخ عبدالوهاب نُعمان وقف ضد تحركاته تلك، وتواصل مع الثوار سرًا.
ولأنَّ تلك الوثائق اعتمدت في الأساس على ما يُرسله عُملاء الإنجليز، وغيرهم، فقد ارتكزت في الغالب على الإشاعات، والتوقعات، وعلى أخبار مُضللة أراد الجانب الإمامي تسريبها، وهي رغم ذلك لا تخلوا من من بعض المعلومات المهمة، ومثلًا أفادت وثيقة ثانية أنَّ عامل المقاطرة الشيخ محمد نعمان كثف في بداية العام التالي (1920م) من استعداداته الهجومية. وأفادت وثيقة ثالثة أنَّ سلطان لحج عبدالكريم فضل تلقى أخبارًا تفيد بأنَّ أمير تعز علي بن عبدالله الوزير ينوي السيطرة على المقاطرة، وقلعتها الحصينة، تمهيدًا للهجوم على الصبيحة، والاستيلاء على لحج.
أما الوثيقة الرابعة فقد أشارت إلى أنَّ شيخ المقاطرة – لم تذكر اسمه، واحتمال يكون الشيخ #شمسان بن عبدالله #المكابري – تواصل مع سلطان #لحج طالبًا المساعدة ضد أمير #تعز علي بن عبدالله الوزير، الذي هددهم بالعقاب الشديد إنْ لم يدخلوا في طاعته. وتحدثت وثيقة خامسة عن قيام الأمام يحيى بتوجيه قواته بعدم التقدم صوب المقاطرة، وما بعد تلك الناحية المُستعصية من مناطق.
يعود تاريخ تلك الوثائق إلى الثلث الأول من العام 1920م، واحتمال كبير أنَّ المُؤرخ سلطان ناجي، والباحث عبدالعزيز المسعودي اعتمدا عليها، وعلى الذاكرة الشفهية أيضًا، وتوصلا إلى ما سبق نَقله عنهما، وهي الإشارة العَابرة التي جَعلتني أُخمن أنَّ المُقاومة الـمَقطرية المُتقطعة كانت على جولتين مُنفصلتين، وأنَّ الجولة الأولى استمرت لحوالي سبعة أشهر، وذلك بدءًا من سبتمبر 1919م، الشهر الذي دَخل فيه الأمير علي الوزير مدينة تعز، حتى منتصف أبريل من العام التالي، الشهر الذي وجه فيه الإمام يحيى قواته بعدم التقدم جنوبًا، وأنَّ فترة من الهدوء الحذر تبعتها، واستمرت – أي هذه الفترة – حتى منتصف العام 1921م.
وتأكيدًا لما سبق، فقد اهتم مُؤرخو الإمامة بذكر تفاصيل الجولة الثانية التي بدأت تقريبًا في يونيو من العام 1921م، والتي كانت الغلبة فيها للقوات الإمامية، باستثناء المُؤرخ أحمد الوزير الذي وصف قلعة المقاطرة بـ (المُتمردة)، ومهد لنقل تلك التفاصيل بالقول: «كان قضاء الحجرية قد دخل تحت طاعة حكومة الإمام بدون حرب، ولم يبق خَارجًا عن الطاعة والانقياد الكامل إلا قلعة المقاطرة وجبلها الشامخ».
وتجاوزت القوات الإمامية – حد وصف ذات المُؤرخ – بلاد الحجرية، وبالأخص ناحية القبيطة، وصولًا إلى #الصبيحة مارس 1921م، تحت قيادة الشيخ محمد أحمد نُعمان (لم يذكر صفته)، إلا أنَّ أوامر إمامية عليا طالبت تلك القوات بالانسحاب. وفي أواخر ذات العام، وبعد إخماد انتفاضة المقاطرة، والسيطرة النهائية على القبيطة، حاولت قوات إمامية أخرى السيطرة على الصبيحة، إلا أنَّها فشلت، وهو ما سنأتي على تناوله تفصيلًا في السطور الآتية.
وبالعودة إلى موضوعنا، فقد تحدث المُؤرخ أحمد الوزير عن عمه علي الوزير قائلًا: «وكانت إرادة الأمير أنْ يتم توحيد المقاطرة بالطرق السلمية، فَراسلهم عدة مرات، فلم يستجيبوا؛ اعتمادًا منهم على وجود التشجيعات والإعانات – يُلمح هنا إلى دور الشيخ عبدالوهاب نعمان – ولم يتم من محاولات الأمير السلمية شيء؛ بل كان التعدي من أهالي المقاطرة بقتل الأنفس المُحرمة، فرفع العامل والحاكم بذلك التعدي إلى الأمير، مع ما هنالك من انتهاك للحرمات والتحرشات والاستفزازات المتوالية، والمتكررة، فرفع الأمير بدوره كل ذلك إلى الإمام، فأذن له بالجهاد».
الوثائق البريطانية ألمحت هي الأخرى لوجود حركة رفض شعبية للتواجد الإمامي في المقاطرة، دون أنْ تتعمق في ذكر تَفاصيل ذلك أكثر، وجاء في إحدى تلك الوثائق أنَّ الإمام يحيى عَين الشيخ محمد أحمد نعمان (ابن الشيخ أحمد النعمان السابق ذكر حادثة مقتله) عاملًا على تلك الناحية – أواخر سنة 1919م، وأنَّ الأخير بادر فور عودته من صنعاء بالتواصل مع مشايخ المقاطرة، عارضًا عليهم الدخول في طاعة الدولة الإمامية، وتسليم ما عليهم من مُتطلبات زكوية، وأنَّ عمه عامل قضاء الحجرية الشيخ عبدالوهاب نُعمان وقف ضد تحركاته تلك، وتواصل مع الثوار سرًا.
ولأنَّ تلك الوثائق اعتمدت في الأساس على ما يُرسله عُملاء الإنجليز، وغيرهم، فقد ارتكزت في الغالب على الإشاعات، والتوقعات، وعلى أخبار مُضللة أراد الجانب الإمامي تسريبها، وهي رغم ذلك لا تخلوا من من بعض المعلومات المهمة، ومثلًا أفادت وثيقة ثانية أنَّ عامل المقاطرة الشيخ محمد نعمان كثف في بداية العام التالي (1920م) من استعداداته الهجومية. وأفادت وثيقة ثالثة أنَّ سلطان لحج عبدالكريم فضل تلقى أخبارًا تفيد بأنَّ أمير تعز علي بن عبدالله الوزير ينوي السيطرة على المقاطرة، وقلعتها الحصينة، تمهيدًا للهجوم على الصبيحة، والاستيلاء على لحج.
أما الوثيقة الرابعة فقد أشارت إلى أنَّ شيخ المقاطرة – لم تذكر اسمه، واحتمال يكون الشيخ #شمسان بن عبدالله #المكابري – تواصل مع سلطان #لحج طالبًا المساعدة ضد أمير #تعز علي بن عبدالله الوزير، الذي هددهم بالعقاب الشديد إنْ لم يدخلوا في طاعته. وتحدثت وثيقة خامسة عن قيام الأمام يحيى بتوجيه قواته بعدم التقدم صوب المقاطرة، وما بعد تلك الناحية المُستعصية من مناطق.
يعود تاريخ تلك الوثائق إلى الثلث الأول من العام 1920م، واحتمال كبير أنَّ المُؤرخ سلطان ناجي، والباحث عبدالعزيز المسعودي اعتمدا عليها، وعلى الذاكرة الشفهية أيضًا، وتوصلا إلى ما سبق نَقله عنهما، وهي الإشارة العَابرة التي جَعلتني أُخمن أنَّ المُقاومة الـمَقطرية المُتقطعة كانت على جولتين مُنفصلتين، وأنَّ الجولة الأولى استمرت لحوالي سبعة أشهر، وذلك بدءًا من سبتمبر 1919م، الشهر الذي دَخل فيه الأمير علي الوزير مدينة تعز، حتى منتصف أبريل من العام التالي، الشهر الذي وجه فيه الإمام يحيى قواته بعدم التقدم جنوبًا، وأنَّ فترة من الهدوء الحذر تبعتها، واستمرت – أي هذه الفترة – حتى منتصف العام 1921م.
وتأكيدًا لما سبق، فقد اهتم مُؤرخو الإمامة بذكر تفاصيل الجولة الثانية التي بدأت تقريبًا في يونيو من العام 1921م، والتي كانت الغلبة فيها للقوات الإمامية، باستثناء المُؤرخ أحمد الوزير الذي وصف قلعة المقاطرة بـ (المُتمردة)، ومهد لنقل تلك التفاصيل بالقول: «كان قضاء الحجرية قد دخل تحت طاعة حكومة الإمام بدون حرب، ولم يبق خَارجًا عن الطاعة والانقياد الكامل إلا قلعة المقاطرة وجبلها الشامخ».
وتجاوزت القوات الإمامية – حد وصف ذات المُؤرخ – بلاد الحجرية، وبالأخص ناحية القبيطة، وصولًا إلى #الصبيحة مارس 1921م، تحت قيادة الشيخ محمد أحمد نُعمان (لم يذكر صفته)، إلا أنَّ أوامر إمامية عليا طالبت تلك القوات بالانسحاب. وفي أواخر ذات العام، وبعد إخماد انتفاضة المقاطرة، والسيطرة النهائية على القبيطة، حاولت قوات إمامية أخرى السيطرة على الصبيحة، إلا أنَّها فشلت، وهو ما سنأتي على تناوله تفصيلًا في السطور الآتية.
وبالعودة إلى موضوعنا، فقد تحدث المُؤرخ أحمد الوزير عن عمه علي الوزير قائلًا: «وكانت إرادة الأمير أنْ يتم توحيد المقاطرة بالطرق السلمية، فَراسلهم عدة مرات، فلم يستجيبوا؛ اعتمادًا منهم على وجود التشجيعات والإعانات – يُلمح هنا إلى دور الشيخ عبدالوهاب نعمان – ولم يتم من محاولات الأمير السلمية شيء؛ بل كان التعدي من أهالي المقاطرة بقتل الأنفس المُحرمة، فرفع العامل والحاكم بذلك التعدي إلى الأمير، مع ما هنالك من انتهاك للحرمات والتحرشات والاستفزازات المتوالية، والمتكررة، فرفع الأمير بدوره كل ذلك إلى الإمام، فأذن له بالجهاد».
قاد الشيخ عبدالوهاب نعمان القوات الإمامية من مدينة تعز إلى مَشارف ناحية المقاطرة 29 يوليو 1921م، وقد كانت #الأكاحلة هدفه الأول، فهي حد توصيف المُؤرخ مُطهر: «أقرب العزل من سائر البلاد، وسكانها أخبث من غيرهم جراءة وعدوانًا»!
وفي الوقت الذي بقي بقي فيه الشيخ عبدالوهاب نعمان في القلب، ومعه قادة الحملة، وعدد من الأفراد، واثنان من المدافع، أرسل إلى شرق تلك العُزلة بفرقة معظم أفرادها من قبائل أرحب، وبعض قبائل المناطق الوسطى، تحت قيادة ابن أخيه الشيخ محمد أحمد نعمان، وأصحبها أحد المدافع، وأرسل إلى جنوبها بفرقة ثانية جل أفرادها من الجيش النظامي، تحت قيادة أخوه الشيخ عبدالواسع نعمان، وأرسل إلى شمالها بمجاميع قبلية تحت قيادة الشيخ محمد هاشم المذحجي.
وفي الجانب الآخر تولى قيادة المقاومة شيخ الأكاحلة #شاهر قائد ردمان، وقد تصدى وأصحابه لذلك الهجوم، وكبد الإماميين ومُسانديهم عشرات الضحايا، ولأنَّه كان ماهرًا بالقنص، أردى في نهاية اليوم الأول من المُواجهات عامل المقاطرة الشيخ عبدالواسع نعمان قتيلًا، بعد أنْ أنذره بعدة طلقات تحذيرية في الجو، ليحل الشيخ عبدالعزيز عبدالواسع، ابن الشيخ القتيل مكان أبيه، وقد أصيب الأخير فيما بعد بالجنون.
وعن لحظات الهجوم الأولى قال المُؤرخ حمود الدولة: «وانتشرت الحرب من صُبح ذلك اليوم إلى بعد الغروب.. واستولى المجاهدون – أي مُقاتلي الإمامة – على أكثر البلاد، ونال المُخالفين في ذلك اليوم ما تشيب منه الأولاد.. وأحاط المجاهدون بما بقي من المحلات المنيعة، والحصون الرفيعة».
ما أنْ أطل صباح اليوم الثاني، حتى شَنَّ الإماميون هُجومًا شاملًا على ما تبقى من قُرى عُزلة الأكاحلة، ومن أكثر من اتجاه، ثم كان بعد ذلك اجتماعهم وتقدمهم صوب حُصون شاهر، لتأتي الأوامر الإمامية بعد الاستيلاء عليها بهدمها، وعن ذلك قال المُؤرخ مُطهر: «صدر الأمر الشريف من مولانا الإمام بهدم بيوت شاهر، فألحقت بالعدم، وسويت بالهدم الى القرار».
المُؤرخ الإمامي حـمود الدولة من جهته أسـمى ذلك النصر الإمامي بـ (الفتح)، وقال مُتباهيًا ومُوضحًا خُلاصة ذلك المشهد : «واستكمل فتح الأكاحلة على سعتها، وغنم المُجاهدون غنائم تصعب الإحاطة بجملتها، وكان جملة القتلى الشهداء من المجاهدين نحو أربعة، والجرحى نحو سبعة، وقتل من المُخالفين نحو العشرين، وأسر نحو خمسة وعشرين، وقطعت رؤوس كثير من قتلاهم، وحملت على أعناق الأسارى على عظم بلاهم».
كَثَّفَ الأمير على الوزير بعد ذلك من استعداداته للسيطرة على بَاقي عُزل ناحية المقاطرة، وبادر بإرسال الإمدادات تلو الإمدادات إلى تلك الجهة، ومع بدء وصول تلك الطلائع المُنجدة، تجاوزت القوات الإمامية المُرابطة في #الأحكوم تلك العُزلة، وتقدمت في مَطلع الشهر التالي (أغسطس 1921م) صوب عُزلتي #الأشبوط المسيجد، ومن محورين مُختلفين، وسيطرت عليهما دون قتال، وبعد أنْ طلب سُكانهما الأمان، ثم واصلت تقدمها، وأتمت خلال أقل من أسبوع سيطرتها على جميع العُزل الشرقية.
تَوسع المُؤرخ حمود الدولة في نقل تفاصيل معارك هذه الجولة، وأفاد أنَّ القوات التي سيطرت على عُزلة الأشبوط واصلت تقدمها صوب عُزلتي الزعيمة و #الزعازع، وأنَّ هاتين العزلتين قاومتا ذلك الزحف وبقوة، ولم يَسْقُطن إلا بعد مَعارك شرسة، وأضاف أنَّ القوات التي سيطرت على عُزلة المسيجد واصلت تَقدمها صوب عُزل تلك الجِهة (لم يذكر أسمائهن، باستثناء عُزلة #المدجرة)، وختم حديثه بالقول: «واتفقت المراتب الشرقية، وتضاعفت للمُجاهدين العزائم القوية».
وتعزيزًا لهذه المراتب، أرسل الأمير علي الوزير بقواتٍ قبلية أخرى تحت قيادة حسن بن قاسم الوزير، والنقيب عبدالله بن سعيد الجبري 10 أغسطس 1921م، وكلفها بالمرور من #دمنة خدير و #المفاليس، وأصحبهم أحد المدافع، وأكمل المُؤرخ حمود الدولة مشهد وصولهم بقوله: «وكان وصولهم مُسرعين إلى الأحكوم، وقد طاشت لكثرتهم الحلوم، فواجههم مَقْدَمِي السريات السابقة – يقصد الشيخ عبدالوهاب نُعمان – إذ تعلق به تدبير السرية اللاحقة».
في تلك الأثناء، سارع مواطنو عزلتي #الدهمشة والهويشة في طلب الأمان؛ وذلك بعد أنْ أصلاهم المدفع الرابض فوق حصن #شرف_الجاهلي في عُزلة #شرجب بقذائفه، كما سَارع مُواطنو عُزلتي السود والمكابرة بذات الطلب، والأخيرة تقع في الجانب الغربي لقلعة المقاطرة، وسبق لشيخها شمسان بن عبدالله #المكابري أنْ قاد المُقاومة فيها، وحضي – كما أفاد المُؤرخ أحمد الوزير – بدعم باقي المشايخ.
وهكذا، وبعد أنْ أتمت القوات الإمامية سيطرتها على عُزل ناحية المقاطرة الواقعة شرق قلعتها المنيعة، وبعض العُزل الواقعة غَربها، جاء الدور على باقي العُزل، وتوالى إرسال الإمدادات إلى تلك الجهة، عبر #يفرس هذه المرة، وقد وصلت ثاني المجاميع المُنجدة تحت قيادة علي عبدالله الشهاري، وتلاها وصول مجاميع أخرى من جبل حبشي تحت قيادة عامل الأخيرة أمين قاسم أحمد، وباكتمال تلك الاستعدادات، قرر الشيخ عبدالوهاب نُعمان مُعاودة
وفي الوقت الذي بقي بقي فيه الشيخ عبدالوهاب نعمان في القلب، ومعه قادة الحملة، وعدد من الأفراد، واثنان من المدافع، أرسل إلى شرق تلك العُزلة بفرقة معظم أفرادها من قبائل أرحب، وبعض قبائل المناطق الوسطى، تحت قيادة ابن أخيه الشيخ محمد أحمد نعمان، وأصحبها أحد المدافع، وأرسل إلى جنوبها بفرقة ثانية جل أفرادها من الجيش النظامي، تحت قيادة أخوه الشيخ عبدالواسع نعمان، وأرسل إلى شمالها بمجاميع قبلية تحت قيادة الشيخ محمد هاشم المذحجي.
وفي الجانب الآخر تولى قيادة المقاومة شيخ الأكاحلة #شاهر قائد ردمان، وقد تصدى وأصحابه لذلك الهجوم، وكبد الإماميين ومُسانديهم عشرات الضحايا، ولأنَّه كان ماهرًا بالقنص، أردى في نهاية اليوم الأول من المُواجهات عامل المقاطرة الشيخ عبدالواسع نعمان قتيلًا، بعد أنْ أنذره بعدة طلقات تحذيرية في الجو، ليحل الشيخ عبدالعزيز عبدالواسع، ابن الشيخ القتيل مكان أبيه، وقد أصيب الأخير فيما بعد بالجنون.
وعن لحظات الهجوم الأولى قال المُؤرخ حمود الدولة: «وانتشرت الحرب من صُبح ذلك اليوم إلى بعد الغروب.. واستولى المجاهدون – أي مُقاتلي الإمامة – على أكثر البلاد، ونال المُخالفين في ذلك اليوم ما تشيب منه الأولاد.. وأحاط المجاهدون بما بقي من المحلات المنيعة، والحصون الرفيعة».
ما أنْ أطل صباح اليوم الثاني، حتى شَنَّ الإماميون هُجومًا شاملًا على ما تبقى من قُرى عُزلة الأكاحلة، ومن أكثر من اتجاه، ثم كان بعد ذلك اجتماعهم وتقدمهم صوب حُصون شاهر، لتأتي الأوامر الإمامية بعد الاستيلاء عليها بهدمها، وعن ذلك قال المُؤرخ مُطهر: «صدر الأمر الشريف من مولانا الإمام بهدم بيوت شاهر، فألحقت بالعدم، وسويت بالهدم الى القرار».
المُؤرخ الإمامي حـمود الدولة من جهته أسـمى ذلك النصر الإمامي بـ (الفتح)، وقال مُتباهيًا ومُوضحًا خُلاصة ذلك المشهد : «واستكمل فتح الأكاحلة على سعتها، وغنم المُجاهدون غنائم تصعب الإحاطة بجملتها، وكان جملة القتلى الشهداء من المجاهدين نحو أربعة، والجرحى نحو سبعة، وقتل من المُخالفين نحو العشرين، وأسر نحو خمسة وعشرين، وقطعت رؤوس كثير من قتلاهم، وحملت على أعناق الأسارى على عظم بلاهم».
كَثَّفَ الأمير على الوزير بعد ذلك من استعداداته للسيطرة على بَاقي عُزل ناحية المقاطرة، وبادر بإرسال الإمدادات تلو الإمدادات إلى تلك الجهة، ومع بدء وصول تلك الطلائع المُنجدة، تجاوزت القوات الإمامية المُرابطة في #الأحكوم تلك العُزلة، وتقدمت في مَطلع الشهر التالي (أغسطس 1921م) صوب عُزلتي #الأشبوط المسيجد، ومن محورين مُختلفين، وسيطرت عليهما دون قتال، وبعد أنْ طلب سُكانهما الأمان، ثم واصلت تقدمها، وأتمت خلال أقل من أسبوع سيطرتها على جميع العُزل الشرقية.
تَوسع المُؤرخ حمود الدولة في نقل تفاصيل معارك هذه الجولة، وأفاد أنَّ القوات التي سيطرت على عُزلة الأشبوط واصلت تقدمها صوب عُزلتي الزعيمة و #الزعازع، وأنَّ هاتين العزلتين قاومتا ذلك الزحف وبقوة، ولم يَسْقُطن إلا بعد مَعارك شرسة، وأضاف أنَّ القوات التي سيطرت على عُزلة المسيجد واصلت تَقدمها صوب عُزل تلك الجِهة (لم يذكر أسمائهن، باستثناء عُزلة #المدجرة)، وختم حديثه بالقول: «واتفقت المراتب الشرقية، وتضاعفت للمُجاهدين العزائم القوية».
وتعزيزًا لهذه المراتب، أرسل الأمير علي الوزير بقواتٍ قبلية أخرى تحت قيادة حسن بن قاسم الوزير، والنقيب عبدالله بن سعيد الجبري 10 أغسطس 1921م، وكلفها بالمرور من #دمنة خدير و #المفاليس، وأصحبهم أحد المدافع، وأكمل المُؤرخ حمود الدولة مشهد وصولهم بقوله: «وكان وصولهم مُسرعين إلى الأحكوم، وقد طاشت لكثرتهم الحلوم، فواجههم مَقْدَمِي السريات السابقة – يقصد الشيخ عبدالوهاب نُعمان – إذ تعلق به تدبير السرية اللاحقة».
في تلك الأثناء، سارع مواطنو عزلتي #الدهمشة والهويشة في طلب الأمان؛ وذلك بعد أنْ أصلاهم المدفع الرابض فوق حصن #شرف_الجاهلي في عُزلة #شرجب بقذائفه، كما سَارع مُواطنو عُزلتي السود والمكابرة بذات الطلب، والأخيرة تقع في الجانب الغربي لقلعة المقاطرة، وسبق لشيخها شمسان بن عبدالله #المكابري أنْ قاد المُقاومة فيها، وحضي – كما أفاد المُؤرخ أحمد الوزير – بدعم باقي المشايخ.
وهكذا، وبعد أنْ أتمت القوات الإمامية سيطرتها على عُزل ناحية المقاطرة الواقعة شرق قلعتها المنيعة، وبعض العُزل الواقعة غَربها، جاء الدور على باقي العُزل، وتوالى إرسال الإمدادات إلى تلك الجهة، عبر #يفرس هذه المرة، وقد وصلت ثاني المجاميع المُنجدة تحت قيادة علي عبدالله الشهاري، وتلاها وصول مجاميع أخرى من جبل حبشي تحت قيادة عامل الأخيرة أمين قاسم أحمد، وباكتمال تلك الاستعدادات، قرر الشيخ عبدالوهاب نُعمان مُعاودة
2⃣
#المَقاطرة ..
صُمود قلعة.. وعودة فَقيِه
سباقة في المُقاومة.. ومُناضلة بلا مُساومة..
#بـلال_الطيـب
وسقطت القلعة
وحَدها #قَلعة_المقاطرة بقيت صَامدة في وجه القوات الإمامية، ومعها 12 عُزلة مُجاورة، ليُقَرر الأمير علي الوزير – أمام تلك الاستماتة في الدفاع والمقاومة – أنْ يتوجه إلى تلك النَاحية بنفسه 28 أغسطس 1921م، ومعه مِئات العساكر، وأحد المدافع السريعة، واجتمع له – حد توصيف المُؤرخ مُطهر – «جيشٌ عظيم، رؤساؤه أبطال القتال، وفرسان ميدان النزال» *، وأناب بدلًا عنه القاضي أحمد بن محمد الآنسي، وكان عبر طريق #يَفرس مُروره، وبعد ثلاثة أيام كان إلى مدينة #التربة وصوله.
وإلى مَدينة التربة وصل أيضًا الشيخ شمسان بن عبدالله #المكابري للتفاوض، وبعد أخذ ورد بينه وبين أمير تعز علي الوزير، أرسل الأخير معه لقادة المُقاومة عدة رسائل، وأكمل المُؤرخ مُطهر ذلك المشهد بالقول: «ودارت المُراجعة بين الأمير وبينهم، فانكشف من نهايتها أنَّهم على العصيان مُصرون، وبقلعتهم وما حولها من الحصون مُمتنعون».
نظم الأمير علي بن الوزير بعد ذلك قواته المُتحفزة، التي تجاوز عددها الـ 5,000 مُقاتل، وقسمها لأربعة فرق، ثم وجهها لحصار قلعة المقاطرة، ومن الجهة الغربية أرسل قوات جمة تحت قيادة الشيخ عبدالوهاب نُعمان، وعبدالجليل بن أحمد باشا #المتوكل، ومن الجهة الشرقية أرسل قِوات أخرى تحت قيادة حسن بن قاسم الوزير، ومن الجهة الجنوبية أرسل قوات قبلية تحت قيادة يحيى بن محمد #الوادعي، وكان مع كل فرقة أحد المدافع، وكانت القيادة العامة من نصيبة.
كشف المُؤرخ حمود الدولة – أثناء نقله لتلك الأحداث – عن وجود طَريق سِري يَقع شمال قَلعة المقاطرة، ووصفه بقوله: «وكان للبغاة من الجهة القبلية طريق ومادة مكتومة مخفية، يسترزقون منها بكرة وعشية، ويجلبون منها ما تدعو إليه حاجتهم الضرورية»، وهو الطريق المجهول الذي لم يكتشفه إلا بعض خواص الأمير، وجعل الأخير يُرسل بفرقة رابعة إلى تلك الجهة، تحت قيادة حاكم #العدين حمود بن محمد الدولة، وعززها بالمدفع السريع الذي قدم به.
في تعليقه على جزئية ذلك الطريق السري، لم يستبعد الباحث زيد بن علي الوزير مُعاضدة الشيخ عبدالوهاب نعمان وغيره لثوار #المقاطرة، وتساءل: «من العجيب حقًا أنْ تظل هذه الطريق غير معروفة للقادة، وكلهم من أبناء المنطقة، ثم لا يكشـف عنها أحد إلا بعض خواص الأمير نفسه!».
وأكد زيد الوزير امتعاض الشيخ عبدالوهاب نُعمان من الحالة كلها، واستشهد بحادثة أخرى أوردها قريبه المُؤرخ أحمد الوزير، مضمونها أنَّ القوات الإمامية أثناء اجتياحها لقلعة المقاطرة وجدت رسائل من الشيخ عبدالوهاب للثوار، حثهم فيها على الصمود، وبعض من أدواته الخاصة سبق أنْ هربها إليهم، منها #مداعته (النرجيلة)، كما لم ينس الاستدلال بما نقلته الوثائق البريطانية حول ذلك.
وأضاف: «كل الوقائع تثبت وجُود تَعاون سري بين المُهاجِم والمُهاجَم، وأن عدم كشـــف الطريق جزء من ذلك التعاون الصـــامت، والحق أنَّ هذا الموقف لا ينطبق فقط على عبد الوهاب، وإنما يشمل بعض مشايخ الحجرية».
وهكذا اكتمل حصار قلعة المقاطرة المنيعة من الجهات الأربع، ليقرر القائد العام الأمير علي الوزير أمام ذلك الاكتشاف الجديد (الطريق السري) البدء بالهجوم الكبير 4 سبتمبر 1921م، وقد تولت الفِرقة الشمالية مهمة اقتحام #حصن_الجاهلي، والاقتراب من #حصون_الليم، التي قال عنها المُؤرخ مُطهر: «وهي أربعة حُصون شواهق، لا يمكن الوصول إلى القلعة وحصنها المسمى ب #التميدني بدون الاستيلاء عليها، وقد كان الأعداء حصنوها تحصنا باهرًا، وعمروا المتاريس في جوانبها، وأوقفوا فيها رجال القتال، وجميع هذه الحصون يحمي بعضها البعض الآخر».
الفرقة الغربية سيطرت في تلك الأثناء على قريتي #الخزفار و #القاعدة، ثم التحمت مع الفرقة الشمالية التي كانت قد أتمت قبل أنْ ينتهي ذلك اليوم سَيطرتها على حصون الليم، أما الفرقتان الشرقية والجنوبية فقد نالها – كما أفاد المُؤرخ حمود الدولة – توبيخ الأمير؛ وهو الأمر الذي حفزهما على الجدة في الهجوم، ولم يبزغ فجر صباح اليوم التالي إلا وقد بدأت تلك القوات مجتمعة بهجومها الحاسم، الذي أشرف الأمير علي الوزير على قيادته عن قُرب.
بوصفه أحد قادتها، توسع المُؤرخ حمود الدولة في نقل معارك هذه الجولة، وأفاد أنَّ الأمير علي الوزير انتقل بمن معه من أفراد إلى حصون الليم، تعزيزًا للفرقة الشمالية، في حين تقدمت الفرقة الغربية صوب حصن التميدني، وتقدمت الفرقة الشرقية من جهتها، وكذلك فعلت الفرقة الجنوبية، وأضاف: «وتحرك للهجوم كل متحرك، وتيقنه كل متشكك.. ودارت للحرب الطواحن، واضطرب لحركتها كل ساكن.. وعلت الأصوات، وارتجت لهولها الجهات، وتحركت بالرمي المدافع، فرمى بها الرمي المتتابع، وقهقهت البنادق مبتسمة بثغورها البوارق.. وما ارتفع النهار، حتى ضرب القتام قبابه، وراكم العثير سحابه، وتجلجل من خلاله رعوده، وحان الوعد وموعوده».
#المَقاطرة ..
صُمود قلعة.. وعودة فَقيِه
سباقة في المُقاومة.. ومُناضلة بلا مُساومة..
#بـلال_الطيـب
وسقطت القلعة
وحَدها #قَلعة_المقاطرة بقيت صَامدة في وجه القوات الإمامية، ومعها 12 عُزلة مُجاورة، ليُقَرر الأمير علي الوزير – أمام تلك الاستماتة في الدفاع والمقاومة – أنْ يتوجه إلى تلك النَاحية بنفسه 28 أغسطس 1921م، ومعه مِئات العساكر، وأحد المدافع السريعة، واجتمع له – حد توصيف المُؤرخ مُطهر – «جيشٌ عظيم، رؤساؤه أبطال القتال، وفرسان ميدان النزال» *، وأناب بدلًا عنه القاضي أحمد بن محمد الآنسي، وكان عبر طريق #يَفرس مُروره، وبعد ثلاثة أيام كان إلى مدينة #التربة وصوله.
وإلى مَدينة التربة وصل أيضًا الشيخ شمسان بن عبدالله #المكابري للتفاوض، وبعد أخذ ورد بينه وبين أمير تعز علي الوزير، أرسل الأخير معه لقادة المُقاومة عدة رسائل، وأكمل المُؤرخ مُطهر ذلك المشهد بالقول: «ودارت المُراجعة بين الأمير وبينهم، فانكشف من نهايتها أنَّهم على العصيان مُصرون، وبقلعتهم وما حولها من الحصون مُمتنعون».
نظم الأمير علي بن الوزير بعد ذلك قواته المُتحفزة، التي تجاوز عددها الـ 5,000 مُقاتل، وقسمها لأربعة فرق، ثم وجهها لحصار قلعة المقاطرة، ومن الجهة الغربية أرسل قوات جمة تحت قيادة الشيخ عبدالوهاب نُعمان، وعبدالجليل بن أحمد باشا #المتوكل، ومن الجهة الشرقية أرسل قِوات أخرى تحت قيادة حسن بن قاسم الوزير، ومن الجهة الجنوبية أرسل قوات قبلية تحت قيادة يحيى بن محمد #الوادعي، وكان مع كل فرقة أحد المدافع، وكانت القيادة العامة من نصيبة.
كشف المُؤرخ حمود الدولة – أثناء نقله لتلك الأحداث – عن وجود طَريق سِري يَقع شمال قَلعة المقاطرة، ووصفه بقوله: «وكان للبغاة من الجهة القبلية طريق ومادة مكتومة مخفية، يسترزقون منها بكرة وعشية، ويجلبون منها ما تدعو إليه حاجتهم الضرورية»، وهو الطريق المجهول الذي لم يكتشفه إلا بعض خواص الأمير، وجعل الأخير يُرسل بفرقة رابعة إلى تلك الجهة، تحت قيادة حاكم #العدين حمود بن محمد الدولة، وعززها بالمدفع السريع الذي قدم به.
في تعليقه على جزئية ذلك الطريق السري، لم يستبعد الباحث زيد بن علي الوزير مُعاضدة الشيخ عبدالوهاب نعمان وغيره لثوار #المقاطرة، وتساءل: «من العجيب حقًا أنْ تظل هذه الطريق غير معروفة للقادة، وكلهم من أبناء المنطقة، ثم لا يكشـف عنها أحد إلا بعض خواص الأمير نفسه!».
وأكد زيد الوزير امتعاض الشيخ عبدالوهاب نُعمان من الحالة كلها، واستشهد بحادثة أخرى أوردها قريبه المُؤرخ أحمد الوزير، مضمونها أنَّ القوات الإمامية أثناء اجتياحها لقلعة المقاطرة وجدت رسائل من الشيخ عبدالوهاب للثوار، حثهم فيها على الصمود، وبعض من أدواته الخاصة سبق أنْ هربها إليهم، منها #مداعته (النرجيلة)، كما لم ينس الاستدلال بما نقلته الوثائق البريطانية حول ذلك.
وأضاف: «كل الوقائع تثبت وجُود تَعاون سري بين المُهاجِم والمُهاجَم، وأن عدم كشـــف الطريق جزء من ذلك التعاون الصـــامت، والحق أنَّ هذا الموقف لا ينطبق فقط على عبد الوهاب، وإنما يشمل بعض مشايخ الحجرية».
وهكذا اكتمل حصار قلعة المقاطرة المنيعة من الجهات الأربع، ليقرر القائد العام الأمير علي الوزير أمام ذلك الاكتشاف الجديد (الطريق السري) البدء بالهجوم الكبير 4 سبتمبر 1921م، وقد تولت الفِرقة الشمالية مهمة اقتحام #حصن_الجاهلي، والاقتراب من #حصون_الليم، التي قال عنها المُؤرخ مُطهر: «وهي أربعة حُصون شواهق، لا يمكن الوصول إلى القلعة وحصنها المسمى ب #التميدني بدون الاستيلاء عليها، وقد كان الأعداء حصنوها تحصنا باهرًا، وعمروا المتاريس في جوانبها، وأوقفوا فيها رجال القتال، وجميع هذه الحصون يحمي بعضها البعض الآخر».
الفرقة الغربية سيطرت في تلك الأثناء على قريتي #الخزفار و #القاعدة، ثم التحمت مع الفرقة الشمالية التي كانت قد أتمت قبل أنْ ينتهي ذلك اليوم سَيطرتها على حصون الليم، أما الفرقتان الشرقية والجنوبية فقد نالها – كما أفاد المُؤرخ حمود الدولة – توبيخ الأمير؛ وهو الأمر الذي حفزهما على الجدة في الهجوم، ولم يبزغ فجر صباح اليوم التالي إلا وقد بدأت تلك القوات مجتمعة بهجومها الحاسم، الذي أشرف الأمير علي الوزير على قيادته عن قُرب.
بوصفه أحد قادتها، توسع المُؤرخ حمود الدولة في نقل معارك هذه الجولة، وأفاد أنَّ الأمير علي الوزير انتقل بمن معه من أفراد إلى حصون الليم، تعزيزًا للفرقة الشمالية، في حين تقدمت الفرقة الغربية صوب حصن التميدني، وتقدمت الفرقة الشرقية من جهتها، وكذلك فعلت الفرقة الجنوبية، وأضاف: «وتحرك للهجوم كل متحرك، وتيقنه كل متشكك.. ودارت للحرب الطواحن، واضطرب لحركتها كل ساكن.. وعلت الأصوات، وارتجت لهولها الجهات، وتحركت بالرمي المدافع، فرمى بها الرمي المتتابع، وقهقهت البنادق مبتسمة بثغورها البوارق.. وما ارتفع النهار، حتى ضرب القتام قبابه، وراكم العثير سحابه، وتجلجل من خلاله رعوده، وحان الوعد وموعوده».
وقد نجا الشيخ شمسان بن عبدالله #المكابري من القتل، ومن الأسر، وتوجه – كما أفاد المُؤرخ مُطهر – بعد تحقق هزيمة أقرانه الثوار صوب #تهامة، وما هي إلا مدة يسيرة حتى يمم وجماعة من أصحابه خطاهم صوب #صنعاء، وفي الأخيرة أعطاه الإمام يحيى الأمان، وأذن له بالعودة إلى بلدته.
ولأهمية تلك الانتفاضة كتب القنصل الأمريكي في #عدن ريمون دافيس تقريرًا عنها، وبعثه إلى وزارة الخارجية الأمريكية في وشنطن، ومنه نقتطف: «وقد تمكن أهالي المقاطرة من التصدي للهجوم الأول، إلا أنَّ القوات الحكومية تمكنت في وقت لاحق عن طريق الخديعة، وبعد قتال ضار بالسلاح الأبيض من اقتحام قلعة المقاطرة. ومن المعروف أنَّ المقاطرة من العشائر العربية الشديدة الشكيمة التي قاومت الوجود التركي في اليمن لمدة سبعين عامًا».
وأضاف دافيس: «وبسقوط قلعة المقاطرة تمكن الإمام من استعادة هيبته، ومد نفوذه المباشر على أخصب المناطق الزراعية المُنتجة للبن، التي ستدر عليه مبالغ طائلة يجبيها عملاؤه من عائدات الزكاة، بالإضافة إلى الحصول على موقع استراتيجي يطل منه على المناطق الغربية من محميات #عدن، وعلى وجه الخصوص نقطة الحدود البريطانية المعروفة ب #نوبة_دكيم، ومدينة #لحج اللتين أصبحتا الهدف الثاني للإمام» [1].
هزيمة
عدَّ كُتاب وشعراء الإمام احتلال #المقاطرة فتحًا عظيمًا، وتباروا في تسجيل كتاباتهم وأشعارهم التي تمدح الإماميين، وتُسفه وتُكفر المقاومين، وفي ذلك قال المُؤرخ مُطهر: «وكان الفتح المذكور فتحًا عظيمًا، انتظمت به أحوال قضاء الحجرية، وهابه البعيد والقريب، وتحدثت به الركبان، وأذهل من في قلوبهم مرض ضعف الإيمان، وارتاع له من في عدن من عبدة الصلبان، وقوي به الحق، وانهد به ركن الباطل وانشق».
وقال الشاعر عبدالوهاب بن أحمد في ذلك مهنئًا الأمير علي الوزير:
نـُهني جمـــــال الـــــدين بـــالفتـح إنَّـه
لفتحٌ عظـيـم مُوجب أعظــــــمَ الشكر
نهـضت على اسم الله والله ناظــــرٌ
إليك فنلت الفتــــح بالسيف والقهر
وهذا الشاعر إسماعيل بن أحمد الجماعي قال مادحًا ذات الأمير:
ومــــــــا المقاطرة القصـوى بقــــــاصيةٍ
عـــن باسه بل كساها الذل قُمـصانـــا
وها هـــــي اليوم في أبـــــواب دولتــــه
تعلي الأذان وتشـــكو مُـــــــرَّ مـــا كــانا
من بعــد مــــــا كــــانت الأتراك تاركة
لها وأخلاطـــــها صيــــــــدًا وفُـــــرســــانــــــا
في مجُمل نقده على تلك الدعاية التي حفلت بها أدبيات من أرخوا لتك الفترة من كتاب وشعراء، قال الشاعر عبدالله #البردوني إنَّ هذا الطراز من الشعر الرسمي لا يؤرخ التاريخ من الداخل، ولكنه يجاري دعاية القصر، ولم يكن سوى روائح مناسبات تسترضي الحاكم أو تحاول كسب رضاه، وأنَّه أضعف من أنْ يؤدي دعاية ناجحة، ولو كان الشعب مُغفلًا ما احتاجت تلك السلطة البائدة إلى وفرة الدعاة والدعايات، ولو نجح هؤلاء ما احتاج الإمام يحيى إلى تحريك جندي واحد.
الشاعر البردوني قال أيضًا أنَّ تلك الحرب لا تسمى (فتحًا)؛ لأنَّها وقعت على قطعة من الوطن، ولم يكن تمرد المقاطرة – حد وصفه – إلا دليلًا صارخًا على سوء النظام، وعجزه السياسي، والأهم من ذلك أنَّه اعتبر إخضاع تلك المنطقة هزيمة سياسية لدولة الإمامة
ولأهمية تلك الانتفاضة كتب القنصل الأمريكي في #عدن ريمون دافيس تقريرًا عنها، وبعثه إلى وزارة الخارجية الأمريكية في وشنطن، ومنه نقتطف: «وقد تمكن أهالي المقاطرة من التصدي للهجوم الأول، إلا أنَّ القوات الحكومية تمكنت في وقت لاحق عن طريق الخديعة، وبعد قتال ضار بالسلاح الأبيض من اقتحام قلعة المقاطرة. ومن المعروف أنَّ المقاطرة من العشائر العربية الشديدة الشكيمة التي قاومت الوجود التركي في اليمن لمدة سبعين عامًا».
وأضاف دافيس: «وبسقوط قلعة المقاطرة تمكن الإمام من استعادة هيبته، ومد نفوذه المباشر على أخصب المناطق الزراعية المُنتجة للبن، التي ستدر عليه مبالغ طائلة يجبيها عملاؤه من عائدات الزكاة، بالإضافة إلى الحصول على موقع استراتيجي يطل منه على المناطق الغربية من محميات #عدن، وعلى وجه الخصوص نقطة الحدود البريطانية المعروفة ب #نوبة_دكيم، ومدينة #لحج اللتين أصبحتا الهدف الثاني للإمام» [1].
هزيمة
عدَّ كُتاب وشعراء الإمام احتلال #المقاطرة فتحًا عظيمًا، وتباروا في تسجيل كتاباتهم وأشعارهم التي تمدح الإماميين، وتُسفه وتُكفر المقاومين، وفي ذلك قال المُؤرخ مُطهر: «وكان الفتح المذكور فتحًا عظيمًا، انتظمت به أحوال قضاء الحجرية، وهابه البعيد والقريب، وتحدثت به الركبان، وأذهل من في قلوبهم مرض ضعف الإيمان، وارتاع له من في عدن من عبدة الصلبان، وقوي به الحق، وانهد به ركن الباطل وانشق».
وقال الشاعر عبدالوهاب بن أحمد في ذلك مهنئًا الأمير علي الوزير:
نـُهني جمـــــال الـــــدين بـــالفتـح إنَّـه
لفتحٌ عظـيـم مُوجب أعظــــــمَ الشكر
نهـضت على اسم الله والله ناظــــرٌ
إليك فنلت الفتــــح بالسيف والقهر
وهذا الشاعر إسماعيل بن أحمد الجماعي قال مادحًا ذات الأمير:
ومــــــــا المقاطرة القصـوى بقــــــاصيةٍ
عـــن باسه بل كساها الذل قُمـصانـــا
وها هـــــي اليوم في أبـــــواب دولتــــه
تعلي الأذان وتشـــكو مُـــــــرَّ مـــا كــانا
من بعــد مــــــا كــــانت الأتراك تاركة
لها وأخلاطـــــها صيــــــــدًا وفُـــــرســــانــــــا
في مجُمل نقده على تلك الدعاية التي حفلت بها أدبيات من أرخوا لتك الفترة من كتاب وشعراء، قال الشاعر عبدالله #البردوني إنَّ هذا الطراز من الشعر الرسمي لا يؤرخ التاريخ من الداخل، ولكنه يجاري دعاية القصر، ولم يكن سوى روائح مناسبات تسترضي الحاكم أو تحاول كسب رضاه، وأنَّه أضعف من أنْ يؤدي دعاية ناجحة، ولو كان الشعب مُغفلًا ما احتاجت تلك السلطة البائدة إلى وفرة الدعاة والدعايات، ولو نجح هؤلاء ما احتاج الإمام يحيى إلى تحريك جندي واحد.
الشاعر البردوني قال أيضًا أنَّ تلك الحرب لا تسمى (فتحًا)؛ لأنَّها وقعت على قطعة من الوطن، ولم يكن تمرد المقاطرة – حد وصفه – إلا دليلًا صارخًا على سوء النظام، وعجزه السياسي، والأهم من ذلك أنَّه اعتبر إخضاع تلك المنطقة هزيمة سياسية لدولة الإمامة
الرحالة عبدالعزيز الثعالبي هو الآخر زار اليمن بعد عامين، ونقل انطباعات مُماثلة، ونقل أيضًا جانبًا من تاريخ المناطق التي مرّ بها، وقال أثناء حديثه عن الحواشب: «وقد مررنا في طريقنا بجبل الضلعة الذي تطاحنت فيه جيوش الإمام بجيوش الحواشب، ولولا انضمام الطائرات الإنجليزية لهذه الأخيرة، لكانت طعمة للإمام، ولبلغت عساكره إلى أطراف #عدن، والشجاعة مهما كانت لا تستطيع أنْ تُكافح وحدها قوة الطائرات، ولما انتصرت الحواشب عاد الجيشان إلى حدودهما، والتزم الإمام بالمكوث داخل حدوده القديمة، وأنْ لا يعتدي في المـُستقبل على أرض الحواشب»
الفقيه الثائر
كغيرها من مَناطق تعز وإب، دخلت الحجرية نفق الإمامة المُظلم، وتَجرعت جَبروت عمالهم، وعسف عساكرهم، وكانت بين الفينة والأخرى تقوم بها بحركات تمردية مُسلحة، لم يتعمق المُؤرخون المعاصرين في ذكر تفاصيلها، باستثناء المُؤرخين الإماميين محمد زبارة، وأحمد الوزير، الذان تفرَّدا في ذكر حكاية ثورية أبطالها رجلان من أبناء #الحجرية، أقدما على قتل مفضل بن أحمد بن مفضل الوزير، أحد أقارب أمير تعز علي بن عبدالله الوزير نوفمبر 1926م، وأتبعاه بعدد من العساكر.
لم يذكر المُؤرخان الإماميان اسم المنطقة التي وقعت فيها تلك الحادثة، في حين أكد الباحث صادق المنيفيى وقوعها في عزلة #قدس، منطقة #الهجمة صبن، وحول الرديع تحديدًا، وزاد على ذلك بأنْ ذكر اسم من قاموا بتلك العملية، وهما: ثابت نعمان العسر، وولده محمد، وخالف هنا ما ذكره الـمؤرخ علي محمد عبده، حيث قال الأخير أنَّهما – أي أولئك البطلين – يُدعيان #دغيش، ومُكرد #الزبيري.
وإكمالًا لذلك لمشهد قال المُؤرخ زبارة: «فجهز الأمير – يقصد ابن الوزير – على تلك الجهة، وكان ضبطهم ضبطًا مُحققًا، إلا من تعدوا بالرماية والقتل للسيد، ففروا إلى #عدن، ولم يتم إلى الآن ضبطهم».
من جهته قال المُؤرخ علي محمد عبده أنَّ عددًا من أبناء المنطقة هربوا بفعل تلك الحملة إلى عدن، ولأهمية شهادته نوردها كما هي: «وبسبب مظالمه – أي مظالم أمير تعز – عمد أبناء قدس إلى قتل العامل المفضل، عندما لم يجدوا من يستمع لشكواهم، وينصفهم منه، فأرسل أمير تعز علي عبدالله الوزير قوة عسكرية كبيرة لمعاقبتهم.. فهربت كثير من الأسر نساءً وأطفالًا وشيوخًا إلى الجنوب، واستقر غالبيتهم في مدينة #الشيخ_عثمان».
وهكذا، وفي ذروة تلك المعاناة، وفي ذات العام، وصل #الفقيه_الثائر حميد الدين بن علي بن عبدالله #المكابري إلى قريته #الخزفار، وصل عائدًا من غربة أخذت 22 عامًا من سنين عمره، توزعت بين #عدن، وجيبوتي، والحبشة، إما عاملًا كأسطى يبني للناس مساكنهم، أو طالبًا للعلم يبني للعقل مداركه، وقد تدرج في الصوفية #الشاذلية حتى وصل إلى أعلى مراتبها.
بدأ الفقيه الخزفار فور وصوله بدوره الإصلاحي، وتوعية الناس بأمور دينهم ودنياهم، تمامًا كما فعل من قبل مُصلح اليمن الكبير الشيخ أحمد بن علوان، الذي تأثر به بطلنا الثائر أعظم تأثير، وابتنى – عام وصوله – لأجل ذلك مسجدًا وزاوية، فيما ظل منزله العامر مفتوحًا للرعية المتخاصمين، الذين ارتضوا به حكمًا دون سواه.
كما عمل الفقيه العائد على استصلاح بعض الأراضي، وتوزيعها على الرعايا المـُعدمين، وعن ذلك كتب عبدالله باذيب قائلًا: «استطاع حميد الدين أنْ يكسب قلوب أهل #المقاطرة، وأنْ يقنعهم بتسليمه ما في حوزتهم من بصائر، وهي حجج ملكية الأرض، فأحرقها، وجعل الأرض ملكية جماعية لهم، يوزع محصولها بينهم بالتساوي، بقدر حاجة كل فرد»، وقد نفى الباحث عبدالعزيز سلطان المنصوب صحة الجزئية الأخيرة من هذا القول، والمُتمثلة بإحراق حجج ملكية أراضي المواطنين.
حين وجد الفقيه الخزفار أنَّ عُمال الإمام يأخذون على القات ضريبتين، تصدى لذلك التصرف الشائن بقوة، وحرض من فوره المـُزارعين على عدم الدَفع، وكتب إلى أمير تعز علي الوزير مُعاتبًا ومُلحًا بـ «أن ضريبة واحدة تكفي».
تحريض، ولكنه أسعد الإماميين، وصارت الفُرصة مواتية للقضاء على هذا الثائر وللأبد، دمروا المسجد والزاوية 1928م، وذلك بعد مُواجهات محدودة أسفرت عن قتل ثلاثة مواطنين، وعسكري واحد، وألزموا الضحايا بدفع دية الأخير، واقتادوا الفقيه #الخزفار صوب مدينة تعز، فيما فرَّ أغلب أقربائه وتلامذته إلى #عدن.
وفي تعز، وجه الأمير علي الوزير بحبس الفقيه الثائر في دار النصر، وفي السجن أثر الفقيه حميد الدين الخزفار في أصحابه الجدد، ليتسلل فكره ومنهجه مع خروجهم الواحد تلو الآخر، مُتجاوزًا جبل #صبر إلى مناطق عديدة، ليخرج بعد خمس سنوات وقد تضاعف مُحبوه، وتكاثر مُريدوه، وجابت شهرته الآفاق.
الطغاة وعلى مدى التاريخ يَعملون على تَحسين صورهم بتقريب الشخصيات الاعتبارية ذات الحضور الشعبي منهم، وتكليفهم بمناصب ظاهرها خدمة الرعية وباطنها اضفاء الشرعية على نظام حكمهم، وقد حاول الأئمة كسب الفقيه حَمِيد الدِين #الخزفار إلى صفهم، وعرضوا عليه بالمراسلة إدارة أوقاف المقاطرة، إلا أنَّه اقتدى بأبي حنيفة النعمان، ورفض
الفقيه الثائر
كغيرها من مَناطق تعز وإب، دخلت الحجرية نفق الإمامة المُظلم، وتَجرعت جَبروت عمالهم، وعسف عساكرهم، وكانت بين الفينة والأخرى تقوم بها بحركات تمردية مُسلحة، لم يتعمق المُؤرخون المعاصرين في ذكر تفاصيلها، باستثناء المُؤرخين الإماميين محمد زبارة، وأحمد الوزير، الذان تفرَّدا في ذكر حكاية ثورية أبطالها رجلان من أبناء #الحجرية، أقدما على قتل مفضل بن أحمد بن مفضل الوزير، أحد أقارب أمير تعز علي بن عبدالله الوزير نوفمبر 1926م، وأتبعاه بعدد من العساكر.
لم يذكر المُؤرخان الإماميان اسم المنطقة التي وقعت فيها تلك الحادثة، في حين أكد الباحث صادق المنيفيى وقوعها في عزلة #قدس، منطقة #الهجمة صبن، وحول الرديع تحديدًا، وزاد على ذلك بأنْ ذكر اسم من قاموا بتلك العملية، وهما: ثابت نعمان العسر، وولده محمد، وخالف هنا ما ذكره الـمؤرخ علي محمد عبده، حيث قال الأخير أنَّهما – أي أولئك البطلين – يُدعيان #دغيش، ومُكرد #الزبيري.
وإكمالًا لذلك لمشهد قال المُؤرخ زبارة: «فجهز الأمير – يقصد ابن الوزير – على تلك الجهة، وكان ضبطهم ضبطًا مُحققًا، إلا من تعدوا بالرماية والقتل للسيد، ففروا إلى #عدن، ولم يتم إلى الآن ضبطهم».
من جهته قال المُؤرخ علي محمد عبده أنَّ عددًا من أبناء المنطقة هربوا بفعل تلك الحملة إلى عدن، ولأهمية شهادته نوردها كما هي: «وبسبب مظالمه – أي مظالم أمير تعز – عمد أبناء قدس إلى قتل العامل المفضل، عندما لم يجدوا من يستمع لشكواهم، وينصفهم منه، فأرسل أمير تعز علي عبدالله الوزير قوة عسكرية كبيرة لمعاقبتهم.. فهربت كثير من الأسر نساءً وأطفالًا وشيوخًا إلى الجنوب، واستقر غالبيتهم في مدينة #الشيخ_عثمان».
وهكذا، وفي ذروة تلك المعاناة، وفي ذات العام، وصل #الفقيه_الثائر حميد الدين بن علي بن عبدالله #المكابري إلى قريته #الخزفار، وصل عائدًا من غربة أخذت 22 عامًا من سنين عمره، توزعت بين #عدن، وجيبوتي، والحبشة، إما عاملًا كأسطى يبني للناس مساكنهم، أو طالبًا للعلم يبني للعقل مداركه، وقد تدرج في الصوفية #الشاذلية حتى وصل إلى أعلى مراتبها.
بدأ الفقيه الخزفار فور وصوله بدوره الإصلاحي، وتوعية الناس بأمور دينهم ودنياهم، تمامًا كما فعل من قبل مُصلح اليمن الكبير الشيخ أحمد بن علوان، الذي تأثر به بطلنا الثائر أعظم تأثير، وابتنى – عام وصوله – لأجل ذلك مسجدًا وزاوية، فيما ظل منزله العامر مفتوحًا للرعية المتخاصمين، الذين ارتضوا به حكمًا دون سواه.
كما عمل الفقيه العائد على استصلاح بعض الأراضي، وتوزيعها على الرعايا المـُعدمين، وعن ذلك كتب عبدالله باذيب قائلًا: «استطاع حميد الدين أنْ يكسب قلوب أهل #المقاطرة، وأنْ يقنعهم بتسليمه ما في حوزتهم من بصائر، وهي حجج ملكية الأرض، فأحرقها، وجعل الأرض ملكية جماعية لهم، يوزع محصولها بينهم بالتساوي، بقدر حاجة كل فرد»، وقد نفى الباحث عبدالعزيز سلطان المنصوب صحة الجزئية الأخيرة من هذا القول، والمُتمثلة بإحراق حجج ملكية أراضي المواطنين.
حين وجد الفقيه الخزفار أنَّ عُمال الإمام يأخذون على القات ضريبتين، تصدى لذلك التصرف الشائن بقوة، وحرض من فوره المـُزارعين على عدم الدَفع، وكتب إلى أمير تعز علي الوزير مُعاتبًا ومُلحًا بـ «أن ضريبة واحدة تكفي».
تحريض، ولكنه أسعد الإماميين، وصارت الفُرصة مواتية للقضاء على هذا الثائر وللأبد، دمروا المسجد والزاوية 1928م، وذلك بعد مُواجهات محدودة أسفرت عن قتل ثلاثة مواطنين، وعسكري واحد، وألزموا الضحايا بدفع دية الأخير، واقتادوا الفقيه #الخزفار صوب مدينة تعز، فيما فرَّ أغلب أقربائه وتلامذته إلى #عدن.
وفي تعز، وجه الأمير علي الوزير بحبس الفقيه الثائر في دار النصر، وفي السجن أثر الفقيه حميد الدين الخزفار في أصحابه الجدد، ليتسلل فكره ومنهجه مع خروجهم الواحد تلو الآخر، مُتجاوزًا جبل #صبر إلى مناطق عديدة، ليخرج بعد خمس سنوات وقد تضاعف مُحبوه، وتكاثر مُريدوه، وجابت شهرته الآفاق.
الطغاة وعلى مدى التاريخ يَعملون على تَحسين صورهم بتقريب الشخصيات الاعتبارية ذات الحضور الشعبي منهم، وتكليفهم بمناصب ظاهرها خدمة الرعية وباطنها اضفاء الشرعية على نظام حكمهم، وقد حاول الأئمة كسب الفقيه حَمِيد الدِين #الخزفار إلى صفهم، وعرضوا عليه بالمراسلة إدارة أوقاف المقاطرة، إلا أنَّه اقتدى بأبي حنيفة النعمان، ورفض